مصحف أميرالمؤمنين علي عليه السلام بين المنزل والمفسّر

المؤلف:

السيد علي الشهرستاني


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار البراق
ISBN: 978-600-466-047-1
🚘 نسخة غير مصححة

ما أُنزل من اللوح المحفوظ ، وبذلك يكون ترتيب (النزول = الوقائع) يختلف عن ترتيب (القراءة والكتابة والتلاوة) ، لأنّ الترتيب الثاني ـ أي الآيات في السور ـ يجب أن يتفق مع اللوح المحفوظ ويمر من خلال تصويب : الملك جبرئيل ، والصادق الأمين «محمّد» صلى‌الله‌عليه‌وآله له ، فلا يجوز قراءة شيء منه في الصلاة إلّا بعد إقراره وتثبيته من قبل رب العالمين على أنّه صار قرآناً (فَإِذَا قرآناهُ فَاتَّبِعْ قرآنهُ) فكلمة (قرآنهُ)هنا يختلف عن (قُرآنه) هناك ومعناه هنا (فَاتَّبِعْ قرآنهُ) تلاوة وقراءة وأحكاماً يختلف أمّا إذا لم يُقرَّر من قبله سبحانه ، لعدم نزول بعض الآيات في السورة المراد تقريرها وإقراؤها لعدم وقوع الواقعة ، فلا يسمح بتلاوتها في الصلاة أو تثبيتها في المصاحف (١) ، أمّا إذا كملت السورة وقُرّرَت من قبل ربّ العالمين ، فكان صلى‌الله‌عليه‌وآله يسمح بتلاوتها في الصلاة وكتابتها في المصحف.

المصاحف على عهد رسول الله حقيقة لا خيال

وهذا الكلام يؤكّد وجود مصاحف ناقصة على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل قل وجود مصاحف كاملة إلى ذلك الحين (٢) ، خلافاً لما أشاعوه من عدم إمكان جمع

__________________

(١) (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ).

(٢) في الطبقات ٨ : ٤٥٧ أن رسول الله كان يزور أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث ويسمّيها الشهيدة ، وكانت قد جمعت القرآن.

وحكى الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه تاريخ القرآن : ١٦٠ نقلاًَ عن رسالة شواذ القراءة للكرماني بأنّ لحمزة بن عبد المطلب ـ عم رسول الله ـ مصحفاً.

٤١

القرآن على عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله لاستمرار نزول الوحي على رسول الله حتى آخر لحظة من حياته (١) ، وإذا كان فهي صحف متفرّقة الآيات والسور دون ترتيب (٢) وأنّ الذي جعلها مرتبة السور والآيات في مصحف واحد هو زيد بن ثابت بأمر أبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب (٣) بعد وفاة رسول الله.

قالوا ذلك ، في حين أنّ النصوص القرآنية والروائية الأخرى تؤكّد بطلان هذا القول ، كما تؤكّد بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يرشد أصحابه إلى أماكن الآيات في السور ، فيقول : ضعوا الآية الفلانية في المكان الفلاني من السورة الفلانية (٤) ، أو : بين آيتي الربا والدين (٥) ، أو : أتاني جبرئيل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) فجعلت في سورة النحل بين آيات الاستشهاد وآيات العهد (٦) ، أو ماجاء في قول جبرئيل : ضعوا كذا في موضع كذا (٧) ، أو : يا محمد ، ضعها في رأس ثمانين ومائتين من

__________________

(١) انظر فتح الباري ١٩ : ١٢ على سبيل المثال.

(٢) مناهل العرفان ١ : ١٧٤ ، ١٨٣.

(٣) انظر صحيح البخاري ٤ : ١٧٢٠ / ٤٤٠٢.

(٤) البرهان للزركشي ١ : ٢٤١.

(٥) الاتقان ١ : ١٧١ / ٨١٠ ، أسرار التكرار في القرآن : ٢٣.

(٦) تفسير ابن كثير ٢ : ٥٨٤ ، الاتقان ١ : ١٦٨ / ٧٨٢.

(٧) مناهل العرفان ١ : ١٧٢ ، الاتقان ١ : ١٦٩ / ٨٠١ ، وكذا في البرهان ١ : ٢٥٦.

٤٢

سورة البقرة (١) أو : الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه (٢).

ومعناه : وجود مصاحف مرتّبة الآيات والسور في عهده صلى‌الله‌عليه‌وآله. ولعلّ قول رسول الله في التأكيد على الحِفاظ على (المصحف) والتلاوة فيه جاء لإثبات وجوده على عهده ـ في الصدور والسطور معاً ـ ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تأخذوا المصحف إلى أرض العدو (٣). أو قال : من قرأ القرآن في المصحف كانت له ألف حسنة (٤). أو قال : لا تمسَّ المصحف وأنت غير طاهر (٥) وأمثال ذلك.

