الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-386-7
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٦١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الدعوة الإسلامية

١ ـ ظروفها :

في الوقت الذي عمّت سيادة الشرك وعبادة الأصنام أكثر ربوع المعمورة ، وكانت الشعوب المتحضرة في بلاد الفُرس والروم تعاني ألوان المظالم والتمييزات الطَّبقِيَّة ، وكان العُمّال والفلاحون يرزخون تحت ثقل الضرائب المجحفة ، وكان اليأس ملقياً بظلاله السوداء على عامة الشعوب والمِلَل ، وعاد رجال الإصلاح يعيشون مرارة اليأس من كل ثورة منجية .

في هذه الظروف ، قام رجل بين أُمّة متقهقرة ، تقطن أراض جدباء قاحلة ، ومعشر ليس لهم من الحضارة أي سهم يذكر ، يسفكون دماءهم ويقطعون أرحامهم ، فادّعى النبوة والسفارة من الله الخالق ، على أساس نشر التوحيد ، ورفض الوثنية وعبادة الأصنام ، وإقامة العدل وبسط القِسط ، ورفض التمييز وحماية المضطهدين والمظلومين .

٢ ـ اسم الداعي ونسبه

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، من قبيلة قريش ، وُلِدَ بِمكَّة عام ( ٥٧٠ م ) في بيت عريق في العربية ، مشهور بالكرم والسخاء والستر والعفاف ، أعني به أُسرة بني هاشم .

٢٢١
 &

٣ ـ تاريخ الدعوة

وقد قام بالدعوة في أوائل القرن السابع الميلادي (٦١٠) . وأول ما بدأ به ، دعوة أقربائه وعشيرته ، وقال في دعوتهم : « إنّ الرائد لا يكذب أهله ، والله الذي لا إله إلّا هو إنّي رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامّة ، والله لَتَموتُنَّ كما تنامون ، وَلَتُبْعَثُنَّ كما تستيقظون ، وَلَتُحاسَبُنَّ بما تعملون ، وإنّها الجنة أبداً ، والنار أبداً » . ثم قال : « يا بني عبد المطلب ، إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله عز وجل ، أن أدعُوَكُم إليه » (١) .

وبعد سنوات من بدء دعوته ـ استطاع في أثنائها هداية جمع من عشيرته ـ وجه دعوته إلى عموم الناس من غير خصوصية بين قبيلته وغيرها ، ووقف على صخرة عند جبل الصفا ، ونادى بصوت عال : « وا صباحاه » ، وهي كلمة كانت العرب تطلقها كلما أحسّت بخطر أو بَلَغها نبأ مرعب ، فكانت هذه الكلمة بمثابة جرس الإنذار بتعميم الدعوة ، فالتفت عندها حوله جموع الناس من أبناء القبائل المختلفة وقالوا له : « ما لك ؟ » .

فقال : « أرأيتكم ، إن أخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العدو مصبحكم أو ممسيكم ، ما كنتم تصدقونني ؟ » .

قالوا : « بلى » .

قال : « فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد » .

ثم قال : « إنّما مَثَلي ومَثَلُكُم كَمَثَل رجل رأى العدو انطلق يريد أهله ، فخشي أن يسبقوه إلى أهله ، فجعل يهتف ، وا صباحاه » (٢) .

ثم استمر في رسالته ، يدعو قومه إلى التوحيد ورفض الأصنام ، وأنّ وراء هذه الحياة ، حياة دائمة غير داثرة ، والناس بين مؤمن به مفاد بنفسه ونفيسه ،

__________________

(١) تاريخ الطبري ، ج ٢ ، ص ٦٢ ـ ٦٣ . والكامل ج ٢ ، ص ٤٠ ـ ٤١ .

(٢) السيرة الدحلانية ، بهامش السيرة الحلبية ، ج ١ ، ص ١٩٤ .

