الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

البرهان الثاني

برهان الإِمكان

وتوضيحه يتوقف على بيان أمور :

الأمر الأول : تقسيم المعقول إلى الواجب والممكن والممتنع .

إنَّ كل معقول في الذهن إذا نسبنا إليه الوجود والتحقق ، فإما أن يَصِحَّ اتصافُه به لذاته أو لا .

الثاني هو ممتنع الوجود كاجتماع النقيضين .

والأول : إما أَنْ يقتضي وجوبَ اتصافه به لذاته أو لا . والأول هو واجب الوجود لذاته .

والثاني ، هو ممكن الوجود لذاته ، أعني به ما تكون نسبة كل من الوجود والعدم إليه متساوية .

وبعبارة أخرى : إذا تصورنا شيئاً ، فإما أَنْ يكون على وجه لا يقبل الوجود الخارجي عند العقل أو يقبله . والأول هو الممتنع بالذات كاجتماع النقيضين وارتفاعها ، واجتماع الضدين ، ووجود المعلول بلا علة .

والثاني ، إما أنْ يستدعي من صميم ذاته ضرورة وجوده ولزوم تحققه

٦١
 &

في الخارج ، فهذا هو الواجب لذاته . وإما أَنْ يكون متساوي النسبة إلى الوجود والعدم فلا يستدعي أَحدهما أَبداً ، ولأَجل ذلك قد يكون موجوداً وقد يكون معدوماً ، وهو الممكن لذاته ، كأفراد الإِنسان وغيره .

وهذا التقسيم ، دائر بين الإِيجاب والسلب ولا شق رابع له ، ولا يمكن أَنْ يُتصور معقول لا يكون داخلاً تحت هذه الأَقسام الثلاثة .

الأَمر الثاني : وجود الممكن رهن علّته .

إِنَّ الواجب لذاته بما أَنَّه يقتضي الوجود من صميم ذاته ، لا يتوقف وجوده على وجود علة توجده لاستغنائه عنها . كما أَنَّ الممتنع حيث يستدعي من صميم ذاته عدم وجوده فلا يحتاج في الإِتصاف بالعدم إلى علة . ولأَجل ذلك قالوا إِنَّ واجبَ الوجود في وجوده ، وممتنع الوجود في عدمه ، مستغنيان عن العلة ، لأن مناط الحاجة إلى العلة هو الفقر والفاقة ، والواجب ، واجبُ الوجود لذاته . والممتنع ، ممتنعُ الوجود لذاته . وما هو كذلك لا حاجة له في الإِتصاف بأَحدهما إلى علة . فالأَول يملك الوجود لذاته ، والثاني يتّصف بالعدم من صميم الذات .

وأما الممكن فبما أَنَّ مَثَلَه إِلى الوجود والعدم كَمَثَلِ مركَزِ الدائرةِ إلى محيطها لا ترجيحَ لواحد منهما على الآخر ، فهو في كلٍّ من الإِتصافين يحتاج إلى علة تخرجه من حالة التساوي وتجرُّه إما إِلى جانب الوجود أَو جانب العدم .

نعم ، يجب أن تكون علة الوجود أمراً متحققاً في الخارج ، وأما علة العدم فيكفي فيها عدمُ العلة . مثلاً : إنًّ طردَ الجهل عن الإِنسان الأُميّ وإحلالَ العلم مكانَه ، يتوقّفُ على مبادىء وجوديةٍ ، وأما بقاؤه على الجهل وعدم العلم فيكفى فيه عدم تلك المبادىء .

الأمر الثالث : في بيان الدور والتسلسل وبطلانهما .

٦٢
 &

الدور عبارة عن كون الشيء مُوجِداً لشيءٍ ثانِ ، وفي الوقت نفسه يكون الشَّيء الثاني موجداً لذاك الشيء الأول . وهذا باطل لأنَّ مقتضى كونِ الأول علة للثاني ، تقدُّمُه عليه وتأخُّرُ الثاني عنه : ومقتضى كون الثاني علة للأول تقدُّمُ الثاني عليه . فينتج كونُ الشيء الواحد ، في حالة واحدة ، وبالنسبة إلى شيء واحد ، متقدِّماً وغير مُتَقَدِّم ، ومتأخراً وغير متأخر . وهذا هو الجمع بين النقيضين ، وبطلانه كارتفاعهما من الضروريات البديهية . فينتج أنَّ الدّورَ وما يستلزمه محال .

ولتوضيح الحال نمثل بمثال : إِذا اتفق صديقان على إمضاء وثيقة واشترط كلُّ واحدٍ منهما لإِمضائها ، إمضاءَ الآخر ، فتكون النتيجة توقُّفُ إمضاء كلٍّ على إمضاء الآخر . وعند ذلك لن تكون تلك الورقة ممضاةً إلى يوم القيامة ، لما ذكرنا من المحذور .

وهاك مثالاً آخر : لو أَراد رجلان التعاون على حمل متاع ، غيرَ أَنَّ كلّاً يشترط في إِقدامه على حمله إِقدام الآخر . فلن يحمل المتاع إلى مكانه أَبداً .

