🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

الجزء الأول

كتاب عدة الأكياس في شرح معاني الأساس

للإمام العلامة

شمس الإسلام وحافظ علوم آبائه المطهرين الكرام

أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي القاسمي

بل الله بوابل الرحمة والرضوان ثراه

وجزاه عن المسلمين وكافاه

وأعاد من بركاته

آمين آمين

مراجعة وتصحيح حسن بن يحيى اليوسفي

٢١
٢٢

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الأول بلا ابتداء ، والآخر بلا انتهاء ، الذي دلّ على ذاته بما أظهر من بدائع (١) حكمته ، وعلى ربوبيّته بما بهر لذوي العقول من أعلام قدرته ، وعلى أن لا إله غيره بما أتقن من تدبير بريّته وعلى أن لا شبيه له بما ركز في العقول من أن كل مصنوع لا يشبه صانعه في شيء من ذاتيّته.

أحمده على ما منّ به علينا من أنوار هدايته ، ومنحنا من الفوز بنيل ما يجب له تعالى من حق معرفته.

وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة من طابق بها لسانه مكنون طويته ، وثلج بها برد اليقين صدره من حقائق وحدانيته ، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله إلى جميع إنسه وجنّته ، وخيرته المصطفى من عدنان ، المفضّل بمحامد الخلال على جميع خليقته.

وأشهد أن أخاه وابن عمه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد الوصيين وخليفته من بعده في أمّته.

وأن ولديه السيدين الزكيين الطاهرين الحسن والحسين خالص ذريته وأنهما الإمامان بعد أبيهما وسيّدا شباب أهل الجنة بصريح نص سنّته ، وأن

__________________

(١) (ب) من عجايب.

٢٣

أمّهما الزهراء البتول سيّدة نساء العالمين ، وخامسة أهل الكساء المطهرين ، وأم عصبته وعترته.

والصلاة والسلام على سيّدنا محمد خاتم النّبيين ، وعلى آله المنتجبين وأصحابه الراشدين ، وتابعيهم وتابعي التابعين في الهدى والتقوى من أهل ملته.

أما بعد : فهذا كتاب لطيف حجمه ، عظيم إن شاء الله تعالى نفعه وقدره ، اختصرته من كتاب شفاء صدور الناس ، في شرح معاني الأساس ، تقريبا لتناوله للطالبين ، وتسهيلا لحفظ مهماته للراغبين.

مع أني قد أتيت فيه بالأكثر من فوائده ، والأهم من مبانيه وقواعده غير أني اختصرت كلام الأئمة عليهم‌السلام بمعناه في الأغلب ، واعتمدت فيه ما هو الأقدم والأوجب ، وسميته عدّة الأكياس ، إذ هو الصفوة من (١) معرفة الله سبحانه وتعالى وتنزيهه ، وهي كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جميع العلوم : الرأس والأساس.

وأنا أسأل الله العظيم أن يتغمدني بعفوه ورحمته ، وأن ينيلني بالجزيل من عطاياه ومثوبته ، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم وحياة لدينه القويم ، إنه المنّان الجسيم ، والغافر العظيم ، والرحمن الرحيم ، وبه أستعين ، وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل.

قال الإمام المنصور بالله : القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد بن أحمد بن الأمير الحسين بن علي بن يحيى بن محمد بن يوسف الأصغر الملقب بالأشل ابن الداعي إلى الله القاسم ابن الداعي إلى الله تعالى يوسف ابن الإمام المنصور بالله يحيى ابن الإمام الناصر لدين الله أحمد ابن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن الإمام نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن الرّضا بن الحسن السّبط بن أمير المؤمنين وسيّد الوصيين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.

__________________

(١) (ض) في.

٢٤

«بسم الله الرحمن الرحيم» بدأ عليه‌السلام بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز ، وعملا بروايات أحاديث (١) الابتداء كلها حيث أردف البسملة بالحمد لله.

ففي رواية : «كل أمر لم يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع».

وفي رواية : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم».

وفي رواية : «كل أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر».

ولفظ الله اسم للباري تعالى مختص به بإزاء مدح كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

والرحمن الرحيم : صفتان له جل وعلا مجازيّتان أو حقيقيّتان دينيّتان على ما اختارهعليه‌السلام.

«الحمد لله» أي جميع الحمد لله تعالى ، أي لا يستحق الحمد الحقيقي إلّا الله تعالى ، والحمد هو الثناء الحسن والوصف الجميل على الفواضل والفضائل مطلقا ، وقيل : الفضائل الاختيارية ، لا نحو تمام الشكل وحسن الوجه ، ولا يكون إلّا قولا باللّسان. والشكر لا يكون إلّا على الفواضل وهي النعم ويكون بالجنان واللّسان والأركان. والمدح كالحمد إلّا أنه يكون على الفواضل والفضائل وهي صفات الكمال اتفاقا ، والمتّبع في ذلك استقراء اللغة.

