الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ثمرات التحسين والتقبيح العقليين

(٥)

التكليف بما لا يُطاق محال

إنَّ الوجدان السليم والعقل البديهي يحكم بامتناع التكليف بما لا يطاق ، أما إذا كان الآمر إنساناً ، فهو بعد وقوفه على عجز المأمور لا تنقدح الإِرادة الجدّية في لوح نفسه وضمير روحه . ولأجل ذلك يكون مرجع التكليف بما لا يُطاق إلى كون نفس التكليف محالاً .

وأَما إِذا كان الآمر هو الله سبحانه ، فالأمر فيه واضح من وجهين :

الأول : التكليف بما لا يطاق أمر قبيح عقلاً ، فيستحيل عليه سبحانه من حيث الحكمة أن يكلّف العبد بما لا قدرة له عليه ، ولا طاقة له به . كأن يكلّف الزَّمِن بالطيران إلى السماء ، أو إدخال الجمل في خَرْم الابرة ، من غير فرق بين كون نفس التكليف بالذات ممكناً ، ولكن كان خارجاً عن إطار قدرة المخاطب ، كالطيران إلى السماء ، أو كان نفس التكليف بما هو هو محالاً من غير فرق بين إنسان وإنسان . كدخول الجسم الكبير في الجسم الصغير من دون أنْ يَتَوَسّع الصغير أو يَتَصَغّر الكبير .

الثاني : الآيات الصريحة في أنَّه سُبحانه لا يكلف الإِنسان إلّا وسعه ،

٣٠١
 &

وقدر طاقته ، قال سبحانه : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )(١) . وقال تعالى : ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ )(٢) .

وقال عزّ من قائل : ( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )(٣) . والظلم هو الإِضرار بغير المستحِق ، وأي إِضرار أعظم من هذا ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

هذا ملخص القول في هذا الأصل ، وقد بسط فيه الكلام الأصوليون وغيرهم في كتبهم الخاصة بفنهم .

ومع هذه البراهين المشرقة نرى أَنَّ الأَشاعرة سلكوا غير هذا المسلك وجوّزوا التكليف بما لا يطاق . وبذلك أظهروا العقيدة الإِسلامية ، عقيدة مخالفة للوجدان والعقل السليم والفطرة . ومن المأسوف عليه أنَّ المستشرقين أخذوا عقائد الإِسلام عن المتكلمين الأَشعريين ، فإذا بهم يصفونها بكونها على خلاف العقل والفطرة لأنهم يجوزون التكليف بما لا يطاق .

والمهم هو تحليل ما استدلوا به من الآيات(٤) .

أدلة الأَشاعرة على التكليف بما لا يُطاق

إنَّ الأَشاعرة ـ بدلاً من الرجوع إلى العقل في هذا المجال ـ استدلوا بآيات تخيلوا دلالتها على ما يرتئونه مع انها بمنأى عما يتبنونه في المقام . وإليك تلك الآيات مع بيان استدلالهم وتحليله .

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٨٦ .

(٢) سورة فصلت : الآية ٤٦ .

(٣) سورة الكهف : الآية ٤٩ .

(٤) لاحظ اللُّمَع ، ص ٩٩ و ١١٣ و ١١٤ ، للوقوف على ما استدل به الشيخ أبو الحسن الأشعري على ما يتبنّاه في هذا المقام .

٣٠٢
 &

الآية الأولى ـ قوله تعالى : ( أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ )(١) .

وجه الاستدلال : إنهم قد أُمروا أَنْ يسمعوا الحق وكُلّفوا به مع أَنهم ( مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ) : فدلّ ذلك على جواز التكليف بما لا يطاق . ودلّ على أنّ من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعاً .

يلاحظ عليه : إنَّ الإِستدلال ضعيف جداً . يظهر ضعفه بتفسير جمل الآية واحدة بعد الأُخرى .

أ ـ قوله تعالى : ( أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) : بمعنى أنَّهم لم يكونوا معجزين لله تعالى في حياتهم الأرضية وإْن خرجوا عن زي العبودية فإن قدرتهم لم تغلب قدرة الله .

ب ـ قوله : ( وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ) : أي إِنّهم وإنْ اتخذوا أصنامهم أولياء ، ولكنها ليست أولياءً حقيقة ، وليس لهم أولياء من دون الله .