وأما التسلسل فهو عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة ، مترتبةً غير متناهية ، ويكون الكل متَّسِماً بوصف الإِمكان بأَنْ يتوقف (أ) على (ب) ، والثاني على (ج) ، والثالث على رابع ، وهكذا دواليك تتسلسل العلل والمعاليل من دون أَنْ تنتهي إلى نقطة .

وباختصار : حقيقة التسلسل لا تخرج عن حدود تَرَتُّبِ علل ومعاليل ، تكون متناهيةً من جانب ـ أعني آخرها ـ وغيرَ متناهيةٍ من جانب آخر ، أعني أوّلها . وعلى ذلك ، يتسم الجزء الأخير بوصف المعلولية فقط بخلاف سائر الأَجزاء ، فإنَّ كلاً منها مع كونه معلولاً لما فوقه ، علة لما دونه ، فالمعلولية وصف مشترك بين الجميع ، سائدة على السلسلة وعلى أَجزائها كلها بخلاف

٦٣
 &

العلية فهي غير صادقة على الجزء الأخير . هذا واقع التسلسل وأما بيان بطلانه :

إِنَّ المعلولية كما هي وصف عام لكل جزء من أجزاء السلسلة ، وصف لنفس السلسلة أَيضاً . وكما أَنّ َكلَّ واحدة من الحَلقات معلولة ، فهكذا مجموعُها الذي نعبّر عنه بسلسلة المعاليل المترتبة ، أَيضاً معلول . فعندئذ يَطرَحُ هذا السؤال نفسَه : إِذا كانت السلسلةُ الهائلة معلولةً ، فما هي العلةُ التي أَخرجتها من كَتْمِ العَدَمِ إلى عالم الوجود ، ومن الظُّلْمَةِ إِلى عالم النور ؟ مع أَنَّ حاجَةَ المعلول إلى العلّةِ أَمرٌ بديهي . وقانونُ العليّةِ من القوانينِ الثابتةِ لا ينكره إِلّا الغبي أَو المجادل في الأمور البديهية ، هذا من جانب . ومن جانب آخر إِنَّ السلسلة لم تقف ولن تقف عند حدّ حتى يكونَ أولُ السلسلة علّةً غيرَ معلولٍ ، بل هي تسير وتمتد بلا توقف عند نقطة خاصة . وعلى هذين الأمرين تتسم السلسلة بسمة المعلولية من دون أنْ يكونَ فيها شيءٌ يَتَّسِمُ بِسِمَةِ العليَّةِ فقط . وعندئذ يعود السؤال : ما هي العلة المحققة لهذه السلسلة المعلولة ، المخرجة لها عن كتم العدم إلى حيّز الوجود ؟

ولك إجراءُ هذا البيان في كل واحدةٍ من حلقات السلسلة ، كما أُجْرِيَ في نفسِ السلسلة بعينِها وتقول : إِذا كان كلُ واحدٍ من أَجزاءِ السلسلة معلولاً ومتَّسِماً بِسِمَةِ المعلولية ، فيطرح هذا السؤال نَفْسَهُ : ما هي العلة التي أخرجت كلَّ واحدةٍ من هذه الأجزاء الهائلة الموصوفة بوصف المعلولية ، من حَيِّزِ العدم إلى عالمَ الوجود .

وإذا كانت المعلولية آيةَ الفقر وعلامةَ الحاجة إلى العلة ، فما تلك العلةُ التي نفضت غبار الفقر عن وجه هذه الحلقات والبَسَتْها لِبَاسَ الوجود والتحقّق وصيَّرتها غنية بالغَير ؟ .

٦٤
 &

إِنَّ معلولية الأَجزاء التي لا تنفك عن معلولية السلسلة آية التعلق بالعلة ، وعلامة التدلي بالغير ، وسمةُ القيام به . فما هي تلك العلة التي تتعلق بها الأَجزاء ؟ وما ذاك الغير الذي تتعلق به السلسلة ؟

وأنت إذا سألت كل حلقة عن حالها لأجابتك بلسانها التكويني بأنها مفتقرة في وجودها ، متعلقة في جميع شؤونها بالعلة التي أوجدتها . فإذا كان هذا حال كل واحدة من هذه الحلقات ، كان هذا أيضاً حال السلسلة برمّتها . وعندئذٍ نخرج بهذه النتيجة : إنَّ كلَّ واحدة من أجزاءِ السلسلة معلولة ، والمركب من المعاليل ( السلسلة ) أيضاً معلول . والمعلول لا ينفك عن العلّة ، والمفروض أنَّه ليس هنا شيء يكون علّة ولا يكون معلولاً وإلّا يلزم انقطاع السلسلة وتوقفها عند نقطة خاصة قائمة بنفسها أعني ما يكون علة ولا يكون معلولاً ، وهذا خلف .