وقال صاحب الكشاف (٢) : فإن قلت : فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه وذلك فعل الله تعالى وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود ، قلت : الذي سوّغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرّوي ووسامة المنظر في الغالب تسفر عن مخبر رضيّ وأخلاق محمودة.

ومن ثمّ قالوا : أحسن ما في الدميم وجهه ، فلم يجعلوه من صفات

__________________

(١) في (أ) حديث.

(٢) في نسخة (ب) قوله وقال صاحب الكشاف (فإن قلت فإن العرب إلخ هذا القول والفنقلة والجواب غير موجود في نسخة المؤلف رحمه‌الله تعالى).

٢٥

المدح لذاته ولكن لدلالته على غيره ، على أن من محققي النّقّاد وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك ، وخطّأ المادح به ، وقصر المدح على النعت بأمهات الخير وهي : الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة وما تشعب منها ويرجع إليها ، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطا ومخالفة عن المعقول. انتهى.

«الذي فلق إصباح العقول في قلوب أعلام بريته» : الفلق بسكون اللام الشق والنشر ، والإصباح الإضاءة واسم الصبح أيضا ، وهو نور الفجر ، والأعلام في الأصل : الجبال المرتفعة ، والمراد العلماء شبّه توفيق الله العلماء وهدايتهم لإصابة الحق من معرفته تعالى وغيرها من سائر المعارف بسبب زيادة في العقل بعد الجهل المشبه بالظلمة فالتشبيه في الحقيقة راجع إلى زيادة العقل بالنور المشقوق المنتشر الحاصل بعد ظلمة الليل ، وأتى بما يلائمه من الفلق والإصباح للدلالة على التشبيه المضمر في النفس ، ويسمّى (١) لفظ العقول استعارة بالكناية لأنه كنّى بها عن الأنوار ، ولفظ فلق وإصباح استعارة تخييلية لأنه لما شبّه العقول بالأنوار أخذ في التخيل لما يلازمها من النشر والإضاءة وغير ذلك فلهذا سميت استعارة تخييلية والاستعارة بالكناية لازمة للاستعارة التخييلية لأنها قرينتها ، ويسمّى لفظ فلق أيضا استعارة تبعية ، لأن الاستعارة في الفعل وشبهه كاسم الفاعل وسائر الصفات وفي الحرف تابعة للاستعارة في المصدر وفي معنى الحرف ، وهذا عند بعضهم ، وبعضهم يقول الاستعارة بالكناية إنما هو تشبيه العقول بالأنوار والاستعارة التخييلية إنما هو إثبات الفلق والنشر والإضاءة لها ويجوز أن يكون لفظ العقول باقيا على معناه الحقيقي.

ويراد بالإصباح : العلم بالله تعالى وغيره من سائر المعارف على طريق الاستعارة المصرّحة ، لأن تشبيه العلم والإيمان بالنور شائع كثير قال الله تعالى : (وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً) (٢) ويكون لفظ فلق ترشيحا للاستعارة ، وأضيف الإصباح إلى العقول لأنّ العلم يحصل بسببها والاستعارة المصرّحة أبلغ الاستعارات ،

__________________

(١) وسمى.

(٢) الشورى (٥٢).

٢٦

قالوا : لما فيها من تناسي التشبيه وادّعاء كون المشبّه عين المشبه به حيث أثبت له ما هو من خواص المشبه به ولوازمه حتى كأنّ الإصباح والظلمة فيما نحن بصدده موجودان في القلوب تحقيقا.

«فأشعلها سبحانه بمصابيح الأنوار» : أي أمدّها بزيادة الهدى والتنوير كما قال تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) (١).

«القاشعة لسدول الحنادس عن نهج حق معرفته» : أي الكاشفة لما أرخت الظلم من كثيفات مسوحها أي ثيابها السود الغليظة ، أي قشعتها عن طريق حق معرفته تعالى ، أي عمّا يجب علينا من معرفته تعالى لأنّ الخلق لا يحيطون به علما ، والسدول : جمع سديل وهو ما أرخي على الهودج من الثياب ، والمراد هنا الثياب السود والحنادس : جمع حندس وهو الليل الشديد الظلمة ، شبه الجهل بالأشياء الكثيفة السود (٢) التي يتخذ منها الحجاب المانع عن إدراك ما حجبته على طريق الاستعارة المصرحة وشبهها بالليل الشديد الظلمة على طريق الاستعارة بالكناية ، فأثبت لها السدول التي هي الأستار ترشيحا ، [وأضاف السدول إلى الحنادس تخييلا استعارة أخرى أيضا على طريق الكناية أيضا] (٣) ، ونظيره في الجمع بين الاستعارتين : قوله تعالى : (فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) (٤).

