الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الرذيلة بالقياس إلى النفوس الضعيفة العاجزة عنِ ضبط قواها عن الإِفراط والتفريط وعن سوقها إلى مسلك الطاعة الّذي تناط به السعادة الباقية .

وكذلك الآلام والأوجاع والغموم والهموم فهي من حيث كونها إدراكات ، ومن حيث وجودها أو صدورها من العلل الفاعلة لها ، خيرات كمالية ، وإِنما هي شرور بالقياس إِلى متعلقاتها .

وأمَّا من جانب توصيفه سبحانه بالحكمة والإِتقان في الفعل والعمل ، فليس في خلق هذه الحوادث والموجودات شيء يخالف الحكمة ، فإنه سبحانه خلق العقارب والحيّات والضواري والسباع بأَحسن الخلقة وأعطاها ما يكفيها في الحياة ( الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ )(١) . وإِنما تتسم هذه الحوادث والموجودات بالشر ويتراءى أنها خلاف الحكمة من حديث المقايسة ، وهو أمر ذهني لا خارجي .

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أَنَّ هناك عاملين دفعا الإِنسان إلى تصور أَنَّ الشَّر ، أَمرٌ عيني خارجي يعد إيجاده على خلاف الحكمة والعدل وأَنَّه عصيان عن النظم وهما :

١ ـ النَّظرة إِلى الأَشياء من منظر الأنانية وتناسي سائر الموجودات .

٢ ـ تصور أنَّ الشر له عينية خارجية كالموصوف ، والغفلة عن أَنَّه أمرٌ عدمي يتوجه إليه الذهن عند المقايسة .

وقد حان وقت البحث عن التحليل التربوي للشرور الذي يسهّل التصديق بعدم كون إيجادها على فرض كونها أموراً عينية في الخارج ـ لأجل هذه الآثار التربوية ـ مخالفاً للحكمة والعدل .

البحث الثَّاني ـ التَّحليل التربوي لمسألة الشرور

إِنَّ لهذه الحوادث آثاراً تربوية مهمة في حياة البشر المادية تارةً ، وفي

__________________

(١) سورة طه : الآية ٥٠ .

٢٨١
 &

إزاحة الغرور والغفلة عن الضمائر والعقول ثانياً . ولأَجل هذه الفوائد صحّ إيجادها ، سواء قلنا بأنّ الشّر موجود بالذات ، كما عليه المعترض ، أو موجود بالعَرَض ، كما حققناه .

وإليك فيما يلي توضيح هذه الآثار واحدة بعد الأخرى .

أ ـ المصائب وسيلة لتفجير الطَّاقات

إِنَّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات وتقدّم العلوم ورقي الحياة البشرية ، فها هم علماء الحضارة يصرّحون بأن أَكثر الحضارات لم تزدهر إلا في أَجواء الحروب والصراعات والمنافسات حيث كان الناس يلجأون فيها إلى استحداث وسائل الدفاع في مواجهة الأعداء المهاجمين ، أو إصلاح ما خرّبته الحروب من دمار وخراب . ففي مثل هذه الظروف تتحرك القابليات بجبران ما فات ، وتتميم ما نقص ، وتهيئة ما يلزم . وفي المثل السائر : « الحاجة أُمّ الإِختراع » .

وبعبارة واضحة : إِذا لم يتعرض الإِنسان للمشاكل في حياته فإن طاقاته ستبقى جامدة هامدة لا تنمو ولا تتفتح ، بل نمو تلك المواهب وخروج الطاقات من القوة إلى الفعلية ، رهن وقوع الإِنسان في مهب المصائب والشدائد .

نعم ، لا ندَّعي بأنَّ جميع النتائج الكبيرة توجد في الكوارث وإِنما ندَّعي أَنَّ عروضها يُهيء أَرضية صالحة للإِنسان للخروج عن الكسل . ولأَجل ذلك ، نرى أَنَّ الوالدين الذين يعمدان إلى إِبعاد أَولادهما عن الصعوبات والشدائد لا يدفعان إلى المجتمع إلّا أَطفالاً يهتزون لكل ريح كالنبتة الغضّة أَمام كل نسيم .

وأما اللذان يُنشئان أولادهما في أجواء الحياة المحفوفة بالمشاكل

٢٨٢
 &

والمصائب فيدفعان إلى المجتمع أَولاداً أَرسخ من الجبال في مهب العواصف .

