🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

الفلاسفة بل» : العقل «جوهر بسيط» :

قيل : ومرادهم بالبسيط أنه لا يتجزأ لأن الجوهر في اصطلاحهم عبارة عن أمور كثيرة ، ربّما عبروا به عن متحيز وربما عبروا به عن عرض وربما عبروا به عن حال ، ذكره الإمام المهدي عليه‌السلام في الدامغ. قال القرشي : والذي أراده الفلاسفة هو العقل الفعال الذي يؤثر في النفوس المؤثرة في الأجسام بزعمهم الفاسد.

وقال «بعضهم» أي بعض الفلاسفة «بل» العقل «جوهر لطيف» قال الإمام المهدي عليه‌السلام : وكأنّ هؤلاء يجعلونه كالنور لأنهم يجعلون النار لطيفة لمداخلتها الأجزاء من خلف الحوائل وقال «بعض الطبائعية بل» العقل «طبيعة مخصوصة» كأنهم يريدون بالمخصوصة غير الطبائع الأربع أو الخمس التي هي المؤثرة بزعمهم في الحوادث ، والطبائعية : كل من أضاف التأثير إلى الطبع كالفلاسفة والمنجّمة ، وكذلك من زعم أنّ الأعراض الحالّة في الجماد حدثت بطبع الأجسام وأنّ المتولدات حدثت بطبع المحل وهم فرق بعضهم يقول : إن الله محدث (١) ذلك بطبع المحل ، وبعضهم قال : هذا المحل هيّأه الله بهذه الصفة والفعل يرجع إلى طبع المحل كما أنه إذا أقدر زيدا فالفعل لزيد.

وبعضهم : اعتقد قدم الأجسام وأنكر الاختراع ، ثم وجدوا حوادث في الأجسام لم يمكنهم دفعها ، واعتقدوا أنه لا بدّ من أمر ولم يمكنهم إضافتها إلينا فأضافوا ذلك إلى علّة موجبة.

فمنهم من قال : هي الحرارة والرطوبة واليبوسة والبرودة.

ومنهم من قال : النار والهوى والماء والأرض.

ومنهم من زاد خامسا وهو الفضاء الذي تتحرك الأشياء فيه.

ومنهم من قال : الطبيعة الخامسة يختص بها الفلك وغير ذلك.

«لنا» : حجة على مخالفينا «زواله» أي العقل «عند نحو النوم» كالسكر

__________________

(١) في (ض) يحدث

٤١

والإغماء «وعوده» أي عود العقل «عند النقيض» وهو نحو اليقظة كالصحو «فلو كان العقل القلب» كما زعمت المطرفية «أو جوهرا» بسيطا أو لطيفا كما زعمت الفلاسفة «لم يزل» عند نحو النوم لأنّ القلب باق بلا خلاف وكذلك الجوهر على زعمهم باق على حد بقاء الجسم.

«والطبيعة» التي زعمت الطبائعية أنها العقل «إن أرادوا بها العرض فكقولنا» فيكون الخلاف لفظيّا «وإلّا فلا تحقق لها» وما لا يتحقق فهو باطل.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام والمعتزلة ومحلّه» أي العقل «القلب» وقالت «الفلاسفة بل محله الدماغ ، قلنا : لا دليل عليه» أي على محله «إلّا» من السمع نحو «قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ..) الآية» (١) : فدلت على أن القلوب محل العقول ، وقول مخالفينا لا دليل عليه «وقد صح» أي القرآن فيصح الاستدلال به «بما يأتي إن شاء الله تعالى» في كتاب النبوءات من أنّ القرآن كلام الله الذي لا ريب فيه.

«قالوا» أي الفلاسفة «كيّ دماغ متغيّر العقل وصلاحه» أي صلاح العقل «به» أي بالكيّ «دليل كونه فيه» أي في الدماغ.

«قلنا» : في الرد عليهم «له» أي للعقل «من الدماغ مادّة» أي استمداد وإذا (٢) فسد الدماغ بطل الاستمداد «فالكيّ» للدماغ «لإصلاحها» أي المادة «ككيّ باطن العقب» أي عقب القدم «لبعض أوجاع البطن» فإنه علم بالخبرة أنّ كيّ باطن العقب يزول به بعض أوجاع البطن «وكاللّحية فإنّ لها مادة من الذكر» : أي من المذاكير.

قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه‌السلام : إنّ مادتها من الأنثيين ولذلك إنّ من جبّ مذاكيره لم تنبت له لحية ، وإن وقع الجبّ بعد نبات اللّحية تساقطت وضعفت.

«قال جمهور أئمتنا عليهم‌السلام : والعقل معنى غير الضرورية» إذ هو

__________________

(١) الحج (٤٦).

(٢) (ب) فإذا.

٤٢

عرض تعرف به الضرورية وغيرها كما سبق ذكره.

وقال الإمام «المهدي» أحمد بن يحيى «عليه‌السلام ، والمعتزلة بل هو الضرورية» : وهي عندهم مجموع علوم عشرة (١).

قالوا : وسمّيت عقلا تشبيها بالمعنى اللغوي لمّا كانت تمنع صاحبها من ارتكاب القبائح.

قال أولها : العلم بالنفس أي بوجودها وأحوالها من كونه مشتهيا ونافرا وآلما وملتذّا ونحو ذلك.

وثانيها : في القوة والجلاء العلم بالمشاهد عند سلامة الأحوال ، فإنّ هذين العلمين يحصلان للرضيع في مهده ، فهما (٢) أجلى وأقوى مما بعدهما ويتبع العلم بالمشاهدة العلم بأن ما لم يدرك في الحضرة من المدركات فليس موجودا [فيها] (٣) ويتبع ذلك العلم بأنه لو كان في الحضرة [موجودا] (٤) لرآه.

وثالثها : العلم بالبديهة نحو كون العشرة أكثر من الخمسة ونحو ذلك وهو دون الأوّلين في القوة والجلا ، إذ لا يحصل للطفل في مهده ، وهو أقوى مما بعده ، إذ لا يصح حصول ما بعده إلّا بعد حصوله في الغالب.

