الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-386-7
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٦١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

٤ ـ وقال الشيخ المفيد في جهة إعجاز القرآن : « إنّ جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن معارضة النبي صلى الله عليه وآله بمثله في النظام عند تحدّيه لهم ، وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله ـ وإن كان في مقدورهم ـ دليلاً على نبوته . واللُّطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان . وهذا أوضح برهان في الإعجاز ، وأعجب بيان . وهو مذهب النظّام ، وخالف فيه جمهور أهل الإعتزال » (١) . هذا .

وقد نقل القُطب الراوندي ( م ٥٧٣ ) في كتاب « الخرائج » ، قولاً آخر للشيخ المفيد ، ولا نعلم أَيّاً من الرأيين هو المتقدم . قال في بيان وجوه إعجاز القرآن : « ما ذهب إليه الشيخ المفيد ، وهو أنّه إنّما كان معجزاً من حيث اختصّ برتبة في الفصاحة خارقة للعادة ، قال : لأنّ مراتب الفصاحة إنّما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها الله في العباد ، فلا يمتنع أن يجري الله العادة بقدر من المعلوم ، فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية ، ويكون ما زاد على ذلك غير معتادة ، معجزاً خارقاً للعادة » (٢) .

٥ ـ وقال السيد المرتضى : « إنّ الله تعالى سلب العرب العلوم التي كانت تتأتّى منهم بها الفصاحة التي هي مثل القرآن متى راموا المعارضة ، ولو لم يسلبهم ذلك لكان يتأتى منهم » (٣) .

٦ ـ قال الشيخ تقي الدين أبي الصلاح الحلبي ( ت ٣٧٤ ـ م ٤٤٧ ) بعد استعراضه الوجوه المحتملة لإعجاز القرآن : « وإذا بطلت سائر الوجوه ، ثبت أنّ جهة الإعجاز كونهم مصروفين » . ثم قال : « معنى الصرف هو نفي العلوم بأضدادها أو قطع إيجادها في حال تعاطي المعارضة التي لولا انتفاؤها لصحّت المعارضة ، وهذا الضرب مختصّ بالفصاحة والنّظم معاً ، لأنّ التحدي واقع بهما ، وعن الجمع بينهما كان الصَّرف » (٤) .

__________________

(١) أوائل المقالات ، ص ٣١ .

(٢) البحار ، ج ٩٢ ، ص ١٢٧ .

(٣) الإقتصاد ، ص ١٧٢ .

(٤) تقريب المعارف ، ص ١٠٧ ، ط ١٤٠٤ هـ .

٣٤١
 &

٧ ـ وقال الشيخ الطوسي : « القرآن معجز سواء كان معجزاً خارقاً للعادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه ، أو لأنّ الله تعالى صرفهم عن معارضته ، ولولا الصرف لعارضوه » .

وقال : « إنّ التحدّي إنّما وقع لعجزهم عن معارضته في المستقبل ، لا لأنّه ليس في كلامهم مثله ، ولو كان في كلامهم مثله لكان ترك المعارضة أبلغ وأعظم في باب العجز » .

وقال : « إنّ القائلين بالصَّرفة يقولون إنّ مثل ذلك كان في كلامهم وخطبهم ، وإنّما صُرفوا عن معارضته في المستقبل ، فلا معنى لكونه أفْصح » (١) .

وقال : « وأما قولُهم إنّه كان في كلامهم ما هو مثل القرآن ، فلا يتوجه على أصحاب الصرفة لأنّهم يسلمون ذلك ، لكنهم يقولون إنّهم منعوا من مثله في المستقبل فلا ينفع بأن ذلك فيما مضى منهم موجود ، بل ذلك يؤكّد الحجة عليهم » (٢) .

وقال : « إنّ من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بالفصاحة والبلاغة ، وإنّما يقول هذه المزية ليست ممّا تخرق العادة ويبلغ حدّ الإعجاز . فليس في طرب الفصحاء وشهادتهم بفصاحة القرآن وفرط براعته ، ما يوجب بطلان القول بالصرفة » (٣) .

__________________

(١) الاقتصاد ، ص ١٦٦ ، وص ١٧٠ ، وص ١٧١ .

(٢) تمهيد الأصول في علم الكلام ، ص ٣٣١ .

(٣) المصدر السابق ، ص ٣٣٧ ـ ٣٣٨ ، وهذا الكتاب شرح على كتاب « جُمَل العلم والعمل » ، للسيد المرتضى ، فإنّه يشتمل على قسمين :

قسم يختص بالعقائد ، وهو الذي شرحه الشيخ الطوسي وأسماه : « تمهيد الأصول في علم الكلام » ، نشرته جامعة طهران ، وقد جعل المتن في أول الكتاب والشرح بعده ، وليس المتن متميزاً في الشرح عمّا علّق عليه .

وقسم يختصّ بالأحكام ، وهو الذي شرحه تلميذ السيد ، القاضي ابن البراج المتوفى عام ٤٨١ ، وطبع باسم : « شرح جُمل العلم والعمل » .

ثم إنّ للسيد نفسه شرحاً على هذا الكتاب أملاه على بعض تلامذته ، وهو بعد مخطوط لم ير النور ، وستقوم مؤسسة الإمام الصادق بنشره محقَّقاً إنشاء الله تعالى .

٣٤٢
 &

وقد كان الشيخ الطوسي قائلاً بالصرفة ، ولكنه عدل عنه بعد ذلك ، كما يعترف به هو نفسه في كتابه « الإقتصاد » ، قال : « وأقوى الأقوال عندي قول من قال إنّما كان معجزاً خارقاً للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص ، دون الفصاحة بإنفرادها ، ودون النظم بانفراده ، ودون الصرفة . وإن كُنْتُ نصرتُ في شرح الجمل القولَ بالصَّرْفة على ما كان يذهب إليه المرتضى رحمه الله ، من حيث شرحت كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه » (١) .

٨ ـ وقال ابن سنان الخفاجي : « إذا عدنا إلى التحقيق وجدنا إعجاز القرآن ، صرف العرب عن معارضته ، بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك » .

ثم قال : « إنّ الصحيح أنّ إعجاز القرآن هو صرف العرب عن معارضته ، وأنّ فصاحته كانت في مقدورهم لولا الصرف » .

وقال في موضع آخر : « متى رجع الإنسان إلى نفسه ، وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار ، وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه » (٢) .

٩ ـ وبسط ابن حزم ( م ٥٤٨ ) الكلام في إعجاز القرآن ، وذكر لإعجازه خمسة وجوه وردّها ، وممّا قاله :

« والنحو الرابع : ما قالت طائفة : وجهُ إعجازه ، كونه في أعلى مراتب البلاغة . وقالت طوائف إنّما وجه إعجازه أنّ الله منع الخلق من القدرة على معارضته .

فأمّا الطائفة التي قالت إنّما إعجازه لأنّه في أعلى دَرْج البلاغة ، فإنّهم شغبوا في ذلك بأن ذكروا آيات منه مثل قوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) .

وَمَوّهَ بعضهم بأن قال : « لو كان كما تقولون من أنّ الله تعالى منع من

__________________

(١) الإقتصاد ، ص ١٧٣ .

(٢) سرّ الفصاحة ، ص ٨٩ ، وص ٢١٧ .

٣٤٣
 &

معارضته فقط ، لوجب أن يكون أغثّ ما يمكن أن يكون من الكلام ، فكانت تكون الحجة بذلك أبلغ » .

ثم ردّ على هذين الدليلين بوجه تافه غير قابل للنقل ، وقال في آخر كلامه : « فإنّها معجزة لا يقدر على المجيء بمثلها أبداً ، لأنّ الله تعالى حال بين الناس وذلك » (١) .

١٠ ـ قال المحقق الطوسي : « وإعجاز القرآن قيل : الفصاحة ، وقيل : الأُسلوب وفصاحته معاً ، وقيل : للصرفة ، والكلُّ محتمل » (٢) .

هذه حقيقة نظرية الصرفة ، ذكرناها على وجه رفعنا عن وجهها الغشاوة والإبهام .

*       *      *

مناقشة نظرية الصَّرفة

إنّ نظرية الصرفة ، نظرية قاصرة وسقيمة من جهات :

أما أوّلاً : فلأنّه لو كان القرآن من حيث الفصاحة والبلاغة وروعة النظم وبداعة الأسلوب ، غير بالغ حدّ الإعجاز ، وكان العرب قبل البعثة متمكنين من إلقاء الخطب والأشعار على هذا النمط من الكلام ، فيجب أن ينتشر ما يضاهي القرآن في البلاغة ، والفصاحة بين أوساطهم وأندية شعرهم وأدبهم ، ويكون مثله متوفراً بينهم ، فعندئذٍ نسأل : أين هذه الخطَب والجمَل المضاهية للقرآن الكريم ، الرائجة بينهم ؟ وهل يمكن لأصحاب مذهب الصرفة إراءة نماذج منها ؟! ونحن مع ما بذلنا من الفحص والتتبع عنها في مظانها من مجاميع الكتب الأدبية ، لم نجد حتى النزر اليسير منها .

وثانياً : فإنّ مذهب الصرفة يبتني على حصول الحيلولة بين العرب

__________________

(١) الفصل ، ج ٣ ، ص ١٧ وص ٢١ .

(٢) كشف المراد ، ص ٢٢٣ ، ط صيدا .

٣٤٤
 &

والمقابلة ، بعد البعثة ، بما تقدم ، لا قبلها ، فعندئذٍ كان في وسع العرب القاء كلم وجمل وخطب مضاهية للقرآن الكريم من دون أن يتحملوا عبء المقابلة بإنشاء مثله ، حتى يقال بأنّهم صرفوا عن المقابلة بسلب الهمم والعلوم والقدرة ، لأنّ الإتيان بما هو دارج بين العرب لا يتوقف على مؤنة . إلّا أن يقال إنّهم صرفت هممهم حتى عن هذا المقدار ، وهو كما ترى .

وثالثاً : فلو كان العرب قبل البعثة قادرين على الإتيان بكلام يشبه القرآن ويضاهيه ، فلماذا اندهش الوليد بن المغيرة عندما سمع آيات من سورة فصلت وقال : « لقد سمعت من محمد كلاماً لا يشبه كلام الإنس والجن » (١) . ولماذا ارتمى عتبة بن ربيعة مدهوشاً مبهوتاً ملقياً يديه وراء ظهره متكياً عليهما ، مشدقاً بفيه مصعوقاً عندما سمع بعض آيات القرآن من النبي الصادع بالحق . فلو كانت فصاحة القرآن وبلاغته أو نظمه وأُسلوبه من حيث العذوبة والأناقة على نمط كلام الآخرين من فصحاء العرب وبلغائهم ، فلم اهتزوا وتأثّروا بسماع آية أو آيات منه ، ولم تكن لهم هذه الحالة في سماع شعر امرىء القيس ، ولا عنترة ، ولا غيرهما من أصحاب المعلقات ، ولا من سماع خطب قس بن ساعدة وسحبان بن وائل وغيرهما من أصحاب الخطب والكلام .

وإلى هذا الوجه يشير الإمام يحيى بن حمزة العلوي في نقد هذا المذهب ، ويقول : « لو كان الوجه في إعجازه هو الصرفة كما زعموا ، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن ، فلمّا ظهر منهم التعجّب لبلاغته وحسن فصاحته ، كما أثر عن الوليد بن المغيرة حيث قال : « إنّ أعلاه لمورق ، وإنّ أسفله لَمُعْذِق ، وإنّ له لطلاوة ، وإنّ عليه لحلاوة » ، فإنّ المعلوم من حال كل بليغ وفصيح سمع القرآن يتلى عليه فإنّه يدهش عقله ويحيّر لبّه ، وما ذاك إلّا لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف وحسن موانع التصريف في كل موعظة ، وحكاية كل قصة ، فلو كان كما زعموه من الصرفة ، لكان العُجب من غير ذلك ، ولهذا فإنّ نبيّاً لو قال : إنّ معجزتي أن أضع هذه الرمانة في كفي . وأنتم لا تقدرون على ذلك ، لم يكن

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ، ج ١ ، ص ٢٩٣ ـ ٢٩٤ .

