الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-386-7
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٦١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

وأرسى أركان الإحسان والعدالة الإجتماعية ، وكافة أُصول الشخصية الإنسانية الفاضلة ، وحذّر من الفواحش والبغي والعدوان ، فقال : ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (١) .

وأين هذا من أقبح الممارسات الأخلاقية الرائجة ، ومفاهيم الثأر والعصبية والإنتقام المحقونة في نفوسهم ، والتي خلّفت حروباً طاحنة ، بين القبائل العربية ، منها حرب الأوْس والخَزْرَج التي دامت قرابة مائة وعشرين سنة .

يقول ابن خلدون : « العرب الجاهليون ، بطبيعة التوحش الذي فيهم ، أهل انتهاب وعيث ، ينتهبون ما قدروا عليه ، وكان ذلك عندهم ملذوذاً . فطبيعتهم إنتهاب ما في أيدي الناس ، وأنّ رزقهم في ظلال رماحهم ، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه ، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون ، إنتهبوه » (٢) .

وفي الحقل الإقتصادي ، جاء بأُصول ومفاهيم بنى عليها بنياناً محكماً من التشريعات الإقتصادية ، في مختلف أبواب المعاملات .

فمن ذلك أنّه نادى بحرمة الرِّبا الذي كان الشغل الشاغل في الجزيرة العربية ، حتى أنّ ثقيف طائف لما أسلموا طلبوا من الرَّسول أنْ يكتب لهم كتاباً يحلّ لهم فيه الربا والزّنا ، فلما جاء مبعوثهم بكتابهم قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : « إِقرأ » . فلما انتهى إلى الربا ، قال : ضع يدي عليها في الكتاب ، فوضع يده ، فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ) (٣) ثم محاها . فلما بلغ القاريء ، الزنا ، وضع يده عليها ، وقال : ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) (٤) ثم محاها (٥) .

__________________

(١) سورة النحل : الآية ٩٠ .

(٢) مقدمة إبن خلدون ، ص ١٤٩ .

(٣) سورة البقرة : الآية ٢٧٨ .

(٤) سورة الإسراء : الآية ٣٢ .

(٥) أُسد الغابة ، ج ١ ، ص ٢١٦ في ترجمة تميم بن جراشة الثقفي . والسيرة النبوية لابن هشام . ج ١ ، ص ٥٤٠ ، وبينهما اختلاف .

٤٦١
 &

ومن ذلك ، قوله تعالى : ( لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ) (١) .

وقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ) (٢) .

ولو أردنا أنْ نبين كافة التعاليم القرآنية في حقول المعارف ، والسياسة ، والإجتماع ، والأخلاق ، والإقتصاد ، لطال بنا الكلام ، وفيما ذكرنا غنىً وكفاية ، والكلُّ يشهد على عظمة المفاهيم التي جاء بها الإسلام ، وموافقتها لمقتضى حكم العقل الصريح ، المتحرر عن قيود الشهوة والخيال ، وهو من أجلى القرائن على نبوّة من جاء بها .

*       *      *

القرينة الرابعة ـ الأساليب التي اعتمدها في نشر دعوته

لا شكّ أنّ النَّبي الأعظم نجح في دعوته ، وبلغ أهدافه التي قدّرها الله له ، ولكنه لم يدرك تلك الغاية بالأساليب الملتوية ، ولم يستعن في تحقيقها بكل وسيلة سائغةً كانت أو محرمةً ، ولم يسلك سبيل الخداع والمكر والحيلة باعتماد مبدأ : « الغاية تبرر الوسيلة » ، بل إنّ منطق النبي الأكرم ومسلكه ـ وكذا جميع الأنبياء ـ هو شقّ الطريق على نهج الصدق والعدل ، وهذه حالته التي لم تتفاوت في سَرّاء أو ضَرّاء ، أو شَدّة أو رَخاء ، . وكان في كل ذلك ممتثلاً قولَه تعالى : ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ) (٣) ، وقولَه تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ، اعْدِلُوا ، هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ، وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (٤) .

وهذه التعاليم التي اقتدى بها النبي الأكرم في نشر دعوته ، تدلّ على أنّه

__________________

(١) سورة النساء : الآية ٢٩ .

(٢) سورة النساء : الآية ٥٨ .

(٣) سورة المائدة : الآية ٢ .

(٤) سورة المائدة : الآية ٨ .

٤٦٢
 &

( صلى الله عليه وآله ) كان يعامل عدوَّه بالعدل والرأفة ، ولم يكن من الذين تحجب العداوة بصائرهم ، ويُعمي الإنتصار أعْيُنَهم عن رعاية الحق والعدل .