قال التفتازاني : والذي يلوح من كلام القوم في هذه الآية : أن في لباس الجوع استعارتين إحداهما تصريحيّة وهو أنه شبه ما غشي الإنسان عند الجوع والخوف من بعض الحوادث باللباس لاشتماله على اللّابس ثم أستعير له اللباس ، والأخرى مكنيّة وهو أنه شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع حتى أوقع عليه الإذاقة. انتهى. وشبه صنع الله العجيب الذي هو الدليل عليه تعالى بالنهج الذي هو الطريق الواضح بجامع الإيصال إلى المطلوب ، فاستعير له لفظ النهج استعارة تصريحية وقرن بما يلائم

__________________

(١) محمد (١٧).

(٢) في (أ) ناقص : السود.

(٣) «أ» ناقص : من وأضاف السدول إلى أيضا.

(٤) النحل (١١٢).

٢٧

المشبه به ترشيحا وهو قوله : «فسلكته خواطر الأفكار» : أي الخواطر التي هي الأفكار فالإضافة فيه للبيان لأنّ الفكر ما خطر بالبال ، وإنما كان ذلك ترشيحا لأن السلوك هو المرور مما يلائم المستعار منه وهو الطريق.

ولفظ : فسلكته إن أريد تشبيه الخواطر بالشخوص السالكة على جهة الاستعارة بالكناية فهو استعارة تخييلية ، وإن أريد تشبيه التفكر في الصنع بالسلوك في الطريق بجامع الإيصال إلى المطلوب فهو استعارة تصريحية تبعية ، لأن الاستعارة في الفعل وشبهه كاسم الفاعل وسائر الصفات وفي الحرف (١) تابعة للاستعارة في المصدر وفي معنى الحرف والله أعلم.

«تؤمّ إشراق شموس البديع من عجيب صنعته» : أي تقصد بالتفكر إلى مصنوعه الذي هو مثل الشمس في وضوح دلالته على الباري وعلى حكمته جلّ وعلا ، وهو تشبيه مؤكد ، أي بدائع كالشموس في الهداية والدلالة على المراد والله أعلم.

«فوافتها» : أي وافت خواطر الأفكار صنعته العجيبة أي وجدتها «ناطقة بلسان تطريزها المحكم» : التطريز الأعلام ، يقال : طرّز الثوب تطريزا أي أعلمه أي جعل فيه العلم ، والمحكم المتقن الممنوع (٢) من الفساد ، والمعنى : أن تلك الأفكار لما سلكت ذلك النهج الذي كشفت غياهبه لها الأنوار وافت دقائق المصنوعات دالة أوضح دلالة بما أودع فيها من العلامات الشاهدة باعترافها بموجودها وحكمته ، وهو الله سبحانه وتعالى ، شبّه دقائق المصنوعات بالعلم في الثوب الذي له صورة مخصوصة مخالفة لسائر أجزاء الثوب ، وفيه مزيد تأنّق وعناية ، إذ لا يقال الطراز في العرف إلّا لذلك على طريق الاستعارة المصرحة ، وشبّه ذلك الطراز بإنسان متكلم على طريق الاستعارة بالكناية ، فأثبت له اللسان الذي به قوامها.

وقوله ناطقة : ترشيح باق على معناه اللغوي والله أعلم.

«إنه» أي الله سبحانه «المنشئ لها» : أي الذي جعلها شيئا وأوجدها

__________________

(١) (ض) وفي الحروف.

(٢) في (أ) ناقص : الممنوع.

٢٨

من بعد العدم المحض «بتقدير قدرته»: أي بإحكامه تعالى وتقديره جلّ وعلا لجميع خلقه على قانون الحكمة.

«والصلوات والسلام على محمد النبيء المختار لتبليغ الرسالة» : الصلاة من الله معظم الرحمة أي معظم رحمة الله ، والسلام السلامة من كل شر (١) وهو في معنى الدعاء أي اللهم صلّ وسلم «إلى الثقلين»: وهما الجن والإنس ، وأصل الثقل لكل نفيس خطير تسمّى به الجن والإنس لأنهما فضّلا بالتمييز والعقل على سائر الحيوان ، أو لما حملا من ثقل التكاليف «لاستيداء»: أي : لطلب أداء المكلفين «شكر نعمته» : وذلك بالامتثال لأوامره جل وعلا والانتهاء عن مناهيه ، وفيه إشارة إلى أن وجه وجوب الواجب الشرعي كونه شكرا لله تعالى كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

«و» الصلاة والسلام «على أخيه ووصيّه» وهو علي عليه‌السلام لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخى بين كل متناسبين من أصحابه وجعل عليّا أخاه لمّا لم يكن له مناسب غيره ، وهو وصيّه أيضا وعليه إجماع العترة عليهم‌السلام وشيعتهم رضي الله عنهم.