٣٤٥
 &

تعجّب القوم من وضع الرمانة في كفه ، بل كان من أجل تعذّره عليهم ، مع أنّه كان مألوفاً لهم ، ومقدوراً عليه من جهتهم . فلو كان كما زعمه أهل الصرفة ، لم يكن للتعجّب من فصاحته وجه . فلمّا علمنا بالضرورة إعجابهم بالبلاغة ، دلّ على فساد هذه المقالة » (١) .

وما أجاب به الشيخ الطوسي عن هذا الدليل بأنّ من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بالفصاحة والبلاغة ، وإنّما يقول هذه المزية ليست مما تخرق العادة ويبلغ حدّ الإعجاز ، فليس في طرب الفصحاء وشهادتهم بفصاحة القرآن وفرط براعته ما يوجب بطلان القول بالصرفة (٢) ، غير تام ، إذ لو كان مثل القرآن متوفراً في الأوساط الأدبية قبل البعثة ، لما كان لهذا الطرب والإهتزاز والإنبهار والتضعضع ، وجه وجيه ، لأنّ المفروض أنّ القرائح العربية لم تكن قاصرة قبل البعثة عن إبداع أمثاله ، وسمعت آذانهم كثيراً من هذا النمط من الكلام وإن قصرت من بعد . ولو كانت قرائحهم قادرة قبل البعثة على إنشاء كلام مثل القرآن ، فلماذا جمع الوليد صناديد قريش وقال لهم : « إنّ العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف ، فأجمعوا أمركم على شيء واحد ، ما تقولون في هذا الرجل ؟ الخ (٣) » . فلو كانت قرائحهم كافية قبل صرف هِمَمِهِم ، أو سلب علومهم ، أو الجائهم على الإنقباض في مقام معارضته ـ لكان الجواب عن قرآن الرجل واضحاً ، وهو أنّه كلام عادي ما أكثره بيننا ، وأكثر مثله في كلام خطباء العرب وشعرائهم .

ورابعاً : فإنّ القول بالصرفة نجم من الإغترار بما روي من رشيق الكلمات ، وبليغ العبارات ، عن العرب ، فزعم هؤلاء أنّ كل من قدر على تلك الأساليب البلاغية ، يقدر على المعارضة ، إلّا أنّه سبحانه عرقلهم عنها وثبّطهم فيها .

ولكن أين الثرى من الثريا ، وأين المدر من الدُرَر ، وليس إعجاز القرآن

__________________

(١) الطراز ، ص ٣٩٣ ـ ٣٩٤ .

(٢) تمهيد الأُصول ، ص ٣٣٨ .

(٣) مجمع البيان ، ج ٥ ، ص ٣٨٦ .

٣٤٦
 &

رهن العذوبة والأناقة فقط ، وإنّما هو رهن حلاوة ألفاظه وسمو معانيه ، ورصانة نظمه ـ على وجه لو غُيِّرت كلمة أو جملة منه ، لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة ـ وبداعة أسلوبه ، مجتمعة . فهذه الأُمور بجملتها ، أضفت على الكلام جمالاً رائعاً لا يجد الإنسان له مثيلاً في كلام مَنْ غَبَر وسَبَق ، أو تَبِعَ وَلَحَق . فهو بنظمه العجيب ، وأُسلوبه الغريب ، وملاحته وفصاحته الخاصة ، ومعانيه العميقة ، تحدّى الإنس والجن ، ولأجل ذلك لم يجد العرب لإغراء البسطاء ، إلّا تفسيره بالسحر ، لأنّه يأخذ بمجامع القلوب ، كما يأخذ السحر بها .

وخامساً : فإنّ المتبادر من آيات التحدّي أنّها تعرف القرآن بأنّه فوق قدرة الإنس والجن ، وأنّه مصنوع لا تصل إليه يد المخلوق ، وهذا لا يجتمع مع مذهب الصرفة الذي لا يضفي على القرآن ذاك الجمال الرائع الذي يجعله متفوّقاً على القدرة البشرية ، وإنّما يضعه في عداد كلام عامة الفصحاء والبلغاء ، غاية الأمر أنّه سبحانه ـ كلما همّت العرب بمباراته ـ صرف عنهم الهمة والقوة ومنعهم من الإتيان بما اقترحه عليهم .

وبعبارة أخرى : إنّ المتبادر من ظواهر الآيات ، أنّ القرآن في ذاته متعال ، حائز أرقى الميزات ، وكمال المعجزات ، حتى يصحّ أن يقال في حقّه بأنّه لو اجتمع الجن والإنس الخ . .

يقول الخطابي بأنّ قوله سبحانه : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ ) الآية ، يشهد بخلاف هذه النظرية ، لأنّها تشير إلى أمْرٍ ، طريقُهُ التكلّف والإجتهاد ، وسبيله التأهّب والإحتشاد ، وما فُسِّرت به الصرفة لا يلائم هذه الصفة (١) .

وسادساً : فلو كان وجه الإعجاز في نكتة الصرفة ، لكفى في ذلك أن يكون القرآن كلاماً مبذولاً ومرذولاً للغاية ، وركيكاً حدّ النهاية ، لكن كلّما أراد سفلة الناس وأوباشهم ، الذين يقدرون على صنع مثل تلك الكلم ، الإتيان بمثله ، حال سبحانه بينهم وبين مباراته . وهو كما ترى ، لا يتفوّه به من له إلمام بهذه المباحث .

__________________

(١) بيان إعجاز القرآن ص ٢١ .

٣٤٧
 &

وسابعاً : فلو كان عجز العرب عن المقابلة ، لِطاريءٍ مباغتٍ أبطل قواهم البيانية ، لأُثر عنهم أَنَّهم حاولوا المعارضة ففوجئوا بما ليس في حسبانهم ، وَلَكان ذلك مثار عجب لهم ، ولأعلنوا ذلك في الناس ، ليلتمسوا العُذْر لأنفسهم وليقللوا من شأن القرآن في ذاته (١) .