قال الإِمام علي بن أبي طالب : « ألا إنّ الشَّجَرَةَ البَرّيّة أَصْلَبُ عُوداً ، والرَّوائِعَ الخَضِرَةَ أرَقُّ جُلوداً ، والنباتاتِ البَدَوِيَّةَ أَقوى وَقُوداً وأَبطَأُ خُموداً »(١) .

وإلى هذه الحقيقة يشير قوله سبحانه : ( فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّـهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا )(٢) .

وقوله تعالى : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )(٣) .

وقوله تعالى : ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب )(٤) أي تَعَرَّض للنَّصَب والتعب بالإِقدام على العمل والسعي والجهد بعد ما فرغت من العبادة ، وكَأنَّ النصر والمحنة حليفان لا ينفصلان وأَخوان لا يفترقان .

ب ـ المصائب والبلايا جرس إِنذار

إِنَّ التمتع بالمواهب الماديَّة والإِستغراق في اللذائذ والشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الأَخلاقية ، وكلما ازداد الإِنسان توغّلاً في اللذائذ والنعم ، ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية . وهذه حقيقة يلمسها كل إِنسان في حياته وحياة غيره ، ويقف عليها في صفحات التاريخ . فإذن لا بد لانتباه الإِنسان من هذه الغفلة من هزّة وجرس إِنذار يذكّره ويوقظ فطرته وينبهه من غفلته . وليس هناك ما هو أَنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يدرك عجزه ويتخلى عن غروره ويخفف من طغيانه . ونحن نجد في الكتاب العزيز التصريح بصلة

__________________

(١) نهج البلاغة ـ الخطبة ٤٥ .

(٢) سورة النساء : الآية ١٩ .

(٣) سورة الانشراح : الآيتان ٥ و ٦ .

(٤) سورة الانشراح : الآيتان ٧ و ٨ .

٢٨٣
 &

الطغيان بإحساس الغِنى ، إذْ يقول عز وجل : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ )(١) .

ولأَجل هذا يعلل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأَنها تنزل لأَجل الذِكرى والرجوع إِلى الله ، يقول سبحانه : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ )(٢) .

ويقول أيضاً : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ )(٣) .

هكذا تكون البلايا والمصائب سبباً ليقظة الإِنسان وتذكرة له ، فهي بمثابة صفع الطبيب وجه المريض المبنّج لإِيقاظه ، الذي لولا صفعته لانقطعت حياة المريض .

فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أَنَّ التكامل الأَخلاقي رهن المحن والمصائب ، كما أنَّ التفتح العقلي رهن البلايا والنوازل .

والإِنسان الواعي يتخذها وسيلة للتخلي عن الغرور ، كما يتخذها سلماً للرقي إلى مدارج الكمال العلمي ، وقد لا يستفيد منها شيئاً فيعدّها مصيبة وكارثة في الحياة .

ج ـ البلايا سبب للعودة الى الحق

إِنَّ للكون هدفاً ، كما أنّ لخلق الإِنسان هدفاً كذلك ، وليس الهدف من خلقة الإِنسان إلّا أَنْ يتكامل ويصل إِلى ما يمكن الوصول إِليه . وليس الهدف من بعث الأَنبياء وإِنزال الكتب إِلَّا تحقيق هذه الغاية السامية . ولما كانت المعاصي والذنوب من أَكبر الأَسباب التي توجب بعد الإِنسان عن الهدف الذي خُلق من أَجله ، وتعرقل مسيرة تكامله ، كانت البلايا

__________________

(١) سورة العَلَق : الآيتان ٦ و ٧ .

(٢) سورة الأعراف : الآية ٩٤ .

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٣٠ .

٢٨٤
 &

والمصائب خير وسيلة لإِيقاف الإِنسان العاصي على نتائج عتوه وعصيانه حتى يعود إِلى الحق ويرجع إِلى الطريق الوسطى . وإِلى هذه النكتة يشير قوله سبحانه : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )(١) . ويقول سبحانه في آية أخرى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )(٢) .

د ـ البلايا سبب لمعرفة النّعم وتقديرها

إِنَّ بقاء الحياة على نمط واحد يوجب أَنْ لا تتجلى الحياة لذيذة محبوبة ، وهذا بخلاف ما إذا تراوحت بين المُرّ والحُلو والجميل والقبيح ، فلا يمكن معرفة السلامة إِلّا بالوقوف على العيب . ولا الصّحة إلّا بلمس المرض ، ولا العافية إِلّا عند نزول البلاء . ولا تدرك لذة الحلاوة إِلّا بتذوق المرارة .

