عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٣٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

فكذلك توصف باعتبار نقلها عن إعرابها الأصلي إمّا بحذف لفظ أو زيادة لفظ ، أما بحذف لفظ فكما مر من قوله تعالى : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) وأما بزيادة لفظ فكقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

والثالث عشر : «أو المضاف إليه» أي حذف المضاف إليه وإقامة المضاف مقامه «نحو» قوله تعالى : (وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ) (١) أي وكلهم أي كل الأمم المتقدمة.

والرابع عشر : «أو تسمية الشيء باسم آلته نحو» قوله تعالى حاكيا عن الخليل صلوات الله عليه : (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (٢) أي أجعل لي ذكرا حسنا.

والخامس عشر : «أو» تسمية الشيء الذي هو البدل «باسم المبدل عنه» (٤) الذي هو دم القاتل «نحو أكل فلان الدم» فإنه قد أطلق لفظ الدم أي دم القاتل الذي هو مبدل عنه وأريد به البدل «أي الدية» فإنها بدل عن (٣) دم القاتل قال الشاعر :

أكلت دما إن لم أر عنك بضرّة

بعيدة مهوى القرط طيّبة النّشر

والسادس عشر : «أو تسمية الشيء باسم ضده نحو قولك لبخيل : فيك سماحة حاتم» متهكّما به أو تمليحا لاشتراك الضّدّين في التضاد فينزل التضاد منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم ، فالتمليح الإتيان بما فيه ملاحة وظرافة ، والتهكم الإتيان بما فيه سخريّة واستهزاء ولا يفرق بينهما إلّا بحسب المقام والقصد ، ذكر معنى ذلك صاحب المطول وفيه بسط مذكور في الشرح لكنهم جعلوه من قسم الاستعارة التي علاقته التشبيه.

والسابع عشر : «أو القلب» وهو أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر «نحو عرضت الناقة على الحوض» لتشرب وفي الحقيقة إنما عرض

__________________

(١) الفرقان (٣٩).

(٢) الشعراء (٨٤).

(٣) (ب) من.

١٨١

الحوض على الناقة أي جعله معروضا عليها أي معروضا لها لتشرب وأدخلت الخاتم في إصبعي.

قال في المطول : ووجه حسنه هو أنه لمّا كان المناسب هو أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه ، ويتحرك المظروف نحو الظرف وكان الأمر هنا على العكس قلبوا الكلام رعاية لهذا الاعتبار.

والثامن عشر : «أو المشاكلة في القول» أي إتباع كلمة لأخرى قبلها في حروفها فقط للمشاكلة اللفظيّة والمعنى مختلف ويكون في القول «تحقيقا نحو قول الشاعر :

قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه»

من الإجادة

«قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا»

أي خيطوا لي جبة وقميصا فشاكل بقوله اطبخوا لي الكلمة الأولى التي في كلام القائلين وهي طبخه ، وهم إنما أرادوا أن يجيدوا له طبخ ما أراد من الأطعمة فأجابهم بغير ما أرادوا تنبيها على أنه أحوج إليه ومن ذلك قوله تعالى : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (١).

وقوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (٢) إذ ليست المجازاة سيّئة ولا عدوانا.

«أو» تكون المشاكلة في القول «تقديرا» أي القول الذي قصد مشاكلته مقدر غير ملفوظ به «نحو قوله تعالى» (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) إلى قوله (صِبْغَةَ اللهِ) (٣) أي صبغنا الله بالإيمان صبغة مخصوصة بالمدح لا كصبغتكم فهي مفعول مطلق منصوب مضاف إلى الفاعل «أي تطهير الله لنا بالإيمان» ولكنه «عبّر عنه تعالى» أي عن الإيمان «بكلمة صبغة ليشاكل» أي

__________________

(١) الشورى (٤٠).

(٢) البقرة (١٩٤).

(٣) البقرة (١٣٦ ـ ١٣٨).

١٨٢

هذا التعبير أو كلمة صبغة «صبغة المقدرة المدلول عليها بأول الكلام» الذي من جملته «وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا» «لمّا كان» أي أول الكلام مسوقا «في النصارى وهم يزعمون أنه» الضمير للشأن «من انغمس في ماء أصفر» يسمو به المعمودية «وصبغ نفسه» بذلك الماء «فقد تطهّر» وصار بزعمهم نصرانيّا حقّا أي خالصا عن شائبة غير النصرانية فكأن النصارى قالوا : صبغنا أنفسنا صبغة وطهرناها تطهيرا. فأمر المسلمون أن يقولوا : (آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ...) (١) الآية.

والمعنى : أن هذا الإيمان الذي أمرنا الله به هو تطهيرنا وصبغتنا فلهذا جاء المفعول المطلق بعده مؤكدا لهذا المعنى وهو قوله : «صبغة الله» فكان معنى قوله تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ ...) إلى آخره : أي صبغنا الله صبغة لا مثل صبغتكم وطهرنا الله تطهيرا لا مثل تطهيركم.

فقد عبّر عن التطهير بالإيمان بكلمة صبغة مجازا مشاكلة لكلمة صبغة الحقيقة المقدرة في قول النصارى.

والتاسع عشر : «أو الزيادة في القول» فإن الكلمة المزيد فيها يطلق عليها اسم المجاز.

وأشار صاحب المفتاح إلى أن الموصوف بالمجاز فيما تغيّر حكم إعرابه بالزيادة أو النقصان هو نفس الإعراب والظاهر هو الأول «كقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) على أحد وجهي معناه» وهو حيث كان لفظ الكاف زائدا لأن المعنى حينئذ : ليس مثله شيء.