٢٢٢
 &

عدو ينابذه ويتحين الفرص للفتك به وقتله ، فلما أحسّ بالخطر ، غادر موطنه مكة إلى مدينة يثرب ، فأقام هناك سنين عشرة ، لقي فيها من أهل يثرب عطفاً ومودة والتفافاً حوله ، وإيماناً به وتفانياً دون دعوته بأموالهم وأنفسهم ، فصار ذلك سبباً لنشر دعوته في شبه الجزيرة العربية وخارجها عبر بعث رسله وموفديه ، فكان النجاح حليفه ، إلى أن أجاب داعي الموت تاركاً أُمّة كبيرة مؤمنة ، موحِّدةً ، وشريعة ذات نظم وسنن وطقوس ، وذلك في العام ٦٣٣ ميلادية .

ولم تنكمش دعوته بعد وفاته ، بل سرعان ما انتشرت في أكثر ربوع المعمورة ، بفضل اتقان دينه ، وجهاد معتنقي دعوته .

٤ ـ سمات الدعوة

يمكن تقسيم سمات وعلامات هذه الدعوة إلى قسمين :

أ ـ قِسمٍ جاء في كتابه الذي جعله دليلاً على رسالته وبرهاناً ساطعاً على صدق نبوّته .

ب ـ وقسمٍ يقف عليه المتتبع في حاله وحال دعوته وما تركته من آثار في المجتمعات الإنسانية .

أ ـ سمات دعوته في كتابه المعجز

يعرّفه كتابه بصفات ، ويصف دعوته بسمات عديدة ، منها :

(١) ـ أنّه رسول أُرسل إلى العالمين جميعاً ، من دون فرق بين قوم وآخرين ، وإقليم دون إقليم ، وجيل دون جيل ، بل رسالته موجهة إلى كل من يصدق عليه « يا أيها الناس » ، ويقول :

( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (١) .

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ١٥٨ .

٢٢٣
 &

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١) .

( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) (٢) .

(٢) ـ وأنّ رسالته خاتمة الرسالات ، وأنّ كتابه خاتم الكتب ، وأنّه خاتم الأنبياء ويقول :

( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ، وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (٣) .

(٣) ـ وأنّه نبي قد بشّر بنبوته في الكتب السماوية الماضية ، ويقول :

( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ (٤) .

ويقول : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٥) .

والضمير في « يعرفونه » يرجع إلى النبي بقرينة قوله : ( كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ .

ويقول بأنّ المسيح قد بَشَّر بنبوته في إنجيله :

( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (٦) .

__________________

(١) سورة الأنبياء : الآية ١٠٧ .

(٢) سورة الأنعام : الآية ١٩ .

(٣) سورة الأحزاب : الآية ٤٠ .

(٤) سورة الأعراف : الآية ١٥٧ .

(٥) سورة البقرة : الآية ١٤٦ .

(٦) سورة الصف : الآية ٦ .

٢٢٤
 &

(٤) ـ ويعرّفه رابعاً بأنّ دعوته دعوة مكملة للشرائع السابقة ، وأنّ كتابه وشريعته مصدّقة لها ، لا مبائنة ولا مخالفة ويقول :

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ، وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، فَلَعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (١) .

(٥) ـ ويعرّفه بأنّه جاء بمعجزات وآيات ، وأنّ معجزته الخالدة على جبين الدهر هي كتابه ، لا يمكن لأحد من الخلق مقابلته ولا الإتيان بمثله ، ويقول :

( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٢) .

ويقول : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (٣) .

(٦) ـ وأنّ كتابه كتاب فاصل بين الحق والباطل ومهيمن على الكتب السالفة ، ويقول : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ . . . ) (٤) . وأنّ كتابه يفصل ما اختلف فيه بنو إسرائيل ويقول : ( إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (٥) .

(٧) ـ وأنّ أصوله واضحة ، وتعاليمه سهلة ، فإذا سئل عن أصول عقيدته في الله سبحانه ، يقول : ( قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ * اللَّـهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (٦) .

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٨٩ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٣ .

(٣) سورة الإسراء : الآية ٨٨ .

(٤) سورة المائدة : الآية ٤٨ .

(٥) سورة النمل : الآية ٧٦ .

(٦) سورة الإخلاص . ويعرف وضوح العقيدة إذا قيست هذه الآيات إلى التثليث الذي تتدين به المسيحية الحاضرة وغيره من العقائد التي اتّفق البطاركة على أنّها من الرموز التي ليس في مقدور

٢٢٥
 &

كما يقول : في تعاليمه وتكاليفه : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (١) .