وفي الأخوة والوصاية روايات كثيرة ليس هذا موضع ذكرها «وباب مدينة علمه»: أي مدينة علم النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» شبّه علم النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرته وتشعب فنونه بالمحسوسات المختلفة الكثيرة التي لا توجد مجتمعة إلّا في مدينة على طريق الاستعارة بالكناية ، فأثبت له المدينة استعارة تخييلية ، ثم رشح تلك الاستعارة بذكر الباب الذي لا بدّ للمدينة منه ، والإضافة في علمه لتعظيم شأن المضاف وإضافة الجنس هاهنا تفيد الحصر ، أي لا باب لمدينة علم النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلّا عليّعليه‌السلام «المنزّل» من النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم «منزلة هارون من موسى» : في جميع ما لهارون من موسى عليه‌السلام «إلّا النّبوّة»: فهي مستثناة من منازل هارون ، وهذا إشارة إلى حديث المنزلة وهو

__________________

(١) في (أ) من كل شيء.

٢٩

قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعليّ عليه‌السلام : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيء بعدي».

وقوله «عهده وبعده» : أي هو منزل منزلة هارون من موسى في وقت النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد موته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلّا النبوّة ، وليس المراد أنه لم يكن علي عليه‌السلام نبيئا لا في وقت النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا بعده ، لأنّ ذلك مما لا ينبغي الإخبار به لكونه معلوما بضرورة الشرع.

ويدل على ذلك : أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يستخلف عليّا عليه‌السلام فيما لا يصلح له إلّا هو ، وأنه لم يؤمّر عليه أحدا في حياته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وحديث المنزلة هذا قال الحاكم أبو القاسم الحسكاني : كان شيخنا أبو حازم الحافظ يقول : خرجته بخمسة آلاف إسناد.

وقوله «في أمّته» : متعلق بقوله المنزل ، أي المنزل في أمته عهده وبعده منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم منزلة هارون من موسى إلّا النبوّة.

«و» الصلاة والسلام «على سيّدة النّساء» : وهي فاطمة عليها‌السلام لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لها : «مريم سيدة نساء عالمها ، وأنت سيدة نساء العالمين».

«وخامسة أهل (١) الكساء» : إشارة إلى حديث الكساء المشهور وسيأتي إن شاء الله تعالى لأنّ النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم أدخلها وعليّا والحسنين معه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحت الكساء وقال : «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».

«و» الصلاة والسلام «على ولديهما» : أي ولدي علي وفاطمة عليهما‌السلام «السيدين» لقول النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة».

__________________

(١) (أ) أصحاب الكساء.

٣٠

«الإمامين» لقول النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما».

«الشهيدين» : لأنّ الحسن عليه‌السلام سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس على يدي معاوية بن أبي سفيان ، والحسين عليه‌السلام قتيل الأشقياء بكربلاء.

«و» الصلاة والسلام «على سائر الطيبين من عترته» : أي عترة النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم أولاده ، لأن العترة في لغة العرب أولاد الرجل.

قال في الصحاح : عترة الرجل : نسله ورهطه الأدنون.

وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلّا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما» وهذا الخبر متواتر«و» الصلاة والسلام «على أتباعهم»: أي أتباع من تقدم ذكره في أمر الدين «الراشدين» : أي الذين رشدوا في اتباعهم ولم يضلوا عن سبيلهم «من الصحابة» أي الذين هم الصحابة وهم من طالت مجالستهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متّبعين له ثم استقاموا على ذلك وربّوا الإسلام كما يربّي الرّجل فلوّه(١).

«و» من الذين احتذوا حذوهم من «التابعين» : وهم الذين أدركوا الصحابة ولم يدركوا النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، «وأتباعهم» : أي الذين كانوا من بعدهم متّبعين لهم في هديهم «إلى يوم الدين» : أي كل ما كان ويكون من بعدهم متبعين لطريقتهم إلى يوم القيامة «من أهل ملّته» : أي ملّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والملّة بكسر الميم الدّين والشّريعة قال عليه‌السلام : ولم نقل على أتباعه أي أتباع محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّ اتّباع جماعة عترته صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بعده فرض مفروض لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «إني تارك فيكم ...

الخبر» وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «أهل بيتي كسفينة نوح ... الخبر».

__________________

(١) الفلوّ المهر يفصل عن أمه والجمع أفلاء مثل عدوّ وأعداء والأنثى فلوّة بالهاء والفلو وزان حمل لغة فيه تمت مصباح.

٣١

فكان المتبع لهم هو المتبع لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقيقة لا غيره.