والوجه الثاني ذكره صاحب الكشاف وهو : أن يكون المعنى : ليس مثل مثله شيء على طريق الكناية كما في قولهم : مثلك لا يبخل والمراد أنت لا تبخل فيكون نفيا للمثل بطريق الكناية التي هي أبلغ لأن الله سبحانه موجود فإذا نفي مثل مثله لزم نفي مثله ضرورة أنه لو كان له مثل لكان هو أعني الله

__________________

(١) البقرة (١٣٦).

١٨٣

تعالى مثل مثله فلم يصح نفي مثل مثله كما تقول : ليس لأخي زيد أخ أي ليس لزيد أخ نفيا للملزوم بنفي لازمه والظاهر هو الأول والله أعلم.

قال عليه‌السلام : «وقد زيد» في العلاقة «غير ذلك» أي غير التسعة عشر نوعا «وهي» أي المزيدة «داخلة فيما ذكرت إلّا إطلاق المعرف على المنكر» فإنه غير داخل فيها «نحو قوله تعالى : (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) (١) أي» ادخلوا «بابا من أبوابها» أي من أبواب القرية وهذا حيث كان للقرية أبواب كثيرة مشهورة.

أمّا إذا لم يكن لها إلّا باب واحد أو أبواب غير مشهورة إلّا واحدا منها فإن الألف واللام تكون للعهد الذهني والله أعلم.

«والصحيح أنه» أي إطلاق المعرف على المنكر «من أقسام المعرف باللّام حقيقة» لا مجازا لأنها تجري عليه أحكام المعارف من وقوعه مبتدأ وخبرا وذا حال ووصفا للمعرفة وموصوفا بها ونحو ذلك ، «ويسميه نجم الدين» أي الشريف الرضي صاحب شرح كافية ابن الحاجب في النحو «بالتعريف اللفظي» ومنه قوله تعالى (وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) (٢) وإنما كان هذا من أقسام الحقيقة وإن كان في المعنى كالنكرة لما بينهما من تفاوت وهو أن النكرة معناها بعض غير معين من جملة الحقيقة وهذا معناه نفس الحقيقة وإنما تستفاد البعضيّة من القرينة كالدخول والأكل في المثالين ، فالمجرد وذو اللام بالنظر إلى القرينة سواء وإلى أنفسهما مختلفان ، ومشابهته للنكرة في بعض الوجوه لا يخرجه عن كونه حقيقة والله أعلم.

قال عليه‌السلام : «وإذا عرفت ذلك» أي ما سبق ذكره في التمهيد «امتنع أن يجري لله(٣) تعالى من المجاز ما يستلزم علاقته التشبيه» لما ثبت من أنه تعالى لا يشبه شيئا.

«وأمّا» ما جاء من نحو الآيات التي توهم التشبيه «نحو قوله تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (٤) ونحوها مما ذكر فيه الوجه فالمراد به ذات الله

__________________

(١) البقرة (٥٨).

(٢) يوسف (١٣).

(٣) (ض) على الله.

(٤) القصص (٨٨).

١٨٤

سبحانه وتعالى «فعلاقته الزيادة في القول» كقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) والمعنى : كل شيء هالك إلّا إياه (١) «لا» أنّ إطلاق لفظ الوجه عليه سبحانه وتعالى من «تسمية العام باسم الخاص» أي لا من تسمية الكل باسم الجزء لاستحالة تشبيهه تعالى بالأجسام التي لها عموم وخصوص أو بعض وكل.

«وأما قوله تعالى» (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) (٢) «وقوله تعالى :

(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ)(٣).

«وقوله تعالى : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) (٤).

«وقوله تعالى : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) (٥).

«فالعلاقة» في هذه الآيات «المشاكلة في القول» تحقيقا أو تقديرا كما مر «عبّر الله عزوجل عن قدرته تعالى في الآية الأولى بقوله (بِيَدَيَ) ليشاكل كلمة اليد المقدّرة» في اللفظ المقدّر وهي الجارحة المعروفة «الخاطرة بذهن السامع عند سماعه قوله تعالى (خَلَقْتُ) لمّا كان المخاطب لم يشاهد مزاولة صنع» أي إحداث صنع «إلّا باليد ونظيره» أي نظير قوله تعالى : (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) «صبغة الله» كما مرّ» تحقيقه.

ونحو قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ...) الآية (٦).

«وعبّر جل وعلا عن نعمته تعالى» في الآية «الثالثة» وهي قوله تعالى : (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) «بكلمة اليدين ليشاكل كلمة اليد» المذكورة «فيما حكاه الله عن اليهود» لعنهم الله «حيث قالوا : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) ومعنى مغلولة أي مقبوضة عن العطاء.

__________________

(١) (ض) إلّا هو.

(٢) ص (٧٥).

(٣) المائدة (٦٤).

(٤) القمر (١٤).

(٥) المائدة (١١٦).

(٦) يس (٧١).

١٨٥

قال في الكشاف : وليس قصدهم الجارحة وإنما قصدوا الكناية عن البخل «ونظيره : قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا في البيت» السابق ، «وقوله تعالى (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) كالأول» أي المشاكلة في القول تقديرا لأنه تعالى عبّر عن حفظه للسفينة أي سفينة نوح «بقوله» (تَجْرِي) «بأعيننا مشاكلة لكلمة العين المقدرة وهي الجارحة الخاطرة بذهن السامع لمّا كان لا يتم حفظ مثلها» وهو كل محفوظ «لأحد في الشاهد إلّا بمتابعة(١) إبصارها بالعين» الجارحة.

