الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ٣

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-386-7
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٦١٦
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

التي يجدها كل إنسان في صميم ذاته من طريق الإبصار بالعين ، والسمع بالأُذن ، والتفكّر والإستدلال بالعقل .

وهذه الدعوى كانت تثير السؤال التالي :

إنّ ادّعاء الإدراك عن طريق الوحي ، إدعاءُ أمرٍ خارقٍ للعادة ، فإنّ الإدراكات الإنسانية لا تخرج عن إطار الحسيّات والخياليات والعقليات . فنحن لا نؤمن بقولكم هذا إلّا إذا شاهدنا خرقاً للعادة يماثل ما تدّعون ، حتى نستدلّ بخرق عادة مرئية ، على وجود نظيرها في باطن وجودكم ، وصميم حقيقتكم .

ومن منطلق إجابة هذا السؤال ، كان الأنبياء يفعلون الخوارق ، ويأتون بالمعاجز ، حتى يدللوا بذلك على تمكنهم من خرق العادة مطلقاً ، سواء أكانت مرئية ـ كقلب العصا إلى الثعبان ، وتسبيح الحصى ـ أو غير مرئية ـ كالإدراك غير المشابه للإدراكات العادية ، الذي هو الوحي .

وإن شئت قلت : كانوا يستدلون بخرق العادة الملموسة ، على غير الملموسة منها .

وإلى ما ذكرنا يشير العلامة الطباطبائي رحمه الله بقوله : « إنّ دعوى النبوّة والرسالة من كل نبي ورسول ـ على ما يقصه القرآن ـ إنّما كانت بدعوى الوحي والتكليم الإلهي بلا واسطة ، أو بواسطة نزول ملك ، وهذا أمر لا يساعده الحسّ ولا تؤيّده التجربة ، فيتوجه عليه الإشكال من جهتين : إحداهما من جهة عدم الدليل عليه ، والثانية من جهة الدليل على عدمه . فإنّ الوحي والتكليم الإلهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية ممّا لا يشاهده البشر في أنفسهم ، والعادة الجارية في الأسباب والمسبَّبات تنكره ، وقانون العليّة العامة لا يجوزه ، فهو أمر خارق للعادة .

فلو كان النبي صادقاً في دعواه النبوّة والوحي ، لكان لازمه أنّه متصل بما وراء الطبيعة ، مؤيّد بقوة إلهية تقدر على خرق العادة ، وأنّ الله سبحانه يريد بنبوّته والوحي إليه ، خرق العادة . فلو كان هذا حقاً ، ولا فرق بين خارق وخارق ، كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع ، وأن يخرق

١٠١
 &

الله العادة بأمر آخر يصدّق النبوة والوحي من غير مانع عنه ، فإنّ حكم الأمثال واحد ، فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوة والوحي ، فليؤيدها وليصدقها بخارق آخر وهو المعجزة .

وهذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة ، كلما جاءهم رسول من أنفسهم (١) .

*       *      *

__________________

(١) الميزان ، ج ١ ، ص ٨٦ .

١٠٢
 &

الجهة السابعة

هل حرم الإنسان المعاصر من المعاجز والكرامات ؟

لا شكّ أنّ للإعجاز أثراً بالغاً في إيجاد الإيمان بدعوى المدّعي ، وربما يكون أثر الإعجاز في نفوس عامة الناس أبلغ من تأثير البراهين العقلية .

فإذا كان للإعجاز هذا الأثر البالغ ، فلماذا حرم منه إنسان ما بعد عصر الرسالة ؟ ولماذا لا تظهر يد من الغيب تقلب العصا ثعباناً وتبرىء الكُمْه والبُرْص والمصابين بالسرطان ؟ مع أنّ إنسانَ ﭐلقرنِ المعاصر أشدُّ حاجةً إلى مشاهدة المعجزة ، لذيوع بذور الشكّ والترديد بين الناس عامة والشباب خاصة ، أفليس هذا حرماناً من الفيض المعنوي ؟ .

الجواب : إنّ الإنسان المعاصر ، بل من قَبْله ممن جاؤوا بعد عصر الرسالة ، ليس ولم يكونوا محرومين من المعجزة ، بل إنّ هناك معجزتين ساطعتين ، خالدتين على مرّ الدهور .