ج ـ قوله : ( يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ) : أي يعاقبون عقاباً مضاعفاً جزاء بما أتوا به من الغي والظلم والأعمال السيئة .

د ـ قوله : ( مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ) : هذه الجملة في مقام التعليل ، يريد أنَّهم لم يكفروا ولم يعصوا أمر الله لأَجل غلبة إرادتهم إرادة الله . ولا لأن لهم أولياءً من دون الله بل لأَنهم ما كانوا

__________________

(١) سورة هود : الآية ٢٠ .

٣٠٣
 &

يستطيعون أنْ يسمعوا أو يبصروا آياته حتى يؤمنوا بها ، ولكن عدم استطاعتهم ليس بمعنى عدم وجودها فيهم من بداية الأَمر بل لأنهم حَرَموا أنفسهم من هذه النعم بالذنوب فصارت الذنوب وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها ، وذوي أعين لا يُبصرون بها ، وذوي آذان لا يسمعون بها ، فصاروا كالأنعام بل هم أضل .

قال سبحانه : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا ، وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ، أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ )(١) .

وباختصار : فرق بين عدم الإِستطاعة فيهم من بداية التكليف وعدم قدرتهم على الإِيمان واستماع الآيات وإِبصارها . وعدم الإِستطاعة لتماديهم في الظلم والغيّ وإِحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم وأعينهم وأبصارهم وأسماعهم . فالآية نزلت في المجال الثاني والبحث في الأَول . وقد تواترت النصوص من الآيات والأَحاديث على أنَّ العصيان والطغيان يجعل القلوب عمياء والأَسماع صمّاء . قال سبحانه : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّـهُ قُلُوبَهُمْ )(٢) .

وقال سبحانه حاكياً عن المجرمين : ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ )(٣) .

فالكلمة المعروفة بين المتكلمين والحكماء من أنَّ الإِمتناع بالإِختيار لا ينافي الإِختيار مُقْتَبَسَة من هذه الآيات وصريح الفطرة .

الآية الثانية ـ قوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ١٧٩ .

(٢) سورة الصف : الآية ٥ .

(٣) سورة المُلْك : الآيتان ١٠ ـ ١١ .

٣٠٤
 &

الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )(١) .

وجه الإِستدلال : إنَّه سبحانه كلّفهم بالإِنباء بالأَسماء مع أنَّهم لم يكونوا عالمين بها .

يلاحظ عليه : إنَّ الأمر في قوله ( أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ ) للتعجيز لا للتكليف والبعث نحو الإِنباء حقيقة نظير قوله سبحانه : ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )(٢) .

توضيحه : إنَّ لصيغة الأَمر معنى واحداً وهو إنشاء البعث نحو الشيء ، لكنّ الغايات تختلف حسب اختلاف المقامات ، فتارة تكون الغاية من الإِنشاء هي بعث المكلف نحو الفعل جداً وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، ويشترط فيه قدرة المكلف واستطاعته . وأخرى تكون الغاية أموراً غيره ، فلا يطلق عليه « التكليف الجِدّيِ » ، كالتعجيز في الآية السابقة ، والتسخير في الآية التالية : ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ )(٣) . إلى غير ذلك من الغايات التي تدفع المتكلم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الأَمر . وذلك واضح لمن تتبع كلام العقلاء .

الآية الثالثة ـ قوله تعالى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ )(٤) .

__________________

(١) سورة البقرة : الآيتان ٣١ و ٣٢ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٣ .

(٣) سورة البقرة : الآية ٦٥ .

(٤) سورة القلم : الآيتان ٤٢ ـ ٤٣ .

٣٠٥
 &

وجه الاستدلال : إنَّه إِذا جاز تكليفهم في الآخرة بما لا يستطيعون جاز ذلك في الدنيا .

يلاحظ عليه : إنَّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف ليست عن جد وإِرادة حقيقية . بل الغاية من إنشاء البعث إيجاد الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا . والآية بصدد بيان أَنَّهم في أوقات السلامة رفضوا الإِطاعة واللإِمتثال ، وبعدما كشف الغطاء عن أعينهم ورأَوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود ولكن أنَّى لهم ذلك في الآخرة ، وإليك تفسير جُمل الآية واحدة بعد الأخرى :

أ ـ قوله : « يوم يكشف عن ساق » : كناية عن اشتداد الأَمر تفاقمه لأن الإِنسان إذا أراد عبور الماء المتلاطم يكشف عن ساقيه ثم يخوض غماره ، فاستعير لبيان شدة الأمر وإِنْ لم يكن هناك ماء ولا ساق ولا كشف ، كما يقال للأقطع الشحيح : « يده مغلولة » ، وإن لم يكن هناك يد ولا غلّ .

