الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

١ ـ التجسيم والتشبيه ـ لو أجريت هذه الصفات على الله سبحانه بمعانيها المعهودة في الأذهان ومع حفظ حقيقتها .

٢ ـ التعقيد والغموض ـ لو أجريت على الله سبحانه بمعانيها المتبادرة من دون تفسير وتوضيح . فالقوم بين مُشَبّه ومُعَقّد ، بين مجسم ومُلَقْلِق باللسان .

وفي الختام نقول إنَّ نظرية « الإِثبات بلا تكييف » وإنْ كانت رائجة في عصر الأشعري وقبله وبعده ، ولكنها هُجرت بعد ذلك إلى أنْ جاء ابن تيميَّة الحرّاني فجددها وأثارها وأسماها مذهب السلف ، وجعل مذهبهم بين التعطيل والتشبيه . قال في جملة كلام له : « فلا يمثلون صفات الله تعالى بصفات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلْيا ـ إلى أنْ قال : ولم يقل أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين إنَّ الله ليس في السماء ، ولا إنَّه ليس على العرش ، ولا إنَّه في كل مكان ، ولا إنَّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، ولا إنَّه داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصل ولا منفصل ، ولا إنَّه لا تجوز الإِشارة الحسيّة إليه بالأصابع ونحوها »(١) .

وعلى ذلك قال ابو زهرة : « يقرر ابن تيمية أنَّ مذهب السلف هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية وتحتية ، واستواء على العرش ، ووجه ، ويد ، ومحبة وبغض ، وما جاء في السنة من ذلك أيضاً من غير تأويل ، وبالظاهر الحرفي . فهل هذا هو مذهب السلف حقاً ؟ ونقول في الإِجابة عن ذلك : لقد سبقه بهذا الحنابلة في القرن الرابع الهجري كما بيّناه ، وادّعوا أنَّ ذلك مذهب السلف ، وناقشهم العلماء في ذلك الوقت وأَثبتوا أَنَّه يؤدي إلى التشبيه والجسمية لا محالة ، فكيف لا يؤدي إليهما والإِشارة الحسية إليه جائزة .

__________________

(١) المجموعة الكبرى في مجموعة الرسائل الكبرى ، ص ٤٨٩ .

٣٢١
 &

ولذا تصدّى لهم الإِمام الفقيه الحنبلي الخطيب ابن الجوزي ، ونفى أن يكون ذلك مذهب السلف »(١) .

إنَّ لابن الجوزي كلاماً مبسوطاً في نقد هذه النظرية وقد هاجم أحد الحنابلة المروجين لها أعني القاضي أَبا يَعْلَى الفقيه الحنبلي المشهور المتوفي سنة ٤٥٧ هـ ، حيث قال : « لقد شَأَنَ أبو يَعْلَى الحنابلة شيئاً لا يغسله ماء البحار » . ولأجل ذلك استتر هذا المذهب حتى أعلنه ابن تيميَّة بجرأة خاصة له .

ثم إنَّ أبا زهرة المعاصر انتقل إلى ما ذكرناه في نقد تلك النظرية وقال :

« ولنا أن ننظر نظرة أخرى وهي من الناحية اللغوية . لقد قال سبحانه : ( يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) . وقال : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) . أهذه العبارات يفهم منها تلك المعاني الحسية ؟ أم أنها تفهم منها أمور أخرى تليق بذات الله تعالى ؟ فيصح أَن تفسر اليد بالقوة ( كناية أو استعارة عنها ) ويصح أن يفسر الوجه ، بالذات .

ويصح أن يفسّر النزول إلى السماء الدنيا بمعنى قرب حسابه ، وقربه سبحانه وتعالى من العباد . وإن اللغة تتسع لهذه التفسيرات ، والألفاظ تقبل هذه المعاني . وهو أولى بلا شك من تفسيرها بمعانيها الظاهرة الحرفية ، والجهل بكيفياتها . كقولهم : « إن لله يداً ولكن لا نعرفها » ، « ولله نزولاً لكن ليس كنزولنا » الخ . . . فإن هذه إحالات على مجهولات ، لا نفهم مؤداها ، ولا غاياتها . بينما لو فسّرناها بمعان تقبلها اللغة وليست غريبة عنها لوصلنا إلى أمور قريبة فيها تنزيه وليس فيها تجهيل »(٢) .