«وقوله تعالى : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) كالثاني» أي المشاكلة في القول تحقيقا.

وقال محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهم‌السلام : يعني : أنت تعلم ما أعلم ولا أعلم أنا ما تعلم ، كما يقول القائل : هذا نفس الحق وهذا نفس الصواب وهذا وجه الرأي وهذا وجه الكلام ووجه الحق.

قلت : فعلى هذا يكون من مجاز الزيادة في القول والله أعلم.

وقال الناصر عليه‌السلام : اليد في كلام العرب تقال على ستة أوجه :

أحدها : بمعنى الجارحة وجمعها أيد ، وبمعنى النعمة وتجمع على أياد ، وبمعنى القدرة ، وبمعنى الملك يقال : هذه الدار في يد فلان أي في ملكه وتصرفه ، وبمعنى الأمر والسلطان يقال : يد الأمير أعلى من يد الوزير ، وله على الرعيّة يد أي طاعة وبمعنى الصلة في الكلام والزيادة كقولك : هذا ما جنت يداك أي جنيته أنت ، وليست حقيقة إلّا في الجارحة.

«وقوله تعالى حاكيا» عن الكفار والفساق (يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ) (٢) من المجاز أيضا» لتعذر حمله على الحقيقة لأن الجنب حقيقة شق الحيوان والناحية وكلاهما لا يجوزان على الله تعالى فكان مجازا «لأن الجنب هنا» أي في هذه الآية «عبارة عن الطاعة» التي أمر الله بها «والعلاقة» هنا بين الطاعة وبين الجنب «تسمية الحال» وهو الطاعة «باسم محله» وهو الجنب

__________________

(١) (ض) بمتابعته.

(٢) الزمر (٥٦).

١٨٦

والجهة لأنه لا بدّ للطاعة من محل وجهة تفعل فيها «والمحل» الذي هو الجنب والجهة التي تفعل فيها الطاعة هو «غير الله» سبحانه وتعالى وإنما كان هذا تسمية للحال باسم محله «لأن ذلك تعبير عن الطاعة بكلمة الجنب الذي هو الجهة الحاصلة تلك الطاعة منها(١) لأن الجنب يطلق على الجهة» حقيقة كما يقال : أخصب جناب القوم أي جهتهم وأنشد الأخفش شعرا :

النّاس جنب والأمير جنب

وكما قال الشاعر» وهو النابغة الذبياني يصف قرن ثور الوحش خارجا من جنب صفحة كلب الصيد حين أرسله على الثور فنطحه :

«كأنه» أي القرن» خارجا من جنب صفحته» أي من جهة صفحة الكلب والصفحة الجنب أي من جهة جانب الكلب :

«سفّود شرب نسوه عند مفتادى»

السّفود بالتشديد وفتح السين الحديدة التي يشوى بها اللحم ، والشّرب بفتح الشين الجماعة يجتمعون على الشراب وهو جمع شارب مثل صاحب وصحب ثم يجمع الشرب على شروب قال الأعشى :

هو الواهب المسمعات الشّروب

بين الحرير وبين الكتن

والمفتأد التنور والموضع الذي يشوى فيه اللحم.

«وأضيف» أي الجنب» إلى اسم الله تعالى لأنه عبارة عن طاعته» فكما تضاف الطاعة إلى الله سبحانه وتعالى يضاف ما هو عبارة عنها إليه تعالى ومثل هذا قوله :

أما تتّقين الله في جنب عاشق

له كبد حرّا عليك تقطّع

قال عليه‌السلام : «و» أما «رحمن ورحيم» فإنهما «حقيقتان دينيتان» كالمؤمن والكافر «لا لغويتان» في حقه تعالى أي أطلقتا عليه جل وعلا بتعليم الشارع وأمره «لأنهما لو كانا مجازا» في حقه تعالى عبّر بهما عن المسبل النعم على

__________________

(١) (ب) فيها.

١٨٧

العباد والممهل العصاة والقابل التوبة ونحو ذلك «لافتقرا إلى القرينة» إذ لا بد لكل مجاز من القرينة كما سبق ذكره «وهما لا يفتقران» إليها «بل لا يجري لفظ رحمن مطلقا» أي مضافا وغير مضاف «و» لا يجري لفظ «رحيم» حال كونه «غير مضاف إلّا له تعالى» دون غيره وأما إذا أضيف رحيم فإنه يقال فلان رحيم بعشيرته «ولو كانا» أي رحمن ورحيم «لغويتين» أي حقيقتين لغويتين «لاستلزما التشبيه» له جل وعلا عن ذلك بذي الحنو والشفقة والرقة من خلقه «وقد مر إبطاله» أي إبطال التشبيه.

قلت : ولا بد في كونهما مجازين في حقه تعالى وقرينتهما العقل والسمع وذلك أنه شبه فعله تعالى بالمخلوقين من إسبال النعم عليهم في الدنيا والآخرة وإمهالهم والستر عليهم في دار الدنيا وقبول التوبة ونحو ذلك بفعل ذي الحنوّ والشفقة والرقة ، ولا يلزم من تشبيه فعله سبحانه بفعل المخلوق تشبيهه جل وعلا بشيء من خلقه كما سنذكره من بعد في رحمة الله تعالى.

ومن ذلك قوله تعالى : (وَهُوَ خادِعُهُمْ) (١) (وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٢) ونحو ذلك وأيضا : قد ثبت أن رحمة في حقه تعالى مجاز فكذلك ما اشتق منها وهو رحيم ورحمن والله أعلم.