ب ـ قوله : ( وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) : لا طلباً ولا تكليفاً عن جد ، بل لزيادة الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم ، كما يقول المعلم الممتحن لتلميذه الذي يعلم أنَّه سيرسب في الإِمتحان ، أُدرس وطالع واسهر الليالي ، لإِيجاد الحسرة في قلبه ، مع أَنَّه ليس هناك مجال لواحد من هذه الأمور .

ج ـ قوله : ( فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) : إِما لسلب السلامة عنهم إثْرَ أَعمالهم الأَجرامية في الدنيا ، أو لاستقرار ملكة الإِستكبار في سرائرهم ـ ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) ـ أو لتعلق مشيئته سبحانه بانحصار العمل في الدنيا وانحصار الآخرة بالنتاج والجزاء . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « ألا وَإِنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ ، وغداً السِّباقَ ، والسَّبَقَةُ الجَنَّةُ ، والغايةُ النارُ ، أفلا تائبٌ من خطيئَتِهِ قبل مَنِيَّتِهِ ، ألا عاملٌ لِنَفْسِهِ قَبْل يوم بُؤْسِهِ ، ألا وإنَّكُم في

٣٠٦
 &

أيام عملٍ من ورائِهِ أَجَلٌ »(١) . ولعل الوجه الأول من هذه الوجوه الثلاثة أقرب إلى مفاد الآية ، لما في آخرها من قوله : ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) ، الظاهر في عدم سلامتهم في غير ذاك الظرف .

د ـ قوله : ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) : أي تكون أَبصارهم خاشعة وتغشاهم في ذلك اليوم ذلة .

هـ ـ قوله : ( وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) : إنهم لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا عنه مع صحتهم وصحة أبدانهم ، يدعون إلى السجود في الآخرة ، ولا يستطيعون . والغاية من الدعوة ازدياد حسرتهم وندامتهم على ما فرّطوا في الدنيا وهم سالمون أَصحاء .

ومجموع جُمل الآية تُعرِبُ بوضوح عن أنَّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف لا تكون عن جد بل لغايات أُخر لا يشترط فيها القدرة .

الآية الرابعة ـ قوله تعالى : ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا )(٢) .

وجه الإِستدلال : إِنَّه سبحانه أمر بالعدل في قوله : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً )(٣) ومع ذلك أخبر عن عدم الإِستطاعة على العدل .

يلاحظ عليه : إنه سبحانه أمر بالعدالة من يتزوج أكثر من واحدة كما مرّ في هذه الآية . وفي الوقت نفسه أَخبر في الآية المستدل بها عن عدم

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٨ .

(٢) سورة النساء : الآية ١٢٩ .

(٣) سورة النساء : الآية ٣ .

٣٠٧
 &

استطاعة المتزوجين أكثر من واحدة على العدل ، وفي الوقت نفسه أيضاً نهى عن التعلق التام بالمحبوبة منهن والإِعراض عن الأخريات رأساً حتى لا تَصِرْنَ كالمعلقات ، لا متزوجات ولا مطلقات .

وبالتأمل في جمل الآيتين يظهر أن العدالة التي أمر بها غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج على القيام بها .

فالمستطاع هو الذي يقدر عليه كل متزوج أكثر من واحدة ، وهو العدالة في المَلْبَس والمَأْكَل والمَسْكَن وغيرها من حقوق الزوجة التي يقوم الزوج بها بجوارحه التي تحت اختياره ، لا بجوانحه وبواطنه التي لا سلطان له عليها .

وأما غير المستطاع منها فهو المساواة في إقبال النفس والبشاشة والأنس وهو مما لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره ولا سلطان له عليه .

