أسباب النّزول القرآني

المؤلف:

دكتور غازي عناية


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
🚘 نسخة غير مصححة

الباب الثاني

عموم اللفظ وخصوص السبب

الفصل الأول

عموم اللفظ وعموم السبب

الفصل الثاني

خصوص اللفظ وخصوص السبب

الفصل الثالث

عموم اللفظ وخصوص السبب

٤١
٤٢

الفصل الأول

موم اللفظ وعموم السبب

وهذا يعني أن النزول القرآني جاء بلفظ العموم ، وفي سبب عام.

أي أن الآية القرآنية نزلت بلفظ عام ، وكان سببها عاما.

فالعبرة تكون لعموم اللفظ ، وعموم السبب معا ، ويطبق حكم الآية القرآنية على جميع الأسباب التي نزلت فيها.

وبعبارة أخرى : إذا اتفق ما نزل من القرآن مع السبب في العموم حمل العام على عمومه ، أي حمل الحكم ، وطبق بعمومه.

أمثلة :

١ ـ قوله تعالى :

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).

(البقرة : ٢٢٢) فاللفظ في الآية جاء عاما ، أي نزل بصيغة العموم في قوله تعالى :

(وَيَسْئَلُونَكَ) ، وفي قوله : (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ) ، وهو يخاطب جميع المسلمين.

والسبب الذي نزلت فيه الآية عام ، وهو سؤال المسلمين للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كيفية التعامل مع المرأة الزوجة الحائض.

فاللفظ عام ، والسبب عام ، فالعبرة تكون لعموم اللفظ ، أي الحكم يكون عاما ، يتناول المسلمين عامة ، وإلى قيام الساعة ، وهو اعتزال النساء ، وعدم مجامعتهن أثناء الحيض.

٤٣

٢ ـ قوله تعالى :

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأنفال : ١)

فاللفظ في الآية عام ، وهو : (يَسْئَلُونَكَ) ، والسبب الذي نزلت الآية بشأنه عام ، وهو سؤال المسلمين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كيفية توزيع الأنفال.

فالعبرة لعموم اللفظ والسبب ، فيكون الحكم عاما.

٣ ـ قوله تعالى :

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) (البقرة : ٢٢٠)

فاللفظ في الآية نزل عاما ، وهو (يَسْئَلُونَكَ)

والسبب الذي نزلت من أجله الآية عام ، وهو سؤال المسلمين للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كيفية التعامل مع اليتامى ، فالعبرة لعموم اللفظ والسبب ، والحكم عام.

٤ ـ قوله تعالى :

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ) (النساء : ١٢٧) فاللفظ في الآية نزل عاما (وَيَسْتَفْتُونَكَ).

وسبب الآية عام ، وهو سؤال المسلمين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التعامل مع يتامى النساء المسلمات في النكاح ، فالعبرة لعموم اللفظ والسبب ، والحكم عام.

٥ ـ قوله تعالى :

٤٤

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) (البقرة : ١٨٩)

فاللفظ في الآية نزل بصيغة العموم ، وهو (يَسْئَلُونَكَ).

والسبب الذي نزلت من أجله الآية عام ، وهو سؤال المسلمين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الأهلة ، فالعبرة لعموم اللفظ ، والسبب معا ، والحكم عام.

٤٥

الفصل الثاني

خصوص اللفظ وخصوص السبب

وهذا يعني : أن النزول القرآني جاء بلفظ الخصوص ، وفي سبب خاص ، أي أن الآية القرآنية نزلت بلفظ خاص ، وكان سببها خاصا.

فالعبرة تكون لخصوص اللفظ ، وخصوص السبب معا.

ويتناول حكم الآية فقط السبب الذي نزلت فيه ، ولا يتعداه إلى غيره من الأسباب.

وبعبارة أخرى : إذا اتفق ما نزل من القرآن مع السبب في الخصوص حمل الخاص على خصوصه ، أي حمل الحكم على الخصوص.

أمثلة :

١ ـ قوله تعالى في أبي بكر الصديق :

(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ، وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ، وَلَسَوْفَ يَرْضى) (الليل : ١٧ ـ ٢١)

فاللفظ في الآية نزل بصيغة الخصوص ، وهو الأتقى.