«وبعد» أي بعد ما تقدم ذكره من الحمد لله والثناء عليه والصلاة على نبيئه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأتباعهم.

«فإنه لمّا كان علم الكلام» : أي علم أصول الدين ، وسمّي هذا العلم كلاما لما سيأتي إن شاء الله تعالى : «هو أجل العلوم قدرا» : أي تعظيما إذ يطلق القدر على التعظيم قال الله تعالى : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (١) أي ما عظموه حق تعظيمه «وأعظمها حظّا» : أي كونه عند الله وعند أوليائه أعظم محظوظ أي مرغوب إليه. «وأكبرها» : أي أكبر العلوم بالباء الموحدة ، «خطرا» : أي عظما ، يقال : شيء خطير أي عظيم ، ويحتمل أن يراد بالخطر الإشراف على الهلاك لأنه من جهل هذا العلم هلك والله أعلم «وأعمّها(٢) وجوبا» من حيث أنه يجب على كل مكلف «وأولاها إيثارا» : أي أحقها بالإيثار وهو التقدم (٣) «وأولها صدرا» : بالصاد والدال المهملتين أي تقدّما من حيث أن العلوم الإسلامية مترتبة على معرفة من شرع شرائع الإسلام وهو الله سبحانه وتعالى وبالسين المهملة والطاء أي مكتوبا ، لأن أول ما فرض الله على عباده معرفته تعالى ، ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للأعرابي حين سأله فقال يا رسول الله : علّمني من غرائب العلم ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «وما ذا صنعت ـ في رأس العلم ـ حتى تسألني عن غرائبه؟» فقال الرجل : وما رأس العلم يا رسول الله فقال: «أن تعرف الله حق معرفته بلا ندّ ولا شبيه ولا مثل واحدا ظاهرا باطنا أوّلا آخرا لا كفؤ له ولا نظير له فذلك معرفة (٤) الله حق معرفته».

«لكونه لبيان معرفة المليك» : أي المالك لجميع ما ذرأ وبرأ وما كان وما سيكون في الدنيا والآخرة «البديع» : أي المبتدع للأشياء من غير أصول أزليّة ،

__________________

(١) الزمر (٦٧).

(٢) في نسخة وأهمّهما.

(٣) (ب) التقديم.

(٤) (أ) ناقص معرفة الله.

٣٢

ومذوّت الذوات من غير أن تكون ذواتا ولا شيئا «وتقديسا» : أي وتنزيها «للعليم» : بكل شيء من المبصرات وغيرها «السميع» : أي العليم بكل شيء من المسموعات «عن مشابهة الخلق الضعيف» : أي تقديسا له جل وعلا عن مشابهة الخلق الضعيف ، وضعف الخلق واضح لأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا «والجور القبيح السخيف» : أي وتنزيها له جل وعلا عن الجور وهو الظلم لعباده المتصف بالقبح والسّخافة الذي من تحلّى به فقد تحلّى بصفة النقص «وكثر في ذلك» : أي في تنزيه الله تعالى وتوحيده «الخلاف» : بين أهل الحق والباطل «والشقاق» : من أهل الباطل لأهل الحق «وقلّ فيه الائتلاف والاتفاق» : بين أهل الباطل والحق مع وضوح الدلائل وإكمال العقول والبصائر ، ولكن ميلا إلى الهوى واتباع المتشابه ورفض المحكم من الكتاب والسنة (١) وحجج العقول كما حكى الله سبحانه : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ...) الآية (٢).

وكما «قال الله» : سبحانه : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (٣) : أي بغير معرفة منه ولا اهتداء ولا حجة واضحة «ثاني عطفه» : أي مائلا عن الحق متكبّرا ، والعطف الشّق بكسر الشين ، والثّني العطف بفتح العين وهو المصدر كنّى بذلك عن التكبر والميل عن الحق لما كان المتكبر المائل عن الحق يثني عطفه أي يعطف شقه (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) (٤) : الخزي الفضيحة والهوان «أحببت أن أكشف المسوح عن ضئيل الأقوال» : أي ضعيف الأقوال «في غيابات الظلم» : وهذا جواب (لمّا) والمراد بالمسوح جهالات الجاهلين ، وهي الشّبه التي زعموا أنها أدلة وحجج على أقوالهم شبهت (٥) بالثياب السود الكائنة في ظلمة فلا يستضيء ما غطته لتأكد الحجاب من الظلمة وسواد الثياب ، وغيابة الشيء : غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله

__________________

(١) (ب) ورفضا لمحكم الكتاب والسنة.

(٢) آل عمران (٧).

(٣) الحج (٨).

(٤) الحج (٩).

(٥) (ب) شبهها.