*        *       *

إلى هنا تبين أنَّ التكليف بما لا يطاق سواء أكان ممكناً بالذات أو غير ممكن ، مما يأباه العقل وتُنكره الفطرة ، ولا يُقِرُّ به العقلاء في حياتهم الاجتماعية ، كما تُنكره الآيات الصريحة .

وأما ما استدل به الشيخ الأشعريّ فلا دلالة فيه ، والحافز له على سوق هذه الآيات على ما يتبناه هو رأيه المسبق . وذلك أَنَّهُ لما اختار عدم تأثير قدرة العبد في فعله وأَنه بعامة أجزائه وخصوصياته لله سبحانه ، وليس للعبد دور إلّا كونه ظرفاً للفعل ، وكون الخلق من الله سبحانه مقارناً لإِرادة العبد ، رتب على ذلك أَمرين :

الأول ـ جواز التكليف بما لا يطاق .

٣٠٨
 &

الثاني ـ كون الإِستطاعة مقارنة للفعل .

أما الأَول ، فلأَنه إِذا لم يكن لقدرة العبد دور في نفس الفعل ، فلا يفرق بين كون التكليف مقدوراً عليه أو غير مقدور ، وقد عرفت بطلانه .

وأما الثاني ، فإِنما ذهب إليه تَوَهّماً منه أنَّ وجود القدرة والإِستطاعة قبل الفعل ربما لا يجتمع مع القول بكون الخلق والإِيجاد منه سبحانه ، فقال بعدم تقدم الإِستطاعة ولزوم مقارنتها مع وجود الفعل ، وهذا هو ما عقدنا له عنواناً مستقلاً في البحث التالي .

إنَّ المشكلة المهمة في كلام الأَشاعرة وأهل الحديث والحنابلة هي رفضهم العقل وإعدامه في المجالات التي يختص بالقضاء فيها . ومن أَعدم العقل وصلبه فلا يترقب منه غير هكذا آراء .

*        *       *

٣٠٩
 &

٣١٠
 &

ثمرات التحسين والتقبيح العقليين

(٦)

القدرة على الفعل قبله

هل الاستطاعة والقدرة في الإِنسان متقدمان على الفعل أو مقارنان له ؟ .

العدليّة على الأول ، والأشاعرة على الثاني . والحق التفصيل ولعلّ هذا مراد الجميع .

بيان ذلك : إنَّ القدرة تطلق ويراد منها أحد الأمرين :

الأول : صحة الفعل والترك ، وإن شئت قلت : كون الفاعل في ذاته بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل . فلو أريد من القدرة هذا المعنى ، فلا شك أنها مقدمة على الفعل فطرة ووجداناً ، فإنَّ القاعد ، قادر على القيام حال القعود ، والساكت قادر على التكلم في زمان سكوته ، لكن بالمعنى المزبور .

الثاني : ما يكون الفعل معه ضروري الوجود باجتماع جميع ما يتوقف وجود الفعل عليه ، وتحقق العلة التامة التي لا ينفك المعلول عنها . فالقدرة بهذا المعنى مقارنة للفعل ، ليست مقدمة عليه تقديماً زمانياً وإنْ كانت متقدمة رتبة .

٣١١
 &

والحق إنَّ المسألة بديهية للغاية وما أَثير حولها من الشبهات خصوصاً ما ذكره الشيخ الأشعري في ( اللمع ) أشبه بالشبه السوفسطائية(١) . ومثله ما ذكره تلاميذ مدرسته ، كالتفتازاني في ( شرح المقاصد ) . ونظام الدين القوشجي في ( شرح التجريد )(٢) . وما ذكرناه من التفصيل هو الحاسم في البحث ، ويظهر لبّه من فخر الدين الرازي الذي نقله السيد الجرجاني في ( شرح المواقف )(٣) .

وبذلك يظهر أنَّ ما أقامته المعتزلة من البراهين على تقدم القدرة على الفعل تنبيهات على المسألة ، ولا يحتاج الأمر إلى هذا التفصيل المُسْهَب . ولكن الذي ينبغي البحث عنه هو تبيين الحافز الذي دعى الشيخ الأشعريّ إلى اختيار ذلك المذهب ( مقارنة القدرة للفعل ) . مع أنَّ التقدم والمقارنة بالنسبة إلى ما جاء في الكتاب والسنّة متساويان ، فإذاً يقع الكلام في تعيين الداعي إلى اختيار القول بالتقارن بل التركيز عليه .

