عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وروي عن على صلوات الله عليه أنه سأله يهودي فقال : أخبرني عن الرّوح ما هو؟ فإن أبنته لي آمنت من ساعتي؟

فقال له علي عليه‌السلام : (اعلم : أن الرّوح شيء أوجده الله من ملكه وأودعه في ملكه ، وجعل له أجلا معلوما ورزقا مقسوما ، فإذا فرغ ما لك عنده أخذ ما له عندك) فأسلم اليهودي.

وروي : أن اليهود بعثت إلى قريش : أن اسألوه (١) عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها كلها أو سكت عنها كلها فليس بنبي.

وإن سكت عن بعض وأجاب عن بعض فهو نبيء.

فبيّن لهم القصّتين وأبهم أمر الروح ، وهو مبهم في التوراة.

واعلم : أن الروح عند القاسم والهادي والناصر والإمام الحسين بن القاسم العياني والمؤيد بالله والإمام أحمد بن سليمان وغيرهم من أئمة أهل البيت عليهم‌السلام وغيرهم : جسم لا يعلم حقيقته إلّا الله تعالى.

قال الهادي عليه‌السلام في جواب مسائل الرازي : (وقلت : وكيف يميت الله البدن ولا يميت الروح وكلّ سيموت.

فأما معنى خبر الله من إحياء الروح فإن ذلك بحكمة الله وفضله وما أراد من الزيادة في كرامات المؤمنين ، وأراد من الزيادة في عذاب الفاسقين فجعل الأرواح حيّة باقية إلى يوم الدين ليكون روح المؤمن بعد فناء بدنه متلذّذا بالبشارات والنعيم والسّرور والحبور بما يسمع من تبشير الملائكة بالرّضى والرّضوان من الواحد ذي الجلال والسلطان ، وما أعدّ له من الخير العظيم والثواب الجسيم كل ذلك يتناهى إليه علمه ويصل إليه من ربه فهمه فيكون ذلك زيادة في ثوابه ومبتدأ ما يريد الله من إكرامه حتى يكون يوم القيامة المذكورة ثم ينفخ في الصّور النفخة الأولى فيقع بهذا الروح من الموت ما يقع بغيره في ذلك اليوم ، فيموت ويفنى كما فني البدن أوّلا.

__________________

(١) (أ) أن سلوه.

٣٠١

وكذلك تدبير الله في إبقاء روح الكافر بعد هلاك بدنه لما في بقاء روحه عليه من الحسرة والبلاء بما يعاين ويوقن ويبلغه من أخبار الملائكة بما أعدّ الله له من الجحيم والأغلال والسّعير وشرب الحميم وما يصير إليه من العذاب الأليم ، فروحه في خزي وبلاء حتى ينفخ في الصور فيحقّ بهذا الروح ما حقّ بغيره من الفوت ويواقعه ما واقع جسمه من الموت.

ثم ينفخ النفخة الثانية من بعد موت كل شيء وهلاك كل حي ما خلا الواحد الفرد الصّمد المميت الذي لا يموت المحيي الذي لا يخشى من شيء فوتا.

ولو كانت الأرواح تموت مع موت الأبدان لكان في ذلك فرح وراحة للكفّار وغفلة وفرحة للأشرار ، ولكان ذلك غمّا وكآبة على المؤمنين ونقصانا وتضعضعا لسرور الصالحين ، فافهم ثاقب حكمة الله وتدبيره. انتهى وقال المؤيد بالله عليه‌السلام الروح والهوى جسمان لطيفان والعقل عرض.

قلت ويؤيّد هذا ما روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١) «ما من مؤمن يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلّا عرفه وردّ عليه» وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم».

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «تعرض أعمالكم على الموتى فإن رأوا حسنة فرحوا بها واستبشروا وقالوا : اللهمّ إنّ هذه بمنّك على عبدك فأتمّها عليه ، وإن رأوا سوءا قالوا : اللهم راجع به».

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : «إن الميت ليعرف من يحمله ومن يغسّله ومن يدلّيه في حفرته».

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن الميت إذا وضع في قبره ليسمع خفق نعالهم إذا انصرفوا» وغير ذلك مما يؤيّد هذا المعنى كثير ، وقد بسطت كلام الأئمة عليهم‌السلام في هذا الموضع في الشرح.

__________________

(١) () أنه قال.

٣٠٢

قال عليه‌السلام : «وكذلك في كثير من مسائل فن اللطيف» المذكورة في رياضة الأفهام وغيرها.

«ونحو مساحة الأرض» أي معرفة مقدارها وكم هي فراسخ ونحو ذلك لأنه لا دليل عليه إلّا التوهم.

(فصل)

في ذكر فناء العالم ، وكثير من أهل علم الكلام يذكر هذه المسألة في كتاب الوعد والوعيد ، وبعضهم يذكرها في كتاب العدل.

قال «أئمتنا عليهم» «السلام والجمهور» من المعتزلة وغيرهم : «ويفني الله العالم».

اعلم : أنه لا خلاف بين أهل الإسلام في فناء العالم ، وإنّما اختلفوا في كيفيته وفي ما به يعلم.

فقال بعضهم : يعلم بالسّمع فقط ولا دليل في العقل عليه وهو قول أبي هاشم وقاضي القضاة.

وقال بعضهم : في العقل دليل على معرفته كالشرع وهو قول أئمة أهل البيت عليهم‌السلام وأبي علي وأصحابه.