نعم ، أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص سَمّى ما جمعه على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قرآناً ، وهو يعلم علم اليقين بأنّ ما جمعه ليس هو جميع القرآن ، لأنّ الوحي لم ينتهِ نزوله بعدُ على رسول الله ، ولم يحصل العرض الأخير ، فقال : جمعت القرآن فقرأت به كلّ ليلة ، فبلغ النبيَّ ذلك فقال : إقرأ به في كلّ شهر (٦).

وبهذا فقد عرفت بأنّ كل هذه النصوص تؤكّد بأنّ القرآن (المنزل) قد ضُبط ورُتّب واُقْرِأ على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله شيئاً فشيئاً ، وأنّه يرتبط بالله أولاً ، وبجبرئيل الأمين والصادق الأمين «محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله» ثانياً وبأمير المؤمنين علي عليه‌السلام

__________________

(١) الكشاف ١ : ٣٥٠ ، تفسير القرطبي ١ : ٦١.

(٢) صحيح البخاري ٤ : ١٩١٤ / ٤٧٢٢.

(٣) انظر صحيح البخاري ٣ : ١٠٩٠ / ٢٨٢٨ ، صحيح مسلم ٣ : ١٤٩٠ / ١٨٦٩.

(٤) انظر المعجم الكبير للطبراني ١ : ٢٢١ / ٦٠١ ، وعنه في البرهان ١ : ٤٦٢.

(٥) كنز العمال ١ : ٣٠٩ / ٢٨٧٤ ، عن أبي داود في المصاحف.

(٦) سنن ابن ماجة ١ : ٤٢٨ / ١٣٤٦ ، مصنف عبد الرزاق ٣ : ٣٥٥ / ٥٩٥٦ ، صحيح ابن حِبّان ٣ : ٣٣ / ٧٥٦.

٤٣

أخيراً ، لا بغيرهم.

ونحن قد تعرضنا في كتابنا (جمع القرآن) لهذه المسألة مفصلاً وأثبتنا بطلان ما قالوه في أنّ الخلفاء الثلاثة قد جمعوا القرآن ، وأنّ دعوى جمعه بشاهدَين وعلى عهد الشيخين وعثمان (١) هي مدعاة للتعريض بالقرآن على حساب الرفع بضبع الجامع له!!

فلا أدري كيف يمكن قبول دعوى جمعه بعد عقدين من رحيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي زمن الفتنة بالخصوص ، مع تأكيدهم على لزوم الحيطة والحذر من الأخذ بالأحاديث الصادرة أيام الفتنة؟

فكيف يمكن الاعتماد على قرآن مجموع في أيام الفتنة والوضع هكذا؟! ألا يكون هذا القول تعريضاً بالقرآن لحساب بيان فضيلة لعثمان؟

ومن هنا يتضح مغزى قول الإمام الباقر عليه‌السلام ودقة كلامه ، وبنظري أنّ في كلامه عليه‌السلام لف ونشر مرتب ، ومعناه : أنّ القرآن الذي جمعه الإمام علي هو محفوظ عند أهل بيته ولا يعرف باطنه ومكنونه إلّا هم ، فقال عليه‌السلام :

ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل إلّا كذّاب ، وما جَمَعه وحَفِظه كما نزّله الله تعالى إلّا عليُّ بن أبي طالب والأئمّة من بعده (٢).

وقوله عليه‌السلام : ما أحدٌ من هذه الأمّة جمع القرآن إلّا وصيُّ محمّد (٣).

__________________

(١) الذي ثار عليه الصحابة وتظافروا في قتله كما هو تراه في تاريخ الطبري والكامل وغيره.

(٢) الكافي ٢٢٨ : ١ / ح ١ باب (انه لم يجمع القرآن كله إلّا الأئمّة)

(٣) تفسير القميّ ٢ : ٤٥١ عنه في بحار الأنوار ٨٩ : ٤٨ / ح ٥ ، وفي بصائر الدرجات : ٢١٤ / ح ٥ من الباب ٦ وفيه الا (الأوصياء).

٤٤

وهو معنى لقوله تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).

سؤال وجواب

وهنا سؤال يطرح نفسه ويطلب الإجابة ، وهو : إذا كان القرآن قد جُمع على عهد رسول الله ـ متناثراً ومتفرقاً في الصحف بواسطة كتّاب الوحي ، ثمّ بتقرير جبرئيل الأمين والصادق الأمين لذلك في اللقاء الثنائي في كل عام ـ ، فما يعني جمع أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام له بين الدفتَين لاحقاً؟

الجواب :

إنّ الإمام أمير المؤمنين علياً قد جمع القرآن المرتّب والمجموع ، خلف فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ والذي كان مكتوباً بواسطة كَتبة الوحي على أشكال مختلفة من : العسب ، والكتف ، واللخاف ، والحرير ، والرَّقّ ، والخزف ، والشظاظ ـ ووحده إلى شكل واحد وجنس واحد (١) ، مع أنّه كان عنده نسخة قد كتبها من ذي قبل ، لقوله عليه‌السلام : فما نزلت على رسول الله آيةٌ من القرآن إلّا أقرأنيها وأملاها عَلَيَّ فكتبتها بخطّي.