فإنْ قلت : إِنَّ كلَّ معلول من السلسلة مُتَقَوِّم بالعلّة التي تتقدمه ، ومتعلق بها ، فالجزء الأَول من آخر السلسلة وجد بالجزء الثاني ، والثاني بالثالث ، وهكذا إلى ما شاءَ الله من الأَجزاءِ غير المتناهية والحلقات غير المحدودة . وهذا المقدار من التعلّق يكفي في رفع الفقر والحاجة .

قلت : إِنّ َكل معلول ، وإِنْ كان يستند إلى علة تتقدمه ويستمد منها وجودَه ، ولكن لما كانت العلل في جميع المراحل متسمةً بسمة المعلولية كانت مفتقرات بالذات ، ومثل هذا لا يوجد معلولَه بالإِستقلال ، ولا ينفض غبار الفقر عن وجهه بالأَصالة ، إذْ ليسَ لهذه العلل في جميع الحلقات دور الإِفاضة بالأَصالة ودور الإِيجاد بالإِستقلال بل دور مثل هذه العلل دور الوسيط والأَخذ من العلة المتقدمة والدفع إلى معلوله ، وهكذا كل حلقة نتصورها علة لما بعدها . فهي عند ذاك لا تملك شيئاً بذاتها وإنما تملك ما تملكه من طرف العلة التي تتقدمها ومثلها حال العلل الأخرى من دون استثناء في ذلك . ومثل هذا لا يصيِّر السلسلة ولا أَجزاءَها غنية بالذات بل تبقى على ما

٦٥
 &

وصفناها به من كونها مفتقرات بالذات ومتعلقات بالغير . فلا بدّ أَنْ يكون هناك علة وراء هذه السلسلة ترفع فقرها وتكون سناداً لها .

وبعبارة أخرى : إنَّ كلَّ حلقة من هذه الحلقات ( غير الأخيرة ) تحمل سمتين : سمةِ العلية ، وبهذه السمة تَوجِدُ ما قبلها ، وسمةِ المعلولية وبهذه السمةِ تعلن أَنَّهَا لم تملك ما ملكَتْهُ ولم تدفع ما دفعَتْهُ إِلى معلولِها ِإلَّا بالاكتساب مما تقدمها من العلّة . وهذا الأَمر جارٍ وسائدٌ في كل حلقة وكل جزء يقع في أفق الحس أو الذهن . فإذاً تصبح نفسُ السلسلةِ وجميعُ أَجزائِها تحمل سمة الحاجة والفقر ، والتعلّقِ والرَّبطِ بالغير . ومثل تلك السلسلة لا يمكن أَنْ تُوجَد بنفسها إِلَّا بالإِستناد إلى موجود يحمل سمةً واحدة وهي سمةُ العليةِ لا غير ويتنزه عن سمة المعلولية . وعند ذاك تنقطع السلسلة وتخرج عن كونها غير متناهية إلى التناهي .

تمثيلان لتقريب امتناع التسلسل

إذا أردْتَ أن تستعينَ في تقريب الحقائقِ العقْلية بالأمثلة الملموسة فهاك مثالين على ذلك :

الأول : إنَّ كل واحدة من هذه المعاليل ـ التي نشير إليها بالإِشارة العقلية وإن لم نقدر على الإِشارة إليها عن طريق الحسّ لكونها غير متناهية ـ بحكم فقرها الذاتي ، بمنزلة الصفر . فاجتماع هذه المعاليل بمنزلة اجتماع الأصفار . ومن المعلوم أنَّ الصِّفْرَ بإضافة صِفْر ، بإضافة صِفْرٍ ، صِفْرٌ مهما تسلسل ، ولا ينتج عدداً صحيحاً . فلأجل ذلك يحكم العقل بأنَّه يجب أن يكونَ إلى جانب هذه الأصفار عدداً صحيحاً قائماً بالنفس حتى يكون مصححاً لقراءتها ، ولولاه لما كان للأصفار المجتمعة الهائلة أيُّ دورٍ في المحاسبة ، فلا يُقْرَأ الصفر مهما أُضيفَتْ إليه الأصفار .

الثاني : إنَّ القضايا المشروطة إِذا كانت غيرَ متناهية وغير متوقفة على

٦٦
 &

قضيةٍ مطلقة ، لا تخرج إلى عالم الوجود . مثلاً إذا كان قيام زيدٍ مشروطاً بقيام عمروٍ ، وقيامُه مشروطاً بقيام بكر ، وهكذا دواليك إلى غير النهاية ، فلن يتحقق القيام عندئذ من أي واحد منهم أَبداً ـ كما إِذا شرط الأَول إِمضاءَه للورقة بإِمضاءِ الثاني ، والثاني بإِمضاءِ ثالث وهكذا ، فلن تُمْضَى تلك الورقة إلى الأبد ـ إلَّا إِذا انتهت تلك القضايا إِلى قضيةٍ مُطْلَقَةٍ بأَنْ يكونَ هناك من يقومُ أَو يمضي الورقة من دون أَنْ يكون فعلُه مشروطاً بشيء .