فجمال الحياة وقيمة الطبيعة ينشئان من التنوع والإِنتقال من حال الى حال ومن وضع إلى آخر . ولأَجل ذلك نلمس أَنَّ خالق الطبيعة جعل الوديان إِلى جانب الجبال ، والأَشواك جانب الورود ، والثّمار المرّة جَنْب الحلوة ، والماء الأَجاج جَنْب العَذْب الفُرات ، إِلى غير ذلك من مظاهر التضاد والتباين التي تضفي على الطبيعة بهاءً وجمالاً ، وكمالاً وجلالاً .

هذه هي الآثار التربوية للمصائب والبلايا ، وتكفي في تسويغ نزولها ، وتبرير تحقيقها في الحياة البشرية .

*        *       *

__________________

(١) سورة الروم : الآية ٤١ .

(٢) سورة الاعراف : الآية ٩٦ .

٢٨٥
 &

البلايا المصطنعة للأَنظمة الطاغوتية

إِنَّ هناك من المِحَن ما ينسبه الإِنسان الجاهل إلى خالق الكون ، والحال أنَّها من كسب نفسه ونتيجة منهجه . بل الأَنظمة الطاغوتية هي التي سببت تلك المحن وأَوجدت تلك الكوارث ، ولو كانت هناك أنظمة قائمة على قيم إلهية لما تعرض البشر لتلك المحن .

فالتقسيم الظالم للثروات هو الذي صار سبباً لتجمع الثروة عند ثلّة قليلة ، وانحسارها عن جماعات كثيرة ، كما صار سبباً لتمتع الطائفة الأولى بكل وسائل الوقاية والحماية من الأَمراض والحوادث وحرمان الطائفة الثانية منها . فهذه البلايا المصطنعة خارجة عن إطار البحث ، فلا تكون موقظة للفكر ولا مزكيّة للنفوس ، بل تهيء أَرضية صالحة للإِنتفاضات والثورات .

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أَنَّ الظواهر غير المتوازنة بحسب النظرة السطحية متوازنة بالقياس إلى مجمل النّظام ولها آثار اجتماعيَّة وتربويَّة ولا مناص في الحياة البشريَّة منها فلا تعد مناقضة للنَّظْم السائد ولا لحكمة الخالق ولا لعدله وقسطه سبحانه وتعالى .

*        *       *       *

٢٨٦
 &

ثمرات التَّحسين والتقبيح العقليَّيْن

(٣)

الله عادلٌ لا يجور

إنَّ مقتضى التَّحسين والتّقبيح العقليين ـ على ما عرفت ـ هو أَنَّ العقل ـ بما هو هو ـ يدرك أَنَّ هٰذا الشيء ـ بما هو هو ـ حسن أو قبيح ، وأَن أحد هٰذين الوصفين ثابت للشيء ـ بما هو هو ـ من دون دخالة ظرف من الظروف أَوْ قيد من القيود ، ومن دون دخالة دَرْكِ مدرك خاص .

وعلى ذلك فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعية عامة ، متساوية بالنسبة إِلى جميع المدركين والفاعلين ، من غير فرق بين الممكن والواجب . فالعدل حَسَن ويُمْدَح فاعله عند الجميع ، والظلم قبيح يُذَمّ فاعلُه عند الجميع . وعلى هذا الأَساس فالله سبحانه ، المدرك للفعل ووصفه ـ أعني استحقاق الفاعل للمدح أو الذم ـ من غير خصوصية للفاعل ، كيف يقوم بفعل ما يحكم بأَنَّ فاعله مستحق للذم ، أَو يقوم بفعل ما يحكم بأَنه يجب التنزه عنه ؟

وعلى ذلك فالله سبحانه عادل ، لأَن الظلم قبيح ومما يجب التنزّه عنه ، ولا يصدر القبيح من الحكيم ، والعدل حسن ومما ينبغي الإِتصاف به ، فيكون الإِتصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزهاً عما لا ينبغي .

وإنْ شئت قلت : إِنَّ الإِنسان يدرك أنَّ القيام بالعدل كمال لكل احد .

٢٨٧
 &

وارتكاب الظلم نقص لكل أَحد . وهو كذلك ـ حسب إِدراك العقل ـ عنده سبحانه . ومعه كيف يجوّز أَنْ يرتكب الواجب خلاف الكمال ، ويقوم بما يجرّ النقص إليه(١) .