ووجهه عند أهل البيت عليهم‌السلام : ما ذكره الهادي عليه‌السلام في البالغ المدرك : (فلمّا تصرّمت أعمال المطيعين ولم يثابوا وانقضت آجال العاصين ولم يعاقبوا وجب على قود التّوحيد واطّراد الحكمة أنّ دارا بعد هذه الدار يثاب فيها المطيعون ويعاقب فيها المسيئون ، وهذه أمور أوجبتها الفطرة واستحقّت بالإيمان ... إلى آخر كلامه عليه‌السلام).

ومثله كلام الإمام أحمد بن سليمان عليه‌السلام وغيره.

وروي : أن عبد المطلب وكان مقرّا بالله ومقرّا بالبعث كان يقول : إنه لن يخرج من الدنيا ضلول حتى ينتقم الله منه.

فقيل له : إن فلانا مات حتف أنفه؟

٣٠٣

فأطرق ساعة فقال : لا بدّ من دار غير هذه الدار يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وأما الشيخ أبو علي ومن تبعه فإن الوجه عنده أنه يقول : إن العقل يجوّز أن يكون للأجسام ضدّ يخلقه الله لفنائها وإعدامها ، لأنه من جملة من يقول : إن الفناء عرض يخلقه الله لإعدام الأجسام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وأما كيفية فناء العالم : فإن الله سبحانه يفنيه «ويعدمه» كأن لم يكن وهذا كما تراه حكاه الإمام عليه‌السلام عن جمهور أئمة أهل البيت عليهم‌السلام وغيرهم وهو قول أبي علي وأبي هاشم وغيرهم.

وقال «الجاحظ والملاحميّة وبعض المجبرة» وهم الكرّاميّة «محال» إعدامه.

وإنّما الفناء عندهم بمعنى التّمزّق والتّغيّر والتّبدّد ، والذي حكاه الإمام يحيى عليه‌السلام من استحالة إعدام العالم عن الجاحظ والكرامية فقط.

قال : واحتجوا بأن العالم لو انتفى لكان انتفاؤه لا يخلو إمّا أن يكون لمؤثّر أو لا ومحال أن يكون انتفاؤه لا لمؤثّر وذلك معلوم بالضرورة.

وإن كان انتفاؤه لمؤثر فلا يخلو إمّا أن يكون موجبا أو مختارا ، ومحال أن يكون موجبا لأنّ ذلك الموجب ليس إلّا طروّ ضدّ وهو الفناء والقول به باطل لأنه لا طريق إلى كون الفناء معنى مضادّا للجوهر فيجب نفيه ، ولأن التضاد حاصل من كلا الجانبين ، وكل واحد منهما قابل للعدم فليس انتفاء الجوهر بالفناء أولى من العكس.

فيجب : إمّا انتفاؤهما جميعا وهذا محال ، وإمّا أن يكونا موجودين معا مع تضادهما وهذا محال أيضا ، أو ينتفي أحدهما دون الآخر وهو محال أيضا ، إذ لا مخصّص فبطل أن يكون المؤثر في عدم العالم وانتفائه أمرا موجبا.

قال : ومحال أن يكون المؤثر في فناء العالم مختارا لأن الفاعل لا بدّ له من فعل يؤثر فيه ، والإعدام ليس أمرا ثبوتيّا بل هو نفي محض فاستحال إسناده إلى الفاعل.

٣٠٤

«قلنا» ردّا على الجاحظ ومن تبعه : انتفاء العالم وإعدامه لمؤثر مختار وهو الله سبحانه وتعالى كما ابتدعه واخترعه من لا شيء كذلك يعيده نفيا محضا ولا شيء حينئذ إلّا الله الواحد القهار.

ولا محال يلزم من ذلك «كذهاب المصباح والسّحاب» لأن ذلك يصير نفيا محضا عدما بعد كونه جسما وذلك مشاهد بالضرورة «فليس» ما ذهبنا إليه من إعدام العالم «بمحال».

فإن قالوا : إن أجزاء المصباح والسّحاب لم تصر عدما وإنما تفرقت وتبدّدت في الآفاق.

قلنا : هذا خلاف المعلوم بالضرورة وليس خلق الأجسام من العدم المحض بأعجب من إرجاعها إلى العدم المحض.

«و» مما يدل على ذلك من السمع «قوله تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) ... (١) الآية ، فمعنى الأول أنه تعالى المنفرد بالأوّلية أي كان ولا كائن غيره تعالى اتفاقا ، فكذلك يكون معنى قوله تعالى : (وَالْآخِرُ) أي المتفرد بالآخريّة أي الباقي بعد فناء كل شيء وإعدامه.

ولو كان الفناء بمعنى التّبديد والتفريق لما صدق عليه قوله تعالى إنه الآخر أي المنفرد بالآخريّة لأنه قد شارك في هذه الصفة الأجسام المتبدّدة.

ولنا قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (٢) ولا تعقل الإعادة إلّا بعد الإعدام.

وقوله تعالى : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (٣) وكان الابتداء عن عدم فكذلك تكون الإعادة عن عدم وغير ذلك.

«و» لنا ما ذكره علي عليه‌السلام «في النهج» أي نهج البلاغة في خطبة

__________________

(١) الحديد (٣).

(٢) الروم (٢٧).

(٣) الأنبياء (١٠٤).

