🚘

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي

عدّة الأكياس في شرح معاني الأساس - ج ١

المؤلف:

أحمد بن محمّد بن صلاح الشرفي القاسمي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الحكمة اليمانية للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
🚘 نسخة غير مصححة

والجواب عن الأول أن نقول : ولم منعتم أن تكون المخالفة بينه وبين غيره بنفس كونه ذاتا وما الدليل عليه ومن أين علمتم المشاركة بينه تعالى وبين غيره في الذاتية لأن المشاركة لا تكون إلّا إذا علم الاشتراك في صفة من الصفات أو كيفية من الكيفيات كالحدوث في اشتراك الجسم والعرض ، وكالجسمية في اشتراك الحيوان والحجر ، ونفخ الروح في اشتراك الإنسان والبهيمة والله سبحانه لا كيفيّة له ولا يدرك فيه شيء من هذه الصفات التي تتهيّأ فيها المشاركة لأنه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس ، فكيف ساغ لكم أن تقولوا إن ذاته تعالى مشاركة للذوات في الذاتية.

والجواب عن الثاني أن نقول : قولكم إذا علمنا الله سبحانه أوّلا ثم علمناه ثانيا أنه قادر إلى آخره مغالطة ، لأنه لا يعلم الله من لا يعلم كونه قادرا عالما حيّا موجودا بتكرار النظر لأجل معرفة ذات الله تعالى المخالفة لجميع الذوات في الذاتية.

قال عليه‌السلام : «قلنا» في الرد عليهم «يلزم» من قولكم ذلك «تلاشيها» أي بطلانها «لأنها حينئذ إمّا موجودة أو معدومة ، أو لا موجودة ولا معدومة ، ليس الثالث إذ لا واسطة بين الوجود والعدم ، ولا الثاني لما يلزم من كونه تعالى معدوما لعدم صفته الوجودية ونحو ذلك» من كونه تعالى غير قديم وغير عالم وغير قادر وغير حيّ لعدم هذه الصفات حينئذ «وقد صحّ بما مرّ أنه تعالى موجود ونحو ذلك» ، أي وقادر وعالم وحي «مع أنهم لا يقولون بذلك» أي بكون صفاته تعالى معدومة «وحاشاهم» أي تنزيها لهم أن يقولوا بذلك ، «والأول» أي القسم الأول وهو كونها موجودة لا يخلو «إمّا أن تكون قديمة أو محدثة أو لا قديمة ولا محدثة ليس الثالث إذ لا واسطة بين القديم والمحدث إلّا العدم وقد مرّ وجه بطلانه ولا الثاني» وهو كونها محدثة «لأنه يلزم من ذلك كونه تعالى محدثا لحدوث صفته الوجودية ونحو ذلك» أي ويلزم كونه تعالى جاهلا وعاجزا وغير حيّ لعدم ثبوت هذه الصفات له في الأزل «وقد مرّ بطلانه ، مع أنهم لا يقولون بذلك وحاشاهم ، ولا الأول» أي ولا يصح القسم الأول وهو كونها قديمة «لأنه يلزم قدماء مع الله تعالى الله عن ذلك

١٢١

علوّا كبيرا ، وذلك باطل بما سيأتي إن شاء الله تعالى» في مسألة نفي الثاني «مع أنهم لا يقولون بذلك وحاشاهم ، وقد ثبتت لنا» أي صفاته تعالى أي ثبت كونه قادرا وعالما وحيّا ونحو ذلك ، وثبت لنا نفي الصفات التي هي الأعراض عنه جل وعلا «بما مرّ من الأدلّة» على ذلك «فما بقي إلّا أن تكون ذاته» كما مرّ «قالوا : الصفات لا توصف كما مر لهم» في صفات العالم فلا يقال فيها هذا القول الذي أوردتموه علينا ، «لنا ما مر عليهم» هناك فلا وجه لإعادته.

ثم نقول : ألستم قد وصفتموها بأنها أمور زائدة على ذاته؟

فكونها زائدة على ذاته وصف لها ككونها قديمة أو محدثة ولا فرق.

وقال «أبو الحسين» البصري «بل هي» أي صفاته تعالى «مزايا لا هي الله ولا غيره» هو مثل قولهم كما ذكرنا من قبل إلّا أنه نفى أن يكون له تعالى بكونه عالما وقادرا وحيّا ونحوها صفات وأثبت له بها مزايا كما مرّ تحقيقه.

«قلنا : لا واسطة» بين هذين القسمين «إلّا العدم وقد مرّ بطلان كونها» أي صفاته تعالى «معدومة».

وقالت «الرافضة» كهشام بن الحكم ومن وافقه و «الجهميّةوهم جهم بن صفوان من المجبرة ومن وافقه : «بل هي» أي صفاته تعالى «غيره» أي غير الله «وهي محدثة بعلم محدث» فأثبتوا كونها مغايرة لله تعالى وأنها محدثة بعلم محدث.

«قلنا : يلزم» من قولكم هذا «الدور» فيتوقف حدوثها على حدوث العلم ، وحدوث العلم على صفته تعالى العالمية لأنه لا يحدث العلم الذي زعموه إلّا عالم وإلّا لما حدث هذا العلم ، فلزم توقف الشيء على نفسه وسبقه في الوجود لنفسه وكلاهما محال «وإن سلّم عدم لزومه» أي الدور «لزم أن يكون الله تعالى محدثا لحدوث صفته الوجودية ونحو ذلك» أي ويلزم أن يكون عاجزا وجاهلا وغير حي قبل حدوث العلم المحدث.

«وقد مرّ وجه بطلان كونه تعالى محدثا ونحو ذلك».