ويقول : ( يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (٢) .

(٨) ـ أنّ شريعته كافلة للسعادة الدنيوية والأُخروية ، ويقول : ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ (٣) .

(٩) ـ أنّ دينه وتعاليمه تكافح الأساطير والخرافات وكلّ عقلية متخلفة ويقول : ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (٤) .

والمراد من الأغلال ، الأوهام التي كانت تسود أفكار الشعوب آنذاك .

(١٠) ـ أنّ هذا الداعي أمِّيٌّ لم يقرأ ولم يكتب ، ومع ذلك جاء بأُصول ومعارف وقوانين لإدارة المجتمع ، ويقول : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ (٥) .

ويقول : ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٦) .

ب ـ سمات دعوته من خلال التدبر في آثارها

إنّ الإمعان في الآثار التي تركتها هذه الدعوة بين الأمم البشرية ، يدفع

__________________

= الإنسان فهمها وحلّها . وليس معنى ذلك أنّ القرآن لم يأتِ بأُصول ومعارف عميقة قلّما يتفق لبشر أن يكشف مغزاها ، بل المراد أنّ الحكم بإسلام الفرد لا يتوقف على التوغل فيها ، بل يكفي فيه الإعتقاد بأصلين واضحين هما : التوحيد والشهادة بالرسالة .

(١) سورة الحج : الآية ٧٨ .

(٢) سورة البقرة : الآية ١٨٥ .

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٥٧ .

(٤) الآية السابقة .

(٥) الآية السابقة .

(٦) سورة العنكبوت : الآية ٤٨ .

٢٢٦
 &

الإنسان إلى الإنتقال إلى سمات أُخرى لدعوته ، منها :

١ ـ سرعة انتشارها في أقطار العالم جميعاً لا سيما بين الأُمم المتحضرة ، سرعة لم ير التاريخ لها مثيلاً . فطفق المعتنقون به ، المجهزون بسلاح الإيمان والإخلاص ، يغلبون الأُمم القوية المتحضرة المجهزة بأرهب أنواع السلاح المادي وأفتكه . ولم يمض قرن ونصف من رحيل صاحب الدعوة ، إلّا وقد ملأ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ، وانتشر انتشاراً حيّر النُّهى والعقول .

٢ ـ إنّ الأُمَّةَ المؤمنة ، وإن غلبت أصحاب الحضارات ، وأزالت عروشهم ، لكنها ما عَفَت على حضاراتهم العلمية والصناعية ، بل حفظت الصالح منها ، وقامت بتأسيس حضارة جديدة تشتمل على الأصلح من السابقة ، وما أبدعته هي . وبذلك افترقت عن سائر الثورات البشرية التي كثيراً ما تنجر إلى تخريب البلدان وتدمير الحضارات . فأصبح التمدن الإسلامي ، حضارة إنسانية مكتملة الأبعاد ، بلغت في العظمة إلى حدّ شكّلت معه الأساس الذي بنيت عليه الحضارة الغربية الحديثة ، بحيث لولا الحضارة الإسلامية لزالت الحضارات السابقة عليها ، ولما لحقها أيّ تمدن ، لأنّها صانت السالف من الحضارات عن الإندثار والضياع ، وطورته وأبدعت فيه . فالحضارة الإسلامية ـ بلا تحفظ ـ جسر بين الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية ، والتمدّن الصناعي الحديث .

٣ ـ تضحية المعتنقين لدينه ، وتفانيهم في سبيله بالنفس والنفيس ، وذلك في ظل تحقق شعور ديني عميق وإيمان قوي به وبشريعته ، حتى قدّموا كلّ دقيق وجليل مما يملكون في سبيل نصرته وإعزازه ، وهذا لو دلّ على شيء لدلّ على إيمانهم بفضائله وكمالاته ، وإيقانهم بأنّه رجل إلهي سماوي ، بعث لإنقاذ البشر ، وأنّ اجتماعهم والتفافهم حوله لم يكن طلباً لشيء من الزخارف الدنيوية . وهذا وإن كان لا يصدق على جميع أصحابه وحوارييه ، لكنه صادق على الكثيرين ممن تربوا في أحضانه ، واستنارت ألبابهم واستقامت فطرهم في ظل تعاليم شريعته .