وبإمكاننا أن نلمس ذلك في توجيهاته إلى أُمراء السرايا ، فإنّه كان إذا أراد أن يبعث سرية ، دعاهم فأجلسهم بين يديه ، وقال : « سيروا باسم الله ، وبالله ، وفي سبيل الله ، وعلى مِلَّة رسول الله ، لا تَغُلُّوا » (١) ، ولا تُمَثِّلوا ، ولا تغدُروا ، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ، ولا صبياً ، ولا امرأة ، ولا تقطعوا شجرة إلّا أن تضطروا إليها ، وأَيُّما رجل مِنْ أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جارٌ ، حتى يسمع كلام الله ، فإن تَبِعَكُم ، فأخوكم بالدين ، وإن أبى فأبلغوه مَأْمَنَهُ ، واستعينوا بالله » .

وفي روايةٍ أنّ النبي كان إذا بعث أميراً له على سرية ، أمره بتقوى الله عز وجل في خاصّة نفسه ، ثم في أصحابه عامة ، ثم يقول : أُغزوا باسم الله ، وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا ، ولا تَغُلّوا ، ولا تُمَثِّلوا ، ولا تقتلوا وليداً ولا مُتَبَتِّلاً في شاهق ، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه . وإذا لقيتم عدواً للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث ، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفّوا عنهم الخ . . . » (٢) .

ولقد كان النبي الأكرم يتحرز عن التذرع بوسائل غير واقعية ، حتى لو كانت الوسيلة مفيدة ونافعة لأهدافه الشخصية ، وشخصيته الإجتماعية ، بل كان يناهضها ، ويبطلها ، ليستقيم الناس على جادة الواقع والحق .

فنحن نرى أنّ السياسيين المتصدرين لكراسي الرئاسة ، يتجاوبون مع عقائد الناس وإن كانت مخالفة لعقيدتهم ، وذلك للتحفظ على مناصبهم وعروشهم .

__________________

(١) من الغَلّ ، وهو الخيانة والغش والحقد .

(٢) وسائل الشيعة ، ج ١١ ، كتاب الجهاد ، الباب ١٥ من أبواب جهاد العدو ، الحديثين ٢ و ٣ . وقد جاءت نماذج من هذه التعاليم في تاريخ اليعقوبي ، ج ٢ ، ص ٥٩ . و « الأموال » لأبي عبيد ، ص ٢١٢ .

٤٦٣
 &

فهذا « نهرو » بلغ من التجاوب مع قومه إلى حدّ أنّه كان يشترك معهم في مراسم عبادة البقر ، والتبرّك بفضلاتها ، لكونه مطلوباً عند الشعب ، ومخالفةُ الرأي العام مضرّة بشخصيته وأهدافه .

فالسياسيون لا يتورعون في تحقيق أهدافهم ، عن استغلال جهل شعوبهم . وأمّا الأنبياء فقد بعثوا لمكافحة الجهل ، سواء أكان جهل الناس مفيداً لأحوالهم الشخصية أم نافعاً ، ونذكر لذلك نموذجاً من سيرة النبي الأكرم :

عندما توفي ولده إبراهيم ، غشي الشمس كسوف ، فتلقاه الناس أمراً معجزاً ، وأنّ المصيبة تركت أثرها في الأرض والسماء ، وانكسفت الشمس لموت ولده . فلو كان النبي رجلاً مادياً ، طالباً للمنصب والمقام ، لأصفق مع شعبه في هذه العقيدة ، وتركهم عليها ، ولكنه رجل إلهي واقعي ، فصعد المنبر ، وأماط الستر عن وجه الحقيقة ، فقال :

« أَيُّها الناس ، إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، يجريان بأمره ، مطيعان له ، لا ينكسفان لموت أحد ، ولا لحياته ، فإذا انكسفا أو أحدهما ، صلُّوا » .

ثم نزل من المنبر ، فصلّى بالناس الكسوف ، فلما سلّم ، قال : « يا عليُّ ، قمّ فَجَهِّز إِبني » (١) .

ومن دلائل كون النبي رجلاً واقعياً ، يطلب الحقائق ، ولا يستعمل في أساليب دعوته الخُدْعة ، هو أنّ نفراً من قريش طلبوا من النبي أن يعبد آلهتهم ، حتى يعبدوا إلهه ، فقام النبي في وجه المعترضين بصراحة ، وقال : ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (٢) .

__________________

(١) المحاسن ، للبرقي ، ص٣١٣ . وبحار الأنوار ، ج ٢٢ ، ص ١٥٦ . والسيرة الحلبية ، ج ٣ ، ص ٣٤٨ .

(٢) سورة الكافرون .