١٢٢

وقالت «الأشعرية بل» صفات الله تعالى «معان» أي قديمة «قائمة بذاته» هذه رواية الإمام المهدي عليه‌السلام والنجري عنهم ، إلّا أنهما قالا : إنه تعالى يستحقها لهذه المعاني عندهم «ليست إيّاه ولا غيره» ولا بعضها هو البعض الآخر ولا غيره.

«قلنا : لا واسطة إلّا العدم وقد مر وجه بطلان كونها معدومة» أي كون الله تعالى غير قادر ونحو ذلك.

ثم نقول : قولكم قائمة بذاته تصريح منكم بحلولها في ذاته تعالى عن ذلك.

وقولكم : ليست إيّاه ولا غيره مناقضة ظاهرة.

قالوا : إنما هي قائمة بذاته لا على وجه الحلول.

قلنا : يستحيل أن يقوم الشيء بالشيء ولا يكون حالّا فيه ولا إيّاه ولا غيره فإثبات مثل ذلك توهّم وخرص.

وقال القرشي في المنهاج : واتفق أهل الجبر على أنه يستحقها لمعان ثم اختلفوا :

فقالت الصفاتية : لا توصف بقدم ولا غيره لأنها صفات.

وقال ابن كلّاب : أزليّة. وقال الأشعري : قديمة.

واتفقا على أنها لا هي الله ولا هي غيره ، ولا بعضها هو البعض الآخر ولا غيره وقالت الكرامية : أغيار لله تعالى أعراض حالّة في ذاته انتهى.

قلت : فعلى هذا لا فرق بين قولهم ما خلا الكراميّة وبين قول المعتزلة :

في أن صفاته أمور أو مزايا زائدة على ذاته إلّا بالاختلاف في اللفظ والعبارة فقط والله أعلم.

وقالت «الكرامية» من المجبرة «بل» صفات الله تعالى «معان قديمة» أي غيره حالّة فيه تعالى عن ذلك.

«قلنا : يلزم آلهة ولا إله إلّا الله كما سيأتي إن شاء الله تعالى» في مسألة نفي الثاني.

١٢٣

«قالوا» أي من تقدم ذكره من المخالفين لنا في صفاته تعالى : «لو كانت» أي صفات الله «هي ذات الله لما وجب تكرير النظر» علينا «بعد معرفتها» كما سبق ذكره عنهم.

«قلنا» في الرد عليهم «ذات الله هي الله» لا غيره ولا بعضه إذ لا يوصف بالبعضيّة إلّا المحدثات «ولم يعرف الله من لم يكرر النظر ، فتكرير النظر لم يكن بعد معرفة ذات الله تعالى حينئذ» كما سبق تحقيقه.

(فصل)

في ذكر الإدراك في حق الله تعالى

قال عليه‌السلام : «والله سميع بصير» ولا خلاف في وصفه جل وعلا بذلك وإنما وقع الخلاف في معناه :

فقال «جمهور أئمتنا عليهم‌السلام والبغدادية» من المعتزلة «وهما» أي سميع بصير «بمعنى عالم» وكذلك سامع ومبصر ومدرك فإنهما (١) بمعنى واحد في حقه تعالى أي عالم ، عبّر الله سبحانه عن علمه بالأصوات وما شابهها ممّا يدركه المخلوق بحاسّة السمع بكلمة سميع وعن علمه بالأشخاص والهيئات وما شاكلها مما يدركه المخلوق بحاسّة البصر بكلمة بصير ، لمّا كان المخلوق لا يعقل إدراك الأصوات ونحوها إلّا بحاسّة السمع ولا يدرك الأشخاص ونحوها إلّا بحاسّة البصر ، فأجرى الله سبحانه كلمة سميع وبصير على إدراكه للمسموع والمبصر أي علمه بهما على سبيل التّوسّع والمجاز تحقيقا لما يعقله المخلوق لاستحالة الإدراك الحقيقي في حقه تعالى إذ لا يكون إلّا بحاسة ، والله يتعالى عنها.

وقال «بعض أئمتنا عليهم‌السلام» وهو الإمام المهدي أحمد بن يحيى عليه‌السلام «وبعض» متأخري «شيعتهم والبصرية» من المعتزلة «بل» هما «بمعنى حيّ لا آفة به» فوصفه جل وعلا عندهم بأنه سميع بصير بمعنى حيّ لا آفة به ، وقالوا : الإدراك أمر زائد على كونه تعالى عالم ، ثم اختلفوا في

__________________

(١) (ب) فإنها.

١٢٤

المقتضي للإدراك فسوّى بعضهم في ذلك بين الخالق والمخلوق في كون هذه الصفة مقتضاة عن كونه تعالى حيّا.

وبعضهم فرّق في ذلك بين الخالق والمخلوق فقال : المقتضي لها في الشاهد معنى كما يقوله في القادريّة والعالميّة في الشاهد أنها مقتضاة عن المعنى ، وفي الغائب كونه حيّا ليس بذي آلة ، وبعضهم يقول كونه حيّا لا آفة به وهذا (١) قول أبي هاشم وأصحابه. واعلم أن هذه المسألة قد عظم خبط المعتزلة فيها مع كونها عظيمة الخطر وقد بسطنا كثيرا من أقوالهم في الشرح فليطالع.

قال عليه‌السلام : «قلنا» في الرد عليهم «السّميع حقيقة لغويّة» أي السميع حال كونه حقيقة لغوية «موضوعة لمن يصح أن يدرك المسموع بمعنى محلّه الصماخ» أي ثقب الأذنين ، «والبصير» حال كونه «حقيقة كذلك» أي لغوية «لمن يصح أن يدرك المبصر» أي المشاهد بفتح الهاء «بمعنى محلّه الحدق» أي العيون الجارحة ، وكذلك الشمّ فإنه يدرك بمعنى ركبه الله في الأنف والذوق بمعنى ركبه الله في اللّسان ، واللّمس بمعنى ركبه الله في العضو ، وهذه الأعراض ضرورية من فطرة الله تعالى.