وبعد جميع ما ذكرناه ، فاللازم على المنصف المتحري للحقيقة ، أن يبحث عن حقيقة هذه الدعوة ، وصحة دلائلها ، حتى يجيب الداعي النفساني للمعرفة

٢٢٧
 &

أولاً ، ويقوم بوظيفته ـ إذا وجدها صالحة للاعتناق ـ ثانياً (١) .

الطرق الثلاثة للتعرف على صدق المُدّعى

قد وقفت عند البحث عن النُبُوّة العامة على أنّ للتعرف على صدق مدّعي النبوة طُرقاً ثلاثة :

١ ـ إتيانه بالمعجز ، بشروطه المذكورة .

٢ ـ تصديق النبي السابق عليه ، وتنصيصه على نبوته .

٣ ـ جمع القرائن والشواهد القاضية بالضرورة بصدق دعواه .

ونحن نسلك في التعرف على صدق ادعاء نبي الإسلام النبوة ، هذه الطرق ، الواحدة بعد الأخرى .

*       *      *

__________________

(١) وهذا هو الذي نستهدفه في هذا البحث . فنطرح هذه الدعوة الجديدة ، بعد المسيح ، على بساط البحث ، بنحو الاستهداء وتحرّي الحقيقة وتمييز الحق عن الغثاء ، على ضوء التحليلات المنطقية ، ومن دون تأثّر بعقيدة مسبقة ، أو نزول على نزعة عاطفية ، وبصورة يقتنع معها المنصف ، ويتنزل المتعصّب على الإسلام عن تعصّبه ، وتقوم الحجة على المعاند . فنسأله تعالى أن يوفقنا لبيان الحق وتجنّب القضاء الباطل والفصل الممقوت ، إنّه على ذلك لقدير .

٢٢٨
 &

الطريق الأول

لإثبات نبوة نبي الإسلام

الإستدلال بمعجزاته

قد عرّفنا المعجز عند البحث في النبوة العامة بالنحو التالي :

المعجز أمر خارق للعادة ، مقرون بالدعوى ، والتحدّي ، مع عدم المعارضة ، ومطابقته للدعوى .

فعلينا أن نبحث عن انطباق هذا التعريف على دلائله التي أقامها مدّعي النبوة إثباتاً لصحة دعواه .

إنّ التعريف المذكور ينطوي على أُمور :

١ ـ دعوى النبوة .

٢ ـ الإتيان بأمر خارق للعادة .

٣ ـ التحدّي على الإتيان بمثله .

٤ ـ العجز عن مقابلته .

٥ ـ مطابقة المعجزة للدعوى .

وهذه القيود التي ذكرناها للمعجز تنطبق على ما جاء به نبي الإسلام ، وإليك بيانها إجمالاً :

٢٢٩
 &

١ ـ دعوى النبوة

لا شك أنّه ادعى النبوة ، بضرورة التاريخ ، ونصّ كتابه :

( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) (١) .

٢ ـ خرق العادة

قد ضبط التاريخ أنّه كانت لنبيّ الإسلام معاجز كثيرة في مواقف حاسمة ، غير أنّه كان يركّز على معجزته الخالدة وهي القرآن الكريم . ونحن نقدم البحث في هذه المعجزة الخالدة ، ثم نتبعه بالبحث في سائر معجزاته .

٣ ـ التحدّي

ولا شك أنّه تحدى ـ بما ادّعى أنّه أمر معجز ـ الإنسَ والجنَّ ، وقال بنصّ كتابه : ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ، وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٢) .

٤ ـ العجز عن مقابلته

إنّ من ألمَّ بتاريخ تحدّي النبي الأكرم : من زمن نزول القرآن إلى عصرنا هذا ، يقف على أنّه لم يتمكن فرد ، ولا لجنة علمية من الإتيان بمثل معجزته . ويعرف تفصيل ذلك عند البحث عن إعجاز القرآن ، فانتظر .