٤٦٤
 &

ولكن دعاة الإصلاح الماديين ، يتّخذون ذلك الإقتراح مطيّة لآمالهم ، فيجيبونه ، حتى إذا تغلّبوا على أعدائهم ، خالفوهم ، وقضوا عليهم وعلى معتقداتهم .

*       *      *

القرينة الخامسة ـ شخصية المؤمنين به

الناموس المطّرد في الشخصيات ، هو أنّ كل إنسان بارز ، يجذب إليه من يوافق أفكاره وعقلياته ، فالشخصيات الصالحة تجتمع حولها ، رجال الطهارة والإيمان والنزاهة ، كما أنّ الشخصيات الطالحة ، تجذب إليها الأشرار والأراذل ولأجل ذلك يقال في المثل السائد : « قُلْ لي مَنْ تعاشر ، أَقُلْ لك من أنت » ، ويقول الشاعر :

عن المرء لا تسأل وسَلْ عن قرينه

فكلُّ قرينٍ بالمقارن يُقْرَنُ

وهذه وإن لم تكن قاعدة كلية ، إلّا أنّها قاعدة غالبية .

وعلى ضوء ذلك الناموس الإجتماعي ، يمكن التعرّف على النبي عن طريق حوارييه وأصحابه . فنجد فيهم أصحاب عقل وعبقرية ، يضنّ بهم الدهر إلّا في فترات متباعدة ، كالإمام علي بن أبي طالب ، وسلمان الفارسي ، وأبى ذرٍّ المجاهد الكبير ، وخبّاب بن الأرت ، وغيرهم من الشخصيات . وهذا كتاب الرسول ، يأمره بمجالسة الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي وتجنّب معاشرة المُتْرَفين المُغَفَّلين .

يقول سبحانه : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) (١) .

__________________

(١) سورة الكهف : الآية ٢٨ .

٤٦٥
 &

ويكفي في ذلك أنّه تَرَبّى في أحضانه ، رجال متفانون في طريق الدين وتحقيق أهدافه ، وكفى في إظهار ذلك أنّ النبيّ استشار أصحابه في محاربة قريش في معركة بدر ، وقال : أشيروا عليّ أَيُّها النَّاس .

فقام المقداد بن عمرو ، وقال : يا رسول الله ، إمض لما أراك الله ، فنحن معك . والله لا نقولُ لكَ كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى : « اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون » ، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا فإنّا معكما مقاتلون . فوالذي بعثك بالحق ، لو أمرتنا أن نخوض جَمْرَ الغضا (١) وشوك الهَراس (٢) لَخُضناه معك (٣) .

وقال سعد بن معاذ : « فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ ، لَخُضْناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد . وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً ، وإِنّا لَصُبُر في الحرب ، صُدُق في اللقاء ، لعلّ الله يريك منا ما تقرُّ به عينك ، فَسِرْ بنا على بركة الله ، وصِلْ مَنْ شِئت ، واقطع مَنْ شِئت ، وخُذْ من أموالنا ما شئت ، وما أخذت من أموالنا أحبّ إلينا ممّا تركت » (٤) .

هؤلاء صحابة النبي والرجال الذين التفوا حوله ، فكانت حياتهم وكلماتهم : التفاني دون الحق ، والعيش مع الرسول كيفما أراد . ولا نرى نُظَراءَهم حول السياسيين من رجال الإصلاح ، الذين يعيشون لأجل الأماني المادية .

نعم ، وجود هذه الأنجم الزاهرة حول الرسول ، كافٍ في كون دعوته إلهية ، ولا يستلزم أن يكون كلُّ مَنْ حوله رجلاً مثالياً . ويكفي في ذلك ملاحظة التاريخ ، والآيات الواردة حول أصحابه وحوارييه .

*       *      *

__________________

(١) النار المُتّقدة .

(٢) شجر كبير الشوك .

(٣) السيرة النبوية ، ج ١ ، ص ٦١٥ ، وتاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ١٤٠ .

(٤) المغازي ، للواقدي ، ج ١ ، ص ٤٨ ، وغيره .

٤٦٦
 &

القرينة السادسة ـ ثباته في طريق دعوته

إنّ ثبات المدّعي في طريق دعوته ، آية إيمانه بها ، فإذا رؤي فيه أنّه يضحّي بماله ونفسه وأقربائه ووُلده في طريق دعوته ، ويقتحم بنفسه المعارك الخطيرة ، ولا يتجنَّن بتقديم غيره ، يستكشف من ذلك كونه مؤمناً بدعوته ، صادقاً في قوله . وهذا علي بن أبي طالب يصف حال النبي في غزواته ، ويقول :

« كنّا إذا احمرّ البأس ، إتقينا برسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه » (١) .