ورحيم» ورحمن مع كونهما حقيقتين دينيتين مختلفان فرحيم «منقول» من معناه اللغوي إلى المعنى الشرعي «ورحمن غير منقول» من معنى لغوي إلى غيره «إذ لم يطلق» أي رحمن «على غيره» جل وعلا «لغة» أي في لغة العرب «البتة» أي في كل حال لا مقيّدا ولا غير مقيّد يقال : لا أفعله بتّة ولا أفعله البتة لكل أمر لا رجعة فيه ونصبه على المصدر «وقولهم» أي قول بعض بني تميم المغترين بمسيلمة الكذاب «رحمن اليمامة» يريدون مسيلمة لعنه الله قال قائلهم فيه :

وأنت غوث الورى

لا زلت رحمانا

لا ينقض ما ذكرناه لأنه «كقول الصوفية : الله للمرأة الحسناء» اعتقادا

__________________

(١) النساء (١٤٢).

(٢) آل عمران (٥٤).

١٨٨

منهم أن ربهم يحل في الصورة الحسنة وكذلك قول أهل اليمامة في مسيلمة لاعتقادهم أنه متنزل منزلة ربهم في وجوب طاعته لكونه رسول الله بزعمهم أو تسمية المضاف باسم المضاف إليه «تعالى الله عن ذلك» علوّا كبيرا.

«وأما رحمة الله» التي وردت في القرآن الكريم وفي غيره «فمجاز لأن العلاقة» ما بين المدلول الحقيقي والمجازي (١) «المشابهة بين فعله تعالى وفعل ذي الحنو والشفقة من خلقه» ولا يستلزم ذلك المشابهة في الذات لأن المشابهة في الفعل غير المشابهة في الذات.

ومن ذلك قوله تعالى : (يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) (٢).

وقوله تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) (٣).

وقوله عزوجل : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ) (٤) وغير ذلك كثير.

ومن ذلك قوله تعالى : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ) (٥) مستعار من قول الرجل لمن يتهدده : سأفرغ لك يريد سأتجرد للإيقاع بك عن كل شيء يشغلني فهو كناية عن الوعيد على أبلغ وجوهه.

قال عليه‌السلام : «وجميع ذلك» أي إطلاق ما هو مجاز على الله تعالى «لا يكون إلّا سماعا اتفاقا» بين أكثر العلماء لا أنه لا يجوز إطلاق شيء من المجاز على الله تعالى إلّا بإذن شرعي.

وقد جوز بعضهم إطلاق المجاز على الله تعالى إذا قيد بما يرفع الإيهام وإن لم يرد به سمع.

(فصل)

«ولا يجوز أن يجري على الله تعالى من الأسماء إلّا ما تضمن مدحا» له جل وعلا «إجماعا» بين المسلمين «لقوله تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ

__________________

(١) (ش) لأن العلاقة فيها بين المعنى الحقيقي والمجازي إلخ.

(٢) النساء (١٤٢).

(٣) القلم (٤٤).

(٤) الأنفال (٣٠).

(٥) الرحمن (٣١).

١٨٩

بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) (١) أي يميلون فيها فيدعونه بما لا يجوز إطلاقه عليه.

واعلم : أن العلماء مختلفون في أسماء الله تعالى هل هي مقصورة على تسعة وتسعين اسما أو غير مقصورة على ذلك؟

فقال بعضهم : إنها مقصورة على ذلك العدد لما روي في البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة».

وذهب آخرون إلى أن أسماء الله وصفاته زائدة على هذا العدد وحجتهم الخبر المأثور عن النبيء صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : «ما أصاب أحدكم همّ ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك وابن عبديك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك عدل فيّ قضاءك ، أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همّي إلّا أذهب الله حزنه وهمّه وأنزل مكانه فرحا».

حكى هذا الإمام يحيى عليه‌السلام في الشامل قال : والمختار : أن أسماء الله تعالى وصفاته زائدة على تسعة وتسعين لأمرين :

أما أوّلا : فلأنه قد ورد في القرآن ما ليس مذكورا في رواية أبي هريرة من الصفات المفردة كقوله تعالى : «المولى والنصير ، والغالب والقريب ، والرّب ، والناصر».

ومن الأسماء المضافة كقوله تعالى : (شَدِيدُ الْعِقابِ ، غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ) وغير ذلك.

وأما ثانيا : فلما ورد في الخبر المتقدم.

قال «الجمهور» من العلماء «ولا يفتقر» شيء من أسمائه تعالى «إلى» أذن

__________________

(١) الأعراف (١٨٠).

١٩٠

«السمع إلّا المجاز» كما تقدم.

وأما الحقيقة فيجوز إطلاقها على الله سبحانه مهما تضمّنت مدحا من غير أذن الشرع ما لم توهم الخطأ كالفاضل والفقيه والفطن والذكي فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى وإن كان معناه حاصلا في حق الله تعالى لإيهامه الخطأ.

وأما الأسماء المشتركة التي يصح بعض معانيها في حق الله تعالى دون بعض فلا يجوز إطلاقها عليه جل وعلا إلّا مع نصب القرينة الصارفة عن الخطأ قال عليه‌السلام : «قلت : وما سمّى الله تعالى به نفسه من الحقائق الدينية» كرحمان ورحيم يعني فإنه يحتاج إلى الأذن السّمعي وهذا على ما اختاره عليه‌السلام من أنهما حقيقتان دينيّتان ، وأما من ذهب إلى أنهما مجازان فحكمهما حكمه.