٣٠٥

التوحيد من قوله عليه‌السلام «فهو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها» وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها وأنه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه «كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان» ولا حين ولا زمان عدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزال السّنون والساعات .. «إلى قولهعليه‌السلام : «ولا شيء إلّا الله الواحد القهار».

وقوله عليه‌السلام في خطبة الأشباح : (الأول الّذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده) وهذا كله نص فيما ذهبنا إليه من إعدام العالم.

فإن قالوا : الإعدام غير محال ولكن لا تصح الإعادة إلّا لتلك الأجسام المتبدّدة التي أطاعت الله سبحانه وعصمته ولو عدمت كان المعاد غيرها وذلك يؤدّى إلى أن ينعّم جسم لم يتعب في طاعة الله سبحانه وأن يعذّب جسم لم يعص الله وذلك لا يجوز من الله تعالى.

والجواب والله الموفق : أن الله سبحانه قادر على إيجاد ذلك الجسم الذي أعدمه بعينه وإرجاع ذلك الروح إليه بعينه وتنعيمه أو تعذيبه فلا بعد في ذلك بعد إقامة الدليل عليه لأنّ الله على كل شيء قدير وهو (١) من الممكن غير المستحيل.

واعلم : أن القائلين بصحة إعدام الأجسام اختلفوا في المؤثّر في هذا الإعدام :

فالذي ذهب إليه جمهور أئمة أهل البيت عليهم‌السلام : أنّ المؤثّر فيه الفاعل المختار وهو الله رب العالمين ، وهو قول الخوارزمي من المعتزلة ، والباقلاني من الأشعرية حكاه عنهما في الشامل.

وهو أيضا قول أبي الحسين الخيّاط ومحمود بن الملاحمي وإن لم يقل بعدم الأجسام ، ذكره شارح الأبيات الفخرية.

__________________

(١) (ض) وذلك.

٣٠٦

وقال جمهور المعتزلة : إن المؤثر في الإعدام طروّ ضدّ للأجسام يسمّى الفناء ولا محل له.

وقال بعض الأشعرية وبعض المعتزلة : بل إنما كانت الأجسام باقية ببقاء قائم فيها وذلك البقاء غير باق بل يخلقه الله تعالى حالا بعد حال فإذا لم يخلق الله ذلك عدمت الجواهر.

وبعضهم قال : إن الجواهر باقية ببقاء لا في محل وهو يحكى عن بشر بن المعتمر.

ومنهم من قال غير ذلك.

ولا حاجة إلى الاشتغال بذكر هذه الأقوال الباطلة التي لا دليل عليها من عقل ولا سمع.

قال الإمام يحيى عليه‌السلام : وتوقف بعض المتكلمين من المعتزلة والجويني من الأشعرية في صحة إعدام الأجسام وفي إنكارها.

قلت : وقد بسطت في هذا الموضع من أقوالهم وغيرها في الشرح وظاهر كلام القاسم عليه‌السلام والهادي والمرتضى عليهما‌السلام أن فناء العالم هو تبديده وتمزيقه وتركيبه على غير هيئاته التي كان عليها لأنه يعدم وإن كان ذلك جائزا من جهة العقل (ابتداء) لأن الله على كل شيء قدير ، وقد نقلت أقوالهم بلفظها في الشرح.

والحق أن إعدام الأجسام وتصييرها عدما محضا جائز صحيح من جهة الفاعل المختار وهو الله رب العالمين ولا استحالة فيه كما زعمه الجاحظ ومن معه ، ولا يلزم منه محذور ولا جور كما سبق تقريره.

وأما وقوع ذلك فموكول إلى دليل السّمع فما صحّ منه فهو المتّبع والله أعلم «ووجه حسنه» أي حسن فناء العالم «التفريق» أي التفرقة «بين دار الامتحان» وهي دار الدنيا «ودار الجزاء» وهي الدار الآخرة لأن دار الدنيا دار تكليف وعمل وامتحان ، ودار الجزاء هي دار المجازاة بالثواب والعقاب ولا تكليف فيها ، فهما كالمتضادين فلا بد من التفرقة بينهما.

٣٠٧

«فإن قيل : لم لم يكن الجزاء» من الله سبحانه بالثواب والعقاب «في الدنيا» مع عدم فنائها.

قال عليه‌السلام : «قلت : وبالله التوفيق : لعلم الله سبحانه وتعالى أن أكثر العصاة لا يوقنون به» أي بالجزاء حينئذ أو بالله تعالى وإن ظهرت الأدلة عليه تعالى لعنادهم وإهمالهم «فلو أنه تعالى عاقبهم» في دار الدنيا «من غير» فنائها وغير «خلق ما يعلمون به ضرورة» أي بضرورة العقل أن ذلك الذي لحقهم [وأنّ معمولة ليعلمون] عقوبةمنه تعالى لهم على عصيانهم (لم يعرفوا كون ذلك)العقاب الواصل إليهم في الدنيا عقوبةوجزاء لهم على عصيانهم «وإنما يعدونه» أي ذلك العقاب في الدنيا «من نكبات الدّهر» التي صارت تصيب غيرهم «كما يزعمون ذلك» ويتحدثون به في الماضين والباقين وينكرون كونه (١) عقوبة من الله تعالى لهم على عصيانهم وهذا في حق العصاة «و» كذلك ان أكثر «الممتحنين لو جوزوا» في دار الدنيا «مع عدم مثل ذلك» أي مع عدم خلق ما يعلمون به ضرورة أن الواصل إليهم جزاء «لم يعلموا ضرورة أن الواصل إليهم جزاء» من الله سبحانه على أعمالهم الصالحة وعوض عن امتحانهم «بل» ربّما «يحصل التجويز» منهم «أنه من سائر التّفضلات» المبتدءات من الله تعالى عليهم في دار الدنيا.