وقد اتّفق أهل المغازي والسِير ، على أنّ النبي لم يتراجع في حرب من الحروب ، بل كان صَموداً في وجه العدو ، رغم ما كان يرد عليه من الجراحات ، وشيوع اليأس في جيشه .

ويكفي في ذلك السبر في تاريخ حروبه لا سيما في أُحُدْ وغزوة حُنَيْن . ففي أُحُد عمّت الهزيمة جيشه ، ولم يثبت معه في المعركة إلّا أشخاص قلائل ، فأخذ يدعو أصحابه وهم ينسحبون من أرض المعركة ، وهو راسخ فيها كالجبل الأشمّ لا تحركه العواصف . يقول سبحانه ، في حكايته لهذه الواقعة :

( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ، فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ، وَاللَّـهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (٢) .

وأوضح من هذا ، ثباتُه في مكة ، وقد كان وحيداً في دعوته ، لم يؤمن به حينها إلّا عدّة قليلة يعيشون حالة الخوف والمطاردة ، والطواريء الشديدة تنزل على النبي ، الواحدة منها تلو الأُخرى ، وقد سطّر من تلك الحالات الكثير ، منها : تعرُّض الأراذل له بالشتم ، وإلقاء القذورات عليه ، أو إلقاء عمامته في عنقه وجرّه بها ، وغير ذلك ، وهو صابر محتسب (٣) . كما كان يتعرض للأذي المستمر من

__________________

(١) نهج البلاغة ، قسم الحكم ، فصل غريب كلامه ، الرقم ٩ .

(٢) سورة آل عمران : الآية ١٥٣ .

(٣) لاحظ السيرة الحلبية ، ج ١ ، ص ٢٩٣ .

٤٦٧
 &

جانب عمّه أبي لهب وزوجته ، وكان رسول الله يجاورهما ، فلم يألُوَا جُهْداً في إزعاجه وإيذائه ، فكم من مرّة أَلقيا الرماد والتراب على رأسه وثيابه ، وكم من مرة نشرت أُم جميل الشوك على طريقه ، أو جمعته خلف باب بيته لتؤذيه عند خروجه ، ولأجل هذا الإيذاء ، يخصُّ القرآن أبا لَهَبٍ باللّعن ، ويسميه وزوجته (١) .

وكم تعرض أصحابه لألوان العذاب ، كبلال الحبشي ، وآل ياسر وغيرهم ، الذين هم رموز الصمود والمقاومة ، وأوسمة الفخر والاستقامة . وقد قام عبد الله بن مسعود يوماً في المسجد ، ورفع عقيرته بقراءة القرآن لإسماع قريش ، فقرأ : « بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآن » ، فلم تمهله قريش حتى قامت إليه تضربه حتى أدمي وجهه وجسمه ، وهو مع ذلك مسرور لإسماعهم كتاب الله العزيز وآياته المباركات (٢) .

*       *      *

القرينة السابعة ـ أثر رسالته في تغيير البيئة التي ظهر فيها

إنّ الإلمام العابر بأحوال العرب في شبه الجزيرة العربية ، يكفي في إثبات أنّ الثورة العارمة على التقاليد والعادات السائدة هناك آنذاك ، في مدّة لا تزيد على ثلاث وعشرين سنة ، وصُنْع أُمَّةٍ متحضرة منها ، في هذه البرهة الوجيزة من الزمن ، أمْرٌ يستحيل تحققه عن طريق العلل المادية ، والأساليب الإصلاحية ، وقد شمل التحوّل جميع جوانب الثقافة والفكر ، والإقتصاد ، والنُّظُم الإجتماعية ، والطقوس الدينية .

وهذا إنْ دَلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ وراء هذه الثورة ، إمدادات غيبية ، نصرت الثائر ، في جميع مواقفه ، سواء أكانت في مجال التبليغ والتبشير ، أم في مجال الكفاح والجدال ، أم في قلب الأُمة المتوحشة المستبدة ، المتغلغلة في العداء البغضاء ، أُمَّةً مُوَحَّدَةً ، متعاطفة ومتآخية فيما بينها .

__________________

(١) سورة المسد .

(٢) السيرة النبوية ، ج ١ ، ص ٣١٤ .

٤٦٨
 &

وهذا الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام ، يصف وضع العرب الجاهليين في بعض خطبة ، ويقول :

« وأنتم معشر العرب على شَرِّ دينٍ ، وفي شَرِّ دار ، منيخون بين حجارة خشن ، وحيّات صم ، تشربون الكدر ، وتأكلون الجشب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبة ، والآثام بكم معصوبة » (١) .