فهذه المعاليلُ المتسلسلة ـ بما أَنَّ وجودَ كلٍّ منها مشروط بوجودِ علةٍ تتقدمه ـ تكون قضايا مشروطةً متسلسلةً غيرَ متناهيةٍ فلا تَخْرُجُ إلى عالم الوجود ما لم تصل إلى قضيةٍ مطلقَةٍ ، أَي إِلى موجود يكون علةً محضةً ولا يكونُ وجودهُ مشروطاً بوجودِ علَّةٍ أخرى ، وعندئذ يكون ما فرضناه متسلسلاً غير متسلسل ، وما فرضناه غير متناه متناهياً .

فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أَنَّ فَرْضَ عِلَلٍ ومعاليلَ غير متناهية ، فرضٌ محال لاستلزامه وجود المعلول بلا علة . فيكون الصحيح خلافَه أَي انقطاع السلسلة ، إِذ لا واسطة بين الإِيجاب والسلب(١) .

إلى هنا تمت المقدمات التي لها دور في توضيح برهان الإِمكان وإليك نفس البرهان .

تقرير برهان الإِمكان

لا شك أَنَّ صفحة الوجود مليئة بالموجودات الإِمكانية بدليل أنها توجَد

__________________

(١) إنَّ بطلان التسلسل من المسائل المهمة في الفلسفة الإِلۤهية وقد طرحه الفلاسفة في أَسفارهم وأَثبتوا البطلان بحجج كثيرة تناهز العشر . ولكنَّ أَكثرها غيرُ مُقنع لأَنهم استدلوا على البطلان بالبراهين الهندسية التي لا تجري إلا في الامور المتناهية وما ذكرناه من البرهان ، برهان فلسفي محض مقتبس من أصول الحكمة المتعالية التي أَسَّسها صَدْرُ الدين الشّيرازي وأَرْسى قواعدها تلامذة مدرسته وأبرزهم في العصر الأخير سيّدنا الراحل المغفور له العلّامة الطباطبائي قدس سرّه .

٦٧
 &

وتنعدم ، وتَحْدُث وتفنى ، ويطرأ عليها التبدّل والتغيّر ، إلى غير ذلك من الحالات التي هي آيات الإِمكان وسمات الافتقار .

وهذه الموجودات الإِمكانية ، الواقعة في أفق الحس إمَّا موجودات بلا علة أَوْ لها علّة . وعلى الثاني فالعلّة إِمّا ممكنة أَوْ واجبة . ثم العلّة الممكنة إما أَنْ تكون متحققة بمعاليلها ( أي الموجودات الإِمكانية ) ، أَوْ بممكن آخر .

فعلى الأَول ـ أي كونها موجودات بلا علة ـ يلزم نقضُ قانونِ العليّةِ والمعلولية وأنّ كلَّ ممكن يحتاج إلى مؤثر . ومثلُ هذا لو قلنا بأن علَّتَها نفسُها ، مضافاً إِلى أَنَّ فيه مفسدةَ الدور .

وعلى الثاني ـ أي كونها متحققة بعلّة ممكنة والعلة الممكنةُ متحققةٌ بهذه الموجوداتِ الإِمكانية ـ يلزم الدور المحال .

وعلى الثالث ـ أي تحققها بممكن آخر وهذا الممكن الآخر متحقق بممكن آخر وهكذا ـ يلزم التسلسل الذي أَبطلناه .

وعلى الرابع ـ أَي كون العلة واجبة ـ يثبت المطلوب .

فاتضح أنَّه لا يصح تفسير النظام الكوني إلّا بالقول بانتهاءِ الممكنات إلى الواجب لذاته القائم بنفسه ، فهذه الصورة هي الصورة التي يصحِّحُها العقلُ ويَعُدُّها خاليةً عن الإِشكال . وأَما الصور الباقية فكلها تستلزم المحال ، والمستلزم للمحال محال .

فالقول بكونها متحققة بلا علة أَوْ كونِ علتِها نفسَها ، يدفعه قانون العليّة الذي هو معترف به عند الجميع ، كما أَنَّ القول بكون بعضها متحققاً ببعضها الآخر ، وذاك البعضِ الآخر متحقق بالبعض الأَول يستلزم الدور . والقول بأَنَّ كلَّ ممكن متحققٌ بممكن ثان والثاني بثالث وهكذا يستلزم التسلسل .

٦٨
 &

فلم يبق إِلّا القول بانتهاء الممكنات إِلى الواجب بالذات ، القائم بنفسه ، المفيض للوجود على غيره .

بُرهانُ الإِمكان في الذكرِ الحَكيم

إنَّ الذكرَ الحكيم طرح معارفَه وأصولَه مدعومة بالبراهين الجليّة ، ولم يكتف بمجرد الدعوى بلا دليل ، فهو كالمعلِّم يلقي دروسه على تلاميذه بالبينة والبرهان . فالإِستدلالُ بهذه الآياتِ ليس كاستدلال الفقيه بها على الفروع ، فإنَّ الفقيه أثبَتَ أنَّ الوحيَ حجةٌ فأخَذَ بتفريعِ الفروع وإقامةِ الحُجَّةِ عليها من الوحي ، بل الإِستدلال بها في هذا الموقف الذي نحن فيه كالإِستدلال بسائر البراهين الموروثة عن الحكماء والمتألهين . وقد أشار سبحانه في الآيات التالية إلى شقوق برهان الإِمكان .