ثم إنَّ للغزالي كلاماً متيناً في نقد هذه النظرية نأتي بخلاصته . يقول :

__________________

(١) تاريخ المذاهب الإِسلامية ، ج ١ ، ص ٢١٨ .

(٢) المصدر نفسه ، ص ٢١٩ ـ ٢٢٠ .

٣٢٢
 &

« إنَّ هذه الألفاظ التي تجري في العبارات القرآنية والأحاديث النبوية لها معانٍ ظاهرة ، وهي الحسّية التي نراها . وهي محالة على الله تعالى ، ومعانٍ أخرى مجازية مشهورة يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير . فإذا سمع اليد في قوله ( صلى الله عليه وآله ) « إنَّ الله خمَّر آدم بيده » و « إنَّ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمٰن » ، فينبغي أنْ يعلم أَنَّ هذه الأَلفاظ تطلق على معنيين : أحدهما ـ وهو الوضع الأصلي ـ وهو عضو مركب من لحم وعظم وعصب . وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس هذا المعنى بجسم أصلاً ، كما يقال : « البلدة في يد الأمير » ، فإِنَّ ذلك مفهوم وإِنْ كان الأَمير مقطوع اليد . فعلى العامي وغير العامي أنْ يتحقق قطعاً ويقيناً أنَّ الرسول لم يرد بذلك جسماً وأنَّ ذلك في حق الله محال . فإنْ خطر بباله أَنَّ الله جسم مركب من أعضاء ، فهو عابِدُ صَنَمٍ . فإِنَّ كل جسم مخلوق ، وعبادة المخلوق كُفْر ، وعبادة الصنم كانت كفراً ، لأَنه مخلوق »(١) .

ولقد أحسن الغزالي حيث جعل تفسير اليد في مثل قوله سبحانه : ( يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) بالقدرة ، معنى للآية من غير تأويل ، وتوضيحاً لها من دون محاولة تفسيرها . وهذا ما سنركز عليه بعد البحث عن عقيدة المؤوَّلة ونقول إِنَّ الواجب اتباع ظاهر الآية والسنة بلا انحراف عنه سواء أكان موافقاً لمعانيها الحرفية والإِفرادية أم لا ، وهذه هي المزلقة الكبرى للحنابلة ونفس الإِمام الأشعري ، فزعموا أنَّ الواجب اتباع معانيها الحرفية سواءٌ أكانت موافقة للظاهر أم لا .

الثالث ـ التفويض

وقد ذهب جمع من الأَشاعرة وغيرهم إلى إجراء هذه الصفات على الله سبحانه مع تفويض المراد منها إِليه .

__________________

(١) الجاء العوام .

٣٢٣
 &

قال الشهرستاني :

« إن جماعة كثيرة من السلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك ، إِلّا أنهم يقولون إنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه ، مثل قوله : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) ، ومثل قوله : ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) . ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات ، بل التكليف قد ورد بالإِعتقاد بأنه لا شريك له ، وذلك قد أثبتناه »(١) .

وإليه جنح الرازي وقال :

« هذه المتشابهات يجب القطع بأنَّ مراد الله منها شيء غير ظواهرها ، كما يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها »(٢) .

تحليل نظرية التفويض

إنَّ التفويض شعار من لا يريد أن يقتحم الأبحاث الخطيرة ، ويرى أنه يكفيه في النجاة قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « بُنِيَ الإِسلام على . خمس : شهادة أنْ لا إله إلّا الله وأَنّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان »(٣) .

ولأنه يرى أنَّ التفويض أسلم من الإِثبات الذي ربما ينتهي به إمّا إلى التشبيه والتجسيم الباطلين أو إلى التعقيد والإِبهام اللَّذيْن لا يجتمعان مع سِمَة سهولة العقيدة .

ولكنَّ أهل الإِثبات ـ أعني أصحاب النظريتين السابقتين ـ عابوا على نظرية التفويض بأنَّ غاية تلك النظرية مجرد الإِيمان بألفاظ القرآن والحديث

__________________

(١) الملل والنحل ، ح ١ ، ص ٩٢ ـ ٩٣ بتلخيص .

(٢) أساس التقديس ، ص ٢٢٣ .