المحتمل قوياً أنْ يكون الداعي هو قوله بمسألة خلق أفعال العباد ، وإنها مخلوقة لله لا للعباد لا أصالة ولا تبعاً ، حتى أنَّ القدرة الحادثة في العبد عند حدوث الفعل غير مؤثرة في إيجاده بل مقارنة له . فإذاً المناسب لتلك العقيدة نفي القدرة المتقدمة على الفعل ، والإِكتفاء بالمقارن له ، وكأن الشيخ تصوّر أن القدرة المتقدمة على الفعل تزاحم قدرة الله تعالى فلأجل ذلك وجد في نفسه دافعاً روحياً إلى البرهنة على بطلان التقدم وإثبات التقارن .

__________________

(١) لاحظ اللمع ، ص ٩٣ ـ ٩٤ .

(٢) شرح المقاصد ، ج ١ ، ص ٢٤٠ . وشرح القوشجى ، ص ٣٩٢ .

(٣) شرح المواقف ، ج ٦ ، ص ١٥٤ .

وقد جاء الأستاذ دام حفظه بجميع ما تصورته الأشاعرة من البراهين العقلية في كتابه « الملل والنحل » فلاحظ ج ٢ ، ص ١٧٢ ـ ١٩٣ .

٣١٢
 &

نعم ، القول بالتقارن ونفي التقدم لا يختص بالشيخ الأشعري وتلامذته ، بل وافقهم عليه بعض المعتزلة ، كالنّجار ، ومحمد بن عيسى ، وابن الراوندي ، وغيرهم(١) .

وقد اتفقت كلمة الجميع على أنَّ قدرة الله تعالى متقدمة على الفعل . وذلك أيضاً معلوم حسب أصولنا ، لأن القدرة في غيره سبحانه عين القوة والإِمكان . وفي الواجب تعالى عين الفعلية والوجوب ، وأَنَّ وجوده بالذات ، وكل صفة من صفاته ، بالفعل ليس فيها قوة ولا إمكان ولا استعداد .

وقد أسهب صدر المتألهين الكلام في هذا المقام في أسفاره ودفع بعض الإِشكالات التي ترد على القول بقدم قدرته وفعليته(٢) .

الاستطاعة في أحاديث أئمة أهل البيت

لقد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت على تقدم الاستطاعة على الفعل . وإليك بعض ما روي عنهم في هذا الشأن :

١ ـ روى الصدوق عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « ما كَلَّف الله العبادَ كُلْفَةَ فِعل ولا نهاهم عن شيء حتى جَعَل لهم الإِستطاعة ، ثم أمَرَهُم ونهاهم ، فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إِلَّا بالإِستطاعة متقدمةً قبل الأمر والنَّهي ، وقَبْل الأخْذ والتَّرك ، وقبل القبض والبَسْط »(٣) .

٢ ـ وروى أيضاً عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال : سمعته يقول ـ وعنده قوم يتناظرون في الأفاعيل والحركات ـ فقال : « الإِستطاعة قبل الفعل

__________________

(١) شرح المواقف ، ج ٦ ، ص ٩٢ .

(٢) الأسفار الأربعة ، ج ٦ ، ص ٣١٢ .

(٣) التوحيد للصدوق ، باب الإِستطاعة ، الحديث ١٩ ، ص ٣٥٢ .

٣١٣
 &

لم يأمر الله عز وجل بِقَبْضٍ ولا بَسْط إلَّا والعبدُ لذلك مستطيع »(١) .

٣ ـ وروى أيضاً عن سليمان بن خالد قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه ‌السلام ) يقول : « لا يكونُ مِنَ العَبَدِ قَبضٌ وَلَا بَسْطٌ إلَّا باسْتِطَاعَة متَقَدّمة للقبْضِ والبَسْطِ »(٢) .

٤ ـ وروى أيضاً عن محمد بن أبي عمير عمن رواه من أصحابنا عن أبي عبد الله ( عليه‌ السلام ) قال سمعته يقول : « لا يكُون العَبْدُ فاعلاً إلَّا وهو مُسْتَطيعٌ وَقَدْ يَكُون مُسْتطيعاً غير فاعلٍ ، وَلا يكونُ فاعلاً أبداً حتَّىٰ يكُونَ معه الإِستطاعة »(٣) وهناك رواياتٌ كثيرةٌ أخرى مبثوثة في باب الإِستطاعة من ( التوحيد ) فلاحظها .