دفع إشكال

ربما يقال إنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً عند الإِنسان ، لا يدل على كونه كذلك عند الله سبحانه ، فكيف يمكن استكشاف أنه لا يترك الواجب ولا يرتكب القبيح ؟ .

والإِجابة عنه واضحة ، وذلك أنَّ مَغْزى القاعدة السالفة هو أنَّ الإِنسان يدرك حسن العدل وقبح الظلم لكلّ مُدْرِكٍ شاعر ، ولكلّ عاقلٍ حكيم ، من غير فرق بين الظروف والفواعل . وهذا نظير درك الزوجية للأربعة ، فالعقل يدرك كونها زوجاً عند الجميع ، لا عند خصوص الممكن ، فليس المقام من باب إسراء حكم الإِنسان الممكن إلى الواجب تعالى ، بل المقام من قبيل استكشاف قاعدة عامة ضرورية بديهية عند جميع المدركين من غير فرق بين خالقهم ومخلوقهم . ولا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة ، بل جميع القواعد العامة في الحكمة النظرية كذلك .

وعلى هذا يثبت تنزهه سبحانه عن كل قبيح ، واتصافه بكل كمال في

__________________

(١) وربما يقرر وجه عدم صدور عدم القبيح عنه تعالى بأنَّ الدَّاعي إلى صدوره إما داعي الحاجة ، أو داعي الحكمة ، أو داعي الجهل . والكل منتف في حقه سبحانه . أمَّا الأَول فلغناه المطلق ، وأَمَّا الثّاني فلكون الحكمة في خلافه ، وأَما الثالث فلكونه عالماً على الإِطلاق .

وبما أنَّ هذا الدليل مبني على كون فاعلية الواجب بالداعي الزائد على ذاته ، وهو خلاف التحقيق ، لكونه تاماً في الفاعلية فلا يحتاج فيها إلى شيء وراء الذات ، أَتينا به في الهامش . وقد اعتمد عليه العلَّامة في شرح التجريد ص ١٨٧ ـ ١٨٨ . والفاضل المقداد في شرح نهج المسترشدين ص ٢٦٠ وغير ذلك من الكتب الكلامية .

٢٨٨
 &

مقام الفعل ، فيثبت كونه تعالى حكيماً لا يرتكب اللغو وما يجب التنزه عنه ، وبالتالي فهو عادل لا يجور ولا يظلم ولا يعتدي .

العدل في الذّكر الحكيم

تضافرت الآيات الكريمة مركزة على قيامه سبحانه بالقسط ، نورد فيما يلي بعضاً منها :

قال سبحانه : ( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ )(١) .

وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط ، عرّف الغاية من بعثة الأنبياء بإِقامة القسط بين الناس .

قال سبحانه : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )(٢) .

كما صرّح بأن القسط هو الركن الأساس في محاسبة العباد يوم القيامة ، إذ يقول سبحانه : ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا )(٣) .

وما في هذه الآيات وغيرها إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم ذاته ، بأنَّ العدل كمالٌ لكل موجود حيّ مدرك مختار ، وأَنَّهُ يجب أَنْ يتصف اللَّهُ تعالى به في أفعاله في الدنيا والآخرة ، ويجب أنْ يقوم سفراؤه به .

__________________

(١) سورة آل عمران : الآية ١٨ .

(٢) سورة الحديد : الآية ٢٥ .

(٣) سورة الأنبياء : الآية ٤٧ .

٢٨٩
 &

العدل في التشريع الإِسلامي

وهذه المكانة التي يحتلها العدل ـ التي عرفت أنه لولاه لارتفع الوثوق بوعده ووعيده وانخرم الكثير من العقائد الإِسلامية ـ هي التي جعلته سبحانه يعرّف أحكامَهُ ويصف تشريعاتِهِ بالعدل ، وأنه لا يشرّع إلّا ما كان مطابقاً له .

يقول سبحانه : ( وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )(١) .

فالجزء الأول من الآية ناظر إلى عدله سبحانه بين العباد في تشريع الأحكام ، كما أنَّ الجزء الثاني ناظرٌ إلى عدله يوم الجزاء في مكافاته ، هذا .

وإن شعار الذكر الحكيم هو : ( فَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )(٢) . وهو يكشف عن عدالته سبحانه في التشريع والجزاء .