قال الإمام أحمد بن سليمان عليه‌السلام : والدليل على أن الحسّ عرض أن الإنسان إذا نام لم تحس جوارحه شيئا.

«والله سبحانه ليس كذلك» أي ليس بذي آلة ولا تحلّه الأعراض ، «فلم يبق إلّا أنهما بمعنى عالم و» أيضا قد «قال تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ) ... (٢) الآية فصرح سبحانه بأنه يسمع السّرّ «والسّرّ إضمار في القلب غير صوت» بدليل عطف النجوى عليه وكما «قال الله تعالى : (فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ) (٣) أي أسر الكلمة التي هي قوله «أنتم شرّ مكانا» أي أخفاها في نفسه أي أخطرها بباله ولم ينطق بها ، إذ لا

__________________

(١) (أ) وهو قول أبي هاشم وأصحابه تمت.

(٢) الزخرف (٨٠).

(٣) يوسف (٧٧).

١٢٥

معنى للنطق إلّا إسماع المخاطب وإلّا عدّ الناطق به سخيفا غير كامل العقل.

ومما يؤيد قولنا أنهما بمعنى عالم : قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : (عينه المشاهدة لخلقه ، ومشاهدته لخلقه أن لا امتناع منه وسمعه الإتقان لبريّته ، ومشيئته الإنفاذ لحكمه ، وإرادته الإمضاء لأموره) وقول محمد بن القاسم عليه‌السلام : وقول الله سميع بصير يريد بذلك أنها لا تخفى عليه الأصوات المسموعة كلها ، وأنه عالم بالأشخاص والأشباح وصفاتها وهيئتها وباطنها وظاهرها لا يخفى عليه شيء من درك (١) الإبصار مما تدرك الأبصار منها كلها ، بل دركه لها وعلمه بها أجود وأبلغ من درك الأبصار كلها.

«قالوا» أي من خالفنا من المعتزلة ومن تابعهم «بل هما» أي سميع بصير «حقيقة كذلك» أي لغوية «لمن يصح أن يدرك المسموع والمبصر» بالحياة لا بغيرها شاهدا وغائبا ، وهذا قول جمهور المعتزلة وعند أبي هاشم ومن تابعه أنهما حقيقة كذلك لمن يصح أن يدرك المسموع والمبصر بالحياة بشرط عدم الآفة شاهدا وغائبا.

«قلنا» في الرد عليهم «الأعمى والأصم حيّان و» هما «لا يدركان المسموع والمبصر» قطعا ، فلو كانت الحياة مقتضية للإدراك كما زعمتم لأدركا المسموع والمبصر لوجودها فيهما.

«قالوا : إنما لم يدركا لمانع وهو الآفة» الحاصلة في السمع والبصر.

«قلنا : تلك الآفة» إنما «هي سلب ذلك المعنى» الذي ركّبه الله تعالى في الحدق وفي الصّماخين ، فثبت أن الإدراك به فلمّا سلبه الله تعالى من الحاسّة بطل الإدراك «وإلا» أي وإن لم يكن الإدراك بذلك المعنى ولم يكن سلبه هو المانع من الإدراك «لزم أن لا يدرك المأيوف بغير سلبه» أي يلزم أن لا يدرك من كان فيه آفة غير سلب ذلك المعنى «كالأرمد» والأجذم وغيرهما فيلزم أن يكونوا غير مدركين لوجود الآفة.

والمعلوم أن الأرمد ونحوه يدركون المسموع والمبصر ونحوهما ، فبطل أن

__________________

(١) (أ) إدراك.

١٢٦

تكون الحياة مقتضية للإدراك لا في الشاهد ولا في الغائب.

«وإن سلّم» لهم (١) ما زعموه على استحالته «لزم أن يرى الأعمى» المبصرات «ويسمع الأصمّ» المسموعات «بأيّ عضو من جسديهما لوجود الحياة في ذلك العضو وسلامته من الآفة» وكذلك من غطّى على عينيه أو سدّ أذنيه وذلك معلوم البطلان.

«قالوا : يلزم» من القول بأن الإدراك في اللغة بمعنى في العين أو الصّماخين أو في غيرهما «شيئان : الأول : أن يوجد المعنى» الذي يدرك به «ويعدم المدرك» أي المسموع والمبصر ونحوهما «ويدرك في حال عدمه لوجود المعنى» الذي يدرك به ، وإلّا كان خلق المعنى مع عدم وجود المدرك عبثا والله يتعالى عنه «والثاني : أن يعدم المعنى ويوجد المدرك» الذي هو المسموع والمبصر ونحوهما «ولا يدرك لعدم المعنى» الذي يدرك به.

«قلنا : لم جعلتم الأول» وهو وجود المعنى وعدم المدرك وإدراكه في حال عدمه «لازما» لنا ومن أيّ وجه يلزمنا ، لأن وجود المعنى سببا لإدراك المدرك حين وجوده لا حين عدمه «فيلزمكم» إن جعلتم ذلك لازما لنا مثل ما ألزمتمونا وهو «أن يعدم المدرك ويدرك في حال عدمه لوجود الحياة والسلامة من الآفة» الموجبتين للإدراك بزعمكم كما زعمتم أن وجود المعنى لازما لإدراك المدرك في حال عدمه إذ لا فرق بين اللّازمين ، «و» نحن «لا نلتزمه» أي لا نلتزم ما ألزمتمونا «لعدم تعلّقه» أي المعنى «بالمدرك في حال عدمه» لأنه جعل آلة للإدراك حين يوجد المدرك وليس ذلك من قبيل العلّة والمعلول.