وقد أشار إلى هذا الوجه علي بن عيسى الرماني في نكت الإعجاز ، كما أشار إليه الإمام يحيى بن حمزة العلوي ، قال : « إنّهم لو صُرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها ، لوجب أن يَعْلَموا ذلك من أنفسهم بالضرورة ، وأنْ يُمَيِّزوا بين أوقات المنع والتخلية . ولو علموا ذلك ، لوجب أن يتذاكروا في حال هذا المعجز على جهة التعجّب . ولو تذاكروه ، لظهر وانتشر على حدّ التواتر . فلمّا لم يكن ذلك ، دَلّ على بطلان مذهبهم في الصرفة » (٢) .

وثامناً : فإنّ القول بالصرفة ، يستلزم القول بأن العرب قد تراجعت حالها في الفصاحة والبلاغة ، وفي جودة النظم وشرف الأسلوب وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم ، وعدموا الكثير ممّا كانوا يستطيعون ، وأن تكون أشعارهم التي قالوها ، والخطب التي قاموا بها من بعد أن أوحى الله إلى النبي ، قاصرةً عمّا سمع منهم من قبل ذلك ، القصور الشديد ، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال كان يتسع لهم ، ونضبت عنهم موارد قد كانت تغزر ، وخذلتهم قوى كانوا يصولون بها ، وأن تكون أشعار شعراء النبي التي قالوها ، في مدحه عليه السلام ، وفي الردّ على المشركين ، ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية ، وأن يكون شعر حسان بعد الإسلام دون شعره قبله ، والكل كما ترى .

وتاسعاً : فإنّ الظاهر من مذهب الصرفة أنّ النقصان حدث فيهم من غير أن يشعروا به ، ولازمه أن لا تتم الحُجَّة عليهم ، لأنّهم وإن عدموا فضلهم في مجال الفصاحة والبلاغة ، لكنهم غير شاعرين بهذا النقصان . وإذا كانوا لا يعلمون أنّ كلامهم الذي يتكلمون به بعد التحدّي ، قاصرٌ عن الذي تكلموا به أمس ،

__________________

(١) لاحظ مناهل العرفان في علوم القرآن ، للزرقاني ، ج ٢ ، ص ٣١٤ .

(٢) الطراز ، ج ٣ ، ص ٣٩٣ .

٣٤٨
 &

إستحال أن يعلموا أنّ لنظم القرآن فضلاً على كلامهم الذي يسمع منهم . وإذا لم يتصوروا للقرآن تلك المزية ، كان كلامُهم بعد التحدّي عندهم مساوياً للقرآن . فلازم ذلك أن يعتقدوا أنّ في جمله ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه ، ما يشبه القرآن ويوازيه ، فعندئذٍ لا تتم الحُجَّة عليهم ، إذْ لهم أن يقولوا بأنّ أشعارنا وخطبنا لا تقصر عن قرآنك ، لأنّ المفروض أنّهم غير واقفين على نزول كلامهم عن الذروة والقمة السالفة ، ومتصورين أنّه بعد التحدي كما كان قبله . ومن كانت له هذه الحالة ، لا يتصور للقرآن مزية .

وعاشراً : فإنّ القائل بدخول النقصان على قرائح العرب ، إمّا أن يستثني النبي من ذلك ، أوْ لا . فعلى الأَوّل يجب أن يقول بأنّ النبيّ عندما كان يتلو عليهم قوله تعالى : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ ، عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (١) كان يستطيع أن يأتي بمثل القرآن ، ويقَدَر عليه .

وعلى الثاني يلزم أنّ النبوة صارت وسيلة لنقصان مرتبة النبي في حلبة الفصاحة والبلاغة ، اللهم إلّا أن يقولوا بأنّ النبي كان دونهم في الفصاحة والبلاغة قبل التحدي ، مع أنّ الأخبار تحكي عن أنّه كان أفصح العرب (٢) .

ولأجل وَهْن هذه النظرية ، صار السائد بين المسلمين عامّة ، وأكابر الشيعة خاصة ، كون القرآن معجزاً من حيث الفصاحة المفرطة والبلاغة السامية ، والنَّظم المخصوص ، والأسلوب البديع ، الذي جعله ـ مجتمعاً ـ كلاماً خارقاً للعادة . وزيادة في إيضاح الحال نورد ما ذكره الشيخ الطبرسي ( ت ٤٧١ ـ م ٥٤٨ ) في تفسير قوله سبحانه : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (٣) ، قال :

__________________

(١) سورة الإسراء : الآية ٨٨ .

(٢) الإشكالات الثلاثة الأخيرة ، ذكرها الرماني في كتابه « النكت في إعجاز القرآن » ، ص ١٣٣ ـ ١٥٥ ، وقد نقلناها بتلخيص وتصرّف .

(٣) سورة الإسراء : الآية ٨٨ .

٣٤٩
 &

« المراد أنّه لئِن اجتمعت الجن والإنس متعاونين متعاضدين ، على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته ونظمه على الوجوه التي هو عليها من كونه في الطبقة العُليا من البلاغة ، والدرجة القُصوى من حسن النظم ، وجودة المعاني وتهذيب العبارة ، والخلو من التناقض ، واللفظ المسخوط ، والمعنى المدخول على حدّ يشكل على السامعين ما بينهما من التفاوت ، لعجزوا عن ذلك ، ولم يأتوا بمثله ، ( وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) ، أي معيناً على ذلك مثلما يتعاون الشعراء على بيت شعر » (١) .

وقال العلامة الحلّي في كشف المراد : « أمّا إعجاز القرآن ، فقد تحدّى به فصحاء العرب بقوله تعالى : ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ) ، ( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) ، ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) . والتحدي مع امتناعهم عن الإتيان بمثله ، مع توفّر الدواعي عليه ، إظهاراً لفضلهم ، وإبطالاً لدعواه ، وسلامة من القتل ، يدلّ على عجزهم وعدم قدرتهم على المعارضة » (٢) .

وعلى أيّ حال ، فإنّ القائلين بالصرفة ، وإن كانوا من أعلام العلماء ، لكن الحق لا يعرف بالرجال ، وإنّما يعرف بسلامة الإستدلال ، وقد خَفَّت هذه النظرية في ميزان النَّصَفة والبرهنة ، والحق أنّها ليست بنظرية قيّمة قابلة للإعتماد ، وخلافاً صالحاً للإحتجاج .

