🚘

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٤

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٤

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-387-4
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٥٥٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤
🚘 نسخة غير مصححة

أسئلة مهمة حول المهدي عجل الله تعالى فرجه

إنّ القول بأنّ الإمام المهدي لما يزال حي يرزق منذ ولادته عام ٢٥٥ هجرية إلى الآن ، وأنّه غائب سوف يظهر بأمر من الله سبحانه ، أثار أسئلة خول حياته وإمامته ، نذكر رءوسها.

١ ـ كيف يكون إماما وهو غائب ، وما الفائدة المترقبة منه في غيبته؟.

٢ ـ لما ذا غاب؟.

٣ ـ كيف يمكن أن يعيش إنسان هذه المدة الطويلة؟.

٤ ـ ما هي أشراط وعلائم ظهوره؟.

هذه أسئلة أثيرت حول الإمام المهدي منذ أن غاب ، وكلّما طالت غيبته اشتدّ التركيز عليها ، وقد قام المحققون من علماء الإمامية بالإجابة عليها في مؤلّفات مستقلة لا مجال لنقل معشار ما جاء فيها ، غير أنّ الإحالة لما كانت عن المحذور غير خالية ، نبحث عنها على وجه الإجمال ، ونحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلّفة في هذا المجال.

* * *

١٤١

السؤال الأول

كيف يكون إماما وهو غائب؟ وما فائدته؟

إنّ القيادة والهداية والقيام بوظائف الإمامة ، هو الغاية من تنصيب الإمام ، أو اختياره ، وهو يتوقف على كونه ظاهرا بين أبناء الأمّة ، مشاهدا لهم ، فكيف يكون إماما قائدا ، وهو غائب عنهم؟!.

والجواب : على وجهين نقضا وحلا.

أمّا النقض ، فإنّ التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرّف على أولياء الله ، وأنّهم بين ظاهر قائم بالأمور ومختف قائم بها من دون أن يعرفه الناس.

إنّ كتاب الله العزيز يعرّفنا على وجود نوعين من الأئمة والأولياء والقادة للأمّة ، ولي غائب مستور ، لا يعرفه حتى نبي زمانه ، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى عليه‌السلام بقوله : (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً* قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) الآيات (١).

وولي ظاهر باسط اليد ، تعرفه الأمّة وتقتدي به.

فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربما يكون غائبا ، ولكنه مع ذلك لا يعيش في

__________________

(١) سورة الكهف : الآيتان ٦٥ و ٦٦.

١٤٢

غفلة عن أمّته ، بل يتصرف في مصالحها ويرعى شئونها ، من دون أن يعرفه أبناء الأمّة.

فعلى ضوء الكتاب الكريم ، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الولي إما ولي حاضر مشاهد ، أو غائب محجوب.

وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعيّ ، يقول كميل : «أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فأخرجني إلى الجبّان ، فلما أصحر ، تنفّس الصعداء ، وكان مما قاله : «اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا ، أو خائفا مغمورا لئلّا تبطل حجج الله وبيّناته» (١).

وليست غيبة الإمام المهدي ، بدعا في تاريخ الأولياء ، فهذا موسى بن عمران ، قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوما ، وكان نبيّا وليّا ، يقول سبحانه : (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (٢).

وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه ، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ، وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (٣).

أو لم يكن موسى ، ويونس نبيّين من أنبياء الله سبحانه؟ وما فائدة نبي يغيب عن الأبصار ، ويعيش بعيدا عن قومه؟.

فالجواب في هذا المقام ، هو الجواب في الإمام المهدي عليه‌السلام ، وسيوافيك ما يفيدك ، من الانتفاع بوجود الإمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي.

__________________

(١) نهج البلاغة بتعليقات عبده ، ج ٤ ، ص ٣٧ ، قصار الحكم ، الرقم ١٤٧.

(٢) سورة الأعراف : الآية ١٤٢.

(٣) سورة الأنبياء : الآيتان ٨٧ ـ ٨٨.