وقال الإمام «المرتضى» محمد بن يحيى عليه‌السلام «و» أبو القاسم «البلخي» وأكثر أصحابه البغداديين «وجمهور الأشعرية» وهو قول أكثر المجبرة : «بل والحقيقة» تفتقر إلى أذن السمع في إطلاقها على الله تعالى كالمجاز ، وهؤلاء هم الذين يقولون إن أسماء الله تعالى توقيفيّة.

قال النجري : وهذا الخلاف إنما هو في الأسماء وأما وصفه بصيغ الأفعال نحو يخلق ويرزق أو خلق ورزق فلا يمنع منه أحد.

«قلنا : إذا» أي لو كان كما زعمتم «لامتنع وصفه تعالى بما يحق له» من الأسماء المتضمنة للمدح «ممن عرفه ولا تبلغه الرسل» إن جوزنا ذلك وهو أن يكون في المكلفين من الجن والإنس من لا تبلغه الرسل وينفرد التكليف العقلي عن السمعي «ولا مانع» من وصفه تعالى بما يحق له من الحقائق المتضمنة (١) للمدح ممن كان كذلك «عقلا» أي من جهة العقل بل يحكم العقل بأن وصفه تعالى بما يحق له حسن وثناء عليه وتمجيد له جل وعلا.

قلت : وانفراد التكليف العقلي عن السمعي عن أي المكلفين بعيد وقد

__________________

(١) (ض) المقتضية.

١٩١

تقدم ذكر ذلك في أول الكتاب في سياق قوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ ...) الآية.

قال «القاسم» بن إبراهيم عليه‌السلام «و» هو «ظاهر كلام الهادي عليه‌السلام» وغيرهما من قدماء أهل البيت عليهم‌السلام «و» لفظ «شيء لا يجوز أن يجرى على الله تعالى اسما له» جل وعلا «إلّا مع قيد» وهو قولنا «لا كالأشياء» فيقال : الله سبحانه شيء لا كالأشياء «ليفيد المدح» لله والتنزيه له عن مشابهة غيره.

وقال الإمام «المهدي» أحمد بن يحيى المرتضى «عليه‌السلام وأبو هاشم» من المعتزلة ومن تبعهما : بل «يجوز» أن يجري شيء اسما لله تعالى «بلا قيد مطلقا» أي عقلا وسمعا.

قالوا : أما عقلا : فعلى قاعدة اللغة «إذ يفيد لفظ شيء كونه تعالى معلوما» لأن الشيء في اللغة ما يصح العلم به على انفراده ، وقولهم على انفراده لتخرج الصفات فليست بأشياء ولا يصح العلم بها على انفرادها والله تعالى أجل المعلومات.

وأما سمعا : فلورود ذلك في قوله تعالى : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (١) وقوله : (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢).

«قلنا : ليس كون الاسم» دالّا على أنّ مسمّاه معلوم هو المصحّح لإطلاق ذلك الاسم على الله تعالى وإن كان حقيقة لغوية إذ «العلم» بهذه المثابة (٣) «يفيد كون مسمّاه معلوما وليس بمدح كإبليس لعنه الله» فإنه يفيد كون مسماه معلوما وليس بمدح وقد عرف بما تقدم من الإجماع وغيره أنه لا يجوز أن يجري لله تعالى من الأسماء إلّا ما تضمّن مدحا ولا مدح في إطلاق لفظ شيء على الله سبحانه من غير قيد لا كالأشياء.

__________________

(١) الأنعام (١٩).

(٢) البقرة (٢١٢).

(٣) (ض) زيادة أي في قوله إذا العلم بهذه المثابة أي يفيد إلخ فأي لا فائدة في إثباتها إذ قوله يفيد خبر المبتدئ وليس تفسيرا تمت.

١٩٢

«وإن سلم» أن كون الاسم دالّا على أنّ مسمّاه معلوم يكفي في جواز إطلاقه على الله فلا نسلم لكم أن لفظ شيء يفيد ذلك في حق الله تعالى إذ «لم يفد» أي لفظ شيء «كونه تعالى معلوما إلّا مع قيد لا كالأشياء» وأما بغير ذلك القيد فلا يفيد كونه تعالى معلوما لأنه لا يعرفه إلّا من لم يشبّهه» تعالى بغيره.

ولفظ شيء لا يدل على أنه شيء ليس كمثله شيء بل هو محتمل للجسم والعرض وغيرهما فلم يفد لفظ شيء كون الله تعالى معلوما البتة.

وقال «أبو علي وأبو عبد الله البصري» من المعتزلة وغيرهما : «بل» إنما يجوز أن يجري لفظ شيء اسما لله تعالى «سمعا فقط» لا عقلا فلو لم يرد به السمع لم يجز إطلاقه عليه «إذ هو كاللقب» واللقب هو الاسم الموضوع لتعيين مسمّاه من غير أن يدل على معنى فيه كالعلم عند النحاة نحو زيد وعمرو وفرعون وإبليس ولا معنى له سوى تمييز الأشخاص وتعيينها فهو لتمييز الغائب وتشخيصه كالإشارة الحسيّة إلى الحاضر ولهذا لا يجري اللقب على الله تعالى اتفاقا لمّا لم يفد مدحا.