ورابعها : العلم بحصر القسمة الدائرة كالعلم بأن المعلوم لا يخلو إمّا أن يكون موجودا أو معدوما ، وأن الموجود إمّا قديم أو محدث ويتبع ذلك العلم باستحالة حصول الجسم الواحد في الوقت الواحد في مكانين ونحو ذلك.

وخامسها : في مرتبة القوة والجلاء العلم بتعلق الفعل بفاعله على سبيل الجملة ، فهذا أجلى مما بعده ولهذا تجده ربّما حصل لغير المميز من الأطفال بل للبهيمة فإنها إذا شاهدت من تهدّدها فرّت من جهته لعلمها بتعلق الفعل به

__________________

(١) (أ) وهي عندهم علوم عشرة.

(٢) في (ض) وهما أجلى.

(٣) (أ) ناقص فيها.

(٤) (أ) ناقص : موجودا.

٤٣

ونحو ذلك ، ففيه من القوة والجلاء ما ليس فيما بعده.

وسادسها : العلم بمقاصد المخاطبين فيما جلى (١) وظهر دون ما لطف وغمض ، فهذا العلم أقوى مما بعده وأجلى ، فإنه ربّما فهمه الرضيع والبهيمة عند الزجر والدعاء ، ألا ترى أن كثيرا من البهائم والكلاب إذا دعيت باسمها (٢) أقبلت تهرول ، فلولا علمها أن صاحبها قصد بدعائه إقبالها إليه ما فعلت ذلك ، ونحو ذلك كثير.

وسابعها : الأمور الجليّة قريبة العهد كعلم الإنسان عقيب تعشيه أو تغديه ما كان طعامه وإدامه ، وعلمه عقيب خروج جليسه عنه أنه كان عنده ، وما حاوره به من الجليّات ونحو ذلك.

وثامنها : العلم بالخبريّات كانكسار الزجاج بالحجر ، واحتراق القطن بالنار ، لكن هذا لا يعدّ من كمال العقل إلّا بعد وقوع الاختبار ، ومعرفة استمرار ذلك.

قال ابن متّويه : ويصح فيما يستند إلى الخبرة أن يوجده الله فينا ابتداء أي من دون تقدّم خبرة كما أوجده في عيسى عليه‌السلام وهو في المهد.

وتاسعها : العلم بقبح القبيح ووجوب الواجب العقليين كالظلم والكذب والعبث وقضاء الدين ورد الوديعة وشكر المنعم ، فمن لم يعرف قبح هذه القبائح ، ووجوب هذه الواجبات فليس بعاقل قال الإمام المهدي عليه‌السلام : وفي كون هذا التاسع آخر علوم العقل خلاف بين الشيوخ.

وعاشرها : عند أبي علي : العلم بمخبر الخبر المتواتر فإنه عنده من جملة علوم العقل لا يتم عقل عاقل من دونه.

وعند أبي هاشم : ليس من علوم العقل إلّا بعد التكليف بالسمع لأن بعد وروده علينا تكاليف تعلق بالأخبار المتواترة ، فلا يتم التكليف إلّا لمن يفيده التواتر العلم ، ومن لا فلا تكليف عليه كناقص علوم العقل ، فأما قبل

__________________

(١) (ب) تجلّى.

(٢) في نسخة (ب) بأسمائها.

٤٤

ورود السمع فلا يحتاج إليه في كمال العقل لصحة كمال العقل من دونه بمعرفة الواجب والقبيح العقليين انتهى ما ذكره الإمام المهدي عليه‌السلام في الدامغ.

«قلنا» ردّا عليهم «لو كان» العقل «هو الضرورية» التي ذكرتموها «لكان من لم يخطرها دفعة» أي في وقت واحد «في قلبه أو لم يخطرها» أي يجعلها خاطرة «بباله» أي في فكره كذلك «عند اشتغاله بنحو نظر» أي تفكر في شيء من المسائل «أو» اشتغاله «بنحو تصوّر بعضها غير عاقل» لعدم حضورها أو خطورها معا بقلبه «وذلك معلوم البطلان» عند كل من عقل فلا يتم حينئذ (١) لأحد عقل أصلا.

«قالوا» أي المعتزلة «لو كان» العقل «غيرها» أي غير الضرورية «لصحّ وجودها» أي الضرورية «مع عدمه» أي عدم العقل «وعدمها» أي الضرورية «مع وجوده» أي وجود العقل لتغايرهما. «قلنا : لا يلزم صحة وجودها مع عدمه إذ هي إدراك مخصوص» أي نوع من الإدراكات تدرك بضرورة العقل وهو «لا يحصل إلّا به» : أي بالعقل وذلك «كالمشاهدة» للمرئي «فهي إدراك مخصوص لا يحصل إلّا بمعنى ركبه الله سبحانه في الحدق» (٢) : أي في سواد العيون المبصرة وهو عرض «كما يأتي إن شاء الله تعالى» في فصل والله سميع بصير ، وذلك كالسمع والشم واللّمس والذوق فإنها أعراض ركبها الله تعالى في الحواس للإدراك ، ومحسوساتها مسموع ومبصر ومشموم وملموس ومذوق ، وهي أجسام وأعراض.

فالأعراض : الأصوات والألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة والآلام.

والأجسام : محالّ هذه الأعراض وهي المصوّت والمبصر والمطعوم والمشموم والملموس ، وجميع هذه الحواس مؤدية إلى القلب «وأمّا ذهابها» أي الضرورية «غالبا» أي في أغلب الأحوال «عند نحو التفكر» في أيّ شيء من

__________________

(١) في نسخة (ب) فلا يتم لأحد حينئذ.

(٢) (ب) في الحدقة.