الأولى ـ القرآن الكريم

إنّ القرآن الكريم ، معجزةُ النبي الأكرم الخالدة ، المشرقة على جبين الدهر ، تتحدّى المعاندين ، وتواجه المشككين ، بقولها : ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (١)

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٣ .

١٠٣
 &

وهذا النداء القرآني يكرّره المسلمون في تلاواتهم وإذاعاتهم وأنديتهم الدينية ، فلم يُجِب إلى الآن أحد من العرب والعجم ، بل كلّهم انحنوا ـ مذهولين ـ أمام عظمة القرآن في فصاحته وبلاغته ونظمه وأسلوبه ، كما سيأتي الكلام فيه مفصلاً .

على أنّ القرآن الكريم أخبر بأنّ هذه المعجزة خالدة إلى يوم القيامة ، ولن يقدر أحد من البشر على مقابلتها ، بقوله : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (١) .

الثانية ـ المباهلة

روى أهل السِيَر والتاريخ أنّه قَدِم وفد نصارى نَجران على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فدارت بينه وبينهم أسئلة وأجوبة حول نبوته عليه الصلاة والسلام . فدعاهم الرسول إلى قبول الإسلام ، فامتنعوا ، فدعاهم إلى المباهلة فاستنظروه إلى صبيحة اليوم التالي :

فلما رجعوا إلى رجالهم ، قال لهم الأُسقف : « أُنظروا محمداً ، فإن خرج بِوُلده وأَهْلِهِ ، فاحذروا مباهَلَته ، وإِن خَرَجَ بأصحابه فباهلوه » .

فلما كان الغد ، خرج النبي الأكرم ويده في يد علي بن أبي طالب ، والحسن والحسين يمشيان أمامه ، وفاطمة ابنته تمشي خلفه .

وخرج النصارى يتقدّمهم أُسْقُفُهم ، فلما رأى النبيَّ قد أقبل بمن معه ، سأل عنهم فقيل له : هذا ابن عمه ، وهذان ابنا بنته ، وهذه الجارية بنته فاطمة ، أعزّ الناس عليه .

وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فجثا على ركبتيه ، فقال أبو حارثة الأسقف : « جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة » ، فرجع ولم يُقدم على المباهلة .

__________________

(١) سورة الإسراء : الآية ٨٨ .

١٠٤
 &

وقال : « أنا أخاف أن يكون صادقاً ، ولئن كان صادقاً ، لم يَحُلْ والله علينا الحول ، وفي الدنيا نصراني » .

فصالَحوا رسول الله صلى الله عليه وآله على ألف حُلّة من حلل الأواقي ، وقال النبي : « والذي نفسي بيده ، لو لاعنوني ، لمُسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم الوادي عليهم ناراً ، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا » (١) .

وفي هذا المجال ورد قوله سبحانه : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّـهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٢) .

والمباهلة معجزة إسلامية خالدة ، يقوم بها الأمثل فالأمثل من الأُمة في مقام محاجة المخالفين من اليهود والنصارى وغيرهم ، ولا تختص بالنبي الأكرم .

إنّ بإمكان أصحاب النفوس الكاملة ، في مراتب التقوى والورع واليقين ، أن يباهلوا أعداء الدين ، ويدعوا عليهم بالدمار والهلاك ، ولن يمضي زمن إلّا وقد شملهم العذاب الإلهي .

وقد كان سيدنا العلامة الطباطبائي رحمه الله يرى هذا الرأي ويقول : « إنّ المباهلة معجزةٌ خالدةٌ للمسلمين يحتجون بها على صحّة عقائدهم وأُصولهم فمن يريد المباهلة فيما جاء به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ، فأنّا على أتمّ الأُهبة والإستعداد لمباهلته ، فليُقْدم المخالف إذا شاء » .

ولعلّ الأستاذ الراحل أخذه من كلام الإمام الصادق عليه السلام ، حينما قال له أحد أصحابه : « إنّا نكلّم الناس فنحتجّ عليهم يقول الله عزّ وجل : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (٣) فيقولون : نزلت في أمراء السرايا . فنحتج عليهم بقوله عزّ وجل : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ ـ إلى آخر

__________________

(١) مجمع البيان ، ج ١ ، ص ٤٥٢ ، طبعة صيدا .

(٢) سورة آل عمران : الآية ٦١ .

(٣) سورة النساء : الآية ٥٩ .