وليس كلُّ خلاف جاءَ معتبراً

إلّا خلافٌ له حظٌّ من النَّظَر

*       *      *

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ٣ ، ص ٤٣٨ .

(٢) كشف المراد ، ص ٢٢١ ، ط صيدا وممن أفاض الكلام في وجوه إعجاز القرآن ، ولم يعتمد على مذهب الصَّرْفة ، السيد عبد الله شُبّر في كتابه حق اليقين في أصول الدين ( ج ١ ، ص ١٥٠ ـ ١٥٤ ) .

وأما المقاربين لعصرنا فممن كتبوا فيه ، الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه الدين والإسلام ( لاحظ كلامه في مجلة رسالة الإسلام ، العدد الثالث من السنة الثالثة ، ص ٢٩٨ ) والعلامة الكبير السيد هِبَة الدين الشهرستاني ( المعجزة الخالدة ، ص ٣٢ ـ ٤٣ ) ، والزرقاني في مناهل العرفاء ( ج ٢ ، ص ٣١٠) .

٣٥٠
 &

الأمر الثالث

عجز البشر عن الإتيان بمثله (١)

قد عرفت أنّ الرسول الأكرم تحدّى العالمين أجمع على الإتيان بكتاب مثل القرآن ، وتَنَزّل حتى تحدّاهم على الإتيان بعشر سُوَر ، بل سورةٍ من مثله .

وإنّ تحليل التاريخ المسطور يكشف لنا عجز العرب أمام هذا التحدّي ، وذلك أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، قد بقي يطالب العرب بالإتيان بمثل هذا القرآن مدّة عشرين سنة ، مظهراً لهم النكير ، زارياً على أديانهم ، مسفّهاً آراءهم وأحلامَهم ، وهم أهل البلاغة والفصاحة ، وفيهم أساطينها وأركانها ، ولكنهم مع ذلك لم ينبثوا ببنت شفة ، ولم يجرء أحد منهم على إبداع كلام يعارض فيه القرآن ، وإنّما سلكوا مسلكاً آخر ، فنابذوه وناصبوه الحرب ، حتى هلكت فيه النفوس ، وأُريقت المُهَج ، وقطعت الأرحام ، وذهبت الأموال .

ولو كان ذلك في وسعهم وتحت إقدارهم ، لم يتكلّفوا هذه الأُمور الخطيرة ، ولم يتركوا السهل الدمث من القول إلى الحزِن الوعر من الفعل . هذا ما لا يفعله عاقل ، ولا يختاره ذو لبّ . وقد كانت قريش موصوفين برزانة الأحلام ووفرة العقول والألباب . وقد كان فيهم الخطباء المصاقع ، والشعراء المُفْلقون (٢) .

__________________

(١) قد عرفت أنّ إعجاز القرآن يتقوم بأمور ثلاثة : التحدي ، وخرق العادة ، وعجز البشر عن الإتيان بمثله .

(٢) لاحظ بيان إعجاز القرآن ، لأبي سليمان الخطابي ، ص ٩ .

٣٥١
 &

قال الشيخ عبد القاهر : « إنّ المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف وطبائعهم التي لا تتبدل ، أن لا يسلِّموا لخصومهم الفضيلة ، وهم يجدون سبيلاً إلى دفعها ، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم . كيف ، وإنّ الشاعر أو الخطيب أو الكاتب ، إذا بلغه أنّ بأقصى الإقليم من يباهي بشعره ، أو بخطبته أو برسالته التي يعملها ، يَدْخُلُه من الأَنفَة والحميَّة ما يدعوه إلى معارضته ، وإلى أن يُظهر ما عنده من الفضل . هذا فيما لم ير ذلك الإنسان قطّ ، ولم يكن منه إليه ما يهزّ ويحرّك ، فكيف إذا كان المدعي بمرأى ومسمع منه ، فإنّ ذلك أدعى له إلى مباراته ، وأن يُعَرِّف الناس أنّه لا يقصر عنه ، أو أنّه منه أفضل ، فإن انضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى مباراته ، فذلك الذي يُسْهِر ليله ويسلبه القرار ، حتى يتفرّغ مجهوده في جوابه ، ويبلغ أقصى الحدّ في مناقضته .

هذا ، فكيف إذا ظهر في صميم العرب وفي مثل قريش ، ذوي الأنفس الأبية ، والهمم العليّة ، من يَدّعي النبوة ويخبر أنّه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق ، ثم يقول وحجتي أنّ الله تعالى قد أنزل عليّ كتاباً عربياً مبيناً ، تعرفون ألفاظه ، وتفهمون معانيه ، إلّا أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله ، ولا بعشر سُوَر منه ، ولا بسورة واحدة ولو جمعتم جهدكم واجتمع معكم الجن والإنس . فلا يتصور منهم السكوت والسكون في مقابل هذا الإدعاء ، إلّا إذا كانوا عاجزين » (١) .

دَفْعُ تَوَهّم

ربما يتصور الغافل أنّ البلغاء المعاصرين لداعي الحق ، قد عارضوه بكتاب أو سور مثل كتابه وسوره ، ولكنه اختفى أثره في شعاع ضوء قدرة الإسلام والمسلمين وسلطانهم على الجزيرة وخارجها .

والجواب : إنّه رجمٌ بالغيب وتصوّر باطل لا تصدقه الموازين التاريخية والعلمية ، إذ لو كانت ثمة معارضة ومقابلة ، لما اختفى على العرب المعاصرين ولا

__________________

(١) ثلاث رسائل ، الرسالة الشافية ، لعبد القاهر الجرجاني ، ص ١١٠ .

٣٥٢
 &

على غيرهم . كيف ، وإن الإتيان بمثل معجزته ، يسجل للمعارض خلود الذكر وسموّ الشرف ، بل لَسَعى أعداء الإسلام في نشره بين المعتنقين لدينه وغيرهم ، لأنّهم يجدون فيه بغيتهم .