وسبب نزول الآية في أبي بكر ، حيث تصدق بأمواله ، وهو سبب خاص ، فالعبرة لخصوص اللفظ والسبب معا ـ وحكم الآية خاص بأبي بكر ، ولا يتعداه إلى غيره ، واللفظ الذي أفاد الخصوصية هو الأتقى ـ وأل فيه هي العهدية ، حيث أن الأتقى معهود في الذهن بين الصحابة أنه أبو بكر الصديق ، وأل العهدية تفيد الخصوص ، وليس العموم.

وهذا على العكس من أل الاستغراقية ، فهي التي تفيد العموم مثل : ال الموصول ، وأل التي تأتي في معرفة جمع ، مثل المؤمن ، الصالح ،

٤٦

ومثل : المؤمنون ، والصالحون.

ومما أفاد الخصوصية في اللفظ أتقى أيضا : أن ال الموصولة لا توصل بأفعل التفضيل ، وهو الأتقى ، فالأتقى مفرد ، وأل فيه ال العهدية.

وما أفاد الخصوصية في اللفظ أتقى أيضا : أن صيغة أتقى أي أفعل تدل على التمييز ، وهذا كان لقصر حكم الآية على من نزلت فيه ، وهو أبو بكر الصديق.

قال الواحدي : «الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين» (١).

عن عروة : «أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله :

بلال ، وعامر بن فهيرة ، والنهدية ، وابنتها ، وأم عيسى ، وأمة بني الموئل ، وفيه نزلت : (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) إلى آخر السورة» (٢).

وروى نحوه عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، وزاد فيه : «فنزلت فيه هذه الآية : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى) إلى قوله : (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ، وَلَسَوْفَ يَرْضى) (٣).

٢ ـ قوله تعالى في الثلاثة الذين خلّفوا عن غزوة تبوك :

(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة : ١١٨)

فاللفظ في الآية نزل بصيغة الخصوص ، وهو (وَعَلَى الثَّلاثَةِ).

وسبب نزول الآية خاص ، وهو في ثلاثة من المؤمنين تخلفوا عن الرسول في غزوة تبوك ، وهم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ،

__________________

(١) الواحدي ، أسباب النزول.

(٢) أخرجه ابن أبي حاتم.

(٣) أخرجه الحاكم وصححه.

٤٧

ومرارة بن الربيع ، حيث ندموا ، وثابوا إلى الله ، فتاب عليهم.

فالعبرة لخصوص اللفظ ، والسبب معا ، وحكم الآية خاص لا يتعدى الثلاثة إلى غيرهم.

٣ ـ قوله تعالى أيضا في نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً) (الأحزاب : ٢٨)

فاللفظ في الآية نزل بصيغة الخصوص ، وهو : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ).

والسبب في نزول الآية خاص ، وهو نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتآمرهن ، وطلبهن زيادة النفقة.

فالعبرة لخصوص اللفظ ، والسبب معا ، وحكم الآية لا يتعدى سببها ، وهو نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

٤ ـ قوله تعالى في اليهودي نبتل بن الحارث :

(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (التوبة : ٦١)

فلفظ الآية ، نزلت بصيغة الخصوص ، وهو (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ) ، حيث أن اللفظ منهم يفيد البعض ، وسبب نزول الآية خاص ، وهو في نبتل بن الحارث ، ونقله لكلام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للكفار ، والمنافقين.

فالعبرة لخصوص اللفظ ، والسبب معا ، وحكم الآية في سببها لا يتعداه.

والحارث بن نبتل كان من المنافقين ، وقال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

٤٨

من أحب أن ينظر إلى الشيطان ، فلينظر إلى نبتل بن الحارث، وكان يتحدث إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيسمع منه ، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، وهو القائل : محمد أذن ، ومن حدثه شيئا ، صدقه!! ، فنزلت فيه الآية.

عن محمد بن إسحاق بن يسار ، وغيره قال : «نزلت في رجل من المنافقين يقال له : نبتل بن الحارث وكان رجلا أدلم أحمر العينين ، أسفع الخدين ، مشوه الخلقة ، وهو الذي قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه من أراد أن ينظر الشيطان ، فلينظر إلى نبتل بن الحارث

، وكان ينم حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المنافقين ، فقيل له : لا تفعل ، فقال : إنما محمد أذن ، من حدثه شيئا ، صدقه ، نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فنحلف له ، فيصدقنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية» (١).