«وأمّا الثاني» من الإلزامين وهو أن يعدم المعنى ويوجد المدرك ولا يدرك لعدم المعنى «فملتزم» أي نحن نقول به وهو «لا يقدح» في قولنا إذ هو «نحو وجود المدرك عند الأعمى والأصمّ» فهما غير مدركين له قطعا ، وعدم إدراكه إنما كان «لعدم المعنى» الذي جعله الله آلة للإدراك «وأنتم» إذ «جعلتموه قادحا فيلزمكم» مثل ما ألزمتمونا أيضا وهو «أن يدرك» أي «المدرك لوجوده»

__________________

(١) (أ) ناقص لهم.

١٢٧

أي لكون المدرك موجودا «في حال عدم الحياة» لأنكم جعلتم وجود المدرك لازما للإدراك «إذ لا فرق» بين اللّازمين «فالجماد عندكم» بهذا الاعتبار «سميع بصير» لأجل وجود المدرك كما زعمتم والمعلوم بطلانه.

«قالوا» لو كان الإدراك في حق الله تعالى بمعنى العلم لما وجدنا الفرق بين إدراك الشيء والعلم به وقد «وجدنا الفرق بين العلم والإدراك بالسمع والبصر» وذلك «كلو فتح أحدنا عينيه وأمامه مرئي» فإنه يراه لا محالة «ثم» إذا «غمّض» عينيه لم يره مع أنه يعلمه قطعا ، فعلمه به حين يغمّض عينيه مغاير لإدراكه حين فتح الحدقة ، فثبت الفرق بين العلم والإدراك «وأجلى الأمور» الفارقة «ما وجد من النفس» أي من العقل.

«قلنا» إنّا لا ننفي إدراكه تعالى للمدركات» أي علمه بها «ولكن بذاته» لا بسمع ولا بصر ولا حياة «كما سيأتي إن شاء الله تعالى».

وأما اختلاف الإدراك في حق الله سبحانه فمحال ، لأن الاختلاف إنما يكون بحسب الآلات ، والآلة لا تكون إلّا للمخلوق كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

«وأما قياسكم» له تعالى على المخلوق في فتح العينين وتغميضهما «ففاسد لأنه ليس له تعالى من جارحة عينين يفتحهما ثم يغمضهما تعالى الله عن ذلك ، فالفرق بينكم وبينه جليّ إذ لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد» فبطل ما ذكره المخالف وصح ما ذكره أئمة أهل البيت عليهم‌السلام.

واعلم : أن مسألة الإدراك لا يريدون بها الاقتصار على السمع والبصر بل يريدون جميع أنواع المدركات أنها مخالفة للعلم في حق الله تعالى قال النجري في شرح القلائد : واعلم أن التعبير عن هذه الصفة بكونه مدركا كما ذكره الإمام (يعني الإمام المهدي أحمد بن يحيى عليه‌السلام) أولى من التعبير عنها بكونه سامعا مبصرا ، لأنّ كونه مدركا يشمل جميع أنواع المدركات المسموعات والمبصرات والمطعومات والمشمومات والملموسات ، فإن الله تعالى

١٢٨

يدركها جميعا لكنه لا يسمّى شامّا ولا طاعما ولا لامسا كما أنه يسمّى (١) سامعا (٢) ومبصرا.

قال : وهي تشارك الصفات الأربع في الوجوب ، وتخالفها في كون تلك ثابتة في الأزل ، وكونه مدركا متجدّدة إذ هي مشروطة بوجود المدرك.

قلت : وقوله : لكنه لا يسمّى شامّا ولا طاعما ولا لامسا كما أنه يسمّى سامعا مبصرا فرار غير مخلّص ، لأنه إذا كان سامعا مبصرا حقيقة له تعالى بمعنى حي لا آفة به فلذلك يكون حكم الشّام والطاعم واللّامس فيلزم أن تطلق هذه الأسماء كلها على الله تعالى لأنها كلها عندهم بمعنى حي لا آفة به أو حي ليس بذي آلة على حسب اختلافهم في ذلك ، ومع ذلك فهو حقيقة عندهم ، فإذا (٣) كان حقيقة فلا تفتقر إلى السمع ، فكان يلزم أن يجوز إجراء هذه الأسماء على الله تعالى على قياس قولهم إن الإدراك صفة زائدة على العلم وذلك لا يجوز اتفاقا.

وقولهم : إنها متجددة يناقض قولهم إنها تشارك الأربع في الوجوب لأن الواجب لذاته بزعمهم غير متجدد.

ومما يؤكد بطلان قولهم : ما حكاه في الشامل عن أبي القاسم بن سهلويه أنه قال : إن الله تعالى لا يدرك الألم واللّذة.

قال : لأن الألم واللّذة لا يدركان إلّا بمحل الحياة في محل الحياة وهذا محال في حقه تعالى.

قال : ولأنه لا حكم لإدراك الألم إلّا مع النفرة ، ولا حكم لإدراك اللّذة إلّا مع الشهوة ، والله تعالى يستحيل في حقه الشهوة والنفار انتهى.

قلت : وهذا حق ، وإذا ثبت استحالة ذلك في اللّذة والألم ثبت في غيرهما من المدركات كما ذكرنا من قبل.

__________________

(١) في (ض) كما أنه لا يسمّى.

(٢) (أ) سامعا مبصرا.

(٣) فإن نسخة.

١٢٩

(فرع)

«والله تعالى سامع مبصر» :

قال «جمهور أئمتنا عليهم‌السلام والبغدادية : وهما بمعنى عالم كما مرّ».

وقال «بعض أئمتنا عليهم‌السلام وبعض شيعتهم» وهم من تقدم ذكرهم «والبصرية : بل هما» أي سامع مبصر «صفتان له حين يدرك المسموع والمبصر بالحياة : لما مرّ لهم».