٣٣

وشبه باطل قولهم بالشيء المحسوس الضار كالسمّ ونحوه الذي يكون في الدّحل وهو الهوّة أو في الغيابة وهو قعر البئر ، وهو مع ذلك مستور بثياب سود ، والجامع بين المشبّه والمشبّه به خشية الضرر من غير شعور ، ويسمّى إطلاق لفظ المسوح على الشّبه استعارة تصريحية لأنه ذكر المشبّه به وأريد به المشبه ، ويسمى إطلاق لفظ (١) المشبه أعني ضئيل الأقوال على المشبه به وهو السمّ الموصوف بما ذكر استعارة بالكناية لأنه كنّى بذكره فأريد به المشبه به ، ويسمى إطلاق لفظ المسوح أيضا فوقه وكشفها عنه وكونها في غيابات الظلم استعارة تخييلية لأنها قرينتها وهي ممّا يلائم المشبه به ، ولا يمنع كونها استعارة مصرحة عن شيء من كونها استعارة تخييلية عن شيء آخر ، ولا يخفى ما في هذه الاستعارات من المناسبة والفصاحة والبلاغة وبراعة الاستهلال «لإزاحته» : أي لإزالة ذلك الضئيل «بإشراق ما حضرني من بدور أقوال أعلام خير الأمم» : أي بضياء ما وقفت عليه من أقوال علماء أهل البيت عليهم‌السلام الذين هم كالأعلام أي الجبال المرتفعة ، وأقوالهم كالبدور المشرقة ، وخير الأمم أمّة محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ..) (٢) الآية. ويسمى إثبات الإشراق للأقوال ترشيحا للتشبيه أو للاستعارة على رأي ، «وشموس احتجاج» : أي وبإشراق شموس احتجاج «الذين وفّقوا لإصابة الحق الأقوم» : أي المستقيم شبّه احتجاجهم في الوضوح بالشمس المشرقة وهو تشبيه مؤكد كبدور الأقوال «من عترة النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم» : أي الذين هم عترة النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشهادة قوله تعالى : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٣): وهذه الآية نزلت في خمسة وهم أهل الكساء : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلي وفاطمة والحسنان عليهم‌السلام ، لما سيأتي من الأدلة في باب الشريعة إن شاء الله تعالى «و» بشهادة «خبري السفينة» : أحدهما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «مثل أهل بيتي فيكم

__________________

(١) (أ) ناقص : لفظ.

(٢) آل عمران (١١٠).

(٣) الأحزاب (٣٣).

٣٤

(أي صفتهم وحالهم العجب) كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى».

والآخر : قوله عليه‌السلام : «أين يتاه بكم عن علم تنوسخ من أصلاب أصحاب السفينة حتى صار في عترة نبيئكم ... الخبر».

وهذا الخبر توقيف ليس للاجتهاد فيه مسرح «و» : بشهادة قول النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «إني تارك فيكم» : «ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

وهذه الأخبار ممّا تلقاه أهل البيت عليهم‌السلام ، وشيعتهم جميعا بالقبول وغير ذلك مما تواتر معنى وأفاد العلم قطعا أنهم لا يفارقون الحق ولا يفارقهم «طالبا بذلك مرضاة الرحمن»: أي رضاه «ومدحرة الشيطان» : أي مطردته أي طرده وبعده «ومنفعة الإخوان بريّا من العصبية» : للمذهب «والعجب» : بما قلت «والرّيا» : والسمعة بما وضعت «مستمسكا» أي ملتزما «بعروة ممسك الأرض والسماء» : العروة معروفة والمراد هنا الالتزام والثبات على دين الله المستقيم «به» : أي بالله سبحانه «ثقتي» : أي وثوقي في الإعانة والتوفيق «عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» :

ومما قاله عليه‌السلام في هذا الكتاب المبارك شعرا :

هذا الأساس كرامة فتلقّه

يا صاحبي بكرامة الإنصاف

واحرز نفيسا من نفائس نثره

جمعت بغوص في خضمّ صاف

جمع المهيمن بيننا في دينه

جمعا يفي بإصابة وتصافي

قوله : هذا الأساس أي هذا المؤلّف هو الأساس أي الأصل الصحيح الذي تبتنى عليه العقائد الصحيحة ، فعلى هذا يكون لفظ الأساس مستعملا في معناه اللغوي ، وقوله كرامة أي جعلته وألّفته كرامة لإخواني المؤمنين ، وقوله : واحرز نفيسا أي درّا أي علما مما يتنافس فيه المتنافسون لعظم شأنه ، من نفائس نثره أي منثوره الذي هو نفائس جمعت بالنظر إلى أفراد مسائله ، وأفردت أوّلا بالنظر إلى أنّ ما جمعه هذا الكتاب علم نفيس ، وقوله : بغوص