وبما أنّ القرطاس والرق والحرير هنّ الأجود والأشهر بين تلك الصحف

__________________

(١) استجابةً لوصية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي ، القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ... تفسير القميّ ٢ : ٤٥١ تفسير سورة الناس ، بحار الأنوار ٨٩ : ٤٨ / ٧.

٤٥

آنذاك ، وهي أكثر استخداماً في الكتابة من العظم وأضلاع النخل واللخاف وأمثالها ، فالإمام سعى أن يوحّد تلك المكتوبات (١) على تلك الأجناس الليّنة وعلى جنس واحد منها بالخصوص وقد انتهي من عمله في وقت قصير.

وكما لا يخفى عليك أيضاً أنّ (صحيفة) و (صُحف) و (سجّل) وأمثالها من الكلمات كانت من أدوات التدوين ، والتي يلحظ فيها غالباً اللين والمطاطية أيضاً.

فالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وقبله ربّ العزة والجلالة أرادا تحقيقاً لقوله تعالى : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقرآنهُ) و (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أن يكون شرف جمعه بين الدفتين لوصي رسول الله أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام لأنّه امتداد للمنظومة الإلهية التي تبتدأ بالله ثم الملك جبرئيل والرسول الأمين ، ثمّ تختم بعلي ولا يمسّ معانيه إلّا الأوصياء من عترته (لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) و (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ).

وقصارى القول أنّ الإمام علي وحّد شكل تلك الصحف مع ما عنده من المكتوب على عهد رسول الله وجمعها بين الدفتين في ثلاثة أو سبعة أو تسعة أيام (٢) ، استجابةً لأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله.

__________________

(١) الموجودة في بيت النبي وعند نفسه.

(٢) على اختلاف في الأخبار كما سيجيء قريباً.

٤٦

المقدمة الثالثة : الإمام يجمع المصحف بترتيبين

أثناء بحثي في أخبار مصحف الإمام عليّعليه‌السلاموقفت على مجموعتين من الأخبار ، قد يتوهّم الباحث بوجود التضاد والتضارب بينهما ، ممّا دعاني إلى الجمع بينها.

ففي بعضها ترى الإمام قد جمع المصحف في ثلاثة أيام (١) ، وفي أخرى في سبعة أو تسعة أيام (٢) ، وفي ثالثة أنّه جمعها في ستّة أشهر (٣) ، فالفارق بين ثلاثة ، أو سبعة ، أو تسعة ، وبين ستة أشهر (١٨٠ يوماً) كبيرٌ جداً.

ومثله ترى الاختلاف في بعض أخبارالمصحف ، ففيها : أنّ الإمام قد جمع المصحف في ثوب أصفر ثم ختم عليه (٤) وحمله في إزار معه ، وهو يئطّ من تحت

__________________

(١) كما في تفسير فرات : ٣٩٨ / ح ٥٣٠ ، بحار الأنوار٢٤٩ : ٢٣ / ح ٢٣ ، الفهرست لابن النديم : ٤١ باب الجماع للقرآن على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

(٢) التوحيد للصدوق : ٧٣ / ح ٢٧ وفيه : خطبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام قال : قال أمير المؤمنين في خطبة خطبها بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بسبعة أيّام ، وذلك حين فرغ من جمع القرآن ، الأمالي للصدوق : ٣٩٩ / ح ٥١٥ وفيه بتسعة أيّام ، وقد أشار الطريحي في مجمع البحرين٤ : ٣١٦ إلى مفاد الرواية في مادة (جمع) وفيه : وفي نقل آخر أنّ أمير المؤمنين جمع القرآن في المدينة بعد وفاة رسول الله بمدة قدرها سبعة أيام بعد وفاته.

(٣) مناقب آل أبي طالب ١ : ٣١٩.

(٤) تفسير القميّ ٢ : ٤٥١ ، وفي كتاب سُلَيم : ٢١٦ : ثمّ شُغلتُ في القرآن فآليت على نفسي أن لا ارتدي إلّا لصلاة حتّى أجمعه في كتاب ...

٤٧

سيفه (١) ، دلالة على صغر حجم المجموعة بحيث يمكن حملها تحت الإبط ومع حمالة السيف ، ولكن في أخبار أخرى أنّه حمل مصحفه على جمل (٢).