«لنا ما مر عليهم».

اعلم : أنه لا فرق عند أئمتنا عليهم‌السلام ومن وافقهم بين سميع وبصير وسامع ومبصر أنهما بمعنى عالم.

وأما المخالفون لهم فقالوا : يوصف الله تعالى بأنه سميع بصير في الأزل بمعنى أنه يصح منه الإدراك بالحياة كما مرّ لهم ، ولا يوصف بأنه سامع مبصر في الأزل بل حين يدرك المسموع والمبصر بالحياة وله بذلك حال متجدّدة ، وليس له بوصفه بسميع وبصير حال متجدّدة بل معناه عندهم أنه حي لا آفة به بحيث يصح منه إدراك المسموع والمبصر إذا وجدا ، والحجة عليهم ما تقدم.

قال عليه‌السلام : «فإن قيل : فبم يدرك تعالى المدركات»؟

قال عليه‌السلام : «قلت وبالله التوفيق : يدركها على حقيقتها بذاته تعالى» لا بغيرها كما أنه عالم بذاته لا بغيرها.

والمعنى : أن إدراكه هو علمه وعلمه هو ذاته ليس سمعه وبصره وعلمه غيره «لبطلان الأمور» التي زعمها بعض المعتزلة «و» بطلان «المعاني» التي زعمها بعض المجبرة «كما مرّ» من قولهم «وهذا» الذي ذكرناه من قولنا يدركها بذاته هو «معنى قول الأئمة عليهم‌السلام» أي من قال منهم «يدركها» أي المدركات «بعلمه لأنّ علمه ذاته كما تقرر» فيما سبق من القول في صفاته تعالى.

١٣٠

(فصل)

في تنزيه الله سبحانه عن الحاجة

«والله تعالى غني» قال الإمام يحيى عليه‌السلام :

لا خلاف في نفي الحاجة عن الله سبحانه بين أهل القبلة على اختلاف أهوائهم وتباين طرقهم ، ولا حكي الخلاف في احتياج ذاته عن غيرهم من الفرق المخالفة لملة الإسلام.

واعلم : أن بعض أهل علم الكلام يجعل هذه المسألة من صفات الإثبات وبعضهم يجعلها من صفات النفي ، ولهذا ترى كثيرا منهم يجعلها متوسطة بين صفات النفي وصفات الإثبات «خلافا لبعض أهل الملل الكفرية» كفنحاص اليهودي فإنه لمّا نزل قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً) (١) الآية قال : ما طلب القرض إلّا محتاج وهو منه على سبيل الهزء والسخرية بالقرآن لعنه الله تعالى.

وإلا فإنه لا يخفى على ذوي العقول أنه في الآية الكريمة على طريقة التمثيل والمجاز الذي هو أبلغ من الحقيقة.

وفي تكذيب أهل هذا القول نزل قوله تعالى : (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ) (٢).

«قلنا» في الجواب عليهم : «لم يجبر الله تعالى» أي لم يقسر «من عصاه» على طاعته وقد أمرهم بطاعته فلو كان تعالى محتاجا إلى الطاعة لأجبرهم عليها مع قدرته على ذلك «ولم يوجد كل الأشياء دفعة» فلو كان تعالى محتاجا إلى الأشياء لأوجدها دفعة «مع قدرته على إجبار من عصاه وعلى إيجاد كل الأشياء دفعة ، ومع عدم المانع له تعالى» عن ذلك «فدل ذلك على غناه» جل وعلا.

«وأيضا لا يحتاج إلّا ذو شهوة أو نفار» والشهوة والنفار من أوصاف الأجسام «إذ هما عرضان لا يكونان إلّا في جسم والله تعالى ليس بجسم لما»

__________________

(١) البقرة (٢٤٥).

(٢) آل عمران (١٨١).

١٣١

قد تقرر في أثناء ما تقدم وما «يأتي إن شاء الله تعالى».

وتحقيقه : أن الحاجة هي المنفعة ودفع المضرة ولا يفهم منها أمر سوى ذلك ، والمنفعة هي اللّذة وما يتبعها من فرح وسرور ، والمضرة هي الألم وما يتبعه من غمّ وحزن ، والألم واللّذة عليه تعالى محالان لأنهما عرضان لا يكونان إلّا في جسم.

وأيضا : الشهوة والنفرة لا يجوزان إلّا على من تجوز عليه الزيادة والنقصان ، والزيادة والنقصان إنما يكونان في الأجسام.

(فصل)

في تنزيهه تعالى عن مشابهةغيره

وهو شروع منه عليه‌السلام فيما يجب نفيه عن الله تعالى :

قالت «العترة عليهم‌السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم» من سائر الفرق وهو قول الصحابة والتابعين ودين جميع الأنبياء والمرسلين «والله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه».

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام في كتاب نهج البلاغة :

(ما وحّده من كيّفه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ، ولا إياه عنى من شبّهه ، ولا صمده من أشار إليه وتوهّمه ، كل معروف بنفسه مصنوع ، وكل قائم في سواه معلول ، فاعل لا باضطراب آلة ، مقدّر لا بجولان فكرة ، غني لا باستفادة ، لا تصحبه الأوقات ، ولا ترفده الأدوات (١) ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله بتشعير المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضدّ له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له).

وقال «هشام بن الحكم و» هشام «الجوالقي والحنابلة» أصحاب أحمد بن حنبل والكرابيسي «والحشوية : بل الله» تعالى «جسم» وأفرط هشام بن الحكم

__________________

(١) او لا ترفده الأدوات أي تعينه تمت شرح نهج البلاغة.