فهذه الأُمة ، على هذه الحال وهذه الأوصاف ، تحولت إلى أُمّة ، عالمة ، أرست قواعد الحضارة الإنسانية في مدّة قصيرة ، وأخذت تكسح العراقيل أمامها ، وتزعزع عروش الطواغيت في مشارق الأرض ومغاربها ، حتى أرست بنيان دولة عظيمة ، صارت همزة وصل بين الحضارة اليونانية القديمة والحضارة الصناعية الحديثة .

*       *      *

هذه دراسة إجمالية للدعوة المحمدية ، وتبيين القرائن الموجودة فيها ، والكُلُّ يشهد على أنّ الداعي كان صادقاً في دعوته محقّاً في نبوته ، وهذا الطريق الثالث الذي سلكناه على وجه الإجمال ، قابل للبسط والإسهاب . ففي وُسع المحققين في الحياة النبوية والملمّين بكتابه وسنته ، أن يشقوا هذا الطريق يشكل مسهب ، حتى يتجلى صدق دعوته تَجَلِّيَ الشمسِ في رائعةِ النَّهار .

*       *      *

وبهذا البحث نختم البحث عن أصل النبوة الخاصة ، وأمّا سمات دعوته من حيث كونها أقليمية أو عالمية ، وكونها مرحلية أو خاتمة للرسالات ، فالبحث عنه على عاتق علم التفسير . غير أنّ الإحالة ، لما كانت عن المحذور غير خالية ، نبحث فيما يلي عن تينك السِّمَتَيْن بوجه الإجمال (٢) .

*       *      *

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٥ .

(٢) من أراد تفصيل البحث ، فبإمكانه الرجوع إلى ما دَوّنه الأُستاذ دام ظلّه في موسوعته التفسيرية ، « مفاهيم القرآن » ، ج ٣ ، ص ٤١ ـ ٧٦ في العالمية ، وص ١١٩ ـ ٣١٦ في الخاتمية .

٤٦٩
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagesrafed.png

٤٧٠
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagespage0471.png

٤٧١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagesrafed.png

٤٧٢
 &

السمة الأولى

عالمية الرسالة

الإسلام عقيدة وعمل ، لا ينفرد بهما شعب أو مجتمع خاص ، ولا يختصان ببلد معين ، بل هو دين يعمّ المجتمع الإنساني ككل ، على اختلافه في العنصر والوطن واللسان ، ولا يفترض لنفوذه حاجزاً بين أبناء الإنسان ، ولا يعترف بأية فواصل وتحديدات جنسية أو إقليمية ، وهذا ما ينصّ عليه الذكر الحكيم ، والأحاديث النبوية ، ونلمسه من سيرة الرسول الأكرم في نشر دينه ، ومن تاريخ نشوء وتطور دعوته .

أمّا الكتاب العزيز ، فإليك بعض نصوصه :

١ ـ قال تعالى : ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (١) .

٢ ـ قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) (٢) .

٣ ـ قال تعالى : ( وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ، وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ) (٣) .

٤ ـ قال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (٤) .

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ١٥٨ .

(٢) سورة سبأ : الآية ٢٨ .

(٣) سورة النساء : الآية ٧٩ .

(٤) سورة الأنبياء : الآية ١٠٧ .

٤٧٣
 &

٥ ـ قال تعالى : ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ، لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) (١) .

٦ ـ قال تعالى : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ ، لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) (٢) . أي كُلُّ من بَلَغَه القرآنُ ، ووصلت إليه تشريعاته في أقطار الأرض .

إلى غير ذلك من الآيات التي تنصّ على شمول رسالته لعامة البشر .

ويمكن الإستدلال بوجه ثان ، وهو أنّ القرآن كثيراً ما يوجّه خطاباته إلى الناس غير مقيّدة بشيء ، ويقول : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (٣) فلو كان الإسلام ديناً إقليمياً ، أو كانت رسالته لعصر خاص ، فما معنى هذه النداءات العامة ؟ .

ويمكن الإستدلال بوجه ثالث ، وهو أنّه ربما يتّخذ القرآن الكريم عنواناً عاماً لكثير من الأحكام ، من غير تقييد بلون أو عنصر ، كما في قوله تعالى : ( وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) (٤) ، فأوْجَبَ الحَجَّ على الناس إذا استطاعوا ، عرباً كانوا أمْ غيرهم ، ولو كانت رسالته عنصرية ، لكان عليه أن يقول : « ولله على الأُمة العربية ـ مثلاً ـ حجّ بيته » .