٣٥

أي تفكر (١) ونظر صحيح : أستعير له لفظ الغوص ، والخضمّ البحر ، (وفي نسخة : في فرات) وهو الماء العذب ، والصافي الذي لا كدورة فيه أي في صنع الله تعالى وكتابه وسنة نبيئه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكلام الأئمة الهادين فقد شبّه النظر الصحيح بالغوص ، وشبّه صنع الله والكتاب والسنة وأقوال الأئمة عليهم‌السلام بالبحر الصافي ، وشبّه الظّفر بالمطلوب من هذا العلم بالظّفر بالدّرّ ، وقوله : نفيسا وإن كان لكل ما يتنافس فيه فقد أريد به هنا الدّر وهو اللّؤلؤ فهو استعارة تصريحية (٢) ، وكذلك قوله خضمّ أو فرات استعارة تصريحيّة تحقيقيّة (٣) ، ورشحهما بذكر الغوص سواء كان باقيا على حقيقته أو مستعارا للفكر والنظر ، لأنه يجوز أن يكون الترشيح استعارة ويحصل الترشيح باعتبار معناه الأصلي ، وقوله جمع المهيمن ... إلخ : دعاء بالاجتماع في دين الله تعالى القويم المقتضي لإصابة الحق وتصافي القلوب.

__________________

(١) في نسخة (ب) أي بفكر.

(٢) في (ب) تصريحية تحقيقيّة.

(٣) (أ) ناقص : تحقيقيّة.

٣٦

مقدمة

اعلم : أنّ هذا الكتاب المبارك قد اشتمل على مقدّمة وأربعة أقسام وخاتمة.

أمّا المقدّمة : فهي في ذكر حدّه وحدّ العلم وذكر العقل وما يقضي به من تحسين وتقبيح ، وذكر المؤثر وما لا يؤثر ، وذكر الحدود والتصورات والتصديقات ، وذكر النظر ووجوبه ووجه وجوبه وذكر الدليل وما يتعلق بذلك.

وأما الأقسام الأربعة :

فالأول منها : الكلام في التوحيد لله عزوجل وتنزيهه عن مشابهة غيره وما يحق له من الأسماء وما يتعلق بذلك.

والثاني : الكلام في عدله وحكمته ورحمته بعباده ، ونفي الجور وصفات النقص عنه جل وعلا وما يتعلق بذلك من المصالح الدينية والدنيوية كالآلام والآجال والأرزاق ونحو ذلك.

والثالث : الكلام في أنبيائه ورسله وشرائعه وما يتعلق بذلك.

والرابع : الكلام في وعده جل وعلا ووعيده والثواب والعقاب والجنة والنار والقيامة وما يتعلق بذلك من ذكر الشفاعة وبعض أحوال القيامة ونحو ذلك.

٣٧

والخاتمة : في ذكر افتراق الأمّة وذكر الفرقة الناجية وما جاء في ذلك من الأثر. وبذلك يتم الكتاب إن شاء الله تعالى.

المقدّمة : بفتح الدال لا يستغني صاحب هذا الفن عنها :

«علم الكلام» : ينقسم إلى قسمين :

فالأول : «هو بيان كيفية الاستدلال» : لأنّ الاستدلال هو النظر والتفكر في الدليل ، وهذا القسم إنما هو عبارة عن ذلك وقوله : «على تحصيل عقائد» : ليخرج الاستدلال بالأثر على نحو الضّالّة ، والعقيدة ما انطوى عليه القلب من العلم والاعتقاد «صحيحة» : ليخرج الجهل المركب والظن الفاسد وسيأتي بيانهما إن شاء الله تعالى «جازمة» : ليخرج الظّنّ صحيحه وفاسده «ترتّب (١) صحّة الشرائع» : وهي الواجبات الشرعية كالصيام والصلاة والحج ونحوها «عليها» : أي على حصول تلك العقائد الصحيحة الجازمة وهي معرفة الله سبحانه وصدق المبلّغ وما يتصل بذلك.

والقسم الثاني : هو ما ذكره عليه‌السلام بقوله : «أو الاستدلال» : بالكتاب والسنة أو بأحدهما «على شرائع وعقائد مخصوصة» فالشرائع نحو الحكم بالإيمان واستحقاق التفسيق والتكفير والعقائد نحو شفاعة النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلود أهل الكبائر في النار (٢) «وجزءاه» : أي المضاف والمضاف إليه.

أمّا المضاف إليه وهو «الكلام» : فحدّه «لغة» : أي في أصل اللغة «القول» : وهو النطق بحرفين فصاعدا «واصطلاحا» : أي في اصطلاح أهل هذا العلم «ما مرّ» : من قوله بيان كيفية الاستدلال إلى آخر القسمين معا.