١٠٥
 &

الآية ) (١) فيقولون نزلت في المؤمنين . ونحتج عليهم بقول الله عزّ وجل : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (٢) فيقولون نزلت في قُربى المسلمين . قال فلم أَدَعْ ممّا حضرني ذِكْرُهُ من هذه وشبهها إلّا ذكرته .

فقال عليه السلام : إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة . . . إلى آخر الحديث » (٣) .

*       *      *

__________________

(١) سورة المائدة : الآية ٥٥ .

(٢) سورة الشورى : الآية ٢٣ .

(٣) أصول الكافي ، ج ٣ ، باب المباهلة ، الحديث الأول ، ص ٥١٣ ، الطبعة الرابعة ، ١٤٠١ هـ ، بيروت .

١٠٦
 &

الجهة الثامنة

بماذا تُمَيَّزُ المعجزةُ عن السحر ؟

لا ريب في أن هناك جماعة من الناس لهم القدرة على القيام بأعمال مدهشة وعجيبة لا يمكن تفسيرها عن طريق العلوم المتعارفة وهؤلاء كالمرتاضين الهنود وغيرهم ، الذين تقدم نقل شطر من أعمالهم . وكالسحرة والمشعوذين .

وكأساتذة التنويم المغناطيسي ، الذي كشفه « مسمر » الألماني في القرن الثامن عشر ، وبه يتمكن الأستاذ من السيطرة على الوسيط الذي فيه استعداد خاص للتأثّر ، وكيفية ذلك أنّ الأستاذ ينظر في عين الوسيط نظرات عميقة ويجري عليه حركات يسمونها « سحبات » ، فما تمضي لحظة إلّا ويغطّ الوسيط غطيط النوم ، على وجه لو قام أحد يَخِزُهُ بالإبرة وَخَزاتٍ عديدة ، لا يبدي الوسيط حراكاً ، ولا يُظهر أَيّ شيء يدلّ على شعوره وإحساسه . فعند ذلك يقوم الأستاذ بسؤاله أسئلة ربما يقتدر معها على كشف المغيبات ، ويستطيع أن يتصرف فيه بنحو يقنعه معه بتغيير اسمه ، وغير ذلك (١) .

وهنا يُطرح السؤال التالي : مع وجود هذه الأمور المدهشة والعجيبة والخارقة للقوانين المتعارفة ، التي تحصل بالرياضة وسحر السحرة ، وألاعيب المشعوذين ، فكيف نتمكن من تمييزها عن المعجزة والآية الإلهية ؟ .

__________________

(١) لاحظ مناهل العرفان ، ج ١ ، ص ٦١ .

١٠٧
 &

وهذا من المباحث الحساسة في النبوّة العامة ، إذ به تتبين حدود المعجزة التي تميّزها وتفصلها عن سائر خوارق العادة .

والجواب : إنّ هناك مجموعة من الضوابط والحدود التي تمتاز بها المعجزة عن سائر خوارق العادة وهي :

الأول : إنّ السِّحر ونحوه رهن التعليم دون الإعجاز

إنّ ما تنتجه الرياضة والسحر والشعوذة من آثارٍ خارقة للعادة ، جميعها خاضعة لمناهج تعليمية ، لها أساتذتها وتلامذتها ، وتحتاج إلى الممارسة المتواصلة والدؤوبة حتى يصل طالبها إلى النتائج المطلوبة ، فينام على مسامير مُحَدَّدَة ، وتكسر الصخور بالمطارق على صدره ، من دون أن يصاب بجراح في صدره أو ظهره ، أو يقوم بحركات توجب تأثيراً نفسياً على إنسان آخر ، فيُذهب وَعْيَه ويتصرف فيه ، أو يقوم بألاعيب خفيّة يبهر بها العيون ، ويستولي بها على القلوب ، فيصوّر غير الواقع واقعاً متحققاً . وكل هذا أثر التعليم والتعلّم وكثرة الممارسة والمجاهدة .

وأمّا الإعجاز الذي يقوم به الأنبياء فإنّه منزّه عن هذه الوصمة ، فإنّ ما يأتونه من الأعمال المدهشة الخارقة للعادة ، لم يدرسوه في منهاج ، ولا تلقوه على يد أُستاذ ، ولا قضوا أعمارهم في التدرّب والتمرّن عليه .