٥ ـ قوله تعالى في اليهودي كعب بن الأشرف :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء : ٥١)

فاللفظ في الآية نزل بصيغة الخصوص ، وهو (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ).

وسبب نزول الآية خاص ، وهو اليهودي كعب بن الأشرف. حيث قدم مكة بعد أن شاهد قتلى بدر ـ حرض الكفار على الأخذ بثأرهم ، وغزو النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسألوه من أهدى سبيلا؟ المؤمنون أم هم؟ ، فتملق عواطفهم ، وقال : بل أنتم أهدى من المؤمنين سبيلا (٢).

فالعبرة لخصوص اللفظ ، والسبب معا ، وحكم الآية خاص فيمن نزلت

__________________

(١) أخرجه الواحدي : أسباب النزول ، ص : ١٦٨.

(٢) تفسير الطبري ، ج ٥ ، ص : ٨٥.

٤٩

فيه ، وهو كعب بن الأشرف ، ولا يتعداه إلى غيره.

أخرج الواحدي عن عكرمة قال : «جاء حييّ بن أخطب ، وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة ، فقالوا لهم : أنتم أهل الكتاب ، وأهل العلم القديم ، فأخبرونا عنا ، وعن محمد ، فقالوا : ما أنتم ، ومحمد؟! قالوا : نحن ننحر الكوماء ، ونسقي اللبن على الماء ، ونفك العاني ، ونصل الأرحام ، ونسقي الحجيج ، وديننا القديم ، ودين محمد الحديث. قالا :

بل أنتم خير منه ، وأهدى سبيلا ، فأنزل الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ...) إلى قوله : (وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) (١).

٦ ـ قوله تعالى في المشرك المجادل أبيّ بن خلف :

(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يس : ٧٨ ، ٧٩)

فاللفظ في الآية جاء خاصا ، وهو (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ).

والسبب الذي نزلت فيه الآية خاص ، وهو أبيّ بن خلف ، الذي أحضر جمجمة ثور ، وقال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل يستطيع ربك إحياءها من جديد؟! فأجابه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : نعم ، ويميتك ، ويحييك ، ويدخلك النار ، وقد قتله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برمية حربة في غزوة أحد.

أخرج الواحدي عن أبي مالك : «أن أبيّ بن خلف الجمحي جاء إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعظم حائل ففتته بين يديه ، وقال : يا محمد ، يبعث الله هذا بعد ما أرم؟!! فقال : نعم ، يبعث الله هذا ، ويميتك ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم ، فنزلت هذه الآيات» (٢).

__________________

(١) الواحدي : أسباب النزول ، ص : ٣.

(٢) الواحدي : أسباب النزول ، ص : ٢٤٦.

٥٠

٧ ـ قوله تعالى في عم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد العزى أبي لهب :

(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (سورة المسد)

فاللفظ في الآية جاء بصيغة الخصوص وهو : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ).

والسبب الذي نزلت فيه السورة خاص ، وهو أبو لهب ، عند ما قال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : تبّا لك ألهذا جمعتنا؟!! فالعبرة بخصوص اللفظ ، والسبب معا ، والحكم يحمل على الخصوص ، وفي أبي لهب ، وزوجته لا يتعداهما إلى غيرهما.

أخرج البخاري ، ومسلم عن ابن عباس قال : «لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء) ٢١٤.

خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى صعد الصفا ، فهتف : يا صباحاه! فاجتمعوا إليه فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقي؟؟ قالوا : ما جرّبنا عليك كذبا ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبّا لك إنما جمعتنا لهذا! ، ثم قال : فنزلت سورة المسد» (١).

هذا ولنا التنويه : أنه قد يرد اللفظ القرآني أحيانا بصيغة العموم الظاهري ، وفي هذه الحالة تكون العبرة لخصوص السبب لا لعموم اللفظ.

فإذا نزلت الآية القرآنية بلفظ العموم الظاهري ، وليس الحقيقي ، وإذا عرفنا أن سبب النزول خاص ، وان السياق القرآني يتناول سببا خاصا : كفرد أو فئة ، أو جماعة معينة ، فاللفظ في هذه الحالة يحمل على الخصوص ، وليس على العموم.