«إذ يسمّى هذا العلم كلاما» : لكثرة الكلام فيه بين أهل الحق والباطل ، أو للمجادلة في ذلك ، أو لأنّ معظمه إنما يستدل عليه بالعقل ولا يترجم عنه إلّا اللسان بألفاظ لا يشترط اتفاقها «و» : أمّا المضاف وهو «العلم» : فقال «السيد حميدان و»: ما أثبت من «روايته عن أئمتنا عليهم

__________________

(١) (ب) بترتب.

(٢) (أ) ناقص : في النّار.

٣٨

السلام و» : هو قول «البغدادية» : من المعتزلة «والجويني والرازي والغزالي» : وهؤلاء من المجبرة (١) فقالوا : «لا يحدّ لاختلاف المعلومات ذاتا» : أي في ذواتها أي أشخاصها إذ ذات زيد خلاف ذات عمرو «وماهية» : أي : وماهياتها أي حقائقها مختلفة فإن حقيقة الجسم خلاف حقيقة العرض وهذا «عند السيد حميدان نظرا منه إلى أنه» : أي العلم «يطلق عليها» : أي على المعلومات «وجمعها» : في حدّ واحد «متعذر ، ولجلائه» : أي لجلاء العلم «عند البغدادية والرّازي فتعذر حده لذلك ، ولخفاء جنسه وفصله عند الجويني والغزالي».

فتعذّر حدّه أيضا ، وحكى السيد إبراهيم بن محمد «صاحب الفصول عن أئمتنا و»: هو قول «البصرية بل يحد» : العلم إذ هو خلاف المعلومات وجنسه وفصله واضحان «فهو اعتقاد» : هذا جنسه الشامل للعلم والظن «جازم» : هذا فصل أول يخرج الظن «مطابق» : وهذا فصل ثان يخرج الجهل المركب قال عليه‌السلام : «قلت : وليس بجامع لأنّ علم الله» : أي إدراكه للمدركات «ليس باعتقاد» : لأنّ الاعتقاد طويّة القلب وذلك يستحيل في حق الله تعالى.

قال عليه‌السلام : «ويمكن أن يقال : هو إدراك تمييز» ليخرج نحو إدراك البهائم «مطابق» : ليخرج الجهل المركب «بغير الحواس» : وما يلحق بها كالوجدان للألم واللّذّة ليخرج ما أدرك بها كالملموس والمشموم والمسموع والمبصر والمطعوم والألم واللّذّة «سواء توصل إليه» : أي إلى ذلك الإدراك المطابق «بها» : أي بالحواس الخمس وما يلحق بها كما في حقنا «أم لا» : كما في حق الباري تعالى.

قال عليه‌السلام : وهذا الحد إنّما يصدق على إدراك المعلومات لا على المعلومات ولا على ما يدرك به إذ العلم يطلق على المعلومات وعلى إدراكها ، تقول : علمت الشيء حين تدركه بعقلك ، وعلى ما يدرك به المعلومات ، فنحن نعلم بعلم ركبه الله فينا.

قال : وهذا على سبيل المجاراة لمن حد العلم. انتهى.

__________________

(١) يعني الجويني والرّازي والغزالي تمت.

٣٩

قلت : ولعل من ذهب إلى أن العلم يحدّ إنما أراد علم المخلوق وأما علم الله سبحانه فلا مشاركة بينه وبين علم المخلوق في شيء أبدا فلا يصح دخوله في الحد والله أعلم.

«وثمرته» : أي الفائدة الحاصلة من تعلّمه هي «بيان معرفة الله سبحانه وعدله وما يترتب عليهما» : من أمور الدين «واستمداد بعضه من صنع الله سبحانه باستعمال الفكر فيه وبعضه من السمع المثير لدفائن العقول» : أي المنبّه لأهل العقول على ما يعقلونه «وبعضه» مستمد «من السمع فقط» كالآيات والأخبار الدالة على الإيمان والكفر والإمامة والشفاعة ونحو ذلك.

(فصل)

في ذكر العقل

قال «أئمتنا عليهم‌السلام والمعتزلة : والعقل عرض» : ركبه الله في قلب الإنسان يدرك به المدركات كالبصر عرض في الحدقة لإدراك المبصرات.

وحقيقة العرض : ما يعرض في الجسم ولا يبقى كبقائه.

وإنما بدأ بذكر العقل لأنه أكبر الآلات وأعظمها ، وبه تعرف المعارف كلها ، وقالت «المطرفية بل» : العقل «هو القلب» :

قال السيد حميدان عليه‌السلام وهو بناء منهم على أن صفة الجسم هي الجسم ، واستدلوا أيضا بقوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)(١).

قلنا : لمّا كان القلب محلّا للعقل يوضحه قوله تعالى : (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (٢) وقوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٣) وقوله تعالى : (وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً) (٤) وقال : «بعض

__________________

(١) ق (٣٧).

(٢) محمد (٢٤).

(٣) الحج (٤٦).

(٤) القصص (١٠).

٤٠