ولأجل ذلك نرى أنّ الكليم عليه السلام عندما رجع من مَدْيَن إلى مصر : ( نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ، فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ، يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ، وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ، فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ . . ) (١) .

فكان هذا عملاً إبداعياً غير مسبوق بتعلّم ولا تمرّن ، ولذلك استولى عليه

__________________

(١) سورة القصص : الآيات ٣٠ ـ ٣٢ .

١٠٨
 &

الخوف في بداية الأمر ، فوافاه الخطاب من جانبه تعالى : ( يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) (١) .

قال القاضي عبد الجبار : « إنّ الحيلة مِمّا يمكن أن تتعلم وتُعَلَّم ، وهذا غير ثابت في المعجزة » (٢) .

الثاني ـ إنّ السِّحر ونحوه قابل للمعارضة دون المعجزة

إنّ عمل المرتاضين والسَّحَرَة بما أنّه نتاج التعليم والتعلّم ، يكثر وقوعه ويسهل الإتيان بمثله على كل من تلقّى تلك الأُصول وتدرّب عليها ، ولذا قال القاضي عبد الجبار : « إنّ الحيل مما يقع فيها الإشتراك وليس كذلك المعجزة » (٣) .

الثالث ـ إنّ السحر ونحوه لا يقترن بالتحدي بخلاف الإعجاز

إنّ السَّحَرة والمرتاضين ، وإن كانوا يأتون بالعجائب ويفعلون الغرائب ، إلّا أنّ واحداً منهم لا يجرؤ على تحدّي الناس ، ودعوتهم إلى مقابلته ، لعلمهم بأنّ الدعوة إلى التحدّي لن تتم لصالحهم ، إذ ما أكثر السحرة وأهل الرياضة من أمثالهم .

وهذا بخلاف أهل الإعجاز ، فإنّهم لا يأتون بمعجزة إلّا ويقرنوها بالتحدّي ، ولذلك أُمر النبي بأن يقول :

( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (٤) .

__________________

(١) سورة النمل : الآية ١٠ .

(٢) شرح الأصول الخمسة ، ص ٥٧٢ .

(٣) شرح الأصول الخمسة ، ص ٥٧٢ .

(٤) سورة الإسراء : الآية ٨٨ .

١٠٩
 &

الرابع ـ إنّ السحر ونحوه محدود من حيث التنوع دون المعاجز

إنّ عمل أَهل الرياضة والسحر ، لما كان رهن التعليم والتعلّم ، متشابه في نوعه ، متّحد في جنسه ، يدور في فلك واحد ، ولا يخرج عن نطاق ما تعلمه أهله ومارسوه ، ولذا لا يأتون بما يريده الناس والمتفرجون ، بل بما تدرّبوا عليه ، وافق طلب الناس أو لا .

بخلاف إعجاز الأنبياء ، فإنّه على جانب عظيم من التنوع في الكيفية إلى حدٍّ قد لا يجد الإنسان بين المعجزات قدراً مشتركاً وجنساً قريباً . فشتّان ما بين قلب العصا إلى الثعبان الحي (١) ، وضربها على الأحجار ليتفجر منها الماء (٢) ، وضربها على البحر لينفلق شطرين ، كل فرق كالطَّوْد العظيم (٣) ، وإخراج اليد من الجيب بيضاء تتلألأ (٤) ، وغير ذلك من معاجز موسى عليه السلام .

وكذلك الحال في آيات المسيح البيّنات ، المُبْهرة للعقول والمدهشة للقلوب ، فتارة ينفخ في هيئة الطير المجسّمة من الطين فتدبّ الحياة فيها ، وتنبض بالدماء عروقها ، فتكون طيراً بإذن الله . وأخرى يبرىء الأكمه والأبرص ، وثالثة يحيي الموتى ، ورابعة ينبىء الناس بما يأكلون في بيوتهم ويدّخرون فيها (٥) ، ولذلك يصفها تعالى بالجلال والتقدير بقوله : ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (٦) .

وهذا التنوع في الكيفية ، نتيجة كون قدرتهم مستندة إلى القدرة الإلهية .

نعم إنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون معاجز الأنبياء مناسبة للفنون

__________________

(١) قال تعالى : ( فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ) ( سورة الأعراف : الآية ١٠٧ ) .

(٢) قال تعالى : ( وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ) ( سورة البقرة : الآية ٦٠ ) .