٤٥

أمور الدين أو الدنيا أو السهو أو الذهول «مع بقائه» أي مع بقاء العقل «فملتزم» أي نحن نلتزمه وهو «غير قادح» علينا فيما ذكرنا أن العقل عرض «كذهاب المشاهدة» أي ذهاب إدراك الشيء المرئي «عند غيبوبة المشاهد» أي المرئي «مع بقاء المعنى» الذي يدرك به «في الحدق» وكذهاب الشم عند غيبوبة المشموم ونحو ذلك لأنّ هذا ليس من قبيل العلّة والمعلول كما زعموه في العلل العقلية.

فإن قيل : إذا ثبت أنّ العقل غير الضرورية وأنه عرض حالّ في القلب كما سيأتي فما آية تمامه وكونه حجة على الإنسان لأنه لا خلاف أن الأطفال لا تتم عقولهم في المهد؟

الجواب والله الموفق : أنّ آية تمامه في الإنسان معرفة استحسان الحسن واستقباح القبيح ، فمتى عرف الإنسان ذلك تمت حجة الله عليه في العقليات ، لأنّ ذلك هو المقصود من فطرة العقل ، والأغلب أن ذلك يكون وقت بلوغ الإنسان كما أشار إليه الإمام القاسم بن علي العياني عليه‌السلام وغيره.

(فصل)

في التحسين والتقبيح العقليّين

هذه المسألة أصل مسائل العدل وهي قاعدة الخلاف بيننا وبين المجبرة.

فإذا وافقونا فيها لزمهم الوفاق في جميع مسائل العدل ، ولهذا ترى المجبرة في هذه (١) المسألة ينكرون الضرورة لئلّا تنخرم قاعدتهم ، قالوا : وكيف يكون للعقل مجال وقد ظهر أن العبد غير مختار في فعله ولا مستبد بتحصيله ، وسيأتي الرد عليهم إن شاء الله تعالى.

«و» اعلم «أنه يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح» أي يدركهما العقل بالاستقلال «باعتبارين» أي بالنظر إلى جهتين «اتّفاقا» أي بيننا وبين الأشعرية وغيرهم.

__________________

(١) (أ) ناقص في هذه المسألة.

٤٦

الأول منهما «بمعنى ملائمته» ١ أي موافقة ذلك الشيء «للطبع» أي طبع الإنسان «كالملاذ» أي كلما يلتذ به العاقل من مطعوم وغيره ، فإن العقل يحكم بحسن الملاذ أي ميل الطباع إليها لا غير «ومنافرته» أي منافرة ذلك الشيء «له» أي للطبع «كالآلام» والصور المستكرهة فإن الطبع ينفر عنها بضرورته ، فيقال : إن الآلام قبيحة أي منافرة للطباع لا غير ، والملاذ حسنة أي ملائمة لها لا غير ، وهذا في الحقيقة ليس منسوبا إلى العقل لأنّ البهائم تدركه «و» الثاني «بمعنى كونه» أي كون ذلك الشيء «صفة كمال كالعلم» ومكارم الأخلاق فإن العقل يدرك كونه حسنا أي صفة كمال فيمن تحلّى به اتّفاقا «وكونه» أي ذلك الشيء «صفته نقص» فيمن اتّسم به «كالجهل» والكذب فإن العقل يدرك كون ذلك قبيحا أي صفة نقص فيمن اتّسم بها اتّفاقا.

ولا يدرك العقل عندهم أن العلم حسن بمعنى أنه يتعلق به مدح وثواب ولا أنّ الجهل قبيح بمعنى أنه يتعلق به ذم وعقاب.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام وصفوة الشيعة» أي الزيدية من الشيعة «والمعتزلة» جميعا «والحنفية والحنابلة» أي المنتسبون (١) إلى مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل «وبعض الأشعرية» ولعلهم الغزالي وابن الخطيب الرازي والجويني ومن وافقهم حيث قالوا : إن العلم بقبح المقبّحات ، وحسن المحسّنات ووجوب الواجبات ليس حاصلا بفطرة العقل وغريزته ، بل مستند هذه الأحكام والقضايا عندهم الشهرة فيما بين العقلاء ، والمعنى أن هذه القضايا متى تكررت على السمع في مبتدأ الصّبا واتّفق عليها أهل البلدان لإصلاح معايشهم انغرست في أفهامهم هذه القضايا وسارعت النفوس إلى قبولها والتصديق بها لأجل الألف والعادة من الآباء والأكابر في حال الصغر إلى آخر ما ذكروه.

والأشعرية : منسوبون إلى مذهب أبي الحسن الأشعري وهو علي بن أبي بشر بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، كذا ذكره ابن خلكان.

__________________

(١) (ب) المنتسبون بحذف أي.

٤٧

وهو أول من أظهر القول : بأن الله يكلف ما لا يطاق ، وأنه تعالى يرضى الكفر ويحبه وأن عذاب الأنبياء وثواب الكفار يحسن منه تعالى وغير ذلك من الأقوال الباطلة.

فقال هؤلاء «و» يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح «باعتبار» ثالث وهو «كونه» أي ذلك الشيء «متعلّقا للمدح» لفاعله «والثواب» له أي الجزاء على فعله «عاجلين» أي في الدنيا وهذا في الحسن «والذم والعقاب» لفاعله «كذلك» أي عاجلين أي في الدنيا وهذا في القبيح لجري الألف والعادة والشهرة بذلك فجاز أن يتعلق به الذم والعقاب أو المدح والثواب فيما بينهم ، في العاجل أي في الدنيا لا في الآجل أي في الآخرة لأنه لا حقيقة له فيتعلق به ثواب أو عقاب من الله تعالى.

قال «أئمتنا عليهم‌السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم :

ويستقل» العقل بإدراك الحسن والقبح «باعتبار» رابع وهو «كونه» أي الشيء «متعلّقا للمدح عاجلا» أي في الدنيا «والثواب آجلا» أي في الآخرة وهذا في الحسن «والذم عاجلا والعقاب آجلا» أي كونه متعلّقا بالذم لفاعله في الدنيا والعقاب له في الآخرة وهذا في القبيح.