وهناك وجه رابع لعموم دعوته ، وهو أنّه يُعَرِّفُ كتابَه نوراً وهدىً للنَّاس كلهم ، ويقول : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، هُدًى لِّلنَّاسِ ) (٥) ويقول : ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ، لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (٦) .

هذه الوجوه الأربعة ، تهدف إلى أمر واحد ، وإن كانت تختلف في طريقة

__________________

(١) سورة الفرقان : الآية ١ .

(٢) سورة الأنعام : الآية ١٩ .

(٣) سورة البقرة : الآية ٢١ . ولاحظ سورة البقرة : الآية ١٦٨ .

(٤) سورة آل عمران : الآية ٩٧ .

(٥) سورة البقرة : الآية ١٨٥ .

(٦) سورة الزمر : الآية ٢٧ .

٤٧٤
 &

البرهنة ، فقد اعتمد في الوجه الأول ، على تصريح القرآن بعموم رسالته ؛ وفي الوجه الثاني ، على نداءاته العامة ؛ وفي الوجه الثالث ، على أنّ الموضوع لأحكامه وتشريعاته ، أمرٌ عام ، وفي الوجه الرابع ، على أنّ القرآن يعرّف هدايته وإنذاره ، أمراً عاماً للناس كلّهم .

وهناك وجه خامس يتصل إتصالاً وثيقاً بطبيعة الإسلام وقوانينه وتشريعاته ، وهو أنّ القرآن في تشريعاته لا يعتمد إلّا على مقتضى الفطرة التي فطر عليها بنو البشر كلُّهم ، فإذا كان الحكم موضوعاً على طِبْق الفطرة الإنسانية ، الموجودة في جميع الأفراد ، فلا وجه لاختصاصه بإقليم دون إقليم ، أو شعب دون شعب .

هذا هو الإسلام ، وتعاليمه القيمة ومعارفه وسننه ، فهل تجد فيها ما يشير إلى كونه ديناً إقليمياً ، أو شريعة لفئةٍ محدودةٍ ؟ فإنّ للدين الإقليمي علائم وأمارات ، أهمها أنّه يعتمد في معارفه وتشريعاته على ظروف بيئته وخصوصيات منطقته ، بحيث لو فرض فقدانها ، لأصبحت السنن والطقوس التي يعتمد عليها الدين ، سراباً يحسبه الظمآن ماءً .

ونحن في غنىً عن سرد آيات الذكر الحكيم التي تتبنى معارف وتشريعات تقتضي بطبيعتها كونها دواءً للمجتمع الإنساني في جميع الأقطار والأزمان ، فقوله سبحانه : ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) الآية (١) ؛ وقوله : ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ، وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (٢) ، وقوله : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٣) ، وغير ذلك من تشريعاته في حقول الإقتصاد والإجتماع والسياسة والأخلاق ، مما تقتضي بطبيعتها ، العمومية لجميع البشر والمجتمعات .

__________________

(١) سورة النحل : الآية ٩٠ .

(٢) سورة النساء : الآية ٥٨ .

(٣) سورة المائدة : الآية ٩٠ .

٤٧٥
 &

وأمّا السنة الشريفة ، فيكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وآله ، في الخطاب الذي ألقاه في داره ، حينما وفد إليه أعمامه وأخواله ، ومن كانت له به صلة : « والله الذي لا إله إلّا هو ، إِنّي رسولُ الله إليكم خاصة ، وإلى الناس عامةً » (١) .

وأمّا في سيرته في حقل الدعوة ، فيكفي في ذلك وثائقة السياسية ، ومكاتيبه التي وجّهها إلى أصحاب العروش وملوك العالم ، كَكِسرى مَلِك الفُرس ، وقَيْصر مَلِك الروم ، والمقوقس عظيم القِبْط ، والنجاشي ملك الحبشة ، وغيرهم (٢) .

هذا ، وإنّ الإسلام حارب العصبية ، والنعرات الطائفية ، في ظل وحدات ثمان ، أعني : وحدة الأُمة ، وحدة الجنس البشري ، وحدة الدين ، وحدة التشريع ، وحدة الأُخوة الروحية ، وحدة الجنسية الدولية ، وحدة القضاء ، ووحدة اللغة العربية ، وهو القائل :

« أيّها الناس ، إنّ الله أذهب عنكم نَخْوَة الجاهلية وتفاخُرَها بآبائها ، ألا إنّكم من آدم ، وآدم من طين ، ألا إنّ خير عباد الله عبدٌ اتَّقاه » .

وهو القائل : « إنّ العربية ، ليست بأبٍ والد ، ولكنها لسان ناطق ، فمن قَصرُ عملُه ، لم يَبْلُغ به حَسَبُه » .