(٣) صحيح البخاري ، ج ١ ، كتاب الإِيمان ، ص ٧ .

٣٢٤
 &

من غير فقه ولا فهم لمراد الله ورسوله منها . فإنَّ الإِيمان بالألفاظ وتفويض معانيها إلى الله سبحانه بمنزلة القول بأنَّ الله تعالى خاطبنا عبثاً ، لأَنه خاطبنا بما لا نفهم ، والله يقول : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ )(١) .

أقول : إنَّ لأهل التفويض عذراً واضحاً في هذا المجال ، فإنهم يتصورن أنَّ الآيات المشتملة على الصفات الخبرية ، من الآيات المتشابهة ، وقد نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها وأمر عباده بالإِيمان بها . فقال سبحانه : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )(٢) . فلا عتب عليهم إذا أعرضوا عن تفسيرها وفوضوا معانيها إليه سبحانه . نعم ، الإِشكال في عدم كون هذه الآيات من الآيات المتشابهة ، فإِنَّ المفاد فيها غير متشابه إذا أمعن فيها الإِنسان المتجرد عن كل رأي سابق ، كما سيوافيك بيانه .

والعجب أنَّ ما عابوا به أصحاب التفويض وارد عليهم أيضاً ، فإِنَّ إثبات الصفات الخبرية بمعانيها الحرفية التي تتبادر عند إيرادها مفردة ، مع حفظ التنزيه ، تجعلها ألفاظاً بلا معان واضحة . لأنَّ الكيفية المتبادرة من هذه الصفات هي المقومة لمَعَانيها فإِثبات مفاهيمها الحرفية مع سَلْب كيفيّاتها أشبه بإِثبات الشيء في عين سلبه . فعندئذٍ تنقلب الآيات البيّنات الدّالة على أشرف المعاني وأجلِّها إلى آياتٍ غير مفهومة ولا معقولة . وكأنَّ الله تعالى خَاطَبهم وهم أميون لا يعلمون من الكتاب إلَّا أماني .

__________________

(١) سورة إبراهيم : الآية ٤ . الفتوحات المكية ، ج ٤ ، ص ٩٢٨ . وتبعه ابن تيمية في هذا النقد كما نقله في علاقة الإِثبات والتفويض ، ص ٦٠ .

(٢) سورة آل عمران : الآية ٧ .

٣٢٥
 &

الرابع ـ التأويل

إنَّ المعتزلة هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسرون اليد بالنعمة و القدرة ، والإِستواء بالإِستيلاء وإظهار القدرة . وسيظهر حقيقة التأويل في هذه الآية عندما نورد عبارات تفسير ( الكشاف ) الذي أُلف على نمطٍ اعتزالي .

ويلاحظ عليهم . إِنَّ تأويل نصوص الآيات وظواهرها مع قطع النظر عن مورد الصفات الخبرية ، ليس بأقل خطراً من نظرية الإِثبات ، إذ ربما ينتهي التأويل إلى الإِلحاد وإنكار الشريعة(١) .

وما أقبح قول من يقول : « إنَّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصحيح ، فيجب ترك النَّقل لأجل صريح العقل » .

أو يقول : « التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنَّة من غير بصيرة ، هو أصل الضلالة ، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملاً بظاهر قوله : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ )(٢) .

وذلك لأنه لا يوجد آية في الكتاب العزيز يخالف ظاهرها صريح العقل ، فإنَّ ما يتخيلونه ظاهراً ليس بظاهر ، بل الآية ظاهرة في غير ما تصوروه ، وإنما خلطوا الظاهر الحرفي بالظاهر الجُمَلي . فإنَّ اليد مفردة ظاهرة في العضو الخاص وليست كذلك فيما إذا حفّت بها القرائن وجعلتها ظاهرة في معنى آخر . فإنَّ قول القائل في مدح إنسان : إنَّه « باسط اليد » ، أو في ذمه بأنه « قابض اليد » ، ليس ظاهراً في اليد العضوية التي أسميناها بالمعنى الحرفي بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل والإِقتار وربما يكون مقطوع اليد . وحمل الجملة على غير ذلك المعنى ، حمل على غير ظاهرها .

__________________

(١) قد استوفى الشيخ الأستاذ دام ظله الكلام في أقسام التأويل في مقدمة الجزء الخامس من موسوعته القرآنية « مفاهيم القرآن » ص ١٢ ـ ١٦ .