وقال «جمهور الأشعرية لا مجال للعقل في» هذين الاعتبارين «الأخيرين» أي حيث يكون متعلّقا للمدح والثواب عاجلين والذم والعقاب كذلك ، وحيث يكون متعلّقا للمدح عاجلا والثواب آجلا ، والذم عاجلا والعقاب آجلا ، قالوا : فلا يدرك العقل فيهما حسنا ولا قبحا «ووافقهم» أي وافق جمهور الأشعرية «أقلهم» أي أقل الأشعرية «و» كذلك وافقهم أيضا «الحنفية والحنابلة في آخرهما» أي فيما كان متعلّقا للثواب آجلا والعقاب آجلا ، فقالوا : كلهم فيه إن العقل لا يدرك فيه حسنا ولا قبحا لما مرّ من قاعدتهم المنهارة ، قال «أئمتنا عليهم‌السلام والمعتزلة وغيرهم و» يستقل العقل بإدراك حسن الشّيء «باعتبار» خامس وهو «كونه غير متعلق لأيّ الأربعة» أي لا كان ملائما للطبع ولا منافرا له ، ولا صفة كمال ولا نقص ، ولا كان متعلّقا للمدح والذم عاجلا والثواب والعقاب عاجلا ، ولا كان متعلّقا للمدح عاجلا والثواب آجلا ، والذم عاجلا والعقاب آجلا ، وذلك كالتمشي في الأرض

٤٨

ونحو ذلك من الأشياء المباحة كالتنفس في الأهوية والتظلل تحت الأشجار غير المملوكة «وهو» أي هذا القسم الخامس «من الحسن» أي مما يحكم العقل بحسنه لأنّ حقيقة الحسن ما لا يتعلق به ذم ولا عقاب ، والقبيح عكسه ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب العدل.

وقال بعض البغدادية وغيرهم بل هو من القبيح لأنّ الأصل في مطلق الأفعال عندهم الحظر ، وسيأتي ذلك في كتاب العدل إن شاء الله تعالى «خلافا للأشعرية» فإنهم قالوا لا يدرك العقل فيه حسنا ولا قبحا لما ذكروه من أن العبد غير مختار في فعله ، وإنما يعلم الحسن والقبيح باعتبار تعلق المدح والثواب والذم والعقاب عندهم بالشرع فقط ، قال صاحب العضد أمّا الحاكم (١) فهو عندنا الشرع دون العقل «لنا» حجة على مخالفينا «في جميع ذلك» الذي قدّمنا ذكره «تصويب العقلاء» مسلمين كانوا أو كفارا «من مدح أو أحسن إلى المحسن ولو تراخى» مدحه وإحسانه بزمان طويل «و» تصويب العقلاء كذلك أيضا «من ذم أو عاقب المسيء ولو تراخى» بزمان طويل أيضا ، وما ذاك إلّا لحكمهم بحسن الفعل الممدوح فاعله عليه والمحسن إلى فاعله بسببه ، وحكمهم بقبح الفعل المذموم فاعله [عليه] والمعاقب فاعله بسببه ، وحكمهم أن فعل الإحسان كالإكرام وفعل الإساءة كالظلم متعلّق للمدح والثواب والذم والعقاب من غير فرق بين العاجل والآجل ، ولو كان بينهما فرق لأنكروا على من عاقب أو أحسن أو ذمّ أو مدح بعد مدّة طويلة أو قصيرة ولكانوا يقولون قد وقع التراخي فليس لك أن تعاقب ولا تكافئ ولا تمدح ولا تجازي وهذا معلوم البطلان ، فإنّا نعلم قطعا أن من لطم غيره أو قتله بغير حق أنه يستحق بسبب ذلك الذم والمعاقبة من غير فرق بين التراخي وغيره ، ومن أحسن إلى غيره أنه يستحق بسببه المدح والمكافأة من غير فرق كذلك.

فإن قالوا : إنّ لطم الغير أو قتله مما يستكره وينافر الطبع فالعقل يدرك قبحه من جهة ذلك ولا نسلم أنه من جهة تعلّق الذم والعقاب به ، وكذلك

__________________

(١) في نسخة (ب) أما الحاكم عندنا فهو الشرع وفي نسخة أمّا الحاكم فهو الشرع عندنا.

٤٩

الإحسان إلى الغير صفة كمال فيدرك العقل حسنه من جهة ذلك لا من جهة تعلّق المدح والمكافأة به (١).

قلنا : يعلم العقلاء بضرورة عقولهم الفرق بين من ذبح صبيّا أو لطمه عدوانا بغير حقّ ، وبين من قتل رجلا أو لطمه قصاصا ، وما ذاك إلّا لعلمهم أن لطم الصبي أو قتله متعلّق للذم والعقاب قطعا وأن هذا التعلّق هو العلة في كون الفعل قبيحا لا غير ، وأن قتل الرجل أو لطمه قصاصا غير متعلّق للذم والعقاب ، وإلّا فما وجه الفرق والفعل واحد ممّا تنفر عنه النفوس والطباع؟

فإن أنكروا هذا الفرق فلا فائدة حينئذ في الكلام معهم لأنه إنكار للضرورة «ولنا حجة» على مخالفينا في الاعتبار الخامس «عدم حكمهم» أي العقلاء «بأيّها» أي الأربعة وهي المدح والثواب والذم والعقاب «في حق من استظل تحت شجرة لا مالك لها أو تناول شربة من ماء غير محاز» أي غير مملوك ، فإن العقلاء يحكمون ببدائه عقولهم أن ذلك ونحوه كالانتفاع بالأحجار والأشجار غير المحازة والتمشي في الأرض : مباح حسن لأنه لا ضرر فيه على أحد. وأما من زعم أن علوم التحسين والتقبيح نظرية وأنكر كونها ضرورية :

فالجواب عليهم : ما ذكره الإمام يحيى عليه‌السلام في الشامل أن الفرق بين ما يعدّ من العلوم النظرية والعلوم الضرورية واضح بيّن ، فإن العاقل يعلم الضرورية من غير اعتناء بنظر ولا إعمال فكرة ، وما كان حاصلا بطريق النظر فإنه لا بدّ فيه من العناية باستحضار مقدماته وترتيبها على وجه صحيح وحراستها عن الغلط ، ونحن نعلم بالضرورة من هذه القضايا أنها حاصلة للعقلاء من غير اعتناء ولا نظر.