ومن لطيف ما استدلَّ به أئمة أهل البيت على تقدم الإِستطاعة على الفعل قوله سبحانه : ( وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )(٤) ، فقد « سأل هشام بن الحكم الإِمام الصادق عن معنى الآية وقال : ما يعني بذلك ؟ قال : من كان صحيحاً في بدنه ، مُخلىً سِرْبُه ، له زاد وراحلة »(٥) .

« وقال أبو بصير : سمعت أبا عبد الله ( عليه ‌السلام ) يقول : « من عُرِضَ عليه الحجُّ ولو على حِمارِ أَجْدَعَ مَقْطُوعِ الذَّنَبِ فَأَبى ، فهو مِمَّنْ يَسْتطيع الحجّ »(٦) .

*        *       *

__________________

(١) التوحيد للصدوق ، الحديث ٢١ ، ص ٣٥٢ .

(٢) المصدر السابق ، الحديث ٢٠ ، ص ٣٥٢ .

(٣) المصدر السابق ، الحديث ١٣ ، ص ٣٥٠ .

(٤) سورة آل عمران : الآية ٩٧ .

(٥) التوحيد للصدوق ، الحديث ١٤ ، ص ٣٥٠ .

(٦) المصدر السابق ، الحديث ١١ ، ص ٣٥٠ .

٣١٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01imagesimage006.png

٣١٥
 &

٣١٦
 &

الصّفات الخَبَرية

قسَّم بعض المتكلمين صفاتِه سبحانه إلى ذاتية وخبرية ، والمراد من الأولى أوصافه المعروفة : من العلم والقدرة والحياة ، والمراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات والأحاديث له سبحانه من العلو ، والوجه ، واليدين إلى غير ذلك . وقد اختلفت نظرية المتكلمين في تفسير هذا القسم من الصفات إلى أقوال :

الأول ـ الإِثبات مع التكييف والتشبيه

زعمت المُجَسّمة والمُشَبّهة أنَّ لله سبحانه عينين ويدين مثل الإِنسان . قال الشهرستاني : « أما مُشَبِّهة الحَشَوِيّة فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة ، وأنَّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإِخلاص »(١) .

__________________

(١) الملل والنحل ، ج ١ ، ص ١٠٥ . لاحظ بقية كلامه في هذا المجال فإنه يوقفك على مبلغ وعي المشبهة ! .

٣١٧
 &

وبما أنَّ التشبيه والتجسيم باطل بالعقل والنقل فلا نحوم حول هذه النظرية .

الثاني ـ الإِثبات بلا تكييف ولا تشبيه

إنَّ الشيخ الأشعري ومن تبعه يُجْرُون هذه الصفات على الله سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف ، لكن لأجل الفرار عن التشبيه يقولون « بلا تشبيه ولا تكييف » .

يقول الأشعري في كتابه ( الإِبانة ) : « إن لله سبحانه وجهاً بلا كيف ، كما قال : ( وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )(١) ، وإنَّ له يدين بلا كيف ، كما قال : ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(٢) »(٣) .

وليست هذه النظرية مختصة بالأشعري ، فقد نقل عن أبي حنيفة أنَّه قال : « وما ذكر الله تعالى في القرآن من الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف » .

وقد نقل عن الشافعي أنَّه قال : « ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) » .

وقال ابن كثير : « نحن نسلك مسلك السلف الصالح وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه »(٤) .

وحاصل هذه النظرية أنَّ له سبحانه هذه الحقائق لكن لا كالموجودة في

__________________

(١) سورة الرحمن : الآية ٢٧ .

(٢) سورة ص : الآية ٧٥ .

(٣) الإِبانة ، ص ١٨ .

(٤) لاحظ فيما نقلناه عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير « علاقة الإِثبات والتفويض » ، ص ٤٦ ـ ٤٩ .

٣١٨
 &

البشر . فله يدٌ وعينٌ ، لا كأيدينا وأعيننا وبذلك توفقوا ـ على حسب زعمهم ـ في الجمع بين ظواهر النّصوص ومقتضى التنزيه .