١٤٣

أمّا الحلّ فمن وجوه :

الأوّل ـ إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمان غيبته ، لا يدلّ على عدم كونه مفيدا في زمن غيبته ، فالسائل جعل عدم العلم ، طريقا إلى العلم بالعدم!! وكم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الإسلامي ، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة ، مقام العلم بعدمها ، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية ، ولا شك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع ، بل لا يفهم مصلحة كثير من سننه ، وإن كان فعله سبحانه منزّها عن العبث ، بعيدا عن اللغو.

وعلى ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة ، كما عرفت من تواتر الروايات على غيبته.

الثاني : إنّ الغيبة لا تلازم عدم التصرف في الأمور ، وعدم الاستفادة من وجوده ، فهذا مصاحب موسى كان وليا ، لجأ إليه ، أكبر أنبياء الله في عصره ، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ، ليصونها عن غصب الملك ، ولم يعلم أصحاب السفينة بتصرفه ، وإلّا لصدّوه عن الخرق ، جهلا منهم بغاية عمله. كما أنّه بنى الجدار ، ليصون كنز اليتيمين ، فأي مانع ، حينئذ من أن يكون للإمام الغائب في كل يوم وليلة تصرّفا من هذا النمط من التصرفات. ويؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج ، ويحجّ ويصاحب الناس ، ويحضر المجالس ، كما دلّت على أنّه يغيث المضطرين ، ويعود المرضى ، وربما يتكفل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم ، وإن كان الناس لا يعرفونه.

الثالث : المسلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غيبته ، وأمّا عدم وصول الخواص إليه ، فليس بأمر مسلّم ، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه ، فالصلحاء من الأمّة ، الذين يستدرّ بهم الغمام ، لهم التشرف بلقائه ، والاستفادة من نور وجوده ، وبالتالي ، تستفيد الأمّة بواسطتهم.

الرابع : لا يجب على الإمام أن يتولّى التصرّف في الأمور الظاهرية بنفسه ،

١٤٤

بل له تولية غيره على التصرف في الأمور كما فعل الإمام المهدي ، أرواحنا له الفداء ، في غيبته. ففي الغيبة الصغرى ، كان له وكلاء أربعة ، يقومون بحوائج الناس ، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام ، للقضاء وإجراء السياسات ، وإقامة الحدود ، وجعلهم حجة على الناس ، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف ، وبيان الأحكام ، ودفع الشبهات ، وبكل ما يتوقف عليه نظم أمور الناس (١).

وإلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي عليه‌السلام في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه ، بقوله: «وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشّمس إذا غيّبها عن الأبصار ، السحاب»(٢).

* * *

__________________

(١) المراد من الغيبة الصغرى ، غيبته صلوات الله عليه ، منذ وفاة والده عام ٢٦٠ إلى عام ٣٢٩ ، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الأربعة : الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري ، وولده الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان ، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت ، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السّمري.

والمراد من الغيبة الكبرى ، غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا ، انقطعت فيها النيابة الخاصة عن طريق أشخاص معينين ، وحلّ محلّها النيابة العامة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول ، كما جاء في توقيعه الشريف : «وأمّا الحوادث الواقعة ، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجة الله عليهم». (كمال الدين ، الباب ٤٥ ، ص ٤٨٤).

(٢) كمال الدين ، للصدوق ، الباب ٤٥ ، الحديث ٤ ، ص ٤٨٥. وقد ذكر العلامة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب ، وجوها ، راجعها في بحار الأنوار ، ج ٥٢ ، الباب ٢٠ ، ص ٩٣ ـ ٩٤.

١٤٥

السؤال الثاني

لما ذا غاب المهدي عليه‌السلام؟

إنّ ظهور الإمام بين الناس ، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتب عليه في زمان الغيبة ، فلما ذا غاب عن الناس ، حتى حرموا من الاستفادة من وجوده ، وما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟.