وأما من زعم أن هذه القضايا يستند العلم بها إلى الشهرة والألف والعادة فنقول : إن أردتم أنها مستفيضة فيما بين العقلاء وأن أحدا لا ينكرها فهذا معنى قولنا إنها ضرورية.

__________________

(١) قيل إن القائل بهذه المقالة هو أسعد بن علي الزنجاني ونصره الزركشي وصحّحه السيد محمد بن إبراهيم الوزير فليحقق تمت.

٥٠

وإن أردتم أنها ليست علوما حقيقية وأنهم ليسوا على ثقة منها فهو باطل لأنا نقطع بقبح الظلم والكذب والعبث والسّفه والجهل ، وبوجوب القضاء والرّد وشكر النعمة وحسن التفضل والإحسان والجود ، كما نقطع بسائر العلوم البديهية كالعلم بأن العشرة أكثر من الخمسة ، ونعلم أن من خالفنا في هذه القضايا أنه يفرق بضرورة عقله بين من أحسن إليه وبين من أساء وبين الظلم والجور والإهانة والعدل ، ومن أنكر ذلك فهو مكابر منكر للضرورة يلحق بالسوفسطائيّة.

«قالوا» أي الأشعرية ومن وافقهم «لو سلّم على التّنزّل» أي : لو سلّمنا أن العقل يدرك حسن الشيء أو قبحه باعتبار تعلق المدح والثواب والذم والعقاب آجلين على سبيل التّنزّل أي على جهة الجدل لا تسليم رجوع إلى قولكم «لم يسلّم» (١) ذلك «في مسألتين : «الأولى : وجوب شكر المنعم» : وهو الله سبحانه المتفضل بجلائل النّعم ظاهرها وباطنها.

قالوا : لأنه لو وجب عقلا لوجب لفائدة وإلّا كان عبثا وهو قبيح على قاعدتكم ولا فائدة لله تعالى لتعاليه عنها ، ولا للعبد في الدنيا لأنه مشقّة ولا حظّ للنفس فيه ولا في الآخرة إذ لا مجال للعقل في ذلك ، ولأنه معارض باحتمال العقاب على الشكر لأنه تصرف في ملك الغير أو لأنه كالاستهزاء «لأنّ النعم عند الله حقيرة لسعة ملكه فيكون» الشكر الذي أوجبتموه بالعقل «كمن تصدّق عليه الملك بلقمة» أي كشكر من تصدّق عليه الملك من بني آدم الذي قد ملك الأقطار الواسعة والممالك العظيمة بلقمة واحدة ،

«فإذا تحدث» المنعم عليه باللقمة «بالشكر لأجلها» أي لأجل اللقمة «عدّ ساخرا لا شاكرا» للملك على تلك اللقمة.

«المسألة الثانية حكم الأشياء» التي خلقها الله تعالى باعتبار انتفاعنا بها «قبل ورود الشرع» أي قبل بعثة الرسل صلوات الله عليهم بالشرائع «فلا يدرك العقل فيها جهة حسن ولا قبح» قالوا «إذ هو تصرف في ملك الغير بغير إذنه» فيجوّز مطابقة مراده ويجوّز عدمها ، ونسب ابن الحاجب في المنتهى هذه

__________________

(١) (ض) نسلم.

٥١

العلة إلى من يذهب أن الأصل في مطلق الأفعال الحظر ، فيكون التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيحا.

وقال السيد شريف في شرح المواقف ما لفظه : القبيح عندنا ما نهي عنه شرعا نهي تحريم أو تنزيه ، والحسن بخلافه أي ما لم ينه عنه شرعا كالواجب والمندوب ، فإن المباح عند أكثر أصحابنا من قبيل الحسن ، وكفعل الله تعالى فإنه حسن أبدا بالاتفاق انتهى. قلت : يفهم من هذا أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع الحسن لأنه لم ينه عنها ، والأول هو المشهور عن الأشعرية والله أعلم.

«والجواب» عليهم «عن المسألة الأولى» : وهي وجوب شكر المنعم : أن شكر المنعم متقرر وجوبه في العقل ، ولا يصح إسقاطه بوجه ، والفائدة خروج صاحبه من دائرة الكفران وتميّزه بذلك فيعامل معاملة الشاكر لا الكافر لوجوب الفرق بين المعاملتين بضرورة العقل ، وأما القياس على اللقمة «فإن اللقمة» التي تصدّق بها الملك المذكور «حقيرة عندهما» أي عند الملك والمحتاج «و» : عند «السامع» لشكر تلك اللقمة فيكون المتحدث بشكرها ساخرالعلم العقلاء أن الأولى بالملك أن يتصدق بأكثر منها ، وما حمله على ذلك إلّا شدّة البخل المذموم عند العقلاء.

«بخلاف نعم الله سبحانه وتعالى فإنها وإن كانت حقيرة عند الله سبحانه لسعة ملكه» ولغناه سبحانه عنها وعن كل شيء ، «فهي جليلة عند الشاكر والسامع فالمتحدّث بالشكر عليها لا يعدّ ساخرا» بل شاكرا ، فقياس نعم الله سبحانه على اللقمة قياس فاسد وإنما مثال ذلك وإن كان لا قياس لنعم الله سبحانه لأنها لا تحصى ولا أجلّ منها «كمن أعطاه ملك قد ملك الأرض وجبالا من الذهب» أي ذهبا كثيرا كالجبال «بدرة عين» البدرة : عشرة آلاف درهم والعين المال الناض (١) والدينار.

وفي القاموس : البدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار.

__________________

(١) (ب) الناض من الدراهم والدينار.