٥ ـ مطابقة المعجزة للدعوى

إنّ هذا القيد ، يبحث عنه في سائر معاجزه التي له فيها مورد ، كما في إناطة

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ١٥٨ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٣ . وفي آيات أخرى تأتي الإشارة إليها .

٢٣٠
 &

قريش إيمانها بنبوته ، بشقه القمر ، وتسبيح الحصى ، وغير ذلك ، فقام بما اقترحوا عليه ، بإذن الله سبحانه ، وكانت المعجزة مطابقة لدعواه ، كما سيوافيك في الفصل الخاص ببيان سائر معجزاته .

إذا وقفت على تعريف الإعجاز وانطباقه على ما أتى به ، إجمالاً ، فيقع الكلام في مقامين :

المقام الأول ـ في معجزته الكبرى الخالدة على جبين الدهر وهي القرآن الكريم ، وإثبات أنّه كتاب خارق للعادة وخارج عن طور الطاقة البشرية .

المقام الثاني ـ في سائر معاجزه التي ضبطها التاريخ والحديث .

٢٣١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagesrafed.png

٢٣٢
 &

المقام الأول

المعجزة الخالدة

ويقع البحث فيها عن أمور :

* الأمر الأول : ما هو سبب التحدّي بالكلام ؟ . فيه وجهان ، نذكرهما ، ثم نُلحقه ببيان بعض مزايا القرآن من حيث هو معجز .

* الأمر الثاني : وجه كون القرآن خارقاً للعادة . وللوقوف عليه مسلكان :

المسلك الأول : إقرار بلغاء العرب بإعجازه .

المسلك الثاني : تحليل إعجازه مباشرة . وإعجاز القرآن يقوم على دعائم أربع :

ـ الدعامة الأُولى : الفصاحة . ويراد منها جمال اللفظ وأناقة الظاهر .

ـ الدعامة الثانية : البلاغة . ويراد منها جمال العرض وسمو المعنى .

ـ الدعامة الثالثة : النَّظْم . ويراد منه رصانة البيان واستحكام التأليف .

ـ الدعامة الرابعة : الأسلوب . ويراد منه بداعة المنهج وغرابة السبك .

ويلحق بهذا الأمر تنبيهات ثلاثة :

التنبيه الأول ، نطرح فيه آيتين على منضدة التشريح .

٢٣٣
 &

التنبيه الثاني ، نشير فيه إلى بعض مزايا القرآن البيانية .

التنبيه الثالث ، نتطرق فيه إلى بيان مذهب الصرفة ، من مذاهب إعجاز القرآن .

* الأمر الثالث : عجز البشر عن معارضته والإتيان بمثله .

* الأمر الرابع : الشواهد الدالّة على كون القرآن كتاباً سماوياً ، وهي :

١ ـ أمية حامل الرسالة .

٢ ـ عدم اختلافه في الأسلوب .

٣ ـ عدم اختلافه في المضمون .

٤ ـ هيمنته على الكتب السماوية .

٥ ـ إتقانه في التشريع والتقنين .

٦ ـ إخباره عن الغيب .

٧ ـ إخباره عن الظواهر والقوانين الكونية .

٨ ـ الأخلاق .

٢٣٤
 &

الأمر الأول

سبب التحدّي بالكلام

لا شك أنّ الكليم موسى ، تحدّى بمعجزات خاصة ، يعبر عنها القرآن الكريم بتسع آيات بينات ، في قوله : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١) .

وقوله : ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ (٢) .

كما أنّ المسيح تحدّى بمعجزات خاصة ، تباين من حيث الماهية معجزات الكليم ، ويحكي ذلك القرآن بقوله : ( وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ ، وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ ، وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٣) .

فعند ذلك يطرح السؤال نفسه : لماذا ﭐختُص الكليم بهذه المعاجز ، والمسيح بتلك الخوارق ، وجاء نبي الإسلام بمعجزة الكلام ؟ .

__________________

(١) سورة الإسراء : الآية ١٠١ .

(٢) سورة النمل : الآية ١٢ .

(٣) سورة آل عمران : الآية ٤٩ . ولاحظ سورة المائدة : الآية ١١٠ .