الجواب

إنّ هذا السؤال يجاب عليه بالنقض والحل :

أمّا النقض ، فبما ذكرناه في الإجابة عن السؤال الأول ، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته ، لا يجرنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات ، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة ، بل هو المتعيّن.

وأمّا الحلّ ، فإنّ أسباب غيبته ، واضحة لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات ، فإنّ الإمام المهدي عليه‌السلام هو آخر الأئمة الاثني عشر الذين وعد بهم الرسول ، وأناط عزة الإسلام بهم ، ومن المعلوم أنّ الحكومات الإسلامية لم تقدّرهم ، بل كانت لهم بالمرصاد ، تلقيهم في السجون ، وتريق دماءهم الطاهرة ، بالسيف أو السمّ ، فلو كان ظاهرا ، لأقدموا على قتله ، إطفاء لنوره ، فلأجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكون مستورا عن أعين الناس ، يراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه ، إلى أن تقتضي مشيئة الله سبحانه ظهوره ، بعد حصول استعداد

١٤٦

خاص في العالم لقبوله ، والانضواء تحت لواء طاعته ، حتى يحقق الله تعالى به ما وعد به الأمم جمعاء من توريث الأرض للمستضعفين.

وقد ورد في بعض الروايات إشارة إلى هذه النكتة ، روى زرارة قال : سمعت أبا جعفر (الباقر عليه‌السلام) ، يقول : إنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم ، قال : قلت. ولم؟. قال : يخاف. قال زرارة : يعني القتل.

وفي رواية أخرى : يخاف على نفسه الذبح (١).

وسيوافيك ما يفيدك عند الكلام عن علائم ظهوره.

* * *

__________________

(١) لاحظ كمال الدين ، الباب ٤٤ ، الحديث ٨ و ٩ و ١٠ ، ص ٢٨١.

١٤٧

السؤال الثالث

الإمام المهدي وطول عمره

إنّ من الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي ، طول عمره في فترة غيبته ، فإنّه ولد عام ٢٥٥ ، فيكون عمره إلى الأعصار الحاضرة أكثر من ألف ومائة وخمسين عاما ، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟.

والجواب

من وجهين ، نقضا وحلا.

أمّا النقض ، فقد دلّ الذكر الحكيم على أن شيخ الأنبياء عاش قرابة ألف سنة ، قال تعالى : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) (١).

وقد تضمنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمرين ، وذكرت أحوالهم في سفر التكوين(٢).

وقد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمرين ، ككتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني ، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب كمال الدين (٣) ، والعلامة

__________________

(١) سورة العنكبوت : الآية ١٤.

(٢) التوراة ، سفر التكوين ، الإصحاح الخامس ، الجملة ٥ ، وذكر هناك أعمار آدم ، وشيث ونوح ، وغيرهم.

(٣) كمال الدين ، ص ٥٥٥.

١٤٨

الكراجكي في رسالته الخاصة ، باسم «البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان» (١) ، والعلامة المجلسي في البحار (٢) ، وغيرهم.

وأمّا الحلّ ، فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر ، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (٣) ، فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شئونه ، برعاية الله سبحانه ، فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء ، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء.

وبعبارة أخرى ، إنّ الحياة الطويلة ، إمّا ممكنة في حدّ ذاتها أو ممتنعة ، والثاني لم يقل به أحد ، فتعين الأول ، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه ، لتحقيق غرض من أغراض التشريع.

أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة ، من إمكان طول عمر الإنسان إذا كان مراعيا لقواعد حفظ الصحة ، وأنّ موت الإنسان في فترة متدنية ، ليس لقصور الاقتضاء ، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة ، ولو أمكن تحصين الإنسان منها بالأدوية والمعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء.

وهناك كلمات ضافية من مهرة علم الطب في إمكان إطالة العمر ، وتمديد حياة البشر ، نشرت في الكتب والمجلات العلمية المختلفة (٤).