قال المحقق الخوئي ـ دام ظلّه ـ : « إنّ هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها ، وشَهَرتها في مواسمها وأسواقها ، وَلأَخذ منه أعداء الإسلام نشيداً يوقعونه في كل مجلس ، وذكراً يرددونه في كل مناسبة ، وعَلَّمَه السلف للخلف ، وتحفّظوا عليه تحفّظ المدعى على حجّته ، وكان ذلك أقرّ لعيونهم من الإحتفاظ بتاريخ السلف . كيف ، وأشعار الجاهلية ملأت كتب التاريخ وجوامع الأدب ، مع أنا لا نرى أثراً لهذه المعارضة » (١) .

يقول الخطابي : « إنّ هذا السؤال ساقط ، والأمر فيه خارج عمّا جرت به عادات الناس من التحدّث بالأُمور التي لها شأن ، وللنفوس بها تعلّق ، وكيف يجوز ذلك عليهم في مثل هذا الأمر الذي قد انزعجت له القلوب ، وسار ذكره بين الخافقين . ولو جاز ذلك في مثل هذا الشأن مع عِظَمِ خطره ، وجلالة قدره ، لجاز أن يقال إنّه خرج في ذلك العصر نبي آخر وأنبياء ذوو عدد ، وتنزّلت عليهم كتب من السماء ، وجاءوا بشرائع مخالفة لهذه الشريعة ، وكتم الخبر فيها فلم يظهر ، وهذا ممّا لا يحتمله عقل » (٢) .

أقول : وممّا يدلّ على عدم وجود هذه المعارضة اللائقة بالذكر ، ما ضبطه التاريخ من كلام مسيلمة الكذاب وغيره ممّن ادّعوا النبوة وأرادوا أن يخدعوا بسطاء العقول ، فجاءوا بجمل تافهة ساقطة ، لا يقام لها وزن ولا قيمة ، ما سيأتي عرضه وتحليله بعد هذا البحث .

على أنّ القرآن ما خصّ العرب الجاهليين بالتحدّي ، بل تحدّى جميع الناس سالفهم وحاضرهم ، وهناك مجموعة كثيرة من العرب لا يعتنقون دين الإسلام ويتبعون ثقافات حديثة ، وتؤيدهم القُوَى الكبرى الكافرة . فلو كانت المكافحة

__________________

(١) البيان في تفسير القرآن ، ص ٥٢ .

(٢) بيان إعجاز القرآن ، ص ٥٠ .

٣٥٣
 &

أمراً ممكناً لقام هؤلاء بهذه المهمة وأراحوا أنفسهم من بذل الأموال الطائلة في طريق الحطّ من كرامة هذا الدين ، والنيل من نبيّه الأعظم وكتابه المقدّس ، ولاحتفلوا بذلك في أنديتهم ومؤتمراتهم العالمية ، وزعزعوا بذلك إيمان المسلمين ، الذي هو أُمنيتهم الكبرى . ومع ذلك ، لا ترى من هذا الأمر عيناً ولا أثراً .

*       *      *

ثم إنّه قد نقل في مواضع متفرقة من كتب التاريخ ، عبارات وجمل منثورة ، يشبه ـ بحسب الظاهر ـ أُسلوبها أُسلوب القرآن ، زُعم أنّها لأناس ادّعوا النبوّة ، وعارضوا بها القرآن الكريم ، وهذا ما نطرحه على بساط البحث فيما يلي .

*       *      *

هل عورض القُرآن الكريم ؟

إنّ المؤرخين ذكروا أسماء قوم زعموا أنّهم عارضوا القرآن الكريم ، وأنّ بعضهم ادّعى النبوة ، وجعل ما يلقيه معجزة لكي لا تكون دعواه بلا أداة وبيّنة . ونحن نذكر بعض من ذكرهم التاريخ ، وننقل بعض ما نسب إليهم ، حتى يُعلم أنّ ما سمّوه مُعارضاً للقرآن الكريم ، ليس إلّا كلاماً ساقطاً ، لا يقام له وزن ، بل لا يداني بلاغة كلام الأُدباء المعروفين .

١ ـ مسيلمة الكذاب

ذكر ابن هشام أنّ مسيلمة بن حبيب قد كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : « مِنْ مُسَيْلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك . أمّا بعد ، فإنّي قد أُشركت في الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون » .

فلما جاء الكتاب ، كتب رسول الله إلى مسيلمة : « بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب ، السلام على من اتّبع الهُدى . أمّا بعد ، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمُتَّقين » .

٣٥٤
 &

وذلك في آخر سنة عشر (١) .

وذكر الطبري أنّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله مع مسيلمة ، فلما رجعوا وانتهوا إلى اليمامة ، ارتدّ مسيلمة وتنبّأ وتكذّب له ، وقال : « إنّي قد أُشركت في الأمر معه » . ثم جعل يسجع السجاعات ويقول لهم فيما يقول ، مضاهاةً للقرآن . وذكر من كلامه هذا :

« لقد أَنْعَمَ الله على الحُبْلى ، أَخْرَج مِنْها نَسَمَةً تَسْعى ، بين صِفاقٍ وحَشَى » (٢) .

إنّ هذين الكلامين ، يكفيان شاهداً على ما لم نذكره . أمّا كتابه ، فهو دليل على أنّه جعل دعوى النبوّة ، أداة للحكومة ، فلأجل ذلك قسّم الأرض بينه وبين رسول الله . فانظر إلى جواب رسول الله ، المُقْتَبس من القرآن الكريم : ( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٣) .

وأما قرآنه المنحول ، المفترى على الله سبحانه ، فما هو إلّا جُمَل وفصول توازن سجع الكهان ، حاول أن يعارض بها أوزان القرآن في تراكيبه . وممّا اصطنعه في هذا المجال :

« الفيل ، ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وبيل ، وخرطوم طويل » .

« يا ضفدع بنت ضفدعين ، نقي ما تنقين ، نصفك في الماء ونصفك في الطين ، لا الماء تكدِّرين ، ولا الشارب تمنعين » .

وعلى هذا الغرار سائر كلمه المنسوبة إليه . وكلها تعرب عن جهل وحماقة فيه . ولذلك ، لما ذهب الأحنف بن قيس مع عمّه إلى مسيلمة ، وخرجا من

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام ، ج ٢ ، ص ٦٠٠ . وتاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ٣٩٩ .