وهو القائل : « إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مِثْل أَسنان المِشْط ، لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ ، ولا لأَحْمَرَ على أَسْوَدَ ، إِلَّا بالتقوى » .

وهو القائل : « إنّما الناس رجلان ، مؤمن تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هيِّن على الله » (٣) .

أَفَيَصِحُّ بعد هذه الكَلِم الدُّرِّيَّة ، رَمْيُ رسالته ، بالطائفية ، والعنصرية ، والإقليمية ؟ .

__________________

(١) الكامل لابن الأثير ، ج ٢ ، ص ٤١ ، وغيره .

(٢) لاحظ للاطلاع على هذه النصوص ، « مكاتيب الرسول » ، ج ١ ، ص ٩١ ـ ٢٤٠ .

(٣) راجع للوقوف على مصادر هذه الكلمات : السيرة النبوية ، ج ٢ ، ص ٤١٢ . وبحار الأنوار ، ج ٢١ ، ص ١٠٥ .

٤٧٦
 &

إزالة شُبهات

شبهةٌ ـ ربما يتمسّك بعض القساوسة لتحديد دعوته ، بما في الكتاب العزيز من قوله تعالى : ( لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) (١) .

غير أنّ الجواب واضح ، أمّا نقضاً ، فإنّ في نفس هذه السورة التي ورد فيها قوله : ( لِتُنذِرَ قَوْمًا ) ، ما يدلّ بصراحة على عموم دعوته ، وهو قوله تعالى : ( لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (٢) .

وأما حلاً فإنّ طبيعة إبلاغ الدعوة ربما تقتضي توجيه الكلام إلى قسم خاص ، وإنّ كانت الدعوة عالمية ، والرسول في بدء دعوته ، كان يمارس هداية قومه أوّلاً ، ثم من يليهم في منطقة الحجاز ، ثم من يليهم ، ولأجل ذلك خصّ الخطاب بقومه :

والشاهد أنّه يقول في آية أخرى : ( قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ، وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ) (٣) . فيخص الإنذار بالوحي بالمخاطبين ، بينما يعمّ الإنذار به كلّ الناس في قوله : ( أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ) (٤) .

شبهة ثانية ـ وربما يتمسك بتخصيص الإنذار بأُمّ القُرى وَمَنْ حَوْلَها في قوله سبحانه : ( وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ) (٥) ، وأُمُّ القُرى إمّا عَلَمَ مِنْ أَعلام مَكَّةَ ، أَو كُلِّي أُطْلِقَ عليها ، فَتَخُصُّ الآيةُ دعوتَه بإطار أُمّ القُرى وَمَنْ حَوْلَها .

والجواب أما نقضاً : فإنّ في نفس السورة التي وردت فيها تلك الآية ما يدلّ

__________________

(١) سورة يس : الآية ٦ . ونظيره ، القصص : الآية ٤٦ ، سورة السجدة : الآية ٣ ، سورة مريم : الآية ٩٧ .

(٢) سورة يس : الآية ٧٠ .

(٣) سورة الأنبياء : الآية ٤٥ .

(٤) سورة يونس : الآية ٢ .

(٥) سورة الأنعام : الآية ٩٢ ، ونظيره سورة الشورى : الآية ٧ .

٤٧٧
 &

على عموم رسالته ، لكل من بلغته ، فإنّه يقول : ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) (١) .

وأمّا حلاً ، فَعَيْنُ ما تَقَدَّم في سابقه ، من أنّ طبيعة الدعوة ، ربما تقتضي توجيه الكلام إلى طائفة خاصة ، وإن كانت الدعوة عالميةً .

شبهة ثالثة ـ وربما يستدلّ بقوله سبحانه : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ، فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (٢) ، على تحديد رسالته ، بتوهّم أنّ معنى الآية أنّ كل رسولٍ يوافق لسانُه لسانَ من أُرسل إليهم .

وأنت خبيرٌ بأنّه تفسير خاطيءٌ ، فمعنى الآية هو موافقةُ لغةِ الرسول لسانَ قومه ، لا اتحاد لغته مع لسان كل من أُرسل إليهم ، فمن الممكن أن يكون المرسل إليهم أوسع من قوم الرسول ، فهذا إبراهيم دعا عرب الحجاز إلى الحج وهو ليس منهم . وهذا الكليم دعا فرعون إلى الإيمان ، وهو عبري والمُرسَل إليه قِبْطِيٌ .

شبهة رابعة ـ وربما يستدل أيضاً ، بقوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ ، مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٣) ، على تحديد رسالته .