ومن المعلوم بأنّ حمله على جمل لا يتّفق مع كونه كان يئطّ (٣) من تحت سيفه ، وأنّ المجموع الأول أكبر ولا يتّفق مع المجموع الثاني ، إذن كيف يمكن حل هذه الإشكالية؟

نحن من خلال تتبّعنا لأخبار المصحف في الكتب الحديثية الشيعية وقفنا على نصَّين محكيَّين عن الإمام علي عليه‌السلام كانتا هما الانطلاقة الأولى لحل هذه الإشكالية عندنا وعند غيرنا ، فسعينا من خلالهما ومما عرفناه من كلمات القوم بأنّ ترتيب (قرآن التلاوة) ليس على ترتيب (نزوله) ، لأنّ نزوله كان على حسب الأسباب والوقائع ، أمّا التلاوة لما رآه الله من سبب (٤) ، فسعينا أن نجمع بين القولين ، وأن نعطي رؤية توفيقية بينهما ، وأن نخرج برؤية موحَّدة قد ترضي الكثير من الباحثين ، خلاصتها :

أنّ للامام علي عليه‌السلام ترتيبين للمصحف ، أو قل مجموعتين مدوَّنتَين.

كتب في أحدهما : ما جُمع ورُتّب على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حسبما وضّحناه قبل

__________________

(١) إثبات الوصية للمسعودي : ١٢٣ ، وفيه : ثم ألّف القرآن وخرج إلى الناس وقد حمله في إزار معه وهو يئط من تحت سيفه.

(٢) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٣٥.

(٣) اَطّ يعني صوّت ، أي كان المصحف يصوت مع حركات سيفه.

(٤) مناهل العرفان ١ : ١٧٩ / باب لماذا لم يجمع القرآن أيامئذ في صحف ولا مصاحف.

٤٨

قليل.

وكتب في الآخر : التأويل والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه (١)؟ وما شابه ذلك مع التنزيل.

وبذلك يكون ما أُريد لترتيب (التلاوة) يختلف عما أُريد لترتيب (المُنْزَل) يومياً وطبقاً للحوادث الواقعة.

لأنّ ترتيب الأوّل لُحظ فيه تطابقه مع اللوح المحفوظ ، وهو الذي كان يقرأ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في صلاته ، وهو قرآن التلاوة والذِّكر.

أمّا الثاني فهو لم يلحظ فيه ذلك ، فهو كتاب علم وتاريخ وشأن النزول ، وأنّ الهدف في الأخير هو ضبط مجريات الأحداث وما جاء عن رسول الله فيها ، فقد روى سليم بن قيس قول طلحة لأمير المؤمنين وجواب الأميرعليه‌السلام له بقوله :

[١] «يا طلحة ، إنّ كلّ آيةٍ أنزلها الله في كتابه على محمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله عندي ، بإملاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخطّ يدي.

[٢] وتأويل كلّ آيةٍ أنزلها الله على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وكلّ حلال أو حرام ، أو حدٍّ أو حكم ، أو أيّ شيءٍ تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة ، عندي مكتوبٌ بإملاء رسول الله وخطّ يدي ، حتّى أَرْش الخَدْش (٢)».

وروى الكلينيّ (ت ٣٢٩ هـ) في «الكافي» ، عن الإمام عليّ عليه‌السلام قوله :

__________________

(١) طبقا لوقائع الايام ومانزل في الحوادث.

(٢) كتاب سليم : ٢١١ ، وانظر الاحتجاج : ٢٢٢ ، بحار الأنوار ٣١ : ٤٢٣ و ٨٩ : ٤١.

٤٩

[١] فما نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله آيةٌ من القرآن إلّا أقرآنيها وأملاها علَيّ ، فكتبتُها بخطّي ،

[٢] وعلّمَني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصَّها وعامّها ، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها ، فما نسيتُ آيةً من كتاب الله ولا عِلْماً أملاه علَيّ وكتبتُه منذ دعا اللهَ لي بما دعا (١).

وعلى ضوء هذين النصين وما سأتي بعدهما عن كتاب الكافي نفهم أنّ للإمام علي عليه‌السلام نسختين مكتوبتين بخطه ، وبترتيبين :

أحدهما کتب فيه الآيات النازلة على النبي محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله مجرداً عن التفسير ـ والذي قُرّر من قبل الله في شهر رمضان من كلّ عام ـ ، والآخر معه التأويل والتفسير والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاصّ والعامّ وغير ذلك لکن بترتب الوقائع والأّام.

وقد دوّن الإمام المجموعة الأُولى (التلاوتة) ووحّد شكلها ونظّمها في ثلاثة أو سبعة أو تسعة أيّام لكي تكون عنده يستعين بها ـ على القوم ـ عند الحاجة.

والآخر جمعها وكتبها في ستة أشهر بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله طبقاً لوقائع الأيام ومجريات الحوادث.

وهذا التقسيم والترتيب الذي قلناه يشابه إل حدٍّ ما قول الزركشي ، والبغوي ، ومحمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتبهم.

__________________

(١) الکافي ١ : ٦٤.