أمثلة على لفظ العموم الظاهري :

__________________

(١) أسباب النزول ، ص : ٣٠٨.

٥١

١ ـ قوله تعالى :

(لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران : ١٨٨)

فاللفظ في هذه الآية نزل بصيغة العموم الظاهري ، وليس العموم الفعلي ، وبالوقوف على سبب النزول ، والسياق القرآني ، يتبين أن الآية نزلت في سبب خاص ، وتتناول فئة معينة من اليهود سألهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكتموه إياه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.

فالعبرة بالنسبة لهذه الآية هي لخصوص السبب لا لعموم اللفظ ، لأنه عموم ظاهري ، فقد بين ابن عباس حكمها الخاص ، وبأنها في جماعة من اليهود نزلت.

٢ ـ قوله تعالى :

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) (التوبة : ٦٥)

فلفظ هذه الآية نزل بصيغة العموم الظاهري ، وقد عرف من سبب النزول ، والسياق القرآني أنها نزلت في فئة من الناس ، وهم جماعة من المنافقين كانوا يستهزءون بالرسول ، والقرآن ، فالعبرة هنا لخصوص السبب لا لعموم اللفظ ، ومن هؤلاء المنافقين من ساهم في بناء مسجد ضرار الذي هدمه الرسول ، لأنه أسس على النفاق ، ومنهم : مجمع بن جارية ـ وكان غلاما حذقا حفظ القرآن ، وكان يصلي بجماعته ـ ووديعة بن ثابت ـ وكان يستهزئ بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ومربع بن قيظي ، وقد أخذ حفنة من تراب ، وأراد أن يرمي بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو ذاهب إلى أحد ،

٥٢

وهمّ الصحابة بقتله ، فقال لهم النبي : دعوه ، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر ، وضربه سعد بن زيد بالقوس ، فشجه.

٣ ـ قوله تعالى :

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ، يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون : ٧ ، ٨)

فلفظ الآية نزل بصيغة العموم الظاهري ، وقد عرف من سبب النزول ، ومن السياق القرآني أنها نزلت في سبب خاص ، وهو رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول ، فالعبرة هنا لخصوصية السبب لا لعموم اللفظ ، وحكم الآية يحمل على الخصوص.

عن زيد بن أرقم : «أنه سمع عبد الله بن أبي يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، ويقول : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» (١).

وعند ما قال ابن أبيّ «رأس المنافقين» في غزوة المريسيع ، وتسمى غزوة «المصطلق» : (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ). ونقل ذلك إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أشار أسيد بن حضير على الرسول بالرفق به قائلا : والله لقد جاء الله بك ، وإن قومه لينظمون له الخرز ، ليتوّجوه ، وإنه ليرى أنك قد استلبته ملكه!! قال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق ... قال له النبي : دعه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ... واكتفى النبي بإذلاله ، وذلك بإرغام ولده عبد الله له أن يقر بخطئه ، وخلف عليه ألا يمكنه من العودة إلى المدينة حتى

__________________

(١) أخرجه البخاري.

٥٣

يقول : إنه الدليل ، ورسول الله هو العزيز ، ففعل ، فكان ابن أبيّ بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ، ويعنفونه ...» (١) ٤ ـ قوله تعالى :

(لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران : ١٨١)

فلفظ الآية نزل بصيغة العموم الظاهري ، وقد عرف من سبب النزول ، ومن السياق القرآني ، أنها نزلت في جماعة من اليهود ، وعلى رأسهم : فنحاص ، وأشيع ، فالعبرة بخصوصية السبب ، وحكم الآية على الخصوص.

أخرج الواحدي عن عكرمة ، والسدّي ، ومقاتل ، وابن عباس : «دخل أبو بكر الصديق على يهود في بيت المدارس بالمدينة ، فوجد كثيرا منهم اجتمعوا على رجل يقال له فنحاص ، وكان من علمائهم ، ومعه حبر من أحبارهم هو أشيع.