١٣٢

والجوالقي في التجسيم وفي الوصف بالأعضاء والجوارح تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

«قلنا : لو كان تعالى جسما لكان محدثا كسائر الأجسام لحصول دليل الحدوث فيه» وهو أثر التدبير ومقارنته للعرض الحادث «مثلها» أي مثل سائر الأجسام «وقد مرّ الدليل على أن الله تعالى ليس بمحدث و» أيضا «قال الله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) فنفى سبحانه وتعالى مماثلته لشيء من الأشياء.

(فرع)

قالت «العترة عليهم‌السلام وصفوة الشيعة والمعتزلة وغيرهم» من أهل الملّة «والله ليس بذي مكان» يشغله ويتمكن فيه ولا ذي انتقال من جهة إلى جهة لأنه لا يعقل حاصلا في الجهة إلّا ما كان جسما أو تابعا للجسم لا ينفك عنه كالعرض وذلك من خصائص المحدثات وأيضا فإن المكان والجهة محدثان مخلوقان والله سبحانه الأول والآخر وقالت «المجسّمة» وهم من تقدم ذكره آنفا «بل» هو تعالى «على سرير» مستقر عليه.

وقالت «الكلابية» من المجبرة «بل» هو «عليه» أي على السرير وهو العرش «بلا استقرار» اغترارا أيضا بظاهر قوله تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (٢).

وقال «بعض الكرامية» إنه تعالى «بجهة فوق» قال الإمام يحيى عليه‌السلام : اختلف القائلون بالجهة فمنهم من قال إن ذاته تعالى كائنة في كل مكان وإنه فضاء لا نهاية له قلت: وهؤلاء هم عباد الأهوية لاعتقادهم أن الهوى هو ربهم قالوا : لأنه محيط بالأشياء فيه كل شيء وهو مع كل شيء ، قالوا : وجدنا فيه الحياة وعند انقطاعه الموت قال منهم من قال إنه تعالى في جهة دون جهة ومكان دون مكان ثم اختلفوا فمنهم من قال إنه بجهة فوق لا

__________________

(١) الشورى (١١).

(٢) طه (٥).

١٣٣

بمعنى أنه شاغل لجهة فوق ومنهم من قال إنه تعالى بجهة فوق العرش مماسّ للعرش قال : والقول بكونه تعالى بجهة إمّا على جهة المماسة للعرش وإمّا على جهة المباينة لذاته للعرش لبعد متناه وهو مقالة الكراميّة فإن مقالتهم لا تخلو عن هذين الوجهين.

وقال بعضهم : إنه بجهة فوق مماسّ للعرش ، وبعضهم يزعم أنه بجهة فوق لا بمعنى أنه شاغل لجهة فوق.

وقالت «الصوفية بل» هو تعالى «يحل في الكواعب الحسان ومن أشبههن من المردان» تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ومثل هذه الرواية عن الصوفية حكى الإمام المهديعليه‌السلام وغيره عنهم لعنهم الله.

وتحقيق مذهبهم : أنهم يقولون إنه تعالى عرض يحل في الصورة الحسنة عشقا منه لها فاتّحد بها وحدة نوعيّة وهؤلاء هم الحلوليّة انتحلوا مذهب بعض النصارى حيث قالوا : إن الله تعالى اتّحد بالمسيح كما يأتي إن شاء الله تعالى.

«قلنا ردّا على الجميع : الحالّ لا يكون ضرورة» أي يعلم بضرورة العقل أن الحالّ لا يكون «إلّا جسما أو عرضا والله تعالى ليس بجسم ولا عرض إذ هما محدثان كما مرّ» في فصل حدوث العالم.

«والله تعالى ليس بمحدث كما مرّ ، ولقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وما كان حالّا في غيره أو محلّا لغيره فهو مشابه لغيره محدث (١) كحدوثه إذ الحالّ والمحلول جسم وعرض لا غير.

وأما قولهم : إن القول بأنه لا داخل في العالم ولا خارج عنه نفي له فغير مسلم وإنما هو نفي أن يكون من جنس العالم.

وأمّا (٢) قولهم كون الأوامر والنّواهي وإنزال الكتب وإرسال الرسل ونزول الرحمة والعذاب من جهة فوق ، فلما جعل الله سبحانه في إسكان

__________________

(١) (ض) ومحدث.

(٢) (أ) فأمّا.

١٣٤

الملائكة صلوات الله عليهم السموات من المصلحة وهم رسل الله سبحانه إلى عباده بالخير والشر ، ولما فطر الله سبحانه الهواء على حمل السحاب وإنشاء المطر فيه وكونه سببا لأرزاق الحيوان وغير ذلك من المصالح العظيمة والمنافع الجسيمة ، فكل خير ينزل من السماء وكل بلاء (١) كذلك فلذلك شرع فتح الأكف في الدعاء بالخير وتوجيه باطن الراحة إلى السماء وقلبها وتوجيه الراحة منها إلى الأرض عند الاستعاذة من الشر واستكفاء الشدائد تفاؤلا ، وبما وصفنا من منافع الهوى وآثار الحكمة فيه وما لم نذكره يعلم (٢) أنه مخلوق لمنافع الخلق ولأنه جعل متنفّسا للأرواح.

وأما قول الموحّدين : إن الله بكل مكان فمعناه أنه حافظ مدبّر بكل مكان لا يغيب عن الأشياء ولا يغيب عنه شيء قرب أو نأى.

قال علي عليه‌السلام في جواب الجاثليق حين قال له : أخبرني عن الله سبحانه أين هو؟

فقال عليه‌السلام : (هو هاهنا وهاهنا وهاهنا فوقنا وتحتنا ومحيط بنا وهو معنا لا يزول ، وذلك قوله تعالى : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) ... الآية (٣).