(٢) شرح أم البراهين ، ص ٨٢ ـ كما في علاقة الإِثبات والتفويض ، ص ٦٧ .

٣٢٦
 &

وعلى ذلك يجب ملاحظة كلام المؤولة ، فإن كان تأْويلُهم عَلى غرار ماتقدّم منا ، ( تمييز الظاهر الجُمَلي عن الظاهر الإِفرادي ) ، فهؤلاء ليسوا بمؤوَّلة ، بل هم مقتفون لظاهر الكتاب والسنَّة ، ولا يصحّ تسمية تفسير الكتاب العزيز ـ على ضوء القرائن الموجودة فيه ـ تأويلاً ، وإنما هو اتباع للنصوص والظواهر . وإنْ كان تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة دالة عليها ، فهم المؤوَّلة حقاً ، وليس التأويل بأقل خطراً من الإِثبات المنتهي إما إلى التجسيم أو إلى التعقيد والإِبهام .

وباختصار ، إنَّ الذي يجب التركيز عليه هو أنَّ الكلية ( لزوم الأخذ بالكتاب والسنَّة ) ، أمرٌ مسلَّم فيجب على الكل اتباع الذّكر الحكيم من دون أي تحوير أو تحريف ، ومن دون أي تصرف وتأْويل . إِنما الكلام في الصغرى ، أي تشخيص الظاهر عن غيره إذْ به ترتفع جميع التوالي الفاسدة .

ولو أنَّ قادة الطوائف الإِسلامية وأصحاب الفكر منهم نبذوا الآراء المسبقة والأَفكار الموروثة ، وركَّزوا البحث على تشخيص الظاهر من غيره ، حسب المقاييس الصحيحة ، لارتفع جدالُ النَّاسِ ونقاشُهم حَوْل الصّفات ، الذي دار عبر مِئَات السنين ، والذي لم يكُن نابعاً إلّا من إيثَار الهَوَى على الحق .

*        *       *

الخامس ـ الإِجراء بالمفهوم التصديقي

وحقيقة هذه النظرية أَنَّه يجب الإِمعان في مفهوم الآية ومرماها ومفادها التصديقي ( لا التَصَوّري ) ثم توصيفه سبحانه بالمعنى الجُمَلي المفهوم منها من دون إِثبات المعنى الحرفي للصفات ولا تأْويلها .

توضيحه : إنَّ للمفردات حكماً وظهوراً عند الإِفراد ، وللجمل المركبة من

٣٢٧
 &

المفردات ظهوراً آخر . وقد يتحد الظهوران وقد يتخالفان . فلا شك أَنك إذا قلت « أسدٌ » ، فإنَّه يتبادر منه الحيوان المفترس . كما أنَّك إذا قلت « رأيْتُ أسداً في الغابة » يتبادر من الجملة نفس ما تبادر من المفرد .

وأما إذا قلت « رأيت أسداً يرمي » فإِنَّ المتبادر من الأسد في كلامك غير المتبادر منه حرفياً وانفراداً وهو الحيوان المفترس بل يكون حمله عليه ، حملاً على خلاف الظاهر . وأما حمله وتفسيره بالبطل الرامي عند القتال فهو تفسير للجملة بظاهرها من دون تصرف وتأويل .

ولو سمع عربي صميم قول الشاعر :

لَدَى أسَدٍ شَاكِ السّلاحِ مُجَرّبِ

لَهُ لُبَدٌ ، أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ

فلا يشك في أنَّ المراد من الأَسد هو البطل المقدام المقتحم لجبهات القتال لا الحيوان المفترس . وكذا لو سمع قول القائل :

أَسَدٌ عَلَيَّ وَفي الحُروبِ نَعَامَةٌ

فَتخاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ

لا يتردد في نفسه بأنّ المراد هو الإِنسان المتظاهر بالشجاعة أمام الضعفاء ، الخائف المُدْبِر عند لقاء الأبطال . فلا يصح لنا أن نتّهم من يفسر البيتين بالإِنسان الشجاع أو المتظاهر به ، بأنه من المؤوَّلة . بل هو من المثبتين للمعنى من دون تأويل ولا تحوير .