«قلنا : يمتنع» إطلاق لفظ شيء على الله تعالى بغير قيد عقلا وسمعا «لأنه لا يفيد كونه تعالى معلوما من غير قيد ولا تضمّن مدحا وليس بعلم» أي ليس بلقب «فلم يفد» في حقه تعالى فائدة «والحكيم لا يخاطب إلّا بالمفيد» إذ هو مقتضى الحكمة «و» أما ما احتجوا به من السمع مثل «قوله تعالى : (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فإنه «عام للأشياء المتشابهة» من سائر المخلوقات «و» الشيء «الذي ليس كالأشياء» وهو الله سبحانه وتعالى فهو في المعنى مقيّد ولكنه لمّا كان المقصود بشيء في هذا الموضع العموم لم يمكن ذكر القيد الذي لبعض الأشياء لدخوله في ضمن الشيء الذي ليس بمقيد.

وكذلك كل لفظ عام لما هو مقيد في المعنى وما هو غير مقيد إذا أتي به وأريد به العموم فإنه لا يمكن ذكر القيد وإن كان القيد مقصودا في المعنى كقوله تعالى : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ) أيّ أيّ شيء من الأشياء المتشابهة والشيء الذي ليس كالأشياء.

١٩٣

واعلم أن لفظ شيء أعم العام لوقوعه على ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ولذلك صح أن يقال : الله سبحانه شيء لا كالأشياء أي معلوم لا كسائر المعلومات ، ولم يصح أن يقال: جسم لا كالأجسام لأنّ الجسم هو الطويل العريض العميق فإذا قيل لا كالأجسام كان مناقضة ، وأما المعدوم فلا يسمّى شيئا إلّا على طريق المجاز كما سبق ذكره.

(فرع)

«والجلالة» وهي لفظ الله تعالى «اسم لله تعالى بإزاء مدح» له جل وعلا لأن معناها : الجامع لصفات الإلهية التي لأجلها تحقّ له العبادة والعبوديّة لأن جميع هذه الصفات تفهم من إطلاق هذه اللفظة وهذا مذهب الجمهور من أهل علم الكلام.

فعلى هذا هو غير مشتق ، وكذلك روي عن سيبويه والأخفش من أئمة اللغة أنه غير مشتق.

وقال أبو القاسم البلخي وغيره : بل هو مشتق وأصله إله فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللّام وأدغمت أحد اللّامين في الأخرى.

وقيل : أصله الإله فنقلت حركت الهمزة إلى اللّام قبلها وحذفت وأدغمت أحد اللّامين في الأخرى ثم فخّم إذا كان قبله ضم أو فتح ورقّق إذا كان قبله كسر ، واختلفوا مما اشتقّ :

فقيل : من الوله ، وهو التّحيّر في الشيء.

وقيل : من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه.

وقيل : من لاه أي أحتجب.

وقيل : من التّألّه وهو التّعبّد والتنسك وقيل : غير ذلك وقد استوفيناه في الشرح.

والأقرب هو الأول وهو أنه غير مشتقّ لأنه لو كان مشتقّا لزم أن لا يسمّى الباري جل وعلا الله في الأزل إلّا بعد وله العباد ونحوه مما زعموا أنه

١٩٤

مشتق منه فقط وهو ظاهر البطلان إلّا أن يقال (١) إنه يجوز الاشتقاق من اسم ما سيحصل كما سيجيء إن شاء الله.

وأيضا : لو كان مشتقّا لكان معنى الإله والله واحد وهو من تحقّ له العبادة وهذا وإن قاله بعضهم فإن المشهور عند المحققين خلافه وهو أن الله والإله مختلفان :

فالإله هو من تحقّ له العبادة ومن ثمّ سمّت العرب الأصنام آلهة لاعتقادهم أنها تحق لها العبادة.

وأما الله : فإنه لم يطلق في جاهلية ولا إسلام إلّا على ربنا جل وعلا ذكر هذا النجري في شرحه.

فثبت بما ذكرناه أن لفظ الجلالة اسم له جل وعلا بإزاء مدح «وليس بعلم» له تعالى لأن الأعلام لا تفيد معنى سوى تمييز مسمّاها.

وقالت «النحاة» وهم أهل علم النحو : «بل هي» أي الجلالة «علم» له تعالى كسائر الأعلام الغالبة.

قالوا : أصله إله فحذفت منه الهمزة وأدخل اللّام لرفع الشياع الذي ذهبوا إليه من تسمية أصنامهم آلهة وأدغمت لام التعريف في اللّام التي بعدها ولزمت كالعوض من الهمزة المحذوفة ومن ثمّ تقطع الهمزة في النّداء.

«قلنا : العلم» إنّما «يوضع لتمييز ذات عن جنسها والله تعالى لا جنس له» فيميز بعضه عن بعض «لما مر» من أنه الأحد الذي ليس كمثله شيء.

«قالوا : أصل الله إله بمعنى مألوه أي معبود» والإلهة لعبادة «واللّام بدل من الهمزة» كما ذكرناه آنفا «فهو من الأعلام الغالبة» على مسمّى واحد بعد أن كان ذلك الاسم يصح إطلاقه على ذلك المسمّى وعلى غيره لأنه «كان عامّا في كل معبود» حقّا أو غير حقّ «ثم اختص» بعد دخول الألف واللّام وكثرة الاستعمال «بالمعبود حقّا» وهو الله ربّ العالمين فصار لا يفهم من لفظ الله إلّا

__________________

(١) في نسخة إلّا أن يقال يصح الاشتقاق ممّا سيوجد في المستقبل كما سيوجد إن شاء الله تعالى.