تحليل هذه النظرية

لا شك أَنَّه يجب على كل مؤمن الإِيمان بما وصف الله به نفسه ، وليس أَحَدٌ أعْرَفَ به منه ، يقول سبحانه : ( أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّـهُ )(١) . كما أَنَّه ليس لأحد أَنْ يصرف كلامه سبحانه في أَيّ مورد من الموارد عما يتبادر من ظاهره من دون قرينة قطعية تستوجب ذلك . فإِنَّ قول المؤوَّلة ـ الذين يُؤَوّلون ظواهر الكتاب والسنة بحجة أنَّ ظواهرها لا توافق العقل ـ مردود ، إذ لا يوجد في الكتاب والسنة الصحيحة ما يخالف العقل ، وإن ما يتصورونه ظاهراً ويجعلونه مخالفاً للعقل ليس ظاهر الكتاب المتبادر منه ، وإنما يتخيلونه ظاهراً كما سيبين .

ثم إنَّ ما جاء به الأشاعرة في هذه النظرية وقولهم بأنَّ لله يداً حقيقة بلا كيف ـ مثلاً ـ لا يرجع إلى معنى صحيح . وذلك أنَّ العقيدة الإِسلامية تتسم بالدقة والحصافة ، وفي الوقت نفسه بالسلامة من التعقيد والإِبهام ، وتبدو جلية مطابقة للفطرة والعقل السليم . وعلى ذلك فإبرازها بصورة التشبيه والتجسيم المأثور من اليهودية والنصرانية ، كما في النظرية الأولى ، أو بصورة الإِبهام والإِلغاز كما في هذه ، لا يجتمع مع موقف الإِسلام والقرآن في عرض العقائد على المجتمع الإِسلامي . فالقول بأنَّ لله يداً لا كأيدينا ، أو وجهاً لا كوجوهنا ، وهكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالألغاز . وما يلهجون به ويكررونه من أنَّ هذه الصفات تجري على الله سبحانه بنفس معانيها الحقيقة ولكن الكيفية مجهولة ، أشبه بالمهزلة . إذ لو كان إمرارها على الله

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ١٤٠ .

٣١٩
 &

تعالى بنفس معانيها الحقيقية ، لوجب أنْ تكون الكيفية محفوظة حتى يكون الاستعمال حقيقياً ، لأنَّ الواضع إنما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي قوامها بنفس كيفيتها . فاستعمالها في المعاني الحقيقية وإثبات معانيها على الله سبحانه بلا كيفية ، أشبه بكون حيوان أسداً حقيقة ولكن بلا ذنب ولا مخلب ولا ناب ولا ولا . . .

وباختصار ، قولهم إنَّ لله يداً حقيقة لكن لا كالأيدي ، كلام يناقض ذيله صدره . فاليد الحقيقية عبارة عن العضو الذي له تلك الكيفية المعلومة ، وحذف الكيفية حذف لحقيقتها ولا يجتمعان .

أضف إلى ذلك أنَّه ليس في النصوص من الكتاب والسنَّة من هذه « البلكفة » ( أي بلا كيف ) عينٌ ولا أثر ، وإنما هو شيء اخترعته الأفكار للتدرع به في مقام رد الخصم عن تهجمه عليهم بتهمة التجسيم ولذلك يقول العلامة الزمخشري :

وَقَدْ شَبّهوهُ بِخَلْقِهِ وَتَخَوَّفُوا

شَنْعَ الوَرَى فَتَسَتَّروا بالبَلْكَفَة

ليت شعري ، لو كَفَتْ هذه اللفظة في دفع التجسيم والتشبيه ، فليكف في مجالات أُخر بأنْ يُقال في حقه سبحانه إنَّ له جسماً لا كسائر الأجسام ، وإنَّ له دماً لا كسائر الدماء ولحماً لا كسائر اللحوم . حتى إنَّ بعض المتجرئين من المشبهة قال : « إنَّما استحييت ، عن إثبات الفرج واللحية ، واعفوني عنهما واسألوا عمّا وراء ذلك »(١) .

وبذلك تبين أنَّ عقيدة الأشعري في باب الصفات الخبرية لا تخرج ، عن إطار أحد الأمرين التاليين :

__________________

(١) الملل والنحل ج ١ ، ص ١٠٥ .

٣٢٠