فالواجب علينا هو الوقوف على المفاد التَّصديقي وإثباته لله سبحانه لا الجمود على المعنى الحرفي التصوري ، وإثباته أو نفيه عن الله سبحانه . ولو أنَّ القوم بحثوا عن مفاد الآيات ، مجرّدين عن الآراء المسبقة ، لوقفوا على الظَّاهر التصديقي وأَثبتوه لله سبحانه من دون أن يكون هناك وصمة تأويل وتصرف أو مغبَّة تجسيم وتشبيه .

ولأجل إراءة نموذج من هذا النَّمط من البحث نركز على موارد مما وقع

٣٢٨
 &

في مجال النقاش بين المثبتين والمؤوَّلين ، حتى يتّضح أنَّ الإِثبات بالمعنى الذي يتبناه المثبتون ، والتأويل والتصرف على النحو الذي ارتكبه المؤوَّلون ، غير صحيحٍ ولا تام ، بل هناك إثبات مجرد عن التجسيم والإِبهام والتأويل .

*        *       *

٣٢٩
 &

٣٣٠
 &

١ ـ عرشُه سبحانه واستواؤُه عليه

إنَّ من صفاته سبحانه كونه مستوياً على عرشه . وقد جاء هذا الوصف في كثير من الآيات ، فقد ورد لفظ العرش في الذكر الحكيم اثنين وعشرين مرة . كما ورد لفظ « عرشه » مرة وحدة ، والكل راجع إلى عرشه سبحانه إلّا آيتان هما : قوله سبحانه : ( وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ )(١) . وقوله سبحانه : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ )(٢) كما ورد الإِستواء اثنى عشر مرة ، وهي ـ ما عدا ثلاث آيات ـ راجعة إلى استوائه سبحانه على العرش .

وقد ادعى أَهل الحديث وتبعهم الأشعري أنَّ الآيات ظاهرة في أنَّ له سبحانه عرشاً وأنه مستوٍ عليه ، غير أَنَّ الكيف مجهول . وقد أخذ المشبّهة بما ادعاه أهل الحديث من الظاهر من دون القول بكون الكيف مجهولاً .

وقد أثارت هذه المسألة في الأوساط الإِسلامية ضجيجاً وعجيجاً بالغين بين الصّفاتية والمؤوّلة . ونحن نقول ، لو أنَّ الباحثين أمعنوا النَّظر في هذه الآيات مجرّدين عن كل ما يحملونه من العقائد الموروثة ، لوقفوا على

__________________

(١) سورة النمل : الآية ٢٣ . (٢) سوره يوسف : الاية ١٠٠ .

٣٣١
 &

مفادها ، وأنها لا تهدف إلى ما عليه الصفاتية من أنَّ له سبحانه عرشاً وسريراً ذا قوائم ، موضوعاً على السماء ، والله جالس عليه ، والكيف إمَّا معلوم أو مجهول . ولا على ما عليه المؤوّلة من تأويل الآية بمعنى حاجة الآية إلى حملها على خلاف ظاهرها ، بل القرائن الموجودة في بعض هذه الآيات تُضفي على الآية ظهوراً في المعنى المراد من دون مس بكرامة التنزيه ولا تَعَمّد وتَعَمّل في التأويل ، فالآيات لا تحتاج إلى التأويل أي حملها على معانٍ ليست الآيات ظاهرة فيها .

لا شك أنَّ العرش بمعناه الحرفي معلوم لكل أحد بلا شبهة .

قال ابن فارس : « عرش : العين والراء والشين أصل صحيح واحد ، يدل على ارتفاع في شيء مبني ، ثم يستعار في غير ذلك . من ذلك العرش ، قال الخليل العرش : سرير المَلِك . وهذا صحيح ، قال الله تعالى : ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ) . ثم استعير ذلك ، فقيل لأمر الرجل وقوامه : عرش . وإذا زال عنه قيل : ثلّ عرشه . قال زهير :

تَدَاركْتُما الأَحلافَ قَدْ ثلّ عَرْشَها

وذبيَانَ إذْ زلّتْ بأقْدامِها النَّعْلُ »(١)

كما أنَّ الاستواء معلوم لغة فإنَّه التمكّن والاستيلاء التام . قال الرَّاغب في مفرداته : « واستوى يقال على وجهين : أحدهما يسند إليه فاعلان فصاعداً . نحو : استوى زيد وعمرو في كذا ، أي تساويا . وقال تعالى : ( لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّـهِ ) . والثاني أن يقال لاعتدال الشيء في ذاته نحو : ( ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ ) ، ( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ ) ، ( لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ) ، ( فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ) . ومتى عُدّي بـ « على » اقتضى معنى الاستيلاء كقوله : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) »(٢) .