٢٣٥
 &

والإجابة عن ذلك بوجهين :

الوجه الأول ـ أَصْدَقُ المعجزات ما شابه أرقى فنون العصر

إذا كان المعجز عبارة عما يخرق نواميس الطبيعة ، فلا شك أنّ معرفة ذلك يختصّ بعلماء الصنعة التي يشابهها ذلك المعجز ، فإنّ علماء أيّ صنعة أعرف بخصوصياتها ، فهم يميّزون بين ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله ، وبين ما يمكنهم . ولذلك فالعلماء أسرع تصديقاً بالمعجز من غيرهم ، وأمّا الجاهل فباب الشكّ عنده مفتوح على مصراعيه ما دام جاهلاً بمباديء الصنعة ، وما دام يحتمل أنّ المدّعي قد اعتمد على مباديء معلومة عند الخاصة من أهل تلك الصنعة .

ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يُخَصَّ كلُّ نبي بمعجزة تشابه الصنعة المعروفة في زمانه ، والتي يكثر العلماء بها من أهل عصره ، فإنّه أسرع للتصديق ، وأقوم للحجة . فكان من الحكمة أن يُخَصَّ موسى عليه السلام بالعصا ، واليد البيضاء ، لما شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون . ولذلك كانت السحرة أسرع الناس إلى تصديق برهانه لعلمهم بأنّ ما أتى به موسى ، خارج عن حدود السحر ، فتيقّنوا من كونه معجزة إلهية .

وشاع الطب اليوناني في عصر المسيح وأتى الأطباء في زمانه بالعجب العجاب ، وكان للطب رواج باهر في سوريا وفلسطين ، إذ كانتا مستعمرتين للرومان ، فشاءَت الحكمة الإلهية ، أن تجعل برهان المسيح شيئاً يشبه الطب ، فقام بإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، ليُعْلِم أهل زمانه أنّ ما أتى به خارج عن قُدرة البشر .

وأمّا نبيّ الإسلام ، فقد ادّعى النبوة بين العرب ، وكان الفن الرائج بينهم هو الشعر والخطابة ، فقد برعوا في البلاغة ، وامتازوا بالفصاحة ، وبلغوا الذَّروة في فنون الأدب . وكانوا يعقدون النوادي ويقيمون الأسواق لإلقاء الخطابة والشعر ، وكان المرء يُقَدَّر على حسب ما يحسنه من إلقاء الخطب الرنّانة ، والأشعار البليغة .

وقد بلغ تقديرهم للأدب والشعر إلى حدّ عمدوا إلى قصائد سبع ، من خيرة

٢٣٦
 &

أشعارهم ، فعلّقوها على جدار الكعبة ، بعد ما كتبوها بماء الذهب ، فكان يقال هذه مُذَهّبة امريء القيس إذا كانت أجود شعر .

كما بلغ اهتمام رجال العرب ونسائهم بالخطابة والشعر إلى أنّهم كانوا يحتفلون كل عام في موسم الحج إحتفالات كبيرة لإلقاء الخطب والأشعار . وكان النابغة الذبياني هو الحَكَم في تمييز الراجح من المرجوح ، فيأتي سوق عكاظ وتضرب له فيه قُبّة حمراء من الأَدم ، فيأتيه الشعراء ، فيعرض كلّ أبياته التي صاغها طيلة السنة المتقدمة (١) .

وفي هذا الأجواء ، كانت المناسبة تقتضي أن تكون معجزة المدّعي مشابهة للفن الرائج في ذلك الظرف ، فلذلك جاء بمعجزة البيان وبلاغة الكلام ، حتى يعرف كلُّ عربي أو الأخصائي منهم ، أن قُرآنه بعذوبته وحلاوته ، وسمو معانيه وعمقها ، وروعة نظمه وبداعة أُسلوبه (٢) ، خارج عن إطار الكلام الرائج بين فصحاء العرب ، وبُلغائهم أولاً ، وخارج عن طاقتهم ومقدرتهم ثانياً . وسيوافيك تصديق أكابرهم وفحولهم المعاصرين للنبي الأعظم ، بكون كلامه خارجاً عن طوق البشر ومقدرته ، كما سيوافيك تحليله بوجه علمي ملموس .