١٩٥

ربنا جل وعلا وذلك «كالصّعق» فإنه في الأصل صفة «كان عامّا لكل من أصابته الصاعقة» وهي المهلكة من ريح أو غيرها «ثم اختص» أي لفظ الصعق لأجل الغلبة وكثرة الاستعمال «برجل» واحد فصار لا يفهم من إطلاق لفظ الصعق إلّا ذلك الرجل وهو خويلد بن نفيل احتملته الريح فذهبت به فمات قال الشاعر :

وإنّ خويلدا فابكي عليه

قتيل الريح في البلد التهامي

 «قلنا : ابتداء جعلها» أي الجلالة «للباري سبحانه وتعالى اسما وقت الشرك به» جل وعلا من الكفار «قريب من دعوى علم الغيب» الذي لا يعلمه إلّا الله سبحانه فمن أين لهم أنه جل وعلا لم يسمّ بهذه اللفظة الشريفة قبل خلقه للكفار «بل الأظهر أنها اسم له تعالى قبل ذلك» يدعوه بها الملائكة المقربون وغيرهم ممن خلق الله سبحانه وتعالى بإلهام الله سبحانه لهم إلى ذلك وتعليمه إيّاهم.

«وواحد وأحد اسمان له تعالى بإزاء مدح إذ هما بمعنى المنفرد بصفات الإلهية» التي لا يشاركه فيها أحد (١).

أعلم : أن لفظ أحد وواحد يستعمل في معان قد يراد بهما واحد العدد وقد يراد بهما ما لا يقبل التّجزي والانقسام ، وهذان المعنيان مستحيلان في حقه تعالى ، وقد يراد بهما المختص بصفات الكمال أو بعضها على حد يقل المشاركة له فيها كما يقال : فلان وحيد عصره ، وهذا أيضا مستحيل في حقه تعالى.

وقد يراد بهما واحد القدم والإلهيّة المستحق للعبادة وهو المنفرد بصفات الكمال على حد يستحيل أن يشاركه فيها مشارك ، وهذا المعنى هو الذي يجوز إطلاقه على الله تعالى.

«ولا يجوز أن يكونا له» جل وعلا «بمعنى أول العدد لعدم تضمنه المدح» كما ذكرناه آنفا ، ولأنه يلزم منه التشبيه لاقتضائه التناهي والتحديد.

__________________

(١) (ض) مشارك.

١٩٦

(فائدة) : قال في كتاب الباهر المصنف على مذهب الناصر عليه‌السلام ما لفظه : اختلفوا في الواحد هل هو من العدد أو لا (١).

فقال أهل الهندسة والحساب : أوّل العدد اثنان لأنه يحتمل التّضعيف والتّنصيف والواحد يقبل التضعيف ولا يقبل التنصيف وكذلك ما لا نهاية له لا عدد له لأنه لا يقبل لا التضعيف ولا التنصيف.

وقال قوم : أول العدد الواحد لأنه منه يبدأ وعليه يبنى ، والجميع يتفقون على أنه تعالى واحد ليس من طريق العدد لأن ما يكون من طريق العدد يبدأ به ويضم نوعه وجنسه ومثله إليه فيعدّ وهو تعالى منفرد (٢) بذاته لا ثاني له فيعدّ معه ولا يذكر مع غيره تعظيما له بل يعرف بذكره ويذكر غيره ولهذا قال تعالى : (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (٣) فرد الكناية إليه وحده دون الرسول فاعرف ذلك. انتهى.

قلت : وهذا حق ولهذا أنكر ابن عباس على الرجل الذي قال بين يديه ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى فنهاه عن ذلك فقال قل : ومن يعص الله ورسوله فقد غوى. رواه في أصول الأحكام.

وروى عدي بن حاتم : أن رجلا خطب عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : «بئس الخطيب أنت قل : ومن يعص الله ورسوله» رواه مسلم ، ولأبي داود قريبا منه ، وللنسائي كذلك.

(فصل)

في الفرق بين صفات الذّات وصفات الفعل

قال عليه‌السلام : «وصفات الذات نحو قادر» وحيّ وعالم وسميع

__________________

(١) (ض) أم لا.

(٢) (ض) واحد منفرد.

(٣) التوبة (٦٢).

١٩٧

وبصير وقديم ، وما لم يكن باعتبار أمر يفعله وهو يوصف به جل وعلا في الأزل.

وأما صفات الفعل فقال «المرتضى» محمد بن يحيى عليه‌السلام : «وصفات الفعل» هي «ما يصح إثباتها ونفيها نحو» قولنا «خالق لخلقه تعالى» فهذه صفة إثبات «غير خالق للمعاصي» وغير خالق في الأزل هذه صفة نفي.

فعلى هذا : صفات الذات ما كان لا يجوز فيه التضاد ويوصف تعالى بها في الأزل.

وصفات الفعل ما دخله التّضاد ولا يوصف بها إلّا بعد وجود المخلوق كخالق ورازق ومحيي ومميت.

«واختلف في مسألتين : الأولى» منهما : «مالك ورب» : فقال الإمام «المهدي» أحمد بن يحيى عليه‌السلام «وغيره : وهما صفة ذاتية» له تعالى «إذ هما بمعنى قادر» قالوا : لأن المالك في اللغة هو من يملك التصرف التّام من غير عجز ولا منع وهذا هو معنى القادر ، وأما رب فهو بمعنى مالك وقد ثبت أن مالك بمعنى قادر.