٥٢

«فإن البدرة عنده» أي عند الملك المعطي «حقيرة و» هي «عندهما» أي المعطى والسامع «جليلة» عظيمة بالنظر إلى حالهما ، فالمتحدث بشكرها لا يعدّ ساخرا عند العقلاء مع أن نعم الله سبحانه تجل وتعظم عن أن تقاس بعطيّة ملك مربوب مملوك ليس له من الملك إلّا ما ملكه الله سبحانه.

«و» أيضا «لو سلّمنا» لهم وفرضنا صحة ما زعموه على استحالته «لزم» منه «أن يجعلوا لله» سبحانه و «تعالى علوا كبيرا صفة نقص حيث أمر أن يسخر به في قوله تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (١) إذ ذلك» : أي الأمر بأن يسخر به «صفة نقص عند العقلاء» يوجب الكفر بالله تعالى «مع أنّ استحقارهم» أي الأشعرية ومن وافقهم «لنعم الله» حيث شبهوها باللقمة «ردّ» منهم «لقوله تعالى» : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) (٢).

«وآتيناهم ملكا عظيما» : فنصّ سبحانه على عظم ما تفضّل به على آل إبراهيم وأنعم به عليهم «و» كذلك «قوله تعالى» مخاطبا لنبيّنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (٣) : فوصف تعالى فضله على نبيئه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالعظم وذلك لا ينافي كونه حقيرا عند الله تعالى كما سبق «ومن ردّ آية» من كتاب الله تعالى «كفر بإجماع الأمة المعلوم» عند العلماء «بل ذلك» أي كفر من ردّ آية «معلوم من الدين ضرورة» لأنه تكذيب لله تعالى ، وقد قال تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ) (٤) «و» الجواب «عن» المسألة «الثانية» وهي : حكم الأشياء التي خلقها الله من الأشجار والأحجار وغير ذلك التي لا يتعلق بتناولها مدح ولا ذم قبل أن يرد الشرع (٥) ببيانها كالتمشي في الأرض وتناول الشربة من ماء غير محاز أن نقول

__________________

(١) الضحى (١١).

(٢) النساء (٥٤).

(٣) النساء (١١٣).

(٤) العنكبوت (٦٨).

(٥) (ض) شرع.

٥٣

«التمكين» أي تمكين المالك وهو الله تعالى «من أملاكه» لنا «مع خلق العقل» فينا «المميّز» لما يؤخذ منها وما يترك «إذن» منه تعالى لنا بالتصرف في أملاكه والأخذ بما علمنا حسنه بالعقل والترك لما علمنا قبحه بالعقل لعلمنا أن الله سبحانه ما خلق الأرض وما عليها إلّا لمصالح المخلوقين وكان ذلك «كالممكّن من أملاكه» أي صار فعل الله سبحانه كفعل الممكّن من الناس أملاكه لغيره بأن بسطها لهم على جهة الإباحة «الناصب للعلامة» البينة «فيما يؤخذ منها» أي من أملاكه «وما يترك» منها وذلك بأن ينصب حاجزا بين الذي أذن في أخذه والذي لم يأذن فيه ، أو أي أمارة يفهمها المباح له ، فيعلم (١) حينئذ قطعا حسن الانتفاع بما نصب عليه قرينة الإباحة ، وقبح الانتفاع بما نصب عليه قرينة المنع من الانتفاع به ، وقد أرشد الله سبحانه إلى ذلك حيث «قال : (فَأَلْهَمَها فُجُورَها): أي كل فحش وقبيح (وَتَقْواها) (٢) أي ما يقيها من السوء ويزلفها من الخير وهو كل حسن وبرّ.

وقوله تعالى : (فَأَلْهَمَها) «أي بما ركّب فيها من العقول» : الهادية إلى الرشاد والذّائدة لمن استعملها عن الضلال «ولم يفصل» تعالى بين إلهام الحسن في ملائمة الطبع وفي صفة الكمال والقبح (٣) في منافرة الطبع وصفة النقص ، وبين إلهام الحسن فيما يتعلق به في الآجل ثواب ، والقبح (٤) فيما يتعلق به في الآجل عقاب.

فإن قالوا : هذا الاحتجاج (٥) بمحل النزاع فإنّا لا نقول إن العقل يميز بين ما يؤخذ وما يترك.

قلنا : هو إنكار للضرورة فلا يضرنا ، ثم قد أكد قولنا الشرع حيث قال تعالى : (فَأَلْهَمَها) والإلهام لا يكون بتصريح الكلام «قالوا» : أي الأشعرية ومن وافقهم من منكري التحسين والتقبيح العقليين «قال تعالى : (وَما كُنَّا

__________________

(١) في (ض) فنعلم.

(٢) الشمس (٨).

(٣) (ض) والقبيح.

(٤) (ض) والقبيح.

(٥) في (ب) احتجاج.

٥٤

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١) فدلت» : هذه الآية «أن لا استحقاق للعقاب» أي لا يستحق المكلفون العقاب «قبل ورود الشرع».

«والجواب والله الموفق أن» هذه «الآية لا تنافي ما ذهبنا إليه» من أن العقل يستقل بإدراك حسن عقاب المسيء ووجوبه قبل ورود الشرع «لأنّ المعنى» فيها «وما كنّا معذبين» أحدا من المكلفين «بعد استحقاقه العذاب بارتكاب القبائح العقلية» : أي التي أدركوا قبحها بعقولهم قبل أن تبلغهم الرسل وإن كانوا قد استحقوا العقاب بل لا بدّ من تأكيد الحجة عليهم بإرسال الرسل لقطع المعذرة كالتعزيز بنبي ثان وثالث «بدليل قوله تعالى» : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) (٢).

«ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم» ارتكبوه «وأهلها غافلون» أي حال غفلتهم عن السمع أي قبل أن تبلغهم الرسل «فأخبر الله تعالى أنهم قد ارتكبوا القبيح الذي هو الظلم وهم غافلون عن السمع حيث لم تبلغهم الرسل» وسمّى ما ارتكبوه من القبائح العقلية ظلما وهي لا تكون ظلما إلّا حيث كانوا قد أدركوا قبحها بعقولهم وأقدموا عليها اتّباعا للهوى ، وتمردا عن الانقياد لحكم العقل.