٥٠

إذ قال الأول والثاني : وترتيب النزول يختلف عن ترتيب التلاوة (١).

وقال الثالث : ولا يُستَبعَد ان يكون لكتابة المنزل نسختان لا يختلفان اختلاف التضادّ وكلاهما كلام الله (٢).

وطبق هذه المقدمة يمكننا توجيه ماقيل في اختلاف ترتيب مصاحف الصحابة على عهد رسول الله ثمّ من بعده ، لأنّهم جمعوا تلك السور المقروءة آنذاك ، على تفاوتٍ في الجمع قلّةً وكثرة وفي التقديم والتأخير بين ترتيب السور (٣).

فقد يكون بعضهم جمع : الأنعام ، والأعراف ، ويونس ، وإبراهيم ، وق ، والذاريات ، والطور ، والنجم ، والقمر ، والواقعة.

والآخر جمع : الحِجر ، والإسراء ، والكهف ، ومريم ، والروم ، ولقمان ، والسجدة ، والأعلى ، والغاشية ، والفجر ، والمُلك.

وثالث جمع : طه ، والأنبياء ، والمؤمنون ، والفرقان ، والشعراء ، والنمل ، والقصص ، والعنكبوت ، وسبأ ، وفاطر ، ويس.

ورابع : الصافّات ، وص ، والزمر ، وغافر ، وفُصّلَت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف ، والجنّ ، ونوح.

__________________

(١) البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢٣٧ : ١ ، شرح السنة للبغوي٤ : ٥٢٣.

(٢) مفاتيح الاسرار للشهرستاني ١٣ : ١.

(٣) أما ترتيب الآيات فهي واحدة عند الجميع عند الإمام علي وعند عثمان وعند ابن تيمية وعند العلّامة الحلي وعندنا وعند ابن باز ...

٥١

ولهذا ترى ترتيب مصاحف أُبي وابن مسعود والإمام علي وغيرهم من الصحابة يختلف فيما بينهما في ترتيب السور تقديماً وتأخيراً ، ولا ضير.

فالذي ذكره ابن النديم عن مصحف أبي وابن مسعود (١) يختلف مع الذي حكاه اليعقوبي عن ترتيب مصحف الإمام عليّ بن أبي طالب (٢) ، حتّى أنّك ترى اختلاف ترتيب مصحفي الصحابي الواحد ، فقد اختلف ترتيب مصحفي أبي وابن مسعود المذكورين في الفهرست لابن النديم عما هو موجود في الاتقان عنهما (٣) ، ولوجود هذا الاختلاف الشديد في ترتيب السور في مصاحف الصحابة قالوا بعدم توقيفيّة ترتيب سور القرآن.

وجود زيادات تفسيرية في مصاحف الصحابة لا يضرّ بأصل القرآن

فالصحابة إذن كانوا يجمعون ما ينزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقرؤون ويكتبون بما يُقَرّر من قِبل الله ورسوله بعد الاجتماع الثنائي في شهر رمضان من كل عام ، أي : إنّ الإنزال (الإقرائي) (٤) هو الذي كان يقرأ به في الصلاة وفي المصاحف ، لا غير ، فسورة الدخان وعمّ والواقعة وأمثالها من السور كانت

__________________

(١) الفهرست : ٣٩ ، باب ترتيب القرآن في مصحف عبد الله بن مسعود ، وصفحة ٤٠ ، باب ترتيب القرآن في مصحف أبي بن كعب.

(٢) تاريخ اليعقوبي : ١٣٥ ـ ١٣٦.

(٣) الاتقان ١ : ١٧٥ ، فائدة في ترتيب مصحفي أبي وابن مسعود.

(٤) (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ).

٥٢

واحدة عند علي وعثمان ، وكان يقرأ بهما معاوية والإمام الحسين وابن تيمية والعلامة الحلي ولا خلاف.

وإنّما قالوه بأنّ مصحف ابن مسعود يختلف عن مصحف عثمان وأنّ مصحف الإمام علي يختلف عن المصحف الموجود اليوم باطل جملة وتفصيلاً.

وعليه فكلامنا يؤكّد بأنّ الإمام علياً عليه‌السلام رجا لكل مجموعة من مجموعتيه هدفاً خاصّاً.

فقد جمع أحدهما للحفاظ على (قرآن التلاوة والذكر) (١) ، والآخر (الوقائعي) لحفظ تاريخ الإسلام ويومياته ، وقد جاء بالآيات وفقاً للتسلسل الزمني لوقوع الأحداث والمجريات عند المسلمين ، ذاكراً فيها أسماء من نزلت فيهم الآيات من المنافقين (٢) وغيرهم.