فإلى أَنَّ حقيقةَ الممكن ، حقيقةٌ مفتقرة لا تملك لنفسها وجوداً وتحقُّقاً ولا أيَّ شيء آخر ، أشار بقوله ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )(١) .

ومثله قوله سبحانه : ( وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ )(٢) .

وقوله سبحانه : ( وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ )(٣) .

وإِلى أنَّ الممكنَ ، ومنه الإِنسان ، لا يتحقق بلا علَّة ، ولا تكون علَّتُهُ نفسَهُ ، أَشار سبحانه بقوله :

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ )(٤) .

__________________

(١) سورة فاطر : الآية ١٥ .

(٢) سورة النجم : الآية ٤٨ .

(٣) سورة محمد : الآية ٣٨ .

(٤) سورة الطور : الآية ٣٥ .

٦٩
 &

وإلى أَنَّ الممكن لا يصح أَنْ يكونَ خالقاً لممكنٍ آخر بالأَصالة والإِستقلال ومن دون الإِستناد إِلى خالق واجب ، أَشار سبحانه بقوله : ( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ )(١) .

فهذه الآيات ونظائِرُها تستدل على المعارف العقلية ببراهين واضحة ولا تتركها بلا دليل . (٢)

سؤال وجواب

السؤال : إنَّ القول بانتهاء الممكنات إلى علة أزلية موجودة بنفسها ، غير مخلوقة ولا متحققة بغيرها ، يستلزم تخصيص القاعدة العقلية ، فإنَّ العقل يحكم بأنَّ الشيء لا يتحقَّق بلا علّة . والواجب في فرض الإِلهيين شيءٌ متحقق بلا علّة ، فلزم نقض تلك القاعدة العقلية .

والجواب علىٰ وجوه :

الأول : إنَّ هذا السؤال مُشْتَرَك بين الإِلۤهي والماديّ ، فكلاهما يعترف بموجود قديم غير متحقق بعلة . فالإِلۤهي يرى ذلك الموجود فوقَ عالَمِ المادةِ والإِمكان ، وأنَّ الممكناتِ تنتهي إليه . والماديُّ يرى ذلك الموجودَ ، المادة الأولى التي تتحول وتتشكل إِلى صور وحالات ، فإنها عنده قديمة متحققة بلا علة . فعلى كلٍّ منهما تجب الإِجابة عن هذا السؤال ولا يختص بالإِلۤهي(٣) .

__________________

(١) سورة الطور : الآية ٣٦ .

(٢) كما أَنَّ فيها دلالة واضحة على أَنَّ التفكّر المنطقيّ مما يتوخَّاه القرآن الكريم ويدعو البشرية إِليه . ولو كانت الفلسفة بمعنى التفكّر الصحيح والبرهنة المبتنية على المدعى ، فقد فتح بابها القرآن الكريم .

(٣) والعجب أَنَّ الفيلسوف الإِنكليزي « برتراند راسل » زعم اختصاصه بالإِلۤهي وأَنَّ مَنْهَجَه يستلزم وجود الشيء بلا علة وقد عرفت خلافه .

٧٠
 &

الثاني ـ إِنَّ القاعدة العقلية تختص بالموجودات الإِمكانية والظواهر المادية فإِنها ـ بما أنَّها مسبوقةٌ بالعدم ـ لا تنفك عن علة تخرجها من كَتْمِ العَدَمِ إلى عالَمِ الوجود . ولولا العلة للزم وجود الممكن بلا علة ، وهو محال .

وأَما الواجب في فرض الإِلهيينَ فهو أزَلِيٌ قديمٌ غيرُ مسبوقٍ بالعدم . وما هذا حاله غني عن العلة لا يتعلق به الجعل والإِيجاد ، فإِنهما من خصائص الشيء المسبوقِ بالعدم ولا يعمّان ما لم يسبِقْهُ العدم أبداً وكان موجوداً في الأزل .

والسائل لم يحلل موضوع القاعدة وزعم أنَّ الحاجة إِلى العلَّة من خصائص الموجود بما هو موجود مع أَنَّها من خصائص الموجود الممكن المسبوق بالعدم ، والواجب خارج عن موضوع القاعدة خروجاً تخصصياً لا تخصيصياً ، والفرق بين الخروجين واضح .

الثالث : إِنَّ القول بانتهاء الممكنات إِلى موجود واجب متحقق بنفسه مقتضى البرهان العقلي الذي يحكم في سائر المجالات . فلا يصح الأَخذ بحكمه في مجال دون مجال .