«فقال تعالى» (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) : يزيح عللهم ويهدم شبههم «لئلّا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل» «بأن يقولوا» أي مرتكبو القبائح العقلية «حصل» لنا «العلم بالاستحقاق» أي استحقاقنا العقاب «ولكن لم نجزم بالوقوع» أي بوقوعه لتجويزهم أن يخفى على الله سبحانه «لعدم معرفتهم لربهم» لإهمالهم طرق النظر في معرفة الله سبحانه ، وذلك «كمن يقتل نفسا عدوانا على غفلة فإنه يعلم أنّ القصاص مستحق عليه» قطعا «ولا يجزم بوقوعه لتجويز أن لا يطلع عليه أحد» فهو يجوّز لأجل

__________________

(١) الإسراء (١٥).

(٢) الأنعام (١٣٠).

٥٥

ذلك أن لا يقتل قصاصا مع علمه أنه يستحق القتل قصاصا «فيقولون لو أنذرنا منذر لأصلحنا» أي لتداركنا ما فرط منّا من القبيح بالإصلاح «بدليل قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ) أي من قبل نزول القرآن (لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) (١) فأخبر تعالى أن إرسال الرسل قطع لمعاذيرهم وإبطال لشبههم وتقرير لحجة العقل وتأكيد لها «ونظيره في الشرعيات» أي نظير الإعذار بإرسال الرسل في العقليات بعد استحقاق العقوبة «عدم جواز قتل المرتد حتى يدعى إلى التوبة» والرجوع إلى الإسلام ، فإن تاب لثلاثة أيّام قبلت منه التوبة وإلّا قتل.

فإن قيل : وهل يجوز انفراد التكليف العقلي عن السمعي فيكون المكلّف مخاطبا بالعقليات دون الشرائع؟

فالجواب : قالت المعتزلة : يصح ذلك فيجوز أن يكون في المكلفين من الأمم الماضية من لم يخاطب بشريعة قط ، وكذا في هذه الأمّة بأن يكمل عقله قبل البلوغ الشرعي.

وقيل : أمّا في هذه الأمة فلا يقع ذلك وإن كان يصح إذ قد جعل الله تعالى البلوغ علامة للتكاليف كلها فيقطع بأن كمال العقل إنما يحصل عنده فقط لا قبله للإجماع ، على أن أولاد عبدة الأوثان حكمهم قبل البلوغ حكم آبائهم مطلقا ، فلو جوزنا إكمال عقولهم قبل البلوغ لجاز كونهم حينئذ مسلمين.

قلت : وهذا غير واضح لأنّ البلوغ الشرعي المراد به تمام العقل والقدرة على الشرعيات ، فمتى قدر على الشرعيات مع تمام عقله صار بالغا مكلفا.

يدل على ذلك : ما رواه في مجموع زيد بن علي عن علي عليهم‌السلام : (إذا بلغ الغلام اثنتي عشرة سنة جرى عليه وله فيما بينه وبين الله تعالى فإذا طلعت العانة وجبت عليه الحدود).

__________________

(١) طه (١٣٤).

٥٦

وما رواه الهادي عليه‌السلام في الأحكام عن النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه الصيام».

وما رواه الأسيوطي في الجامع الكبير عن ابن عباس عن النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : «تجب الصلاة على الغلام إذا عقل والصوم إذا أطاق ، والحدود والشهادة إذا احتلم».

وأما خبر ابن عمر فلا دلالة فيه على ما زعموه من تحديده بخمس عشرة سنة وهذا هو اختيار مؤلف الأساس قدّس الله روحه في الجنة ذكره في الاعتصام.

وقالت الإمامية : لا يصح افتراق (١) التكليف العقلي والسمعي أصلا.

وقال مؤلف الأساس قدّس الله روحه في الجنة حين سألته ما لفظه :

إنّ الله لا يترك عباده أهل الحجا الحجّة عليهم هملا قال تعالى : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) (٢) وأما من سلبهم الله تعالى الحجا الحجّة فهم بهائم انتهى.

قلت : يؤكد هذا القول كثير من آيات القرآن وغيرها ، ولأنّ شكر المنعم واجب عقلا فلا يصح إسقاطه ولا يتم ذلك إلّا بإرسال الرسل لأنهم المنبئون (٣) عن الله تعالى كيفية الشكر والله أعلم.

(فصل)

«وما يدرك بالعقل قد يكون بلا واسطة نظر» أي من دون إعمال فكر ونظر في مقدمات ولوازم «كالضروريات» التي تعرف بصورة العقل وبديهته سواء أدرك بالحواس أو لا (٤) «وقد يكون بواسطة نظر كالاستدلاليّات» كمعرفة

__________________

(١) (ش) افتراق التكليفين.

(٢) فاطر (٢٤).

(٣) في (أ) المبيّنون على الله وفي (ب) المبيّنون عن الله وفي (ش) المنبهون على الله.

(٤) (ض) أم لا.

٥٧

الله تعالى فإنها إنما تدرك بالتفكر في صنعه المحكم.

قالت البغدادية : ومن ذلك العلم بمخبر الأخبار المتواترة فإنها إنّما تعلم بالاستدلال. وقال الجمهور : هو ضروري.

«والإدراك به» أي بالعقل ينقسم إلى قسمين «إن عري عن حكم» أي عن نسبة شيء إلى شيء نفيا كان أو إثباتا «فتصوّر» وسمّي تصوّرا لأنه يعلم به صور الأشياء ومفرداتها ، ومعنى ذلك أنه يحصل في ذهن الإنسان صورة مطابقة لما في الخارج.

قال عليه‌السلام : وهذا فيما يمكن تصوره ، وما (١) لا يمكن تصوره كالعلم بالله تعالى فإنه يسمى إيمانا «وإن لم يعر» الإدراك بالعقل عن النسبة «فتصديق» أي يسمّى تصديقا لصحة دخول التصديق في الخبر المطابق له ، وكل واحد من التصور والتصديق ضروري ومكتسب فالضروري منهما هو الاعتقاد الذي لا يقف على اختيار المختص به مع سكون النفس إليه.