__________________

(١) معجم مقاييس اللغة ، ج ٤ ، ص ٢٦٤ .

(٢) مفردات الراغب ، مادة « سوا » .

٣٣٢
 &

والذي نركّز عليه هو أنَّ الاستواء في الآية ليس ظاهراً في معنى الجلوس والإِعتماد على الشيء ، بل المراد هو الاستيلاء والتمكن التام ، كناية عن سعة قدرته وتدبيره . وقد استعمل الإِستيلاء بهذا المعنى في غير واحد من أبيات الشعر . قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبد الملك بن مروان حين ولي إمرة العراق :

ثُمَّ اسْتَوى بِشْرٌ على العِراقِ

مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْراقِ(١)

وقال آخر :

فَلمَّا عَلَوْنا وَاستَوَيْنا عَلَيْهِم

تَرَكْنَاهُم صَرْعَى لِنَسْرٍ وكاسِرِ

إنَّ المقصود هو استيلاء بِشْر على العراق وقوم القائل في البيت الثاني على العدو . وليس العلو ها هنا علواً حسيّاً بل معنوياً .

إذا عرفت ذلك فنقول ، لو أخذنا بالمعنى الحرفي للعرش ، كما هو المتبادر من قوله سبحانه : ( وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ )(٢) ، فيجب أنْ نقول إنَّ لله سبحانه عرشاً ، كعروش الملوك والسلاطين . وعند ذلك يتمحض المراد من استوائه عليه ، بالجلوس عليه متمكّناً .

وأما لو نبذنا هذا المعنى ، وقلنا بأنَّ المراد من الظاهر هو الظهور التصديقي . وهو المتبادر من مجموع الآية بعد الإِمعان في القرائن الحافة بتلك الجملة ، يكون المراد من الآية هو الكناية عن استيلائه على مُلكه في الدنيا والآخرة وتدبيره من دون استعانة بأحد .

والجُمَل الواردة في كثير من الآيات الحاكية عن استوائه على العرش تدل

__________________

(١) البداية والنهاية ، ج ٩ ، ص ٧ .

(٢) سورة النمل : الآية ٢٣ .

٣٣٣
 &

على أنَّ المراد هو الثاني دون الأول ، وتثبت بأنَّ المقصود بيان قيامه بتدبير الأمر قياماً ينبسط على كل ما دَقَّ وَجَلّ ، وأنه سبحانه كما هو الخالق فهو المُدَبّر أيضاً .

وقد استعان ـ لتبيين سعة تدبيره الذي لا يقف على حقيقته أحد ـ بتشبيه المعقول بالمحسوس وهو تدبير الملوك والسلاطين ملكهم متكئين على عروشهم والوزراء محيطون بهم . غير أنَّ تدبيرهم تدبير تشريعيّ وتقنينيّ وتدبيره سبحانه تدبير تكوينيّ .

ويدل على أنَّ المراد هو ذلك أمران :

الأمر الأول : إنَّه سبحانه قد أتى بذكر التدبير في كثير من الآيات بعد ذكر استوائه على العرش . فذكر لفظ التدبير تارة ، ومصداقه وحقيقته أخرى . أمّا ما جاء فيه التدبير بلفظه ، فقوله سبحانه :

أ ـ ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ، ذَٰلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )(١) .

ب ـ ( اللَّـهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )(٢) .

ج ـ ( اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ )(٣) .

__________________

(١) سورة يونس : الآية ٣ .

(٢) سورة الرعد : الآية ٢ .

(٣) سورة السجدة : الآيتان ٤ ـ ٥ .

٣٣٤
 &

ففي الآية الأولى يُرَتِّب سبحانه التدبير على قوله : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ) ليكون المعنى « استوى على عرش التّدبير » . كما أنَّه في الآية الثانية بعد ما يذكر قسماً من التدبير وهو تسخير الشمس والقمر يُعطي ضابطة كلية لأمر التدبير ويقول : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) . وعلى غرار الآية الأولى ، الآية الثالثة .