وأيضا لو وقع الجزاء «مع عدم كشف الغطاء» أي مع عدم اضطرارهم إلى معرفته تعالى ومعرفة كونه جزاء «بخلق ذلك» أي بخلق ما يعلمون به ضرورة أن الواصل إليهم جزاء لكان في ذلك «إثبات لحجة الأشقياء» على الله تعالى «لانتفاء الفرق عندهم» أي عند الأشقياء «بين من يخافه تعالى بالغيب» أي قبل يوم القيامة للأدلة العقلية والشرعية المؤدية إلى معرفته تعالى وصدق وعده ووعيده فعملوا بمقتضاها «وبين من لا يخافه تعالى إلّا عند مشاهدة العذاب» وحين لا تنفع التوبة ولا تقبل المعذرة فيتوهم الأشقياء استوى الفريقين فيحتجون على الله تعالى «فيقولون» حين مشاهدة العذاب «تبنا» عن عصيانك «كالتائبين» من الذين تابوا قبلنا من المؤمنين «وأطعناك» الآن

__________________

(١) (أ) كون ذلك.

٣٠٨

«كالمطيعين» ممّن سبقنا بالطاعة فلم تعذبنا ولم لا تقبل توبتنا كما قبلتها ممن هو حي مثلنا ، وهذه حجة الأشقياء التي يتوهمونها على الله تعالى لو وقع الجزاء في الدنيا «ومع الفناء ثم البعث» أي مع فناء العالم ثم إعادته «يعلمون علما بتّا» أي علما لا شك فيه «لأجل فنائهم وإعادتهم أن الله حقّ» وأن ما وعد وأوعد به صدق وأن الفصل بين الدارين بالفناء جعل لتمييز الجزاء كما «قال تعالى (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ) (١) أي أطراف الدنيا ونواحي السماء من آيات قيام الساعة التي تتغير بها الأرض والسماء «وفي أنفسهم من الموت» ثم الحياة «حتى يتبيّن لهم أنه الحق» أي أن الله سبحانه هو الحقّ لا ريب فيه وأنه مجازيهم بما عملوا ، «و» يعلمون أيضا «أن الواصل إليهم جزاء» لهم على أعمالهم «قطعا» أي علما لا شك فيه «لإخبار الله إيّاهم (٢) بذلك» أي بالمجازاة «في الدنيا على ألسنة الرّسل» صلوات الله عليهم «ولإخبارهم أيضا في الآخرة به» أي بأنه جزاء» فيكون ذلك أعظم حسرة على العاصين وأتمّ سرورا للمثابين مع انتفاء حجة الأشقياء على الله تعالى» لما شاهدوه من الفصل بين الدارين فلا يمكنهم المساواة بين من تاب قبل موته ، وقبل مشاهدة العذاب ومن تاب بعده حين مشاهدة العذاب «ولأنّ الآخرة دار جزاء لا دار عمل» فثبت بجميع ما ذكرناه حسن فناء العالم ثم الإعادة «والله أعلم».

(فصل)

في ذكر الرزق

الوجه في ذكره أنه من أفعال الله سبحانه وتعالى الدالة على عدله وحكمته وفيه مصالح الخلق ومنافعهم فهو من أصول النعم التي تفرد الله تعالى بخلقها.

قالت «العدلية» جميعا : «والرزق» هو «الحلال من المنافع» وهو كل ما ينتفع به من الأموال وغيرها كالعقل والقوّة والجوارح «والملاذ» من مأكول ومشروب ومنكوح ومشموم ونحو ذلك ، دون الحرام فلا يسمّى رزقا.

__________________

(١) فصلت (٥٣).

(٢) (ض) لهم.

٣٠٩

وقالت «المجبرة بل والحرام» : يسمّى رزقا عندهم بناء على قاعدتهم في الجبر أن أفعال العباد من الله تعالى الله عن ذلك.

«قلنا» لا خلاف أنه قد نهى الله عن تناوله» والانتفاع به فكيف يجعله لنا رزقا وهو ينهانا عنه.

«وهو» أي الحرام «كما لا يتناول» و «لا ينتفع به» من الأشياء التي لا منفعة فيها أصلا كالسّموم ونحوها «وهو» أي الذي لا يتناول ولا منفعة فيه أصلا «ليس برزق اتفاقا» بيننا وبينهم.

«وأيضا : لم يسمّ الله رزقا إلّا ما أباحه دون ما حرّمه قال تعالى : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) أي خمرا مسكرا فلم يسمّه رزقا (وَرِزْقاً حَسَناً) (١) أي خلًّا وعنبا وتمرا (٢) فسمّى ما انتفع به من ثمرات النخيل والأعناب وليس بمسكر رزقا حسنا ولم يسم المسكر رزقا.

وأيضا : فإن أئمة اللغة وأربابها لا يسمّون ما اعتقدوا تحريمه رزقا.

قال المسلمون : «وما ورد الشرع بتحريمه فلا يحل تناوله».