(٣) قال تعالى : ( فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) ( سورة الشعراء : الآية ٦٣ ) .

(٤) قال تعالى : ( وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) ( سورة الأعراف : الآية ١٠٨ ) .

(٥) اقتباس من الآية ٤٩ من سورة آل عمران المباركة .

(٦) سورة آل عمران : الآية ٤٩ .

١١٠
 &

الرائجة في عصورهم ، حتى يتسنى لخبراء كل فنّ تشخيص المعاجز وإدراك استنادها إلى القدرة الغيبيّة ، وتمييزها عن الأعمال الباهرة المستندة إلى العلوم والفنون الرائجة . وتتّضح حقيقة ما ذكرناه ، في السحرة الذين بارزوا موسى عليه السلام ، فإنّهم ـ لكونهم من أهل الخبرة والمعرفة بحقيقة السحر وفنونه ـ أدركوا فوراً ، بعدما ألقى موسى عصاه وانقلبت ثعباناً حيّاً التقف حبالهم وعصيّهم أدركوا أنّه ليس من جنس السحر ، وأنّه معجزة خارقة متصلة بالقدرة الإلهية ، ولذلك سرعان ما خضعوا للحق كما يحكيه عنهم تعالى بقوله : ( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (١) .

قال القاضي عبد الجبار : « إنّ المُشَعْوِذ والمحتال إنّما يَنفذ حيلته على من لم يكن من أهل صناعته ، ولا يكون له دراية ومعرفة ، وليس هذا حال المعجزة ، فقد جعل الله سبحانه وتعالى معجزة كل نبي مما يتعاطاه أهل زمانه ، حتى جعل معجزةَ موسى عليه السلام قَلْبَ العصا حيّةً ، لما كان الغالب على أهل ذلك الزمان ، السحر . وجعل معجزة عيسى عليه السلام إبراءَ الأَكْمَهِ والأَبْرَصَ ، لما كان الغالب على أهل زمانه الطب . وجعل معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله « القرآن » ، وجعله في أعلى طبقات الفصاحة ، لما كانت الغلبة للفصاحة والفصحاء في ذلك الزمان ، وبها كان يفاخر أهله ويتباهى » (٢) .

الخامس ـ الإختلاف من حيث الأهداف والغايات

إنّ أصحاب المعاجز يتبنون أهدافاً عالية ، ويتوسلون بمعاجزهم لإثبات أحقية تلك الأهداف ، ونشرها . وهي تتمثل في الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده ، وتخليص الإنسان من عبودية الأصنام والحجارة والحيوانات ، والدعوة إلى الفضائل ونبذ الرذائل ، واستقرار النظام الاجتماعي للبشر ، وغير ذلك .

وهذا بخلاف المرتاضين والسحرة ، فغايتهم إمّا كسب الشهرة والسمعة بين

__________________

(١) سورة الأعراف : الآيتان ١٢٠ ـ ١٢١ .

(٢) شرح الأُصول الخمسة ، ص ٥٧٢ .

١١١
 &

الناس ، أو جمع المال والثروة ، وغير ذلك ممّا يناسب متطلبات القوى البهيمية ، وإنّك لا ترى مرتاضاً أو ساحراً يقوم بنشر منهج أخلاقي أو اجتماعي فيه إنقاذ البشر من الظلم والإضطهاد ، ويدعو إلى التقوى والعفة وما شابه .

والسبب في ذلك واضح ، فإنّ الأنبياء خريجوا مدرسة إلهية تزخر بالدعوة إلى الفضائل والإجتناب عن الرذائل ، فلا يقومون بالإعجاز إلّا لنشر أهداف مدرستهم . وأما غيرهم ، فهم خريجوا المدرسة المادية التي لا هَمَّ لها إلّا إرضاء ميولها الحيوانية ، وإشباع لذّاتها وشهواتها .

السادس ـ الإختلاف في النفسانيات

إنّ أصحاب المعاجز ـ باعتبار كونهم خريجي المدرسة الإلهية ـ متحلّون بأكمل الفضائل والأخلاق الإنسانية والمتصفح لسيرتهم لا يجد فيها أيّ عملٍ مشينٍ ومنافٍ للعفة ومكارم الأخلاق .