(٢) تاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ٣٩٤ ، ولكن رواه في ص ٤٩٩ هكذا : « ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى ، الخ » . والصفاق هو الجلد الأسفل الذي يمسك البطن ، وهو الذي إذا انشق كان منه الفتق .

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٢٨ .

٣٥٥
 &

عنده ، وقال الأحنف لعمّه . « كيف رأيته ؟ » ، قال : « ليس بمتنبيء صادق ، ولا بكذّاب حاذق » (١) .

ما هي حقيقة المعارضة ؟

معنى المعارضة أنّ الرجل إذا أنشأ خطبة أو قال شعراً ، يجيء الآخر فيجاريه في لفظه ويباريه في معناه ليوازن بين الكلامين ، فيحكم بالفلج على أحد الطرفين . وليس معنى المعارضة أن يأخذ من أطراف كلام خصمه ، ثم يبدل كلمة مكان كلمة ، فيصل بعضه ببعض وصل ترقيع وتلفيق ، كما وقع في ذاك الكلام المنسوب إلى مسيلمة . وها نحن نأتي ببعض المعارضات التي وقعت في العصر الجاهلي بين شاعرين كبيرين ، فهذا النابغة الذبياني يصف لَيْلَهُ في أشعاره المعروفة التي يعتذر فيها للنعمان ، ويقول :

كليني لهمّ يا أميمة ناصبِ

وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ

تَطاوَلَ حتى قُلت ليس بِمُنْقَضٍ

وليس الذي يرعى النجوم بآيبِ

بصدرٍ أراح الليْل عازِب همِّه

تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ

ونرى أنّ امرىء القيس يقول في نفس الموضوع :

وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله

عليّ بأنواع الهُموم ليبتلي

فقلت له لمّا تمطّى بصُلْبه

وأردف أعجاز وناء بكلكلِ

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ

فيا لكَ من ليلٍ كأن نجومه

بكل مغار الفتل شدّت بِيَذْبُلِ

هذه هي حقيقة المعارضة ؛ فقول النابغة متناه في الحسن ، بليغ في وصف ما شكاه من همّه وطول ليله ، ويقال إنّه لم يتبديء شاعر قصيدة بأحسن من هذا الكلام ، خصوصاً قوله : « بصدر أراح الليلُ عازب همِّه » . وهو كلام مطبوع سهل يجمع البلاغة والعذوبة . إلّا أنّ في أبيات امرىء القيس من ثقافة الصنعة ،

__________________

(١) لاحظ ما نسب إليه في تاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ٤٩٨ ـ ٤٩٩ ، وص ٥٠٦ .

٣٥٦
 &

وحسن التشبيه ، وإبداع المعاني ، ما ليس في أبيات النابغة ، إذ جعل لليل صلباً وأعجازاً وكلكلاً ، وشبّه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضاً ، وجعل النجوم كأنّها مشدودة بحبال وثيقة ، فهي راكدة لا تزول ولا تبرح ، وجعل يتمنى تَصَرُّم الليل بعود الصبح لما يرجو فيه من الرَّوْح ، ثم ارتجع ما أعطى واستدرك ما كان قدّمه وأمضاه ، فزعم أنّ البلوى أعظم من أن يكون لها في شيء من الأوقات كشف وانجلاء . . . إلى آخر ما في شعره من النكات .

فبمثل هذه الأمور تعتبر المعارضة ، فيقع بها الفضل بين الكلامين ، من تقديم لأحدهما ، أو تأخير ، أو تسوية بينهما . لا بمثل ما أتى به هؤلاء المهزّلون ، من الإكتفاء بالوزن والفواصل ، من دون نظر إلى المعاني . وهذا هو السائد في كل المعارضات التي نسبت إلى المعارضين .

وللمعارضة صور أُخرى ذكرها الخطابي في بيان إعجاز القرآن (١) .

مثال آخر

نرى أنّ جريراً يمدح بني تميم ويعرفهم بأنّهم كل الناس ، في قوله :

إذا غَضِبَتْ عليك بنو تميمٍ

حسبت الناسَ كلُّهم غِضاباً

ويقول أبو نواس في هذا الصدد :

ليس على الله بمستنكَرٍ

أن يجمعَ العالَمَ في واحدٍ

وقد زاد عليه أبو نواس زيادة رشيقة ، وذلك أنّ جريراً جعل الناس كلّهم بني تميم ، ولكنّ أبا نواس جعل العالم كلّهم في واحد . فكان ما قاله أبلغ وأدخل في المدح والإعظام (٢) .

إذا ظهرت لك حقيقة المعارضة ، فانظر إلى قوله سبحانه : ( الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ) (٣) . وقوله سبحانه : ( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا

__________________

(١) بيان إعجاز القرآن ، ص ٥٢ ـ ٦٠ .

(٢) لاحظ الطراز ، ص ٢٠٢ ـ ٢٠٣ .

(٣) سورة الحاقة : الآيات ١ ـ ٣ .

٣٥٧
 &

أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ) (١) ، ثم ما أتَبَعٍ قوله هذا بذكر يوم القيامة وبيان أوصافها وعظيم أهوالها بقوله : ( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) (٢) .

فأين هو من قول القائل : « الفيل ، ما الفيل ، وما أدراك ما الفيل ، له ذنب وبيل ، وخرطوم طويل » . فإنّ مثل هذه الفاتحة تجعل مُقَدِّمَةً لأمر عظيم الشأن متناه الغاية ، فإذا بالمعارض يجعله مقدمة لذكر الذَّنَب والمشفر ، ويتصور أنّه تحققت المعارضة ، ويا ليته أتبع تلك المقدمة ، بما أعطيت هذه البهيمة العجماء من الذهن والفطنة التي به تُفْهِمُ سائسها ما تريده ، فلعلّه كان أقرب إلى مقصوده !! .

الشك في صحة نسبة هذه المعارضات

وهناك احتمال بأن لا تكون هذه الكلمات قد وضعت ليعارض بها القرآن ، وإنّما وضعها أعداء مسيلمة للتفكُّه والسَّمَر ، أو وضعت لغاية دينية وهي تأكيد إعجاز القرآن عندما تُقارَن هذه المفتريات إلى الآيات الباهرة في الكتاب العزيز . مع أنّ إعجاز القرآن ليس في حاجة إلى مثل هذا بعدما سكت فحول البلاغة عن معارضته .