قال «جمهور أئمتنا عليهم‌السلام» كالقاسم والهادي والناصر والمرتضى وغيرهم من «المتقدمين» عليهم‌السلام «ونشوان» بن سعيد الحميري : «والعرش» الذي ذكره الله في القرآن مجاز لأنه «عبارة عن عز الله تعالى وملكه وذلك» أي التعبير بالعرش عن العزّ والملك «ثابت لغة ، قال ربيعة بن عبيد :

إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم

بعتيبة بن الحارث بن شهاب»

أي هدمت عزّهم وملكهم.

__________________

(١) (ض) شر.

(٢) (ض) فعلم.

(٣) المجادلة (٧).

١٣٥

«وقال زهير بن أبي سلمى :

تداركتما عبسا وقد ثلّ عرشها

وذبيان قد زلّت بأقدامها النّعل»

أي عزها وملكها.

«وقال رجل من بني كلب :

«رأوا عرشي» أي عزي وسلطاني «تثلّم جانباه» أي تهدم وتخرّم جانباه «فلما أن تثلّم أفردوني» أي خذلوني وتركوني مفردا ، ولا يخفى أنهم لم يريدوا بالعرش في مثل هذا السرير وإنما قصدوا العز والملك وعلوّ المنزلة والشأن.

قال المرتضى في الإيضاح : وسألتم عن العرش وما يقال فيه وأن ملائكة الله تطوف به في السماء.

قال محمد بن يحيى عليه‌السلام : ليس يقول بذلك إلّا جاهل غير عارف بلغة ولا مقيم على ذلك بينة ، والعرش فإنما هو الملك والله المالك لما في السموات والأرض ، ليس ثمّ عرش موضوع كما يقول الجهال وإنما أراد عزوجل بالعرش أي ملكه ومقدرته (١) على جميع ما خلق وبرأ ، وقد ثبت عندكم في تفسير العرش لجدي القاسم بن إبراهيم عليه‌السلام والهادي إلى الحق رحمة الله عليهم كتابان فيهما تفسير ذلك فاستغنينا بوقوعه عندكم عن إعادته في كتابنا إليكم انتهى.

«ومعنى قوله تعالى (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) (٢) هو تعظيم الملائكة لله سبحانه أبلغ تعظيم بالتسبيح والتقديس على أبلغ الوجوه وهذا اللفظ في حق الله تعالى «مجاز» لأنه «عبّر الله سبحانه عن» هذا الذي ذكرنا وهو «تعظيم الملائكة صلوات الله عليهم له تعالى أبلغ تعظيم» بما يعقل في الشاهد أي «بقوله تعالى (حَافِّينَ) حيث كان» أي من حيث ثبت أنه «لا يعرف المخاطب التعظيم البالغ» أقصى رتبة الكمال «في الشاهد إلّا للملوك» من البشر أولي الأمر والنهي «عند الحفوف» من خدام البشر «بها» أي بالملوك من كل جانب خاضعين لها «وهي على أسرّتها» الأسرّة جمع سرير «فعبر الله

__________________

(١) (أ) وقدرته.

(٢) الزمر (٧٥).

١٣٦

تعالى عنه» أي عن تعظيم الملائكة المذكور «كذلك» أي مثل ذلك التعظيم المذكور البالغ من البشر الذي إنما يعقل بالحفوف بها وهي على أسرّتها وهذا من المجاز المركب الذي يسمّى تمثيلا وهو اللفظ المستعمل فيما شبّه بمعناه الأصلي وكان وجه الشبه منتزعا من متعدّد ، «وقوله تعالى (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) (١) معناه أنه يتحمل أمر ملكه» سبحانه «من الحساب وغيره» من أعمال يوم القيامة «ثمانية أصناف من الملائكة» عليهم‌السلام ، وعن الضحاك هم ثمانية أصناف لا يعلم عددهم إلّا الله تعالى.

وقال الهادي عليه‌السلام في جواب أبي يعقوب (إسحاق بن إبراهيم) : (أما العرش فهو الملك ، وأما يومئذ فهو يوم القيامة ، وأما الثمانية الذين ذكرهم الله فقد يمكن أن يكونوا ثمانية آلاف أو ثمانية أصناف أو ثمانية أملاك والله أعلم وأحكم).

وأما حملهم فهو تأدية ما أمرهم الله تعالى بأدائه إلى من أمرهم (٢) الله إليه من عباده من الكرامة والنعيم والإحسان وفوائد الخير وما يأتيهم من الرحمة والغفران.

«والكرسيّ» المذكور في القرآن «عبارة عن علمه تعالى لأنّ الكرسيّ في أصل اللغة العلم ، ولوحظ» أي ذلك الأصل «في استعمالها» أي فى استعمال اللّغة كما «قال أبو ذؤيب الهذلي : ولا تكرّس علم الغيب مخلوق أي ما تعلّم ، وقال غيره :

تحفّ بهم بيض الوجوه وعصبة

كراسيّ بالأحداث حين تنوب

أي أهل كراسي أي أهل علوم» أي علماء بتدبير الأحداث وتصريفها حين تنوب ، وذكر هذا البيت في الضياء محتجّا به أنه يقال : للعلماء كراسي ، «ومنه قيل للصحيفة التي فيها العلم كرّاسة».

قال في البلغة : وروي عن جعفر بن محمد عن آبائه رضوان الله عليهم

__________________

(١) الحاقة (١٧).

(٢) (أ) من أمرهم به الله من عباده. (ب) إلى من أمرهم الله من عباده.