وبالجملة ، اتّفقت كلمة الأطباء على أنّ رعاية أصول حفظ الصحة ، توجب طول العمر ، فكلما كثرت العناية برعاية تلك الأصول ، طال العمر ، ولأجل ذلك ، نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان ، في بعض الممالك ، أقلّ من السابق ، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل ، وما هو إلا لرعاية أصول الصحة ، ومن هنا أسّست شركات تضمن حياة الإنسان إلى أمد معلوم تحت مقررات خاصة

__________________

(١) البرهان على طول عمر الإمام صاحب الزمان ، للكراجكي ، ملحق ب «كنز الفوائد» ، له أيضا ، الجزء الثاني. لاحظ في ذكر المعمرين ص ١١٤ ـ ١٥٥ ، ط دار الأضواء ، بيروت ـ ١٤٠٥.

(٢) بحار الأنوار ، ج ٥١ ، الباب ١٤ ، ص ٢٢٥ ـ ٢٩٣.

(٣) سورة الأنعام : الآية ٩١.

(٤) لاحظ مجلة المقتطف ، الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين.

١٤٩

وحدود معينة ، جارية على قوانين حفظ الصحة ، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحة من كل وجه ، طال عمره إلى ما شاء الله.

وإذا قرأت ما تدوّنه أقلام الأطباء في هذا المجال ، يتّضح لك معنى قوله سبحانه : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١).

فإذا كان عيش الإنسان في بطون الحيتان ، في أعماق المحيطات ، ممكنا إلى يوم البعث ، فكيف لا يعيش إنسان ، على اليابسة ، في أجواء طبيعية ، تحت رعاية الله وعنايته ، إلى ما شاء؟.

* * *

__________________

(١) سورة الصافات : الآيتان ١٤٣ و ١٤٤.

١٥٠

السؤال الرابع

علائم ظهوره ، ما هي؟

إذا كان للإمام الغائب ، ظهورا بعد غيبة طويلة ، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علائم وأشراط ، تخبر عن ظهوره ، فما هي هذه العلائم؟.

الجواب

إنّ ما جاء في كتب الأحاديث من الحوادث والفتن الواقعة في آخر الزمان على قسمين :

قسم هو من أشراط الساعة وعلامات دنو القيامة.

وقسم هو ما يقع قبل ظهور المهدي المنتظر.

وربما وقع الخلط بينهما في الكتب ، ونحن نذكر القسم الثاني منهما ، وهو عبارة عن أمور عدّة ، منها :

١ ـ النداء في السماء.

٢ ـ الخسوف والكسوف في غير مواقعهما.

٣ ـ الشقاق والنفاق في المجتمع.

٤ ـ ذيوع الجور والظلم والهرج والمرج في الأمّة.

١٥١

٥ ـ ابتلاء الإنسان بالموت الأحمر والأبيض.

٦ ـ قتل النفس الزكية.

٧ ـ خروج الدجال.

٨ ـ خروج السفياني.

وغير ذلك مما جاء في الأحاديث الإسلامية (١).

هذه هي علامات ظهوره ، ولكن هناك أمورا تمهّد لظهوره ، وتسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى أبرزها :

١ ـ الاستعداد العالمي : والمراد منه أنّ المجتمع الإنساني ـ بسبب شيوع الفساد ـ يصل إلى حدّ ، يقنط معه من تحقق الإصلاح بيد البشر ، وعن طريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة ، وأنّ ضغط الظلم والجور على الإنسان يحمله على أن يذعن ويقرّ بأنّ الإصلاح لا يتحقق إلّا بظهور إعجاز إلهي ، وحضور قوة غيبية ، تدمر كل تلك التكتلات البشرية الفاسدة ، التي قيّدت بأسلاكها أعناق البشر.

٢ ـ تكامل العقول : إنّ الحكومة العالمية للإمام المهدي عليه‌السلام لا تتحقق بالحروب والنيران والتدمير الشامل للأعداء ، وإنّما تتحقق برغبة الناس إليها ، وتأييدهم لها ، لتكامل عقولهم ومعرفتهم.