وممّا يثير الشكّ في كون مسيلمة قائل هذه الجمل التافهة ، ما أثر عنه من بعض الكلمات التي هي في البلاغة بمكان عال ، كقوله عندما اجتمع مع سجاح التميمية : « هل لَكِ أن أَتَزَوَّجُكِ فآكلَ بقومي وقومك العرب ؟ » (٣) . فإن هذه الكلمة تدلّ على مكانة الرجل في الفصاحة وجميل التأتي لما يريد . فخيّل لسجاح أنّه سيأكل بقومه وقومها العرب ، وهل كانت تقصد سجاح غير هذا ؟ وهل كان يقصد من اتبعوها إلّا أكل العرب والإستيلاء عليهم ؟ فإذا قارنّا بين كلمته هذه ،

__________________

(١) سورة القارعة : الآيات ١ ـ ٣ .

(٢) سورة القارعة : الآيتان ٤ و ٥ .

(٣) تاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ٤٩٩ .

٣٥٨
 &

وما عزي إليه من المعارضات ، وجدنا فارقاً كبيراً بينهما في الأُسلوب والروح . فهذه الكلمة صادرة عن نفس جادة حازمة تتطلب أمراً عظيماً ، وأمّا ما نسب إليه فصادر عن نفس ماجنة عابثة ، لا تدرك ما وراء هذه المغامرة من المخاطر .

وهناك كلمة أُخرى نسبت إليه حين استحرّ القتل في قومه ، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل مكان ، وقد سأله قومه ما وعد به ، فقال : « أمّا الدين فلا دين ، قاتلوا عن أحسابكم » . فأي إيجاز ، وأيّ قوة ، وأيّ إيحاء وتحميس أقوى من هذا : قاتلوا عن أحسابكم ؟ والمنصف لا يشك في أنّ صاحب هذه الكلمات الموجزة ليس صاحب هذه المعارضات الركيكة المسهبة (١) .

٢ ـ طليحة بن خويلد الأسدي

قدم على النبي في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع ، فأسلموا . ثم لما رجعوا ، تنبّأ طليحة ، وعظم أمره بعد أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله . وكان يزعم أنّ ذا النون يأتيه بالوحي .

ومن كلماته : « إنّ الله لا يصنع بتعفير وجوهكم ، وقبح أدباركم شيئاً . فاذكروا الله قياماً ، فإنّ الرغوة فوق الصريح » (٢) . فهو يريد بكلامه هيئة الصلاة من الركوع والسجود ، فكانت الصلاة في شرعه قياماً .

ومنها : « والحمام واليَمام ، والصّرد الصوام ، ليبلغ ملكنا العراق والشام » .

ولو كان الرجل ذا لبّ وعقل ، لما عارض القرآن الكريم بهذه الكلمات الساقطة . فانظر كيف حلف على أمر عظيم وهو بلوغ ملك العراق والشام بهذه الطيور !! .

وممّا يثير الشك في صحة عزو هذه الجمل الجوفاء إلى طليحة ، ما نقله

__________________

(١) لاحظ مقال الشيخ علي العماري المصري ، في « رسالة الإسلام » العدد الثالث من السنة الحادية عشرة .

(٢) معجم البلدان ، كما نقله الرافعي في إعجاز القرآن ، ص ١٩٩ ـ ٢٠٠ .

٣٥٩
 &

الطبري (١) عنه ، حيث قال : إنّ طليحة وفد على عمر ـ وكان طليحة قد أسلم ـ فقال له عمر : أنت قاتل عكاشة وثابت ـ يريد عكاشة بن محصن وثابت بن أكرم وهما سيدان من سادات المسلمين ، وفارسان من فرسانهم ـ فقال طليحة في جواب عمر : « ما تَهُمُّ من رجلين كرَّمهما الله بيدي ، ولم يُهِني بأيديهما » .

فهناك فرق واضح بين ما عزي إليه من المعارضات ، وعبارته أمام عمر ، فإن كلمته الأخيرة فيها روح أمكن بها الرجل أن يؤثر على عمر ، حيث قال له إن الرجلين ذهبا إلى الجنة ، فأكرمهما الله على يدي طليحة . وأي شيء أحبّ إلى عمر من أن تكون الجنة نصيب عكاشة وثابت ! .

٣ ـ سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية

إنّ قبيلة بني تغلب كانت راسخة في النصرانية ، فادعت سجاح المذكورة ، بعد وفاة رسول الله ، النبوة ، فاستجاب لها بعضهم ، وترك التنصّر ، وكان أمر مسيلمة الكذاب قد غلظ واشتدّت شوكة أهل اليمامة ، فنهدت له بجمعها فمن قولها المزعوم : « إنّه الوحي ، أعدّوا الركاب ، واستعدوا للنّهاب ، ثم أغيروا على الرباب ، فليس دونهم حجاب » . فلما توجهت لحرب مسيلمة قالت : « عليكم باليمامة ، ودفّوا دفيف الحمامة ، فإنّها غزوة صرامة ، لا يلحقكم بعدها ملامة » .

وخافها مسيلمة ، ثم اجتمعا وعرض عليها أن يتزوجها ، وقال : « هل لك أن أتزوجك ، فآكل بقومي وقومك العرب » ؟ فأجابت ، وانصرفت إلى قومها . فقالوا : « ما عندك » ؟ . قالت : « كان على الحق فاتبعته فتزوجته » . ولم تَدّع قرآناً ، وإنّما كانت تزعم أنّه يوحى إليها بما تأمر ، وتسجع في ذلك سجعاً ، كالنَّموذجين المتقدمين .

والتاريخ يحكي أنّها أسلمت بعدُ وحَسُن إسلامها (٢) . وفي الحقيقة لم تكن نبوتها إلّا زفافاً على مسيلمة ، وما كانت هي إلّا إمرأة ! .

__________________

(١) الطبري ، ج ٣ ، ص ٢٣٩ .

(٢) راجع فيما نقلناه تاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ٤٩٦ ـ ٥٠٠ .

٣٦٠