فالعقل الذي يعترف بقانون العليّة والمعلوليّة يحكم بلزوم انتهاء الموجودات إلى موجود واجب . وقد عبّر الحكماء عن هذه القاعدة بقولهم : «كلُّ ما بالعَرَض لا بدَّ أن ينتهي إلى ما بالذات » . كما استعانوا في توضيحه بأمثلة كثيرة معروفة في محلها ، نحو : إنَّ كلَّ شيء مضاءٌ بالنور ، والنور مضيءٌ بنفسه ، وإنَّ حلاوة الأغذية الحلوة بالسّكر والسكر حُلْوٌ بنفسه ، إلى غير ذلك من التقريبات العرفية .

٧١
 &

خاتمة المطاف

قَدْ تَعَرفْتَ على مقدّمات برهان الإِمكان وأنَّ الاستنتاج منه متوقفٌ على امتناع الدور والتسلسل ، ولولا تسليم امتناع هذين الأمرين ، لأصبح القياس عقيماً والبرهان غيرَ منتج . والذي نركز عليه هنا هو أنَّ كلَّ ما استُدِلَّ به على إثبات الصَّانع لا يكونُ منتجاً إلَّا إذا ثبت قَبْلَه امتناع الدور والتسلسل . ولولا هذا التسليم لكانت البراهين ناقصةً ، غير مفيدة .

مثلاً : إِنَّ برهان النظم الذي هو من أَوضح البراهين وأعمِّها لا يكون منتجاً ودالاً على أنَّ للعالَم خالقاً واجباً ، وأنَّ سلسلة الكون منتهيةً إليه ، إلَّا إذا ثبتَ قبلَه امتناعُ الدور والتسلسل . لأَنَّ النظام البديعَ آيةُ كونِه مخلوقاً لعلمٍ وسيعٍ وقدرة فائقة يعجز الإِنسان عن وصفهما وتعريفهما . وأَما كون ذلك العلم واجباً وتلك القدرة قديمة ، فلا يثبتُ بذلك البرهان . إِذ من المحتمل أَنْ يكونَ خالقُ النّظام ممكناً مخلوقاً لموجودٍ آخر وهكذا ، إِما أَنْ يدورَ أوْ يتسلسل . فإِثباتُ كونِ النظامِ وسلسلةِ العللِ والمعاليلِ متوقفةً عند نقطةٍ خاصّة هي واجبةٌ لا ممكنةً ، غنية لا فقيرة ، قائمةٌ بنفسها لا بغيرها ، يحتاج إِلى تسليم امتناع الدور والتسلسل كما هو واضح ، فكأنَّ الـمُسْتَدِلَّ ببرهان النظمِ أو سائرِ البراهين أخذ امتناعهما أصلاً مسلماً عند الاستدلال بها .

*        *       *

٧٢
 &

البرهان الثالث

بُرهانُ حدوث المادة

إِنَّ الأُصول العلمية َأثبَتَتْ نفاد الطاقات الموجودة في الكون باستمرار ، وتَوَجُّهَها إِلى درجةٍ تنطفىءُ معها شعلةُ الحياة وتنتهي بسببه فعالياتُها ونشاطاتُها(١) . وهذا ( نفاد الطاقات وانتهاؤها ) يدل على أَنَّ وصفَ الوجود والتَّحقّق للمادة ليس أَمراً ذاتياً لها ، إذ لو كان الوجود والتحقُّقُ أَمراً ذاتياً لها ، لزم أَنْ لا يفارقها أَزلاً وَأبداً ، فنفادها وزوال هذا الوصف عنها خيرُ دليل على أَنَّ الوجودَ أَمرٌ عرضي للمادة ، غيرُ نابع من صميم ذاتها . ويلزم من ذلك أَنْ

__________________

(١) أثبت العلم بكل وضوح أَنَّ هناك انتقالاً حرارياً مستمراً من الأَجسام الحارة إِلى الأَجسام الباردة ولا يمكن أَنْ يَحْدُثَ العكسُ بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارةُ فترتَدُّ من الأَجسام الباردة إلى الأَجسامِ الحَارة . ومعنى ذلك أنَّ الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأَجسام ويَنْضُبُ فيها مَعينُ الطاقة . ويومئذ لن تكون هنالك عملياتٌ كيميائية أَو طبيعيةٌ ، ولن يكونَ هنالك أَثرٌ للحياة نفسِها في هذا الكون . ولما كانت الحياة لا تزال قائمة ، ولا تزال العمليات الكيميائية والطبيعية تسير في طريقها ، فإننا نستطيع أَنْ نستنتج أَنَّ هذا الكون لا يمكن أَنْ يكون أَزلياً وإِلا لاستهلكت طاقاته منذ زمنٍ بعيدٍ وتوقف كلَّ نشاط في الوجود . وهكذا توصَّلت العلومُ دونَ قصد إِلى أَنَّ لهذا الكونِ بِدايةٌ .

وباختصار : إنّ قوانين الدّيناميكا الحرارية تدلّ على أنَّ مكوناتِ هذا الكونِ تفقد حرارتها تَدريجياً وأنَّها سائرةٌ حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة البالغة الإِنخفاض هي الصّفر المطلق . ويومئذ تنعدمُ الطاقة وتستحيلُ الحياة .