وقالت «الإباحية» وهم فرقة من الباطنية : «بل يحل كل ما علم من الدين تحريمه من الأموال والفروج وقتل النفس بغير حق وغير ذلك» من المحرمات ، وسواء كانت عقلية أو شرعية.

وما جاء في الكتاب الكريم والسنة مما يدل على التحريم فإنهم يتأولونه على ما يوافق هواهم ، ويقولون : إن له باطنا خلاف ظاهره.

وقالت «المزدكيّة» وهم فرقة من الثنوية منسوبون إلى رجل يسمّى مزدك ويزعمون أنه نبي وقد تقدم ذكرهم.

«والصوفية» وقد تقدّم ذكرهم : «بل يحل كل ما علم من الدين تحريمه من الأموال والفروج وغير ذلك» من سائر المحرمات كالزنى واللواط والتدفيف والغناء والزّمر والرّقص وغير ذلك «إلّا القتل» فإنهم لا يجيزونه.

__________________

(١) النحل (٦٧).

(٢) (ض) وتمرا وزبيبا.

٣١٠

«قالوا : لأنّ المال مال الله» لا ملك للمخلوق فيه «والعبد عبد الله» فيحل لعبده تناول ماله.

«و» قالوا إن «تناول النكاح» من زنى وغيره «محبة لله لحلوله» عز وعلا عن ذلك «في المنكوح» بناء على أنه تعالى يحل في الصّور الحسان «تعالى الله عن ذلك» علوّا كبيرا.

«لنا» عليهم جميعا : «قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ (١) هذه «الآية» وغيرها كقوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ) (٢) الآية. وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا ..) الآية (٣).

«وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ)الآية (٤).

«وقوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ..) الآية(إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً) (٥) «ونحوهما» كقوله تعالى : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (٦) ونحوها من الآيات كثير.

«و» لنا أيضا «ما ورد في قوم لوط» من العذاب والآيات الناعية عليهم قبح أفعالهم.

«وقوله تعالى» (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) (٧).

__________________

(١) المائدة (٣).

(٢) النساء (٢٣).

(٣) آل عمران (١٣٠).

(٤) النساء (٢٩).

(٥) الإسراء (٣٢).

(٦) المائدة (٩٠).

(٧) الأنعام (١٥١).

٣١١

وقوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ..) (١) الآية. «وهم» أي الإباحية والصوفية «يتأوّلون هذه الآيات» المتقدم ذكرها «على ما يحبون ويطابق هواهم ، وإن كان الكلام لا يحتمله» أي لا يحتمل التأويل «لأنهم باطنية» فهم «لا يتقلدون بشيء من الشرائع» التي أمر الله بها ونهى عنها ، فهم في الحقيقة من فرق الملحدين «نحو تأولهم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدي عدل» «بأن الوليّ الذّكر وشاهدي العدل الخصيتان على ما هو مقرر في كتبهم».

هكذا رواه الإمام عليه‌السلام عنهم.

وقولهم : إن ثعبان موسى عبارة عن حجته ، وإحياء الموتى عبارة عن العلم ، ونبع الماء من بين أنامل النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إشارة إلى كثرة علمه ، وأنّ الخيانة إظهار العلم إلى غير أهله وغير ذلك.

«وذلك» منهم تصميم على الإلحاد «وردّ» لما علم من الدين ضرورة فهو تكذيب لله ولرسوله.

قال «المسلمون : وما حيز من مباح» أي ما حازه أحد من مباح كالماء والحطب والصيد والأرض البيضاء التي لا ملك فيها لأحد «أو» حيز بتكسب مشروع» أي بإذن الشارع «نحو الشراء» والاتّهاب والإجارة ونحو ذلك «فهو ملك من حازه» ولا يجوز لغيره تناوله إلّا برضاه.

وقالت «المطرفية» وهم فرقة من الزيدية منسوبون إلى مطرّف بن شهاب كان في وقت الصليحي (علي بن محمد): «لا ملك لعاص» فما حازه العاصي وقبضه فهو مغتصب له لأنّ الله لم يأذن له في تناول شيء من رزقه.

«لنا» عليهم «الآيات» القرآنية وهي كثيرة «نحو قوله تعالى : (وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ) الآية(٢).

وقوله تعالى : (وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ ..) الآية (٣).

__________________

(١) النساء (٩٣).

(٢) النحل (٥٦).

(٣) الأنعام (١٤٠).

٣١٢

وقوله تعالى : (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (١).

وقوله تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ...) الآية (٢).

«و» لنا عليهم أيضا «الإجماع» من الأمّة على أن العاصي يملك ما كسبه من الحلال وأنه يحرم اغتصابه إلّا بحقّ.

قالوا : جاز تغنّم أموال الكفار بالإجماع وكذلك البغاة فدلّ على أنهم غير مالكين لها.

قلنا : ما ذكرناه من الآيات والإجماع دليل واضح على أن الكفّار والعصاة (٣) يملكون ما كسبوه (٤) كما ذكرنا وجواز تغنّم أموالهم لا ينافي الملك لأنه بدليل خاص عقوبة لهم في الدنيا كما جاز سبي الكفار وقتلهم فكذلك تغنّم أموالهم على وجه العقوبة ، وكذلك أموال أهل البغي.