وأمّا أصحاب الرياضة والسحر ، فهم دونهم في ذلك ، بل تراهم غالباً متحللين عن المثل والفضائل والقيم .

*       *      *

فبهذه الضوابط الستّ يتمكن الإنسان من تمييز المعجزة عن غيرها من الخوارق ، والنبيِّ عن المرتاض والساحر ، والحق عن الباطل . وهذه المميزات ، وإن كانت تهدف إلى أمر واحد ، إلّا أنّها تختلف في الحيثيات :

فالأول منها يهدف إلى الفرق بين المعجزة وغيرها من حيث المبادىء .

والثاني إلى الفرق من حيث تحديد القدرة ، فقدرة السَحَرة في حدّ القدرة البشرية ، وقابلة للمعارضة ، بخلاف إعجاز الأنبياء .

والثالث إلى الفرق في كيفية الإتيان بالعمل ، فالمعجزة تقترن بالتحدّي دون غيرها .

١١٢
 &

والرابع إلى قلّة التنوع في عمل السحرة ، وكثرته في عمل الأنبياء .

والخامس إلى الفرق من حيث الغاية .

والسادس إلى الفرق من حيث صفات وروحيات أصحاب المعاجز ، وغيرهم .

وإلى هنا يتم البحث في الطريق الأول من الطرق الثلاثة التي يُعرف بها النبي من المتنبيء ، بجهاته الثمان . ويقع البحث فيما يلي في الطريق الثاني وهو تصديق النبي السابق نبوّة النبي اللاحق .

*       *      *

١١٣
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part03imagesrafed.png

١١٤
 &

طرق إثبات النبوّة

(٢)

تنصيص النبي السابق على نبوة اللاحق

إذا ثبتت نبوة نبي بدلائل مفيدة للعلم بنبوته ، ثم نصّ هذا النبي على نبوة نبي لاحق يأتي من بعده ، كان ذلك حجة قطعية على نبوة اللاحق ، لا تقل في دلالتها عن المعجزة .

وذلك لأنّ النبي الأول ، إذا ثبتت نبوته ، يثبت كونه معصوماً عن الخطأ والزلل ، لا يكذب ولا يسهو ، فإذا قال ـ والحال هذه ـ : سيأتي بعدي نبي اسمه كذا ، وأوصافه كذا وكذا ، ثم ادّعى النبوّة بعده شخص يحمل عين تلك الأوصاف والسمات ، يحصل القطع بنبوته .

ولا بدّ أن يكون الإستدلال بعد كون التنصيص واصلاً من طريق قطعي ، وكون الأمارات والسمات واضحة ، منطبقة تمام الإنطباق على النبي اللاحق ، وإلا يكون الدليل عقيماً غير منتج .

ومن هذا الباب تنصيص المسيح على نبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله ، كما يحكيه سبحانه بقوله : ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّـهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (١) .

__________________

(١) سورة الصف : الآية ٦ .

١١٥
 &

ويظهر من الذكر الحكيم أنّ السلف من الأنبياء وصفوا النبي الأكرم بشكل واضح ، وأنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي كمعرفتهم لأبنائهم . قال سبحانه : ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (١) .

بناءً على رجوع الضمير إلى النبي ، المعلوم من القرائن ، لا إلى الكتاب .

وقال سبحانه : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ ، يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ ) (٢) .

وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوة النبي الخاتم في حياته وبعد مماته ، لصراحة التباشير الواردة في العهدين .

هذا ، وإنّ الإعتماد على هذا الطريق في مجال نبوة النبي الخاتم ، في عصرنا هذا ، يتوقف على جمع البشائر الواردة في العهدين وضمّها إلى بعضها ، حتى يخرج الإنسان بنتيجة قطعية على أنّ المراد من النبي المُبَشِّر به فيهما هو النبي الخاتم : وقد قام بهذا المجهود لفيف من العلماء وأَلَّفوا فيه كتباً (٣) ، وسيوافيك بحثه في النبوّة الخاصّة ، بإذنه تعالى .

*       *      *

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٤٦ .

(٢) سورة الأعراف : الآية ١٥٧ .

(٣) لاحظ منها كتاب « أنيس الأعلام » ، ومؤلفه كان قسيساً محيطاً بالعهدين وغيرهما وقد تشرّف بالإسلام ، وألف كتباً كثيرة ، منها ذاك الكتاب وقد طبع في ستة أجزاء .