ولما وجه دعوة الإسلام إلى فنحاص قال له : والله ، يا أبا بكر ، ما بنا إليه من فقر ، وإنه إلينا بفقير ، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ، وإنا عنه أغنياء ، وما هو عنا بغني ، ولو كان غنيا عنا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم ، وينهاكم عن الربا ، ويعطيناه ، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر ، وضرب وجهه بشدة قائلا : لو لا العهد الذي بيننا ، وبينكم لضربت عنقك ، فشكاه إلى النبي منكرا ما قاله ، فنزلت في فنحاص الآية».

٥ ـ قوله تعالى :

__________________

(١) تاريخ الفتح الإسلامي. ص : ١٩٣ ـ ١٩٤.

٥٤

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة : ١١٥)

فلفظ الآية نزل بصيغة العموم الظاهري ، وقد فهم من السياق القرآني ، وسبب النزول أنها في فئة معينة من المسلمين صلت بالليل كل إلى جهة لجهالتهم القبلة ، وأثابهم الله على صلاتهم ، ورضي بها ، وقبلها منهم ، فالعبرة بخصوصية السبب ، وحكم الآية خاص في السبب الذي نزلت فيه لا يتعداه إلى غيره.

أخرج الترمذي ، وضعّفه من حديث عامر بن ربيعة ، قال : «كنا في سفر في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كل رجل منا على حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنزلت» (١).

٦ ـ قوله تعالى :

(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة : ٩٣)

فلفظ الآية نزل بصيغة العموم الظاهري ، وقد عرف من السياق القرآني ، وسبب النزول أنها في جماعة المسلمين الذين ماتوا ، وفي بطونهم الخمر ، قبل أن ينزل القرآن بتحريمها ، فكانت الآية عذرا لهم ، وحجة على الباقين من المسلمين.

فالعبرة هنا بخصوصية السبب ، وحكم الآية يحمل على الخصوصية لا العمومية ، وإلا لشرب المسلمون الأتقياء الخمر ، وإلى قيام الساعة.

__________________

(١) السيوطي ، الإتقان ، ص : ٣٣.

٥٥

الفصل الثالث

عموم اللفظ وخصوص السبب

وهذا يعني أن النزول القرآني جاء بلفظ العموم ، وفي سبب خاص.

أي أن الآية القرآنية نزلت بلفظ عام ، وكان سببها خاصا.

فالعبرة تكون لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وحكمها يتعدى السبب الذي نزلت فيه الآية إلى الأسباب الأخرى المناظرة.

فالاتفاق بين معظم العلماء على أن الآية القرآنية التي نزلت بلفظ العموم ، وفي سبب خاص يتعدى حكمها السبب الذي نزلت فيه إلى جميع الأسباب ، والحالات الأخرى المشابهة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم :

هذه الآية نزلت في كذا ، لا سيما إن كان المذكور شخصا كقولهم : إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت ، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله ، وان قولهم : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) (المائدة : ٤٩)

نزلت في بني قريظة ، والنضير ، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة ، أو في قوم من اليهود ، والنصارى ، أو في قوم من المؤمنين ، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم. هذا لا يقوله مسلم ، ولا عاقل على الإطلاق ، والناس ، وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب ، هل يختص بسببه؟؟ فلم يقل أحد أن عمومات الكتاب ، والسنة تختص بالشخص المعين ، وإنما غاية ما يقال : إنها تختص بنوع ذلك الشخص ، فتعم ما يشبهه ، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ ، والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا ، أو نهيا ، فهي متناولة لذلك الشخص ، ولغيره من كانت بمنزلته ، وإن كانت خبرا بمدح ، أو بذم فهي متناولة لذلك الشخص ،

٥٦

ولمن كان بمنزلته» (١).

وينبه الإمام السيوطي كذلك : «إلى أن القول بعموم السبب إنما يستند إلى كون نزول الآية بصيغة العموم ، أما إذا نزلت آية في أمر معين ، ولا عموم للفظها ، فإنها تقصر عليه ، فتكون العبرة بخصوص السبب لا لعموم اللفظ ، ولا يتعدى حكم الآية السبب الذي نزلت فيه أي الشخص ، أو الفئة التي نزلت بسببه ، أو فيه».