(فرع)

«والرّازق هو الله تعالى لأنه الموجد للرّزق والواهب له» والخالق له سواء كان جسما أو عرضا لا يقدر عليه غيره فهو الرازق حقيقة. وقالت «العدلية : وقد يطلق» اسم الرازق مجازا ذكره النّجري «على نحو الواهب من البشر» أي من بني آدم كالناذر والمتصدق «لكونه مبيحا للموهوب» والمنذور به.

والوجه أن الله سبحانه قد ملّك عبده ما حازه وقبضه من الرزق بأيّ أنواع التمليكات ، فإذا أذن ذلك العبد لغيره وأباح له التّصرّف فيه سمّي رازقا مجازا.

«خلافا للمجبرة» فقالوا : لا يصح إضافة الرزق إلى العباد رأسا لأن الأفعال كلها عندهم من الله تعالى.

__________________

(١) الأنعام (١٥١).

(٢) البقرة (١٢٦).

(٣) (ض) والبغاة.

(٤) (ض) ما اكتسبوه.

٣١٣

«لنا قوله تعالى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) (١).

قلت : والعمدة استقراء اللّغة ، فإن كان الرازق في اللغة هو خالق الرزق كان إطلاقه على نحو الواهب مجازا ، وإن كان الرازق في اللغة هو معطي الرزق كان إطلاقه عليه حقيقة والله أعلم وأما المجبرة فبنوا على قاعدتهم المنهدة.

(فصل)

«والتكسّب» أي السعي في طلب الرزق بالتجارة والإجارة ونحو ذلك «جائز» بل قد يكون واجبا إمّا لنفقة طفل أو زوجة أو أبوين وقد يكون مندوبا ومباحا ومكروها ومحظورا.

وقالت «الحشوية و» مثل قولهم ، «تدليس الصوفية» أي القول الذي تظهره الصوفية للتدليس على أغمار الناس : «لا يجوزالتكسب لمنافاته التوكل» الذي أمرنا به ، ولأنه لا يأمن الكاسب أن يغصب عليه ما كسبه ظالم فيتقوّى به على ظلمه ، ولأنه قد اختلطت الأموال والتبس الحلال بالحرام.

«و» أما «تحقيق مذهب الصوفية» فليس لأجل ذلك «بل لأن إباحته» أي إباحة الرزق «أغنته عن المشقّة» في طلب الرزق لأنهم يقولون إن الأموال مباحة.

«قلنا» ردّا عليهم «التكسب لم يناف التّوكل» لأنّ الزّارع يلقي بذره في الأرض متوكّلا على الله سبحانه في إنباته وسقيه وسلامته من الآفات.

ثم أهل السفر في البر والبحر يقطعون القفار ويخوضون البحار ابتغاء فضل الله متوكّلين عليه في سلامتهم وصرف العوائق عنهم وحصول الربح لهم «سيّما مع المخاطرة به» أي بالرزق «في القفار» التي هي مأوى اللصوص «وعلى متون أمواج البحار» التي لا يؤمن فيها عواصف الرياح وسكونها كما قال تعالى : (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ) ... الآية (٢).

__________________

(١) النساء (٨).

(٢) الشورى (٣٣).

٣١٤

وقوله تعالى : (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ) .. الآية (١).

وأما قولهم : إن الأموال مباحة فهو رد لما علم ضرورة من الدين تحريمه «وأدلة تحريم أموال الناس» بغير إذن شرعي «لا ينكرها إلّا كافر» جاحد لما أنزل الله سبحانه من الأحكام والحدود.

واعلم : أن ضمان الله سبحانه رزق عباده كما قال عزوجل : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) (٢) وغير ذلك : لا ينافي وجوب التكسب في بعض الأحوال لأنّ الله سبحانه جعل الدنيا دار عمل فلا بد من السعي في الأغلب للرزق (٣) فيها.

ولا يقال : إن موت من يموت بالجوع والعطش ينقض ضمانه تعالى لأن ذلك سبب من أسباب الموت جعله الله سبحانه لمصلحة المكلف أو عقوبته كما مر في الآلام.

(فصل)

في الأسعار

والوجه في ذكرها : كونها من مصالح الخلق.

«واعلم : أن السعر» هو في اللغة «قدر ما يباع به الشيء فإن زاد على المعتاد» في أغلب الزمان «فغلاء» أي فهو سعر غال «وإن نقص منه فرخص» أي فهو سعر رخيص.

«وقد يكونان بسبب من الله تعالى حيث أنعم بزيادة الخصب» بكسر الخاء وهو نقيض الجدب وذلك بكثرة الأمطار والبركة في الثّمار وذلك «في الرّخص وحيث امتحن» تعالى عباده «بزيادة الجدب» بفتح الجيم وهو نقيض الخصب وهذا «في الغلاء».

وإذا ضمّ الخصب إلى الجدب فتحا معا للمناسبة يقال : خصب وجدب

__________________

(١) الإسراء (٦٩).

(٢) هود (٦).

(٣) ض لطلب الرزق.

٣١٥

«و» قد يكون الغلاء والرخص «بسبب من الخلق» وذلك «حيث جلب التجار من موضع خصيب إلى أخصب منه» وذلك «في الرخص وحيث تغلّب بعض الظلمة على أكثر الحبوب ونحوها» من الثمار وغيرها «ومنعها» عن الناس «في الغلاء».

والغلاء مأخوذ من الغلوّ وهو تجاوز الحدّ.

والرّخص مأخوذ من الرّخص وهو اللّين يقال : كفّ رخص البنان إذا كانت ليّنة اللّمس.