١١٦
 &

طرق إثبات النبوّة

(٣)

جمع القرائن والشواهد

هذا هو الطريق الثالث لتمييز النبي الصادق عن المتنبيء الكاذب وهذا الطريق ضابطة مطردة في المحاكم القانونية ، معتَمَدٌ عليه في حَلّ الدعاوى والنزاعات ، يسلكه القضاة في إصدار أحكامهم ، ويستند إليه المحامون في إبراء موكليهم خاصة في المحاكم الغربية ، التي تفتقد إلى القضاء على الأيْمان والبَيّنات ، وتقضي هذه الطريقة بجمع كلّ القرائن والشواهد التي يمكن أن تؤيّد دعوى المدّعي ، أو إنكار المنكر ، وضمّها إلى بعضها حتى يحصل القطع بصحة دعواه أو إنكاره .

ويمكن تطبيق هذه الطريقة بعينها في مورد دعوى النبوة ، فنتحرى جملة القرائن التي يمكن أن نقطع معها بصدق الدعوى ، ومن هذه القرائن :

١ ـ نفسيات النبي

ممّا يدلّ على كون مدّعي النبوة صادقاً في دعواه ، تحلّيه بروحيات كمالية عالية ، وأخلاق إنسانية فاضلة ، غير منكب على الدنيا وزخرفها ، ولا طالب للرئاسة والزعامة ، لم ير له في حياته منقصة ، ودناسة ، بل عرف بكل خلق كريم ، واشتهر بالنزاهة والطهارة .

فجميع هذه الصفات تدلّ على صفائه في روحه وباطنه ، وبالتالي صدقه في دعواه .

١١٧
 &

٢ ـ سمات بيئته

إنّ ظهور مدّعي النبوّة في مجتمع أُمِّيٍّ ، لا يعرف الكتابة ، بعيد عن مظاهر الحضارة والتمدّن ، ومجيئَه بشريعة تحمل سمات مناقضة بالكليّة لهذا الظرف السائد ، قرينة على نبوّة هذا المدّعي .

فإنّ مجيء إنسان بشريعة تَحْمِلُ الدعوةَ إلى التعلّم ونبذ الأميّة ، وتشرّع القوانين الإجتماعية ، والإقتصادية بل تحمل في تعاليمها نظام الدولة والتقنين والقضاء والروابط السياسية ، أقول : إنّ إتيانه بهذه المظاهر الحضارية في مجتمع قبلي لم يسمع بشيء من تلك النظم ، لدليل على ارتباط هذا الإنسان بمبدءٍ أعلى ، غير خاضع لمقتضيات تلك البيئة . بل إنّ ظاهرة كهذه هي بحدّ نفسها نوع من الإعجاز وخروج عن المألوف .

٣ ـ مضمون الدعوة

من جملة القرائن التي ترشد إلى صدق المدّعي أو كذبه في دعواه ، مضمون العقيدة التي يحملها ، والدعوة التي يدعو إليها ، ومقدار التوافق بينهما .

فإذا كانت العقيدة التي يحملها ، والمعارف التي يدعو إلى اعتناقها ، معارف إلهية تبحث في خالق الكون وصفاته وأفعاله ، وكانت دعوته العملية مرشدةً إلى التحلّي بالمُثُل الأخلاقية ، والفضائل الإنسانية ، وناهيةً عن الرذائل النفسية وركوبِ الشهوات المنحرفة والفسقِ والمجونِ ، كانت هذه قرائن على اتصال دعوته بخالق الكون ، ومبدء الخير والجمال .

٤ ـ ثباته في طريق دعوته

إنّ آية كون الدعوى إلهية ، لا يبتغي صاحبها شيئاً من الأعراض المادية ، والمناصب الدنيوية ، ثباتُه في طريق دعوته ، وتضحيته بنفسه وأعزّ أقربائه في ذاك السبيل .

١١٨
 &

وفي المقابل ، إنّ انهزامه أمام المصاعب ، وتعلّقه بحفظ حياته ، دليل عدم إيمانه بما يدعو إليه ، وبالتالي عدم ارتباط دعوته بمبدءٍ إلهي .

٥ ـ الأدوات التي يستفيد منها في دعوته

من القرائن التي تدلّ على صدق المدّعي في دعوى النُبوّة والسفارة الإلهية ، اعتماده في دعوته على أساليب إنسانية ، موافقة للفطرة والطهارة ، فإنّ لذلك دلالات على إلهية دعواه .