وهو ينقسم إلى : ما يحصل فينا مبتدأ كالعلم بأحوال أنفسنا من كوننا مريدين وكارهين ونحو ذلك.

وإلى ما يحصل فينا عن طريق كالعلم بالمدركات فإن الإدراك طريق إليه والمكتسب ما يقف على اختياره كذلك أي مع سكون النفس إليه مثال الضروري من التصور : العلم بزيد ونحوه مما لا يحتاج إلى تحديد ومن التصديق العلم بأن الكل أكثر من الجزء وأن الظلم قبيح والعدل حسن وشكر المنعم (٢).

ومثال المكتسب من التصور : العلم بصورة شيء من المخلوقات لا يعلم (٣) إلّا بالحد ، ومن التصديق العلم بأن العالم محدث ونحو ذلك.

ولا بدّ أن ينتهي الاكتساب إلى ضرورة في طرفي التصور والتصديق

__________________

(١) (ض) لا فيما لا يمكن.

(٢) (ض) وشكر المنعم واجب.

(٣) (ض) التي لا تعلم.

٥٨

وإلّا لم تنقطع المطالبة بما في التصورات (١) وبلم في التصديقات بل كان يحتاج كل حدّ إلى حدّ وكل دليل إلى دليل كذا ذكره القرشي في منهاجه.

«والتصديق» ينقسم إلى قسمين «جازم» وهو ما حصل القطع بوقوعه «وغير جازم» وهو بخلافه «فالجازم مع المطابقة» للواقع في الأمر نفسه «وسكون الخاطر» من الشك والارتياب «علم» أي يسمّى علما فعلى هذا العلم نوع من الاعتقاد مخصوص وبعض من أبعاضه ، وعند بعضهم هو جنس مستقل «و» الجازم «مع عدمهما» أي عدم المطابقة وسكون الخاطر أو مع عدم الأول وهو المطابقة أي لم يطابق مع سكون الخاطر «اعتقاد فاسد» أي يسمّى اعتقادا فاسدا «و» هو أيضا «جهل مركب» أي ويسمّى جهلا مركّبا وهو تصوّر الشيء أو تصديقه على خلاف ما هو عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

«ومع عدم الثاني» أي عدم سكون الخاطر مع أنه قد طابق الواقع «اعتقاد صحيح» أي يسمّى اعتقادا صحيحا «و» التصديق «غير الجازم إن كان راجحا» أي اعتقادا راجحا على خلافه بأمارة «فظنّ» أي يسمّى ظنّا «وإن كان مرجوحا» وكان خلافه الراجح «فوهم» أي فيسمّى وهما لا حقيقة له «وإن استوى» فيه «الحال» ولم يترجح أحد الجانبين «فشك» أي يسمّى شكّا «والأول» أي الراجح الذي هو الظنّ «إن طابق» الواقع «فصحيح» أي يسمّى ظنّا صحيحا «والّا يطابق» الواقع «ففاسد» أي يسمّى ظنّا فاسدا «وقد يطلق الوهم على الغلط» فيقال : وهمت في كذا أي غلطت «و» قد يطلق أيضا «على الشك» فيقال : وهمت في كذا أي شككت فيه «والتّوهّم» في اللغة «التصور» للشيء «صوابا كان» ذلك التصور بأن يطابق الواقع «أم خطأ» بأن يخالفه.

«قال الشاعر» وهو ذو الرّمة :

فما شنّتا خرقاء واهية الكلى

سقى بهما ساق ولما تبلّلا

«بأضيع من عينيك للدمع كلّما

تذكّرت ربعا أو توهّمت منزلا»

أراد أو تصورت منزلا الشّنّ القربة الخلق ، والشنة أيضا كأنها صغيرة

__________________

(١) (ب) بما في التصوريات وبلم في التصديقيات.

٥٩

والخرق بالتحريك الدّهش من الخوف والحياء ، والخرق أيضا ضد الرّفق وفي المثل : (لا تعدم الخرقاء علّة) معناه أن العلل كثيرة موجودة تحسنها الخرقاء فضلا عن الكيّس ، والخرقاء من الغنم التي في أذنها خرق مستدير ، والكلى جمع كلية ، والكلية معروفة ، والكلية أيضا جليدة مستديرة تحت عروة المزادة تخرز مع (١) الأديم ، والكلية من القوس ما بين الأبهر والكبد وهما كليتان ، والكليتان ما عن يمين نصل السهم وشماله ، وكلية السحاب أسفله ذكر هذا في الصحاح. «وقد يطلق» التّوهّم «على الظن» يقال (٢) : توهمت كذا أي ظننته «والجهل» نوعان «مفرد ومركب فا» الأول (٣) «المفرد» وهو «انتفاء العلم بالشيء» فلا يتصوّر ولا يخطر ببال «و» الثاني «المركب» وهو «تصوّر المعلوم» على خلاف ما هو عليه «أو تصديقه» أي المعلوم «على خلاف ما هو عليه» وقد عرف ما هو التصديق والتصور.

«و» حقيقة «السهو» هو «الذهول» أي الغفلة «عن المعلوم» أي عن الشيء الذي كنت تعلمه.

(فصل)

«والنّظر مشترك بين معان» :

منها نظر العين الجارحة ، ونظر الرحمة ، ونظر المقابلة ، والنظر بمعنى الانتظار ، يقال: أنظرني أي انتظرني ، والنظر بمعنى الفكر هكذا ذكروه.

وعندي : أنّ نظر الرحمة والمقابلة مجاز وليس بحقيقة.

وأما النظر بمعنى الانتظار فيدل عليه قوله تعالى : (وَقُولُوا انْظُرْنا) (٤) وقوله تعالى : (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) (٥).

__________________

(١) ليقوى تمت.

(٢) في نسخة (ب) فيقال.

(٣) (ث) فالأول هو المفرد.

(٤) البقرة (١٠٤).

(٥) الحديد (١٣).

٦٠