يقول الإمام الباقر عليه‌السلام في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان. ذلك الظرف ، تجتمع عقول البشر وتكتمل أحلامهم : «إذا قام قائمنا ، وضع الله يده على رءوس العباد ، فيجمع بها عقولهم ، تكتمل به أحلامهم» (٢).

فقوله عليه‌السلام : يجمع بها عقولهم ، بمعنى أنّ التكامل الاجتماعي يبلغ

__________________

(١) لاحظ في الوقوف على هذه العلائم ، بحار الأنوار ، ج ٥٢ ، الباب ٢٥ ، ص ١٨١ ـ ٣٠٨.

كتاب المهدي ، للسيد صدر الدين الصدر (م ١٣٧٣). ومنتخب الأثر ، ص ٤٢٤ ـ ٤٦٢.

(٢) منتخب الأثر ، ص ٤٨٣.

١٥٢

بالبشر إلى الحدّ الذي يقبل فيه تلك الموهبة الإلهية ، ولن يترصد للثورة على الإمام والانقلاب عليه ، وقتله أو سجنه.

٣ ـ تكامل الصناعات : إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقق إلّا بتكامل الصناعات البشرية ، بحيث يسمع العالم كلّه صوته ونداءه ، وتعاليمه وقوانينه في يوم واحد ، وزمن واحد.

قال الإمام الصادق عليه‌السلام : «إنّ المؤمن في زمان القائم ، وهو بالمشرق ، يرى أخاه الذي في المغرب ، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق» (١).

٤ ـ الجيش الثوري العالمي ، إنّ حكومة الإمام المهدي عليه‌السلام ، وإن كانت قائمة على تكامل العقول ، ولكن الحكومة لا تستغني عن جيش فدائي ثائر وفعال ، يمهّد الطريق للإمام عليه‌السلام ، ويواكبه بعد الظهور إلى تحقق أهدافه وغاياته المتوخّاة.

إلى هنا تمّ البحث عن الإمامة ، بالصورة التي تلائم العصر ، وقد ركزنا على أهمّ الموضوعات ، وتركنا البحث عن غيرها إلى الكتب المعدّة لها. ويقع البحث فيما يلي في المعاد ، وحشر الإنسان في النشأة الأخرى ، وهو الأصل الأصيل في الشرائع السماوية (٢).

* * *

__________________

(١) منتخب الأثر ، ص ٤٨٣.

(٢) ومن حسن الختام ، فراغنا من تدوين هذه المباحث ليلة الجمعة ، الخامس عشر من شهر رمضان المبارك ، عشية ولادة الإمام الطاهر الحسن بن علي بن أبي طالب ، أبي محمد المجتبى ، من شهور عام ١٣٠٩ للهجرة النبوية ، أسأله تعالى إدامة توفيقه لإخراج جميع ما تبقّى من المباحث التي تدور حول معاد الإنسان.

١٥٣
١٥٤

الفصل العاشر

المعاد

مباحث المعاد

١ ـ المعاد في الملل والشرائع السابقة.

٢ ـ أدلة وجوب المعاد وضرورته.

٣ ـ بواعث إنكار المعاد وشبهات المنكرين.

٤ ـ أدلة العقل والنقل على تجرّد الروح.

٥ ـ نماذج من إحياء الموتى في الشرائع السابقة.

٦ ـ الموت نافذة إلى حياة جديدة.

٧ ـ الحياة البرزخية وأدلتها في الكتاب.

٨ ـ أشراط الساعة.

٩ ـ مشاهد البعث والقيامة.

١٠ ـ المعاد الجسماني والروحاني.

١١ ـ الرجعة.

١٢ ـ التناسخ.

١٣ ـ الإيمان وأحكامه.

١٤ ـ التوبة وشرائطها.

١٥ ـ الشفاعة.

١٦ ـ الإحباط والتكفير.