وأما ما جاءت فيه الإِشارة إلى حقيقة التدبير من دون تسميته فمثل قوله سبحانه : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، تَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )(١) .

فقوله : ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ) الآية إشارة إلى حقيقة التدبير وبيان نماذج منه ، ثم أتْبَعَه ببيان ضابطة كلية وقال : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) . أي إليه يرجع الخلق والإِيجاد وأمر التدبير .

وقس على هاتين الطائفتين سائر الآيات . ففي الكل إلماع إلى أَمر التدبير إمّا بلفظه أَو ببيان مصاديقه ، حتى قوله سبحانه : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ )(٢) . فالعرش في هذه الآية هو عرش التدبير وإدارة شؤون الملك يوم لا مُلْكٌ إلّا ملكه . قال تعالى : ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّـهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ )(٣) .

وقال سبحانه : ( وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ )(٤) .

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ٥٤ .

(٢) سورة الحاقة : الآيات ١٣ ـ ١٨ .

(٣) سورة غافر : الآية ١٦ .

(٤) سورة الأنعام : الآية ٧٣ .

٣٣٥
 &

فهذه الآيات تعبّر عن معنى واحد وهو تصوير سيطرة حكمه تعالى في ذلك اليوم الرهيب . قال سبحانه : ( أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ )(١) . وقال سبحانه : ( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّـهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا )(٢) .

فالمتدبّر في هذه الآيات يقف على أنها تهدف إلى حقيقة واحدة وهي أنَّ خلق السموات والأرض ، لم يعجزْه عن إدارة الأمور وتدبيرها ، وأما جلوسه على العرش بمعناه الحرفي فليس بمراد قطعاً .

الأمر الثاني : إنه قد جاء لفظ الإِستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله وهوَ رفع السموات بغير عمد ، أو خلق السَّماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام أو ما يشبه ذلك . فإِنَّ ذاك قرينة على أنَّ المراد منه ليس هو الإِستواء المكاني ، بل الإِستيلاء والسيطرة على العالم كله . فكما لا شريك له في الخلق والإِيجاد ، لا شريك له أيضاً في المُلك والسلطة . ولأجل ذلك يحصر التدبير بنفسه ، كما يحصر الخلق بها ويقول : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )(٣) .

فالجمود على ظهور المفردات وترك التفكّر والتعمّق ، ابتداع مفضٍ إلى صريح الكفر . حتى أنَّ من فسَّر قوله سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(٤) بأنَّ لله مِثْلاً ، وليس كَمِثْلِهِ مِثْل ، وقع في مغبة الشّرك وحبائله .

والإِستناد إلى الأحاديث التي يرويها ابن خزيمة ومن تبعه ، استناد إلى أمور جذورها من اليهود والنَّصارى . وقد عرّف الرازي ابن خزيمة وكتابه المعروف بـ « التوحيد » بقوله : « واعلم أن محمد بن اسحاق ابن خزيمة

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ٦٢ .

(٢) سورة الكهف : الآية ٤٤ .

(٣) سورة الأعراف : الآية ٥٤ .

(٤) سورة الشورى : الآية ١١ .

٣٣٦
 &

أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) في الكتاب الذي سماه بـ « التوحيد » . وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها . وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام ، قليل الفهم ، ناقِصَ العقل »(١) .

ولأجل ما في التشبيه والتجسيم ، والقول بالقدر والجبر ، من مفاسد لا تحصى ، قال الدكتور أحمد أمين :

« وفي رأيي لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي ، وقد اعجزهم التسليم وشَلّهم الجبر وقعد بهم التواكل »(٢) .

أقول : وفي رأيي ، لو سادت الحرية الفكرية على المسلمين ، وتجرد المسلمون عن كل رأي سابق ورثوه من أهل الحديث ، ونظروا إلى الكتاب العزيز وتمسكوا بالسنَّة الصحيحة المروية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن طريق أهل بيته ( عليهم السلام ) الذين عرّفهم الرسول في الحديث المتواتر ( حديث الثقلين ) لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي .

هذا ، وعلى ضوء ما قررنا من الضابطة والميزان ، تَقْدِر على تفسير ما ورد في التنزيل من الوجه والعين واليدين والجنب والإِتيان والفوقية وما يشابهها ، دون أن تمسّ كرامة التنزيه ، ومن دون أنْ تخرج عن ظواهر الآيات بالتأويلات الباردة غير الصحيحة . والإِجراء ، على النمط التصديقيّ ، لا المعنى الحرفي التَّصوريّ .

*        *       *

__________________

(١) تفسير الامام الرازي ، ج ٢٧ ، ص ١٥٠ .

(٢) ضحى الإِسلام ، ج ٣ ، ص ٧٠ .

٣٣٧
 &

٣٣٨
 &

٢ ـ وجهه سبحانه

قد عرفت أنَّ الإِمام الأَشعري قال في كتابه ( الإِبانة ) : « بأنَّ لله وجهاً بلا كيف كما قال : ( وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )(١) . وهو يريد بذلك إثبات الوجه لله سبحانه بمعناه الحرفي ولكن فراراً عن التشبيه يذيله بالبلكفة ويقول « بلا كيف » .

والمُؤَوّلة يعتقدون بلزوم التأْويل في الآية ويقولون تأْويلها الذات ، ولكن ما قالت به المؤوّلَة وإن كان صحيحاً نتيجة ، إلّا أنَّ الآية لا تحتاج إلى التأويل ، وإِنما تحتاج إليه لو فرضنا أنَّ الوجه ظاهر في العضو الخاص . وأما لو كان ظاهراً ـ بسبب القرينة التي سنذكرها ـ في ذات الشيء وشخصه ، فلا تحتاج إليه ، ويكون الظاهر المتبادر هو المتبع .

والدليل عليه هو أنَّ الوجه ، كما يأتي بمعنى العضو الخاص ، يأتي بمعنى الذات . قال ابن فارس : « ربما عبر عن الذات بالوجه ، قال :

اَسْتَغْفِرُ الله ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيهِ

رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ »(٢) .

__________________

(١) سورة الرحمن : الآية ٢٧ .

(٢) المقاييس ، ج ٦ ، ص ٨٨ ، مادة « وجه » .

٣٣٩
 &

ولعل وجه التعبير عن الذات بالوجه ، أنَّ وجه الإِنسان أو وجه كل شيء تمام حقيقته عند الناظر ، ولأجل ذلك إذا رأى شخص وجه إنسان آخر يقول رأيته ، كأنه رأى الذات كلها . وعلى ذلك فيحتاج حمل اللفظ على واحد من المعنيين الرائجين إلى قرينة ، لأَن المعنى الثاني بلغ بكثرة الإِستعمال إلى حد الحقيقة .

والقرينة تعين المعنى الثاني ، حيث وصف الوجه بقوله : ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) ومن المعلوم أنَّها من صفات الرب ، أي ذاته سبحانه ، لا من صفات الوجه ، أعني الجزء من الكل . ولو كان الوجه هنا بمعنى العضو المخصوص ، لوجب أن يجعل « الجلال والاكرام » ، وصفاً للربّ ( المضاف إليه ) ، ويقول « ذي الجلال والاكرام » .

ولأجل ذلك نرى أَنه سبحانه جعله وصفاً للمضاف إليه ( الرب) لا المضاف ، في آية أخرى وقال سبحانه : ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) ، ومن المعلوم أنَّ الإِسم ليس صاحب هذا الوصف ، وإِنما صاحبه هو نفس الرب ، وسيوافيك توضيح وافر عند البحث عن كونه سبحانه ليس بجسم في الصفات السلبية .

وهناك كلمة مروية عن الرسول الأعظم وهي : « إن الله خلق آدم على صورته » فاستدل به المشبهة على أنَّ لله سبحانه صورة وخلق آدم على طبقها . ولكن القوم لو رجعوا إلى أئمة أَهل البيت لوقفوا على أنَّ الحديث نقل مبتوراً ، فقد رَوَى الصدوق بسنده عن علي ( عليه السلام ) قال : « سمع النبيُّ رجلاً يقول لرجل : قبح الله وجهك ووجه من يشبهك . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : مَهْ ، لا تقل هذا ، فإِن الله خلق آدم على صورته »(١) .

أي على صورة هذا الرجل الذي تسبه وتسب من يشبهه وهو آدم .

__________________

(١) التوحيد للصدوق ، الباب ١٢ ، الحديث ١٠ ، ص ١٥٢ .

٣٤٠