__________________

(١) خشية الزيادة والنقضان فيه؛ لقوله : (خَشِيتُ أنْ ينقلب القرآن) أو (أن ينفلت القرآن) أو (كي لا يزيد الشيطان فيه ولا يُنقص منه). لاحظ قول أمير المؤمنين عليه‌السلام هذا وقارنه مع ما قاله عمر بن الخطاب : لولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لَزدتُ .... كما في سنن أبي داود ١١٤ : ٤ / ٤٤١٨ وقوله : لوكانت ثلاث ايات لجعلتها سورة. كما في مسندأحمد ١ : ١٩٩ / ١٧١٥ ، فإصرار الإمام علي في الجلوس في بيته لجمع القرآن ، وإقراء رسول الله أمّته القرآن على مكث ، هما اللذان صانا الكتابَ العزيز من التحريف.

(٢) في مصابيح الأسرار للشهرستاني ١ : ١١ : عن عطاء ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى : (يَحْذَرُ الـْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) : إنّه كان في هذه السورة أسماء سبعين نفراً من المنافقين بأعيانهم وأسمائهم وأسماء آبائهم ... [ثم] نسخ تعطفاً على أولادهم.

٥٣

وقد اعترف الالوسي وغيره من العامة ، والسيد الخوئي وغيره من علماء الشيعة ، في وجود زيادات تفسيرية وتأويلية في مصحف الإمام علي الوقائعي المفسَّر (١) ، وان تلك الزيادات ليست موجودة في (قرآن التلاوة).

مؤكّدين للقارئ بأنّ ترتيب (المصحف المفسر) غير ترتيب قرآن التلاوة لأنّها كانت تُجمع يوماً بيوم وآية فآية دون لحاظ ترتيب ما أراده الله في قرآن التلاوة ، وأنّ هذه الزيادات التفسيرية الموجودة في مصحف الإمام علي عليه‌السلام قد تلحظ في مصاحف غيره من الصحابة أيضاً ، لكنّها لم تكن مكتملة كما كانت في مصحف الإمام علي عليه‌السلام وهذا لا يضر بأصل القرآن المجيد.

مع التأكيد أيضاً على أنّ الإمام كان لا يجيز القراءة بما يخالف قراءة الناس (٢) وإن كان يعتقد بصحة قراءته ، وأنّ الاختلاف في القراءة لا يعني التحريف عند علماء المسلمين ، ونصُّ الكليني الآتي الذي وعدنا بنقله صريح بأنّ القائم من آل محمد حينما يقوم ، تكون له مهمّتان في القرآن :

أحدهما : توضيح القراءة الصحيحة في القرآن ، وقرائته القرآن على حدّه الصحيح كما أُنزل واقعاً (٣).

__________________

(١) والذي أُلّف طبقاً للمفرق للآيات قبل جمعه من قبل رسول الله وجبرئيل الأمين في قرآن التلاوة.

(٢) لقوله (لا يهاج القرآن بعد يومنا هذا).

(٣) وهذا لا يعني وجود التحريف في القرآن ، لأنّنا أثبتنا في كتابنا «جمع القرآن» بأنّ المنهجية الخاطئة للشيخين في جمع القرآن قد خلطت بين القراءة الصحيحة وغيرها ، لأنّهما أخذا

٥٤

والمهمة الثانية إخراجه للمصحف الوقائعي المفسَّر وإخبارهم بما كان من الأُمور وما جاء عن النبي في تفسير تلك الآيات. إذن هناك كتاب الله للتلاوة ومصحف الإمام علي عليه‌السلام للعلم. وإليك النصّ بعينه :

محمد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم ، عن سالم بن سلمة ، قال : قرأ رجل على أبي عبد الله عليه‌السلام وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله عليه‌السلام : كُفَّ عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس حتّى يقوم القائم ، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عزّ وجلّ على حدّه ، وأخرج المصحف الذي كتبه عليّ عليه‌السلام. وقال : أخرجه علي عليه‌السلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم : هذا كتاب الله عزّ وجلّ كما أنزله [الله] على محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد جمعتُه من اللوحين ، فقالوا :

__________________

من الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمثال ابن مسعود وأبي وعلي مع أخذهم ما جاء من غيرهم معاً عن رسول الله ، مع علمنا وعلم الجميع بأنّ الذي تلقّى القراءة من رسول الله مباشرةً ـ كالذي أوصى رسول الله بقراءته مثل ابن مسعود في قوله : من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أُنزل فاليقرأه بقراءة ابن أم عبد ـ يكون أدق وأضبط من الذي سمعها منه صلى‌الله‌عليه‌وآله في صلاة أو خطبة له.

وبذلك فقراءة رسول الله وأمير المؤمنين وأبي وابن مسعود الصحيحة موجودة ضمن تلك القراءات لكنّها مشوشة وغير معروفة ، ولأجله حلّ أئمّة أهل البيت هذه الإشكالية وأرشدونا إلى الأخذ بما اشتهر بين الناس والقراءة بما يقرأ به الناس ، لأنّ المشهور المجمع عليه هو أقرب ما يكون إلى الواقع.