وهناك كلام لأحد أئمة الشيعة ـ قيِّمٌ جِدّاً ـ نأتي به :

روى الكليني عن أبي يعقوب البغدادي قال : قال ابن السَكّيت (٣) ، لأبي الحسن (٤) : « لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا ، ويده

__________________

(١) شعراء النصرانية ، ج ٢ ، ص ٦٤٠ ، ط بيروت .

(٢) سيوافيك أنّ الإعجاز البياني للقُرآن يقوم على أُسس أربعة هي التي أشرنا إليها في المتن .

(٣) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الدورقي ، أحد أئمة اللغة والأدب ، وكان حامل لواء علم العربية ، وله تصانيف منها : كتاب تهذيب الألفاظ ، وكتاب إصلاح المنطق ، قتله المتوكل في خامس شهر رجب عام ٢٤٤ هـ ، بحجة أنّه قال إنّ قنبراً ـ خادم علي ـ خير منه ومن ابنيه . فقال المتوكل للأتراك ، سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ، فمات . لاحظ تاريخ الخلفاء للسيوطي ، ص ٣٧٦ .

(٤) الإمام الهادي أبو الحسن ، علي بن محمد بن علي الرضا ، المدفون بسامراء ، الشهيد بيد المعتز بالله عام ٢٥٢ هـ .

٢٣٧
 &

البيضاء ، وآلة السحر ؟ وبعث عيسى بآلة الطب ؟ وبعث محمداً ( صلى الله عليه وآله وعلى جميع الأنبياء ) بالكلام والخطب ؟ » .

فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : « إنّ الله لما بعث موسى ( عليه السلام ) كان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم .

وإنّ الله بعث عيسى ( عليه السلام ) في وقت قد ظهرت فيه الزِّمانات (١) ، واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيى لهم الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله وأثبت به الحجة عليهم .

وإنّ الله بعث محمداً ( صلى الله عليه وآله ) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنه قال : الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجة عليهم .

قال : فقال إبن السكِّيت : « تالله ما رأيْتُ مثلك قَطّ » (٢) .

الوجه الثاني ـ الدين الخالد رهن المعجز الخالد

وهناك وجه ثان لاختصاص النبي بهذه المعجزة وهو الفرق الواضح بين دعوته ، ودعوة سائر الأنبياء ، فإنّ دعوتهم وشريعتهم كانت محدودة زماناً ومكاناً ، أو من حيث الزمان فقط . ولأجل ذلك كانوا يبشرون بمجيء نبي آخر ينسخ بشريعته شرائع مَنْ قَبْلَه . ومِثْل تلك الدَّعَوات يكفي في إثباتها وجود معاجز تنقلها الأجيال المعاصرة للأنبياء إلى الأجيال التالية لهم بصورة الأمر المتواتر ، ومثل هذه المعاجز لا تكفي للدعوة الخالدة ، لأنّ الإيمان بالمعاجز والإذعان بصحتها من خلال نقلها بالتواتر يزول بمضي الزمان ، إلى حدّ تصبح معه أموراً ظنية ، غير قابلة لاتمام الحجّة ، للأجيال المتلاحقة .

__________________

(١) الزِّمانات : الآفات الواردة على بعض الأعضاء فتمنعها من الحركة كالفالج واللَّقوة .

(٢) الكافي ، ج ١ ، كتاب العقل والجهل ، الحديث ٢٠ ، ص ٢٤ ـ ٢٥ .

٢٣٨
 &

فلأجل ذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الدين الخالد مقروناً بالمعجزة الخالدة ، حتى تتم الحجة على جميع الأجيال والقرون إلى أن تقوم الساعة ، وهذا لا يمكن إلّا بأن يكون للإعجاز وجودٌ خالدٌ وثابتٌ عبر القرون ، وليس ذلك إلّا أن يكون مثل القرآن .

وهذا لا يعني أنّه لم يكن للنبي الأكرم معجزة سوى القرآن ، فإنّ ذلك باطل كما سنفصل البحث عنه في المقام الثاني ، بل يعني أنّه صلى الله عليه وآله اختُص بهذه المعجزة دون غيره ، وأنّه كان يركز عليها دون غيرها من سائر معاجزه .