٧٣
 &

يكونَ لوجودها بدايةٌ ، لأنَّ لازمَ عدمِ البداية ِكونُ هذا الوصفِ أَمراً ذاتياً لها كما هو شَأْنُ كُلِّ ذاتيٍّ ، ولو كان ذاتياً لها لوجب أَنْ لا يكون لها نهاية ، مع أَنَّ العلم أثبتَ لها هذه النهاية .

وبعبارة أخرى : إِنَّ الوجودَ للمادة المتحولةِ إِلى الطَّاقة ليس أَمراً ذاتياً لها ، وإِلَّا لوجب أَنْ لا يفارقَها أبداً وأَنْ لا تسير المادة إِلى الفناءِ وانعدام الحياة والفعالية ، والحال أَنَّ العلومَ الطبيعية اعترفت بأَنَّ المادة سينتهي سلطانُها وتفنى قوَّتُها وطاقاتها وتموت وتبرد . فالمفارقة في جانب النهاية دليلٌ على عدم كونِ الوجود ذاتياً للمادة ، وكونُه غيرَ ذاتيٍّ يلازم أَنْ يكونَ لها بداية ، وهذا هو ما نقصده من حدوث المادَّة .

*        *       *

إلى هنا تمَّ بيان البراهين الثلاثة ، وبقيت هناك براهين أُخَر طرحها العلماءُ في الكتب الكلامية نشير إِلى عناوينها :

١ ـ برهان الحركة الذي أَبدعه الحكيم أَرسطو وأَكمله الفيلسوف الإِلۤهي البارع « صدر المتألهين » وهو من أَشرف البراهين وأَتقنها .

٢ ـ برهان الصديقين وقد ذكره الشيخ الرئيس في ( الإِشارات ) .(١)

٣ ـ برهان الوجوب .

٤ ـ البرهان الأَسدّ الأَخْصَر .

٥ ـ برهان الترتّب(٢) .

__________________

(١) الإِشارات ج ٣ ، ص ١٨ .

(٢) لاحظ تجريد الإِعتقاد ، ص ٦٧ . والأَسفار ، ج ٦ ، ص ٣٦ ـ ٣٧ . وأَيضاً ج ٢ ، ص ١٦٥ و ١٦٦ . فمن أَراد الوقوفَ على هذه البراهين فعليه المراجعة إِلى ما ذكرنا من المصادر .

٧٤
 &

بقيت هنا نكاتٌ يجب التنبيهُ عليها :

الأُولى ـ العلة عند الإِلۤهي والعلة عند المادي .

إِنَّ كُلّاً من الإِلۤهي والمادي يستعمل كلمة العلّة وكلٌّ يريد منه معنى مُغَايراً لما يريدُه الآخر .

فالعلّة عند الإِلۤهي هي مفيضُ الوجودِ على الاشياءِ ومُخِرجُها من العدم ، ومصيِّرها موجودةً بعد أَنْ كانت معدومة ـ فعند ذلك يكون المعلولُ بمادته وصورته وبجميع شؤونه منوطاً بها ، فالعلة هي التي تعطي المادة وجودها وصورتها وكل شؤونها وهي التي ـ بالتالي ـ تخرجها من ظلمة العدم إلى حيّز التحقّق .

وللتوضيح نمثل لذلك بالصور الذهنية والنفسِ الإِنسانية . إِنَّ النفسَ تُوجِد الصورَ في الذهن وتُكُوِّنُها فيه . نعم ، النفسُ تستعين في خلقها لبعض الصور بأَمثلة خارجية محسوسة ولكنها قد تخلق أَحياناً صوراً في الذهن لا مثيل لها في الخارج كالمفاهيم الكليّة مثل مفهومي الإِنسان والإِمكان .

وعلى ذلك فالعلّة التي يقصدها الإِلۤهي هي ذلك . وبالتالي إِنَّ الخالق خَلَقَ المادة وأَفاض عليها صُوَرَها وأَحاطها بشبكة من النظام البديع الذي لم يكن قبل ذلك قط .

وأَما العلةُ عند المادي فهي الـمُوجِد للحركة والتفاعلات في المادة ، كالنجار الذي يجمع الأخشاب من هنا وهناك ويضم بعضها إلى بعض بنحو خاص فتصيرُ على هيئة الكرسي ، أو كالبنّاء الذي يجمع الأحجَار والطين من هنا وهناك ويرتِّبُها بهندسة خاصة فتصير جداراً وبناءً ، أو كالنَّار التي توجب غليان الماء وتُحَوِّلُه إلى بخار .

وربما يتوسع الماديّ في استعمال كلمة العلّة فيطلقُها على نفس المادة المتحولة إِلى مادة أخرى كالحطب إلى الرماد ، والوَقود إِلى الطاقة ،

٧٥
 &

والكهرباء إِلى الضوء والصوت والحرارة .

فبذلك عُلِمَ أَنَّ بين المصطلحين بوْناً شاسعاً ، فأَين العلة التي يستعملها الإِلۤهي في مفيض الوجود بمادته وصورته ، من العلة التي يستعملها المادي في موجد الحركة في المادة أَوْ في المادة القابلة للتحول إِلى شيء آخر! ! .