وقال أبو القاسم «البلخي» وغيره وهو قول المرتضى عليه‌السلام : «بل هما» أي مالك ورب «صفة فعل لأن الملك لا يكون إلّا بعد وجود المملوك ، والرب من التربية ولا يكون إلّا بعد وجود المربّى» فعلى هذا لا يوصف تعالى عندهم بأنه مالك ورب في الأزل.

قال عليه‌السلام : «والحق أنهما صفتا ذات لا بمعنى قادر» كما ذكره الإمام المهدي عليه‌السلام «إذ لا يدلّان على معنى قادر مطابقة» أي دلالة مطابقة وهي دلالة اللفظ على تمام ما وضع له «بل» إنما يدلّان على معنى قادر «التزاما» أي دلالة التزام وهي دلالة اللفظ على لازم ما وضع له «كعالم» فإنه يدل على فاعل المحكم مطابقة وعلى قادر التزاما إذ من لازم الحكيم أن يكون قادرا.

«ولا قائل» من أهل علم الكلام ولا غيرهم «بأن عالما بمعنى قادر»

١٩٨

لاختلاف مدلوليهما (١) «وليستا» أي مالك ورب «بصفتي فعل» كما ذكره أبو القاسم ومن معه «لثبوتهما لغة لمن لم يفعل ما وضعا(٢) له» من حيث ثبت أنه «يقال : فلان رب هذه الدار وإن لم يصنعها» أي يبنيها «أو يزد فيها» أو ينقّص منها.

«و» يقال : «فلان مالك ما خلّف أبوه من المال وإن لم يحدث فعلا» فيما خلّفه أبوه «فهما حينئذ صفتان له تعالى باعتبار كون المملوك له» أي لله جل وعلا «فقط» أي لا بنظر إلى فعل «وهما حقيقتان قبل وجود المملوك لا مجازا» كما ذهب إليه بعض علماء العربية فيما يشتق من المستقبل «لما سيأتي إن شاء الله تعالى» في مسألة خالق ما سيكون وهذا اختيار الإمام عليه‌السلام في هاتين الصفتين.

والذي يظهر لي فيهما أنهما صفتا فعل لأنهما ثبتا لله سبحانه باعتبار فعل وهو خلقه وإحداثه للمملوك والمربوب وملكه جل وعلا له.

وأما قولهم : فلان رب هذه الدار لمن لم يصنعها : فإنه لا بدّ له من عمل في الدار قليلا أو كثيرا إمّا بالشراء لها أو بالتّغنّم والحيازة (٣) أو قبول الهبة أو نحو ذلك.

وأما قولهم : فلان مالك ما خلف أبوه : فإنه قد نزل حكم الله سبحانه بتمليكه الميراث منزلة فعله والله أعلم.

«والثانية» من المسألتين المختلف فيهما :

«حليم وغفور» بعد الاتفاق بين أبي علي وابنه أبي هاشم : أنه لا يوصف جل وعلا بهما إلّا بعد خلق العالم بل بعد وقوع العصيان ولكن اختلفا هل هي راجعة إلى الإثبات أو إلى النفي.

فقال «أبو علي» ومتابعوه : «وهما من صفات الفعل» أي يرجعان (٤) إلى

__________________

(١) (أ) مدلولهما.

(٢) (ض) ما وضعتا.

(٣) (أ) أو الحيازة.

(٤) (ض) أي راجعتان.

١٩٩

الإثبات «أي» هو تعالى «فاعل للعصاة ضد الانتقام» أي ضد المعاقبة «من إسبال النعم» عليهم «والتمهيل» لهم «وقبول توبة التّائب» منهم ونحو ذلك من التفضلات.

وقال «أبو هاشم : بل» هما «صفتا نفي» أي راجعة إلى النفي «أي تارك الانتقام» من العاصين عقيب عصيانهم أي لا يعجّل بالانتقام منهم.

قال عليه‌السلام : «قلت : وهو الحق لأنه معناه لغة» أي في لغة العرب لأنهم يقولون : حلم فلان عن فلان أي لم يعاقبه أو لم يعجل بعقوبته ، وكذلك غفر له أي لم يعاقبه.

(فرع)

«والله خالق ما سيكون» وإن كان صفة فعل فهو «حقيقة وفاقا لبعض أهل العربية وأبي هاشم ، فلا يفتقر» إطلاقه على الله سبحانه وتعالى «إلى السمع» لكونه حقيقة هذه الرواية عن أبي هاشم رواها الإمام المهدي عليه‌السلام في الدامغ فقال :

قال أبو هاشم : بل حقيقة في الماضي والمستقبل كالحال لأنها صفات لمن صدر منه الفعل مطلقا من غير نظر إلى زمان.

وفي هذه الرواية نظر لما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى وقد بسطنا الكلام في الشرح فليرجع إليه.

وقال «الجمهور» من علماء أهل علم الكلام وغيرهم :

«بل مجاز» في حقه تعالى وفي غيره «لعدم حصول معنى المشتق منه وهو الخلق» لأنه مشتق من الخلق فوجب أن يتبع حال الحدوث كما في أسود وأبيض ونحوهما فإنها لمّا كانت مشتقة من السواد والبياض ونحوهما لم يسمّ أسود وأبيض إلّا ما فيه سواد أو بياض حال الوصف ، ولا يوصف بذلك محل سواد قد عدم عنه أو سيوجد ، قالوا : وهذا معلوم من اللغة ، «ولافتقاره إلى القرينة» إذ لو أطلق لفظ خالق ونحوه لم يفهم منه إلا حصول مضمونه وقت التكلم أو في الماضي ، وأما المستقبل فلا يفهم منه إلّا بقرينة وهذا في اشتقاق

٢٠٠