وأمّا لو اعتمد في نشر وتبليغ ما يدّعيه على وسائل إجرامية ، وأساليب وحشية غير إنسانية ، متمسكاً بقول ماكيافللي : « الغاية تبرر الوسائل » (١) ، كان هذا دليلاً على كون دعواه شخصية محضة ، لا صلة لها بالعالم الربوبي .

٦ ـ المؤمنون به

إنّ لنفسيات المؤمنين بمدّعي النبوة وحواريه ، دلالة خاصة على صدقه فيما يدّعيه ، وذلك أنّ أقرباء المدّعي وبطانته إذا آمنوا به ، واتّبعوا دعوته ، وبلغوا فيها مراتب عالية من التقوى والورع ، كان هذا دالّاً على صدق المدعي في ظاهره وباطنه ، وعدم التوائه وكذبه ، لأنّ الباطن لا يمكن أن يخفى عن الأقرباء والبطانة .

هذه القرائن وما يشابهها إذا اجتمعت في مدّعي النبوة ، ودعواه التي

__________________

(١) نيكولو ماكيافللي ( ١٤٦٩ ـ ١٥٢٧ ) . سياسي ومؤرخ إيطالي ، أحد أعلام عصر النهضة في أوروبا ، شارك في الحياة السياسية في إيطاليا ثم اعتزلها عام ( ١٥١٢ م ) متفرغاً للتأليف . وعرف في تاريخ الفكر السياسي بمؤلفه الشهير « الأمير » ، حيث أيّد فيه نظام الحكم المطلق ، وأحلّ فيه للحاكم اتّخاذ كل وسيلة تكفل استقرار حكمه واستمراره ، ولو كانت منافية للدين والأخلاق وذلك على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة . ومن هنا صار لفظ « المكياڤللية » وصفاً لكل مذهب ينادي بأنّ الغاية تبرر الواسطة أو الوسيلة .

غير أنّ ماكياڤللي عاد في كتابه « المحاضرات » ، فأيّد النظام الجمهوري الذي يقوم على سيادة الشعب ، وعدد مزايا هذا النظام وفَضّله على النظام الملكي .

١١٩
 &

يدّعيها ، كانت دليلاً قاطعاً على صدقه ، فإنّ كلّ واحدة من القرائن ، وإن كانت قاصرة عن إفادة اليقين ، إلّا أنّها بمجموعها تفيده .

أول من طرق هذا الباب

إنّ أوّل من طرق هذا الباب ، وجعل القرائن المفيدة للقطع بصدق المدّعي ، دليلاً على صحة الدعوى ، هو قيصر الروم ، فإنّه عندما كتب إليه الرسول محمد صلى الله عليه وآله ، رسالة يدعوه فيها إلى اعتناق دينه الذي أتى به ، أخذ ـ بعد استلامه الرسالة ـ يتأمّل في عبارات الرسول ، وكيفية الكتابة ، حتى وقع في نفسه احتمال صدق الدعوى ، فأمر جماعة من حاشيته بالتجول في الشام والبحث عمّن يعرف الرسول عن قرب ، ومطّلع على أخلاقه وروحياته ، فانتهى البحث إلى العثور على أبي سفيان وعدّة كانوا معه في تجارة إلى الشام ، فأحضروا إلى مجلس قيصر ، فطرح عليهم الأسئلة التالية :

* قيصر : كيف نسبه فيكم ؟ .

ـ أبو سفيان : محضٌ ، أوسطنا نسباً (١) .

* قيصر : أخبِرني ، هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول ، فهو يتشبّه به ؟ .

ـ أبو سفيان : لا ، لم يكن في آبائه من يدّعي ما يقول .

* قيصر : هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه ، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه ؟ .

ـ أبو سفيان : لا .

* قيصر : أخبرني عن أتباعه منكم ، من هم ؟ .

ـ أبو سفيان : الضعفاء والمساكين والأحداث من الغلمان والنساء . وأمّا ذوو الأسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد .

* قيصر : أخبرني عمّن تبعه ، أيحبه ويلزمه ؟ أم يقليه ويفارقه ؟ .

__________________

(١) أي أَعْلانا نسباً .

١٢٠