٥٥

هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن ، لا حاجة لنا فيه ، فقال : أما واللهِ ما ترونه بعد يومكم هذا أبداً ، إنّما كان علَيَّ أن أُخبركم حين جمعتُه لتقرؤوه (١).

وعليه فالإمام عليّ عليه‌السلام ميّز كل عمل عن الآخر في مجموعة خاصّة كي لا يختلط أحدهما بالآخر ، وإنّه عليه‌السلام بتصوري لم يقدّم المصحف (المنزل) للشيخين لاعتقاده بأنّه تحصيل حاصل إذ الناس كانوا يقرؤون به في صلواتهم وهم قريبو عهد برسول الله فلا ضرورة لتقديم المنزل لهم ، لكنّه قدمه لعثمان ـ عن طريق حذيفة (٢) ـ حينما رأى شدة الاختلاف بينهم وضرورة وقوفهم على نص واحد ، لأنّا قلنا بأنّ آيات القرآن وسوره ـ في الصدر الأول ـ كانت محفوظة في صدور الصحابة حتى صارت أناجيلهم صدورهم ، وقد كانت أقدام الصحابة تتورّم من كثرة تلاوة القرآن في صلواتهم ، لكن بالمنهجية الخاطئة للشيخين واستغلالهم لحديث الأحرف السبعة تكثرت القراءات واختلطت القراءة الصحيحة بالشاذة مما دعا الإمام علي أن يقدم مصحفه لتوحيدهم على اصل واحد ، وفي نص : أنّه قدمه لهم [في عهد الشيخين] أيضاً إتماماً للحجة لكنهم ردوه لكني ارى ذلك هو المصحف المفسر لا المجرد.

المهم أنّ الإمام عليه‌السلام قدم (المجرد) (٣) و (المفسَّر) لهم كي يُعْلمهم بأنّهم أين

__________________

(١) الكافي ٢ : ٦٣٣ / ح ٢٣ كتاب فضل القرآن.

(٢) وهذا ما ذهب اليه ابن طاووس قبلنا في (سعد السعود).

(٣) على قولٍ.

٥٦

كانوا ، وما هو موقعهم في بدء الدعوة ، واليوم ، أين أصبحوا ، مع ذكره ما نزل فيهم من الوحي عند تفسيره لتلك الآيات الوقائعية.

وأنّ وجود اسماء بعض المنافقين في ذلك المجموع المفسَّر كان ممّا يغضب الخلفاء ، وهو الذي دعاهم أن يردّوا مصحف الإمام المفسر ، والإمام بدوره أرجعه إلى بيته واستحفظه عند الأئمّة من ولده عليهم‌السلام ولم يره أحداً من الصحابة بعد أبي بكر ، واليوم هو موجود عند الإمام الحجّة القائم المنتظر عليه‌السلام ، وإنّه سيأتي به حينما يظهر ، وينصب فسطاطاً في الكوفة ليُعلم الناس ما نزل عن الله تبارك وتعالى في تفسيره.

فالحافظ لقرآن (التلاوة) قد يواجه عناءً فيما يعلّمه الإمام المنتظر عند ظهوره الناس من علوم وتفسير طبقاً لنزول الآيات الوقائعية مع شأن نزولها لأنّ تلك الآيات لم تُنزل بالترتيب الموجودة في قرآن التلاوة ، فتارةً تنزل الآية من سورة ثم تأتي آية اخرى من سورة اخرى والامام يقرأها من هنا وهناك مع تفسيرها من قبل رسول الله وهذا يسبب اضطراب للحافظ ، لأنّ ترتيب الأول (التلاوة) يختلف عن ترتيب الثاني ، إذ إنّ ترتيب الثاني (المفسر) قد رُتِّب طبقاً للحوادث الواقعة في الأيّام الغابرة بالتسلسل التاريخي وشان النزول ـ لأنّ ما من واقعة إلّا ونزلت فيها آية الامام كان قد جمعها (١) ليقرؤوه ويستفيدون منه ، لكنّهم ردوه ـ خلافاً لترتيب التلاوة الذي لحظ فيه الترتيب النازل من اللوح المحفوظ.

__________________

(١) الآيات بما جاء في التفسير فيها عن رسول الله.

٥٧

وعليه فإقراء رسول الله أمّته القرآن على المكث والتأنّي ، بحيث كان لا يتجاوز عشر آيات حتّى يعلّمهم ما فيها من العلم والعمل (١) كان العامل الاول لصون الكتاب العزيز من التحريف ، وهو معنى قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقرآنهُ).

وكذا وجود أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ـ والصحابة الكبار امثال ابن مسعود وابي ـ بين الأمة وتصدي أمير المؤمنين لأمر جمع القرآن بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرة كان العامل الآخر الذي صان الكتاب من التحريف وذلك بوقوفه أمام الزيادة والنقصان فيه لـ (كي لا يزيد الشيطان فيه ولا يُنقص منه) و (خَشِيتُ أنْ ينقلب القرآن) أو (أن ينفلت القرآن).