أمثلة على عموم اللفظ وخصوص السبب :

١ ـ آيات حكم الظهار التي نزلت في واقعة ظهار أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثعلبة ، قال تعالى :

(قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ، وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة : ١ ـ ٤)

عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : «تبارك الذي وسع سمعه كلّ شيء إني أسمع كلام خولة بنت ثعلبة ، ويخفى علي بعضه ، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهي تقول : يا رسول الله ، أكل شبابي ، ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني ، وانقطع ولدي ، ظاهر منّي ، اللهم إني أشكو إليك. قالت : فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء

__________________

(١) السيوطي ، الإتقان ، ص : ٣١.

٥٧

الآيات : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها).

وهو أوس بن الصامت» (١).

فلفظ هذه الآيات نزل بصيغة العموم وهو : (الَّذِينَ يُظاهِرُونَ) ، وكذلك (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ) ، والسبب الذي نزلت فيه الآيات خاص ، وهو : ظهار أوس بن الصامت من زوجته خولة بنت ثعلبة ، فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وحكم الآيات عام يتعدى السبب الذي نزلت فيه إلى غيره من الأسباب المشابهة ، وإلى قيام الساعة.

٢ ـ آيات اللعان ، التي نزلت في واقعة قذف هلال بن أمية زوجته من شريك بن سمحاء.

قال تعالى :

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ، وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ، وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور : ٦ ـ ٩)

عن ابن عباس : «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشريك بن سمحاء ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : البينة وإلا حد في ظهرك؟؟ فجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : البينة وإلا حد في ظهرك؟؟ ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق ، إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد ، ونزل جبريل فأنزل عليه : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ) حتى بلغ : (إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٢).

__________________

(١) أخرجه ابن ماجة ، وابن أبي حاتم ، والحاكم.

(٢) صحيح البخاري ، ج ٦ ، ص : ١٠٠.

٥٨

فلفظ الآيات نزل بصيغة العموم ، وهو :

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) (النور : ٤) والسبب الذي نزلت فيه الآيات خاص ، وهو : واقعة قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن سمحاء ، فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وحكم الآيات عام يتعدى السبب الذي نزلت فيه إلى غيره من الأسباب المشابهة.

٣ ـ آية حد القذف التي نزلت في أصحاب قصة الإفك ، رماة عائشة أم المؤمنين. قال تعالى :

(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (النور : ٤)

لفظ الآية نزل بصيغة العموم ، وهو : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ).

والسبب الذي نزلت فيه الآية خاص ، وهو قصة الإفك المعروفة ، وأصحابها : عبد الله بن أبيّ (رأس النفاق) ، ومسطح بن خالة أبي بكر ، وحسّان بن ثابت ، شاعر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي فقد بصره قبل وفاته ، ورفاعة المنافق ، وحمنة بنت جحش.

فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وحكم الآية عام ، يتعدى السبب الذي نزلت فيه ، ويتناول جميع الأسباب المشابهة ، والحالات التي بمنزلة حالة أصحاب قصة الإفك ممن يقذف النساء المسلمات.

٤ ـ آية النفاق التي نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، قال تعالى :

٥٩

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ، وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) (البقرة : ٢٠٤ ـ ٢٠٦)

قال السّدّي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف بني زهرة ، اقبل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأعجب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك منه ، وقال : إنما جئت أريد الإسلام ، والله يعلم اني لصادق ، وذلك قوله تعالى : (وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ).

ثم خرج من عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمر بزرع لقوم من المسلمين ، وحمر ، فأحرق الزرع ، وعقر الحمر ، فأنزل الله فيه : (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) (١).

فلفظ الآية نزل بصيغة العموم ، وهو : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ).

والسبب الذي نزلت فيه خاص ، وهو قصة الأخنس بن شريق الثقفي المنافق الذي تظاهر بالإسلام ، وأبطن الكفر.

فالعبرة في هذه الآية لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وحكم الآيات يتعدى السبب الذي نزلت فيه إلى غيره من الأسباب المناظرة.

٥ ـ آية الايمان التي نزلت في صهيب الرومي ، (رضي الله عنه).

قال تعالى :

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) (البقرة : ٢٠٧)

__________________

(١) الواحدي : أسباب النزول ، ص : ٣٩.

٦٠