وقالت «الحشوية والمجبرة : بل الكل» من أسباب الغلاء والرخص «من الله تعالى» بناء على أن كل كائن في السموات والأرض منه جل وعلا عن ذلك.

«قلنا» ردّا عليهم : «ورد النهي من الشارع عن الاحتكار» للقوتين من نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله عزوجل وبرئ الله منه».

«و» كذلك «ورد النهي عن بيع الحاضر للبادي» نحو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يبيعنّ حاضر لباد دعوا النّاس يرزق الله بعضهم من بعض» وما ذاك إلّا لأجل ذلك أي لأجل كون الاحتكار وبيع الحاضر للباد سببا في الغلاء والاحتكار.

وبيع الحاضر للباد فعل العباد ، ولأجل ذلك جاز التّسعير في القوتين وغيرهما لقول علي عليه‌السلام في عهده للأشتر حين ولّاه مصر (وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع).

(فصل)

[في التكليف] «والتكليف لغة : تحميل ما يشق» يقال : كلّفني فلان عمل كذا أي حملني مشقته وثقله.

ويدخل في ذلك الفعل والترك نحو : كلفني ترك الأكل وترك الشرب.

٣١٦

«و» حقيقة «التكليف اصطلاحا» أي في اصطلاح أهل الشرع الذي تعارفوا عليه فهي عرفية خاصة : «البلوغ والعقل» فيقال فلان مكلف أي عاقل ، وأصله من تسمية السّبب باسم المسبّب.

«و» حقيقته «شرعا» أي الحقيقة التي أثبتها الشارع : «تحميل الأحكام» الخمسة عقلية أو شرعية فيقال : فلان مكلف أي محمّل فعل الصلاة وسائر الواجبات الشرعية والعقلية ، وكذا هو محمّل فعل المندوب وترك المكروه على وجه التحبيب لا الحتم ، ومحمل معرفة حكم المباح فحقيقته في الشرع بعض حقيقته في اللغة.

«ووجه حسنه : كونه عرضا على الخير» وهو الفوز بالنعيم الدائم والدرجات العالية في جنات عدن مع التعظيم الذي لا يكون إلّا مع الثواب «كما مر» ذكره في مسألة إيجاد الخلق سواء سواء وأيضا : قد تقرر أن الله تعالى عالم غني حكيم فإذا صدر من جهته تعالى فعل وغمض علينا وجه المصلحة على جهة التفصيل رددناه إلى هذه القاعدة وقضينا بكونه حكمة وصلاحا سواء كان تكليفا أو غير تكليف ، وهذا جواب مقنع لا يرد عليه شيء.

وقد أشار إليه القاسم بن إبراهيم عليهما‌السلام في جواب الملحد.

قال الإمام يحيى عليه‌السلام : شرائط التكليف منها ما يرجع إلى المكلّف الحكيم وهو أن يكون منعما بأصول النعم وهي خلق الحيّ وخلق حياته وخلق قدرته وخلق شهوته وإكمال عقله وتمكينه من (المشتهيات ونصب الأدلة ، وأن يكون تعالى مزيلا للأمور المانعة عن تحصيل الأفعال المكلّف بها ، وأن يكون تعالى مزيحا للعلل بتحصيل الألطاف على رأي الموجبين لها.

قلت : والصحيح أنها لا تجب كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قال : وأما ما يرجع إلى المكلّف العاقل فهو : أن يكون قادرا على تحصيل ما كلّف به من فعل أو كفّ ، وأن يكون عاقلا لأن العقل هو ملاك التكليف ، وأن يكون مشتهيا للشيء الذي منع منه ونافرا عن الشيء الذي أمر بفعله لأنّ معقولية التكليف لا تحصل إلّا بما ذكرناه من المشقة وأن يكون عالما

٣١٧

بصفة الفعل الذي كلّف بتحصيله من واجب أو مندوب وعالما بصفة القبيح ليكون متمكنا من تركه.

وأما ما يرجع إلى الفعل المكلّف به : فهو أن يكون ممكن الحصول صحيح الوقوع لأن التكليف بالمحال متعذر ، وأن تكون له صفة زائدة على حسنه كالواجب والمندوب.

فأمّا المباح فلا يمكن التكليف به [إذ لا صفة له زائدة على حسنه] ، وأن يكون المكلّف به شاقّا فعلا أو تركا. انتهى.

«وكذلك الزيادة فيه» فإنه عرض على الاستكثار من الخير «من إمهال إبليس» إلى يوم الدين «والتخلية» بينه وبين العباد في إغواء من أطاعه منهم.

«و» كذلك «إنزال المتشابه» من القرآن الكريم لأنّ فيه امتحانا للمكلفين وإتعابا لهم بوجوب ردّ المتشابه إلى المحكم وغير ذلك كإرسال الصيد يوم السبت على أهل القرية «وتفريق آيات الأحكام الخمسة» التي أوجب الله معرفتها جعلها الله سبحانه مفرقة في القرآن وعلى المكلّف البحث عنها ، وكل ذلك زيادة في التكليف والمشقة ليعظم الأجر والثواب.

«و» كذلك «إبقاء المنسوخ» حكمه «مع بقاء الناسخ» له في القرآن يتلى مع تلاوته «ونحو ذلك» كزيادة الشهوة والدواعي والابتلاء بالمصائب والآلام والتكاليف الشاقة كالجهاد وغير ذلك لأنهاكلها «عرض على استكثار الثواب» وبالصّبر على أداء الفرائض والوقوف عند الحدود.