والذي دعى المادي إِلى تفسير العلَّة بهٰذا المعنى هو اعتقادُه بِقِدَمِها وقِدَمِ الطاقاتِ الموجودة فيها وغناها عن مَوجِدِها . وهٰذا بخلاف الإِلۤهي المعتقد لحدوث المادة وسَبْقِها بالعدَم ، فلها علّة فاعلية مخرجة لها من العدم إِلى الوجود .

وإِلى ذينك الإِصطلاحين أَشارَ الحكيم الإِلۤهي السبزواري بقوله :

معطي الوجود في الإِلۤهي فاعل

معطي التحرك الطبيعي قائل

نعم ربما يستعمل الإِلۤهي لفظة العلَّة في معطي الحركة ومُوجِدِها وإِنْ لم يُوجِد المادةَ وصورتَها ، فيقول : إِنَّ النجارَّ علةٌ للسرير ، والنارَ للإِحراق ، توسعاً في الإِصطلاح .

وإلى ما ذكرنا يشير قوله سبحانه : ( أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * . . . أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * . . . أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ )(١) .

ولا شك أنَّ للإِنسان دوراً في تكوُّن الإِنسان والزرع والشجر ، ولله سبحانه أيضاً دوراً . ولكنَّ دورَ الإِنسان لا يتجاوز كونَه فاعلاً بالحركة حيث

__________________

(١) سورة الواقعة : الآيات ٥٨ ، ٥٩ ، ٦٣ ، ٦٤ ، ٧١ ، ٧٢ .

٧٦
 &

يلقي النطفة في الرحم وينثر البذور في الأرض ويغرس الأشجار ويُجْري الماء عليها ، فأين هو من إفاضة الوجودِ على الإِنسان والزرع . . والشجرة ، مادة وصورة .

الثانية : إِنَّ في الكتاب الكريم نصوصاً على حدوثِ الكون أَرضاً وسماءً وما بينهما وما فيهما .

والآيات في هذا الشأن كثيرة نشير إلى القليل منها .

قال سبحانه : ( أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ )(١) .

وقال سبحانه : ( اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ . . )(٢) . فصرَّح في الآية الأُولى بِخَلْقِ كُلِّ شيء . وفي الآية الثانية بخلق السماء والأرض ، ولكن صرَّحَ في الآيتين التاليتين بخلق كلِّ دابة ونفس الإِنسان .

قال سبحانه : ( وَاللَّـهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ )(٣) .

وقال سبحانه : ( هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا )(٤) .إِلى غير ذلك من الآيات .

حدوثُ الكون في الأَحاديث

قال الإِمامُ أَميُر المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له :

« الحمد لله الدالِّ على وجودِه بخَلْقِهِ ، وبمُحْدَثِ خَلْقِه علىٰ

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ١٠١ .

(٢) سورة الطلاق : الآية ١٢ .

(٣) سورة النور : الآية ٤٥ .

(٤) سورة انسان : الآية ١ .

٧٧
 &

أَزَلِيَّتهِ » (١) .

وقال عليه السلام أيضاً :

« الحمد لله الواحدِ الأَحدِ الصَّمدِ المتفردِ الذي لا مِنْ شيءٍ كَانَ ، ولا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ ما كَانَ »(٢) .

وقال ( عليه السلام ) : « لم يَخْلُقِ الأَشياءَ مِنْ أصولٍ أَزليةٍ ، وَ لا مِنْ أوائلَ كَانَتْ قَبْلَه أَبَدِيَّةٌ ، بَلْ خَلَقَ ما خَلَقَهُ وَأَتقن خَلْقَه ، وَصَوَّر ما صوَّر فأَحْسَنَ صورَتَه »(٣) .

وقال ( عليه السلام ) : « لا يجري عليه السّكونُ والحركةُ ، وكيفَ يَجْري عَلَيْهِ ما هُو أَجراه ويَعُودُ فيه ما هو أَبداهُ ويحدُثُ فيه ما هو أَحْدَثَه »(٤) .

وقال الإِمام الحسن بن علي ( عليه السلام ) :

« خَلَقَ الخَلْقَ فكان بديئاً بديعاً ، ابتدأَ ما ابتَدَعَ ، وابتَدَعَ ما ابتَدَأَ »(٥) .

إِلى هنا تمَّ البحث عن أَدلة وجود الصَّانع وبراهيِنه اللامعة ، فحانَ حَيْنُ البحث عن أَسمائه وصفاته وأَفعاله بفضل منه تعالى .

*        *       *

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ١٥٢ .

(٢) التوحيد للصدوق ، ص ٤١ .

(٣) نهج البلاغة ، الخطبة ١٦٣ .

(٤) نهج البلاغة ، الخطبة ١٨٦ .

(٥) التوحيد للصّدوق ، ص ٤٦ ، الحديث ٥ .

٧٨
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01imagesimage003.png

٧٩
 &

٨٠