١٧ ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

* أسئلة حول المعاد

١٥٥
١٥٦

الفصل العاشر

المعاد

البحث عن المعاد وحشر الإنسان بعد الدنيا ، إجابة عن أحد الأسئلة التي طالما كان الإنسان المفكّر يواجهها. فإنّه مذ فتح عينيه على الحياة ، يسأل نفسه عن أمور :

١ ـ ما هو مبدأ العالم والإنسان؟.

٢ ـ ما هو الهدف من وجود الإنسان؟.

٣ ـ إلى أين المصير بعد الموت؟.

فالبحث عن الصانع ، إجابة عن السؤال الأول ، كما أنّ البحث عن كونه سبحانه حكيما ، وأنّ فعله منزّه عن العبث ، إجابة عن الثاني ، وها هو حين البحث عن جواب السؤال الثالث ، وإجماله :

إنّ الموت ليس نهاية الحياة ، وإنّ الإنسان لا يفنى بموته ، وإنّما الموت جسر لينتقل الإنسان عبره من نشأة إلى نشأة أخرى أكمل من الأولى ، وإنّ الإنسان خلق للبقاء ، لا للفناء ، وإنّ النشأة الأخروية ، منتهى السير وغاية الغايات.

وتفصيل ذلك يتمّ في ضمن المباحث التالية :

* * *

١٥٧

مباحث المعاد

(١) «المعاد» في الملل والشرائع السابقة

الاعتقاد بالمعاد عنصر أساسي في كل شريعة لها صلة بالسماء ، ويحتل في الأصالة والتأثير محلّ العمود الفقري في بدن الإنسان ، وبدونه تصبح الشرائع مسالك بشرية مادية ، لا تمت إلى الله سبحانه بصلة. فقوام الشريعة بالمبدإ والمعاد ، ولأجل ذلك لا ترى شريعة تتسم بأنّها شريعة إلهية ولو بعد تحريفها ، خالية عن الدعوة إلى الحياة الأخروية وحشر الإنسان بعد الموت ، وإقامة الحساب والجزاء والثواب والعقاب. وسيوافيك نصوص العهدين في هذا المجال.

إنّ المحققين في التاريخ البشري يصرحون بأنّ المجتمع الإنساني لم يزل معتنقا لهذا الأصل ، وإن لم يعلم دينه ولا كتابه. وإليك التوضيح بوجوه :

١ ـ إنّ البدو القاطنين في الصحاري والبراري ، الذي يعدّون نموذجا للمجتمع البدائي المنقرض ، لهم طقوس خاصة في دفن الموتى تدلّ على اعتقادهم بعودة الأرواح إلى الأجسام المدفونة ، ومن ذلك أنّهم يضعون حجارة كبيرة على صدور موتاهم ، ويربطون أعضاءهم بحبال متينة ، لئلا يتحركوا بعد عود الروح ويخرجوا من أماكنهم (١).

٢ ـ إنّ المصريين ، ذوو الحضارة القديمة ، كانوا يعتقدون أنّ الروح بعد

__________________

(١) جامع الأديان ، تأليف جان ناس ، ترجمة علي أصغر حكمت ، ص ١٧.

١٥٨

خروجها من البدن ، لها علاقة به ، وسوف ترجع إليه ، ولذلك كانوا يتركون في القبور منافذ ليسهل دخول الروح إليها ، ويضعون بعض الطعام والشراب في جنب الميت. ولأجل صيانة الموتى عن أذى السباع ، قام المتمكنون منهم ببناء الأهرام العظيمة فوق قبورهم.

٣ ـ عند البراهمة تثليث تحيّلوه منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، وأطرافه الثلاثة : براهما ، وفيشنو ، وسيفا. فبراهما هو الإله الخالق ، وفيشنو الإله الحافظ ، وسيفا الإله الهادم. والتناسخ احتلّ في الديانة البراهمية مكان الاعتقاد بالمعاد ، ويراد منه رجوع الروح بعد انحلال جسدها إلى العالم الأرضي متلبسة بجسد جديد ، إنساني أو حيواني (١). فالاعتقاد بالتناسخ صورة منسوخة من العقيدة بالمعاد ، وإرضاء لفطرة الإنسان في حب البقاء.