١٣٧

في تأويل قوله تعالى : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) (١) وسع (٢) علمه السموات والأرض ، وقد أوسع الهادي عليه‌السلام في الاحتجاج على أن الكرسيّ هو العلم ، وذكر أن الكرسيّ لإحاطته بالسماوات والأرض كمثل البيضة المشتملة على الفرخ في جوفها ليس فيها صدع ولا ثقب ، قال : وسأذكر لك خبرا مذكورا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أبي ذرّ رحمة الله عليه أنه قال : يا رسول الله : أيّ آية أنزلها الله تبارك وتعالى عليك أعظم؟

قال : «آية الكرسي ، ثم قال : يا أبا ذر : ما السموات والأرض عند الكرسي إلّا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض .. إلى آخر كلامه عليه‌السلام».

وذكر أن هذا الكرسي مثل ضربه الله تعالى لعلمه بالأشياء وإحاطته بجميع ما خلق وقد استوفينا كلامه عليه‌السلام في الشرح.

«وقيل : بل» الكرسي عبارة «عن ملك الله تعالى» وقد ورد استعماله بمعنى الملك في قول أسعد تبّع :

ولقد بنت لي عمّتي في مأرب

عرشا على كرسيّ ملك متلد

أي قديم.

«وقيل : بل») هو «قدرته» أي اقتهاره (٣).

«وقيل : بل» هو «تدبيره» وهذه الأقوال قريبة من الأول إذ علم الله سبحانه وملك الله وقدرته وتدبيره في المعنى سواء لأنها من صفات الله تعالى العظيمة ، وصفات الله هي هو لا غيره والمعنى أنّ هذه الصفات له جل وعلا لا على إضافة شيء إليه وأما قوله تعالى : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ ...) (٤) الآية فهو على حذف مضاف أي أمر عرش ربك أي أمر ملك ربك وهو ما يتعلق

__________________

(١) البقرة (٢٥٥).

(٢) (ض) أي وسع علمه السموات والأرض.

(٣) (ض) اقتداره.

(٤) الحاقّة (١٧).

١٣٨

بالمخلوقين من المحاسبة وإيصال الثواب والعقاب إليهم ونحو ذلك.

وهذه الآية من أعظم الدّلائل على أن المراد بالعرش هو الملك والله أعلم.

وقالت «الحشوية : بل العرش سرير. والكرسي دونه» أي أصغر منه «قلنا : لا يحتاج إلى ذلك إلّا المخلوق» للتنعّم عليها لما مرّ من أن الله تعالى غني عن كل شيء.

وقال «الإمام المهدي» أحمد بن يحيى «عليه‌السلام وغيره» من المتأخرين «يجوز أن يكونا» أي العرش والكرسي «قبلتين للملائكة عليهم‌السلام» كما أن الكعبة قبلة للبشر يتعبّدهم (١) الله سبحانه بتعظيمها ، ثم قال في آخر كلامه : وحمله على التشبيه المجازي أولى.

«قلنا : لا دليل» على ما ذكره المخالف «ولا وثوق برواية الحشوية» مع ما تضمنت من ظاهر العبث حيث قال بعضهم : إن للعرش ألف ألف رأس ونحو ذلك.

(فرع)

«قال أكثر العقلاء» من أهل الإسلام وغيرهم : «والله تعالى ليس بعض خلقه» لما ثبت من أن الله ليس بجسم ولا عرض.

وقال «بعض النصارى : بل اتّحد بالمسيح» عيسى ابن مريم عليه‌السلام «فصارا إيّاه» ثم اختلفوا :

فقال بعضهم : اتّحد به مشيئة أي صارت إرادتهما واحدة وكراهيتهما واحدة وإن كانا مختلفين من حيث الذات ، فجوهر اللّاهوت غير جوهر الناسوت وهؤلاء هم بعض النسطورية.

وبعضهم قال : بل اتحد به ذاتا أي صار جوهر اللّاهوت والناسوت

__________________

(١) (ض) تعبدهم.

١٣٩

شيئا واحدا وهم اليعقوبية ، ثم اختلفوا أيضا :

فبعضهم قال : وحدة نوعيّة. وبعضهم قال : حقيقية إلى غير ذلك من الاختلاف الباطل الذي لا حقيقة له.

وقالت «الصوفية» بل اتحد بالبغايا والمردان فصار إياهم تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا» وقد تقدم مقالة الصوفية أنهم يقولون : إن الله يحل في الصورة الحسنة ومن جملتها البغايا والمردان لعنهم الله تعالى.

«قلنا : ذلك» الذي زعمتم أن الله تعالى اتحد به «محدث» حدث بعد العدم علم ذلك ضرورة «والله تعالى ليس بمحدث لما مر فصيرورته تعالى محدثا محال» لأنهما شيئان متضادّان بينهما كمال الاختلاف فلو جاز اتحادهما لكان القديم محدثا والمحدث قديما وذلك محال.

وأما من قال : إنهما اتحدا مشيئة فهو باطل أيضا لأن إرادة المسيح عليه‌السلام الضمير والنية ، والله سبحانه مريد لا بإرادة فيستحيل أن يتحد شيء بلا شيء ، وقد نادى الله سبحانه وتعالى على بطلان قول النصارى والصوفية حيث «قال تعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١). ولا شك أنهم ممن اتبع هواه وكابر عقله ورفض هداه.

(فرع)

«والله تعالى لا تحلّه الأعراض» لأنّ المحلول لا يكون إلّا جسما كما أن الحالّ لا يكون إلّا عرضا والله سبحانه يتعالى عنهما «خلافا لمن قال : حدث أهرمن من فكرة يزدان الرّديّة» وهم قوم من المجوس يقولون : إنّ يزدان وهو القديم تعالى عندهم لما استتب له الأمر تفكّر في نفسه فقال : لو كان لي مضاد ينازعني كيف كان يكون حالي معه ، فحدث من فكرته هذه الردية أهرمن وهو الشيطان ولهم خرافات لا ينبغي تسطيرها.

__________________

(١) الجاثية (٢٣).

١٤٠