وحاصل الإستدلال هو أنّ المتبادر من الآية هو نجاة أصحاب الشرائع السابقة حتى بعد بعثة الرسول الأكرم ، إذا كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً . فهذه الآية تعطي الضوء الأخضر لنجاة اليهود والنصارى والصابئين إذا كانوا ملتزمين بهذه الشروط ، وإن لم يعتنقوا رسالة الرسول الأعظم ، أو لم يعملوا بأحكامه وتشريعاته . وهذا لا يجتمع مع القول بأنّ رسالته عالمية يجب على كلّ الناس اعتناقها .

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ١٩ .

(٢) سورة إبراهيم : الآية ٤ .

(٣) سورة البقرة : الآية ٦٢ . ولاحظ المائدة : الآية ٦٩ .

٤٧٨
 &

والجواب : إنّ الإستدلال نَجَمَ من الجمود على نفس الآية ، والغفلة عما ورد حولها من الآيات . ومثل هذه الآية لا يصح تفسيره إلّا على نمط التفسير الموضوعي ، واستنطاق الآية بأُختها ، وعرض البعض على البعض حتى يُهتدى إلى معالمها . وسيوافيك أنّ الآية ـ بقرينة الآيات التي تتلوها ـ بصدد تفنيد المزاعم الباطلة لليهود والنصارى ، وليست بصدد إمضاء الشرائع السالفة ، بعد ظهور النبي الأكرم ، وإليك البيان .

١ ـ تفنيد فكرة الشعب المختار

كان اليهود والنصارى يتبنون فكرة الشعب المختار ، فكل من الطائفتين تَدّعي أنّها أسْمَى بني البشر . وقد نقل القرآن الكريم هذه الفكرة السخيفة عن كلتا الطائفتين بقوله : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّـهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ، بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ . . ) (١) .

فقوله : ( فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ) ، تفنيدٌ لهذا الزَّعم ، وَيدُلُّ على أنّهم وغيرهم عند الله سواسية ، فهو سبحانه يثيب المطيع ، ويعذب العاصي .

وقد بلغت أنانية اليهود واستعلاؤهم الزائف حداً ، تفوهوا بما يحكيه سبحانه عنهم بقوله : ( وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ) (٢) .

والقرآن يُفَنَّد هذا الزعم ، بشكل الإستفهام الإنكاري ، ويقول : ( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّـهِ عَهْدًا ، فَلَن يُخْلِفَ اللَّـهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (٣) .

فهكذا ، نستكشف من خلال هذه المزاعم وردودها أنّ اليهود كانوا ـ ولا يزالون ـ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُم صفوة البشرية ، ونخبة الشعوب . وكانوا يحاولون بِمثل

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ١٨ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٨٠ .

(٣) سورة البقرة : الآية ٨٠ .

٤٧٩
 &

هذه المزاعم ، فَرْضَ كَيانهم على العالَم ، كأرفع نوعٍ بشريٍّ إِنتخَبَهُ الله من بين سائر البشر ، حتى كأنّهم أبناءُ الله المُدَلَّلون .

٢ ـ النجاة رهن العمل والإلتزام

كانت الطائفتان ( اليهود والنصارى ) ، تزعمان أنّ الإنتساب إسماً إلى شريعة موسى أو المسيح ، وسيلة النجاة . كما كان اليهود بالخصوص يزعمون أنّ الإنتساب إلى « إسرائيل » ، ينقذ من عذاب الله سبحانه ؛ ولأجل ذلك قالوا : ( لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ) (١) .

ومعنى هذا القول ، أنّ بإمكان الإنتساب إلى « إسرائيل » ، أو كون الإنسان يهوديّاً أو نصرانياً بالإسم ، أن يجعل الإنسان سعيداً ، مالكاً لمفاتيح الجنة . ويردّ القرآن عليهم ، بأنّ الوسيلةَ الوحيدة لامتلاك الجنة ، ليس هو « الإنتساب » ، ولا التجنُّن « بالتسمية » ، بل هو الإيمان الصادق والعمل الصالح ، يقول تعالى : ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ، فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢) .

فقوله : ( بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ ) ، يعني الإيمان الخالص ، والتسليم الصادق لله .

وقوله : ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) ، يعني العمل بالشريعة التي يؤمن الفرد بها .

وكلتا الجملتين تدلّان على أنّ السبيل الوحيد إلى النجاة في يوم القيامة هو الإيمان والعمل ، لا إسم اليهودية أو النصرانية ، ولا الإنتساب إلى بيت النبوّة ، فليست المسألة مسألة أسماء ، ولا مسألة انتساب ، وإنّما هي مسألة إيمان صادق ، وعمل صالح .

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ١١١ .

(٢) سورة البقرة : الآية ١١١ و ١١٢ .

٤٨٠