وبهذا يعرف بطلان قول من زعم أن الألطاف واجبة على الله سبحانه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

«وهو» أي العرض على استكثار الخير «حسن» عند العقلاء كأصل التكليف.

قال» المسلمون كافة : ولم يكلف الله سبحانه وتعالى» أحدا من خلقه «إلّا ما يطاق» لا ما لا يطاق لكونه قبيحا وقبحه معلوم بضرورة العقل ، وكانت المجبرة لا تلتزمه وإن قالوا : إن الأفعال كلها من الله حتى صرح أبو

٣١٨

الحسن «الأشعري» بجوازه جريا على قياس مذهبهم فقال : «بل كلّف الله أبا جهل» اللّعين واسمه : عمرو بن هشام وكنيته أبو الحكم «ما لم يطق» وذلك «حيث أمره» أي أمر أبا جهل «أن يعلم ما جاء به النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبالإيمان معا» أي أمره بهما معا.

«ومن جملة ما جاء به النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الإخبار» من الله سبحانه «بأنه» أي أبا جهل «كافر» أي يموت على الكفر فيستحق دخول النار.

«فإعلامه» أي إعلام أبي جهل «به» أي بكونه يموت كافرا فيستحق النار «تكليف» من الله تعالى لأبي جهل ، «ويلزم» منه «التكليف بلازمه وهو الكفر» ليكون الإخبار من الله سبحانه بأنه يموت كافرا مطابقا للواقع وإلّا كان كذبا أو كان كاشفا عن الجهل في حقه تعالى وكلاهما لا يجوزان على الله تعالى ، وحينئذ يكون هذا تكليفا له بالكفر «مع الإيمان ، والجمع بينهما لا يطاق».

«والجواب» عن ما زخرفه الشقي الغوي «والله الموفق» إلى الصراط السّوي والمنهج الرضي أن نقول : لم يكلّف أبو جهل أن يعلم أنه كافر من أهل النار كما لم يكلف أن يعلم أن في المدينة منافقين مردوا على النفاق ، وكما لم يكلف أن يعلم أنّ امرأة لوط من أهل النار وامرأة فرعون من أهل الجنة ، وأن الله سبحانه أغرق فرعون وخسف بقارون وغير ذلك وقد جاء بذلك النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمن أين علمت يا ضلّيل أنه كلّف أن يعلم أنه من أهل النار.

وأيضا : «إن كفر أبي جهل» لعنه الله «سبب للإعلام» من الله سبحانه «بأنه كافر ضرورة«أي علمنا ذلك ضرورة وقد فعله أبو جهل باختياره له وتأثيره له على الإيمان من غير مانع ولا حائل بينه وبين الإيمان ، فلو آمن أبو جهل لكان الله تعالى يعلم منه الإيمان لأنّ علم الله سبحانه سابق للمعلوم غير سائق إليه ولا مؤثر فيه وهذا واضح «لا» كما عكّس الغوى من «أن ذلك الإعلام سبب لحصول كفره» لأنه لا تأثير لعلم الله تعالى في حصول الكفر ولا الإيمان من العبد البتّة «وإذا لم يكن» الإعلام «سببا» لكفره «لم يلزم التكليف» من الله تعالى لأبي جهل «بالكفر» بل حصل منه الكفر باختياره واتّباع هوى نفسه.

٣١٩

«وأيضا» إن أريد بالكفر جحد ما جاء به النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّا نقول : «لم يكلّف أبو جهل بالعلم بأنه كافر» أي جاحد ما جاء به النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لحصوله» أي الجحد «عنده» أي عند أبي جهل «بسبب كفره» فهو عالم بأنه جاحد لما جاء به النبيء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ومنكر» لشرعه.

وإذا كان كذلك كان تكليفه بأن يعلم ذلك محالا «إذهو تحصيل الحاصل وتحصيل الحاصل محال ، وكذلك أمر الحكيم به» أي بتحصيل الحاصل «محال» أيضا فلا يأمر به تعالى لأنه ينافي الحكمة «فثبت أنه لم يكلّف» أبو جهل وأبو لهب وسائر الكفار والفساق «إلّا بالإيمان بالله فقط» لا بالعلم بأنهم من أهل النار ، ولا بأنهم جاحدون للرسل وذلك واضح.

قال عليه‌السلام : «مع أن ما ذكره الأشعري» من تكليف ما لا يطاق «ردّ لقوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (١) ونحوها» كقوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) (٢) وغير ذلك ، وذلك تأكيد لدلالة العقل ومن ردّ آية من كتاب الله فلا شك في كفره.

(فصل)

في الألطاف

الوجه في ذكرها : كونها من تفضّلات الله تعالى التي فيها غاية الإحسان والحكمة كأصل التكليف.

«واللّطف» في اللغة بمعنى اللّطافة وهي نقيض الكثافة وهما من صفات الأجسام ، واللطف في عرف اللغة ما قرّب من نيل الغرض وإدراك المقصود حسنا كان أو قبيحا.

وأما في الاصطلاح فهو «تذكير» للمكلف «بقول أو غيره حامل» ذلك القول أو غيره «على فعل الطاعة أو ترك المعصية» لأجل كونها طاعة أو معصية

__________________

(١) البقرة (٢٨٦).

(٢) الطلاق (٧).

٣٢٠