٤ ـ إنّ مسلك البوذية الذي أسسه بوذا ، غير خال عن عود الأرواح إلى الأبدان عودا تناسخيا ، فإنّ لهذا المذهب ، دعائم وأسس منها : «الألم من لوازم الوجود» ، ومنها : «الرجوع إلى هذه الدنيا بسبب الالتياث بالشهوات في حياة سابقة» ، ومنها : «الخلاص من أثر الشهوات هو الوسيلة الوحيدة للنجاة من الحياة الأرضية بعد الموت ، وتلك النجاة هي نجاة من الألم ، وسبب للوصول إلى مكانة» (٢) ..

٥ ـ وعند المجوس أيضا فإنّ الاعتقاد ببقاء الروح بعد الموت ومجازات الإنسان حسب أعماله ، من الأصول الأصيلة في ديانتهم ، حتى أنّ بعض المرجفين في الكلام (٣) تصوّر أنّ تعاليم التوراة والمسيح في المعاد مأخوذة من تلك الديانة ، ولكن عزب عنه أنّ المجوسية ، إن كانت شريعة سماوية ، يجب أن تشترك مع سائر الشرائع في الأصول ، وليست وحدة الأصول فيها ، دليلا على أخذ المتأخر من المتقدم ، فإنّ الشريعة فيض سماوي ، أفيض من السماء إلى الإنسان الأرضي في

__________________

(١) لاحظ دائرة المعارف لفريد وجدي ، ج ٢ ، ص ١٥٥ و ١٦١.

(٢) دائرة المعارف لفريد وجدي ، ج ٢ ، ص ٣٨٨.

(٣) الكاتب الفارسي حميد نير نوري في كتابه : «مساهمة الإيرانيين في الحضارة العالمية» ، ص ٢٢٨.

١٥٩

أزمنة خاصة حسب لياقته وكفاءته ، فاشتركت كل الشرائع في الأصول واختلفت في المنهاج.

هذا بعض ما يمكن أن نلفت النظر إليه في عمومية المعاد بين الأقوام والشعوب ، وقد اختصرنا الكلام فيه ، لأنّ الأولى عطف النظر إلى الكتب السماوية ، المجموعة في العهدين وما ينقله القرآن الكريم لنرى تركيز الأنبياء في القرون السالفة على المعاد ، ونقتصر فى المقام على موارد خاصة.

المعاد في العهد القديم

إنّ من العجب أن التصريح بالحياة الأخروية في العهد العتيق قليل ، وأنّ أكثر الوعود الواردة فيها على امتثال فرائض الربّ ، عائدة إلى رجوعهم إلى الأرض المقدسة ، وأنّ فيها من النّعم والبركات ما لا يحصى ، ولعلّ يد التحريف حذفت ما دلّ على الحياة الأخروية وأنّ الإنسان يرى جزاء الأعمال وامتثال الفرائض ، وارتكاب المحرمات ، في النشأة الأخرى ، وهذا هو الذي أضفى على مذهب اليهود صبغة مادية ، قلّ التوجه فيها إلى الأمور المعنوية ، ومع ذلك كلّه فقد بقي فيها جمل تصرّح بحشر الإنسان بعد الدنيا ، وإن كانت قليلة ، منها :

ـ «الرّبّ يميت ويحيي» (١).

ـ «تحيا أمواتك يوم تقوم الجثث ، استيقظوا ترنّموا يا سكّان التّراب» (٢).

نعم لا ننكر أنّ في التوراة وغيرها جمل ربما تكون مشيرة إلى يوم البعث ، ولكنها ليست صريحة في ذلك.

المعاد في العهد الجديد

بالرغم من قلة التصريح بالحياة الأخروية في العهد العتيق ، نجد التصريح بها

__________________

(١) صموئيل الأول : الأصحاح الثاني : الجملة ٦ ، ط دار الكتاب المقدس.

(٢) اشعيا : الأصحاح ٢٦ : الجملة ١٩ ، ط دار الكتاب المقدس.

١٦٠