وبعبارة أخرى : إنّ لدعوته سمة الشمول وسمة الخاتمية ، أمّا الشمول ، فَبَعْثُه إلى البشر كلِّهم ، وأمّا الخاتمية فادعاؤه بأنّه خاتم النبيين وأنّ كتابه خاتم الكتب وشريعته خاتمة الشرائع ، فمثل هذه الدعوة التي تَعُمُّ جميع الأجيال والأمكنة ، لا تتم إلّا باقترانها بمعجزة ساطعة على مرّ الدهور وتعاقب الأجيال أوّلاً ، وفي جميع الأمكنة ثانياً ، حتى يتمّ الإحتجاج على المتحرّي ، في جميع الأمكنة والأزمنة . وقد عرفت أنّ مرور الزمان يضفي على سائر المعاجز ، ثوب الظنّ والشك ، إلى أن تصبح في أعين الناس ، خصوصاً الذين هم في منأى عن الأجواء الدينية ، كالأساطير التي تقرء في الكتب . فعند ذلك لا يتمكن المسلم المحتج من إقامة الحجة على مخالفه ومعانده ، بل لا تتم الحجة في حدّ نفسها على المخالف . فاقتضت مشيئته سبحانه أن يبرهن دعوة نبيّه الخاتم بمعجزة ناطقة بالحق ، في جميع الأمكنة والأزمنة تكون كفيلة بإتمام الحجة على البشر إلى قيام الساعة : ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (١) ، بل تكون ( فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ (٢) على الناس في كل مكان وزمان .

*       *      *

__________________

(١ و ٢) اقتباس من آيتين إحداهما في سورة النساء : الآية ١٦٥ والثانية في سورة الأنعام : الآية ١٤٩ .

٢٣٩
 &

مزايا أخرى لهذه المعجزة

١ ـ القُرآن كتاب الهداية والتربية

إنّ الكتاب الذي جاء به نبي الإسلام سنداً لنبوته ، يؤدّي مهمّتين :

١ ـ يثبت أنّه مبعوث من جانبه سبحانه ، وفي هذا يتساوى مع معاجز المتقدمين عليه من الأنبياء .

٢ ـ يهدي الناس إلى أُصول المعارف والعقائد ، يتكفّل بتربية البشر وسوقهم إلى الفضائل الأخلاقية ، وهذه مزية تختص بمعجزته الخالدة ، ولا توجد في معجزة أخرى . فإن ما جاء به الكليم والمسيح من المعاجز كانقلاب العصا إلى الثعبان ، وإحياء الموتى ، لا يؤدّي سوى مهمة واحدة وهي إثبات أنّ الجائي بها مبعوث من جانب الله سبحانه . وأمّا المعجزة الخالدة ، فهي تهدى ـ مضافاً إلى ذلك ـ إلى المعارف العليا ، وكرائم الأخلاق ، والفرائض والمنهيات . فهي بمفردها : برهان نبوته ، وهادي أُمّته إلى ما يجب عليهم الإعتقاد به أو العمل به .

وبعبارة أخرى : إنّ معاجز الكليم والمسيح معاجز جسمانية ، لا تثبت إلّا صلتهما بالله سبحانه ، وأمّا القرآن الكريم فهو معجزة معنوية ، تصقل العقول والأرواح ، وتُرْشد إلى طريق الخير والصلاح . والنبي الأكرم قام ـ بفضل هذه المعجزة ـ بصنع أُمة ، بلغت من الفضل والكمال كل مَبْلغ بعدما كانت غارقة في الجهل والأُمّية .

٢ ـ استقلالها في إثبات الرسالة

إنّ لهذا الكتاب مزية ثانية تفتقدها سائر المعاجز ، حتى المعجزات الأخرى للنبي الأكرم ، وهي أنّ سائر المعاجز لا تثبت شيئاً إلّا أن يكون معها مدّعي النبوة ، فيدّعي ويُسأل البينة ، فيأتي بالمعجز ، ويتحدّى به ، إلى آخر ما ذكرنا من شروط المعجز .

وأمّا القرآن الكريم ، فإنّه بنفسه يقوم بكل هذه الأُمور ، فيطرح بنفسه

٢٤٠