وإنّك لو راجعت القرّاء السبعة الذين انتخبهم ابن مجاهد (٢) لرأيت أربعة أو خمسة اسماء منهم ترجع قراءتهم إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (٣) وهذا يعني ارتباط هذا القرآن بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب قراءةً وإقراءً وأنّه عليه‌السلام ليس ببعيد عنه كما يزعمون ، وعليه فالإمام هو الإنسان الأوّل الذي دوّن المقروء لفظاً وجعله كتابة ، وذلك بتعليمه أبي الأسود الدؤلي اُصول الإعراب.

ومما قيل في هذا المضمار : أنّ الدؤلي قال للكاتب :

__________________

(١) الاتقان ٢ : ٤٦٨ ، عن ابن تيمية في دقائق التفسير ٢ : ٢٢٧.

(٢) انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد.

(٣) فصلنا ذلك في كتابنا (جمع القرآن) المجلّد الأول ص ٣٥١ و ٣٨١ الى ٤١٠

٥٨

إذا رأيتني فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، وإن ضممت فمي فانقط نقطة بين يَدَي الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف (١).

بهذه المنهجية ضبط الدؤلي المتلوّ من القرآن شفهاً وحفظاً ضبطها كتابةً وتدويناً أيضاً ، وبذلك فقد اتحد ضبط المسلمين مع ضبط أمير الؤمنين وبذلك يكون الإمام هو الذي قعّد هذا الأمر وأنّ فضل ذلك يرجع إلى أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، لأنّه هو الذي علمه أصول الإعراب ، وهذا الكلام هو مما يقرّ به جميع المسلمين.

وبذلك فقد عرفت بأن الوحي والقرآن مرّ بعدة مراحل : بعضها شفهي والآخر كتبي ، فالشفهي كان على عهدة جبرئيل الأمين ورسول الله والكتبي كان في عهدة الصحابة الكتّاب وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأنّ الأخير قعّد أصول الكتابة والخط والنحو لمن يأتي من بعده ، وإليك المراحل الأربعة التي مرّ بها الذكر الحكيم :

أحدها : جاء خطاباً من الله لرسوله في قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ).

والثانية : خطاباً من الباري لرسوله وإيعازاً منه إليه بأن يُقرأ الناس على

__________________

(١) الفهرست لابن النديم : ٥٩ ، وزاد ابن الأنباري في (نزهة الألبّاء : ١٩) ، فإن اتبعتُ شيئاً من هذه الحركات غُنّة فانقط نقطتين.

٥٩

مكث (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ).

والثالثة : تعيين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رجالاً من الصحابة ، أمثال : الإمام علي عليه‌السلام ، وابن مسعود ، وأُبي بن كعب (١) لتعليم وإقراء الناس القرآن في عهده ثمّ مِن بعده ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله عن ابن مسعود : مَن أراد أن يقرأ القرآن كما أُنزل فليقراه بقراءة ابن أم عبد (٢) ، وهكذا ورد قريب منه في أمير المؤمنين علي عليه‌السلام (٣) وأُبي بن كعب (٤).

فهؤلاء هم الخيرة من الصحابة الذين يجب الأخذ عنهم في القراءة ، وهم الذين أُبعدوا في سياسة الخلفاء ومنهجيتهم عن جمع القرآن ، لكن هذا الإبعاد لم يؤثر على إصالة القرآن وحجيته ، لأنّ هذا القرآن ليس ما جمعه أولئك إذ أنّهم اعتمدوا الشاهدين في جمعهم ، وسورتي الحفد والخلع وآية رجم الشيخ والشيخة قد اكتمل فيها العدد وزاد على الشاهدين من الصحابة ، فلماذا لا نراه مدوّناً في قرآن التلاوة اليوم مع اكتمال العدد وهذا يؤكّد بأنّ هذا المصحف هو ليس بمصحف الخلفاء بل أنّه مصحف رسول الله وما نزل به جبرئيل على محمّد.

__________________

(١) وهؤلاء هم الذين أبعدهم عثمان عن جمع القرآن

(٢) المعجم الكبير ٩ : ٧١ / ٨٤٢٣ ، ٨٤٢٤ ، مستدرك الحاكم ٢ : ٢٤٦ / ٢٨٩٣ ، و ٢ : ٢٤٧ / ٢٨٩٥.

(٣) انظر تاريخ البخاري ٨ : ١٦٥ / ٢٥٧٠ ، تاريخ دمشق ٢٧ : ١٠٠.

(٤) صحيح البخاري ٣ : ١٣٨٥ / ح ٣٥٩٨ و ٤ : ١٨٩٦ / ٤٦٧٦ ، صحيح مسلم ١ : ٥٥٠ / ٧٩٩.

٦٠