العدل في روايات أئمة أَهل البيت

اشتهر عليُّ ( عليه ‌السلام ) وأولادُه بالعدل ، وعنه أخذت المعتزلة ، حتى قيل : « التوحيد والعدل علويان والتشبيه والجبر أمويان » . وإليك بعض ما أثِرَ عنهم ( عليهم‌ السلام ) .

١ ـ سئل عليّ ( عليه ‌السلام ) عن التوحيد والعدل ، فقال : « التَوْحِيدُ أنْ لا تَتَوَهَّمَهُ والعَدْلُ أنْ لا تَتَّهِمَهُ »(٣) وقد فُرض كونه سبحانه عادلاً فطلب معناه .

__________________

(١) سورة المؤمنون : الآية ٦٢ .

(٢) سورة الروم : الآية ٩ .

(٣) نهج البلاغة ـ قسم الحكم ـ رقم ٤٧٠ .

٢٩٠
 &

قال ابن أبي الحديد : « هذان الركنان هما ركنا علم الكلام وهما شعار أصحابنا المعتزلة لتفيهم المعاني القديمة التي يثبتها الأشعري وأصحابه ، ولتنزيههم الباري سبحانه عن فعل القبيح ، ومعنى قوله : « أنْ لا تتوهمه » : أنْ لا تتوهمه جسماً أو صورة أو في جهة مخصوصة أو مالئاً لكل الجهات ، كما ذهب إليه قوم ، أو نوراً من الأنوار ، أو قوة سارِية في جميع العالم كما قاله قوم ، أو من جنس الأَعراض التي تحل الحالّ أو تحل المَحَل وليس بعَرض ، كما قاله النصارى ، أو تحله المعاني والأعراض فمتى تُوُهّم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد .

وأما الركن الثاني فهو « أنْ لا تتهمه » : أي أَنْ لا تتهمه في أنَّهُ أَجبرك على القبيح ويعاقبك عليه ، حاشاه من ذلك ولا تتهمه في أنَّه مكّن الكذّابين من المعجزات فأضل بهم الناس ، ولا تتهمه في أَنَّه كلّفك ما لا تطيقه وغير ذلك من مسائل العدل التي تذكرها أَصحابنا مفصلة في كتبهم ، كالعوض عن الأَلم فإِنه لا بدّ منه ، والثواب على فعل الواجب فإِنه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده فإِنه لا بد منه .

وجملة الأمر أنَّ مذهب أَصحابنا في العدل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . وهذا الموضع من المواضع التي قد صرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه ، وفي فرش كلامه من هذا النمط ما لا يحصى »(١) .

٢ ـ روى ( الصدوق ) عن الصادق ( عليه السلام ) أنَّ رجلاً قال له : إِنَّ أساس الدين التوحيد والعدل ، وعِلْمُهُ كثيرٌ ، ولا بُدّ لعاقل منه ، فاذكر ما يَسْهُلُ الوقوفُ عليه ويتهيّأ حفظُه . فقال ( عليه السلام ) : « أمّا التّوحِيدُ فَأَنْ لا تَجَوِّزَ عَلى رَبِّك ما جازَ عليكَ ، وأمّا العَدْلُ فَأَنْ لا تَنْسبَ إلى خَالِقِكَ ما لاَمَكَ عَلَيْهِ »(٢) .

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ، ج ٢٠ ، ص ٢٢٧ .

(٢) التوحيد ، باب معنى التوحيد والعدل ، الحديث الأول ، ص ٩٦ .

٢٩١
 &

٣ ـ وقال علي ( عليه السلام ) : « وَأشْهَدُ أنّه عَدْلٌ عَدَل ، وحَكَمٌ فَصَل »(١) .

٤ ـ وقال ( عليه السلام ) : « الذي صَدَقَ في ميعادِهِ ، وارتَفَعَ عن ظُلْمِ عبادِهِ ، وقَامَ بالقِسْطِ في خَلْقِهِ ، وعَدَلَ عليهم في حُكْمِهِ »(٢) .

٥ ـ وقال صلوات الله عليه : « الذي أعْطى حِلْمُهُ فَعَفَا ، وعَدَلَ في كل ما قَضَى »(٣) .

٦ ـ وقال ( عليه السلام ) : « اللّهُمَّ احمِلني على عَفْوِكَ ، ولا تَحْمِلني على عَدْلِكَ »(٤) .

إلى غير ذلك من المأثورات عن أَئمة أَهل البيت ، وسيوافيك قسم منها عند البحث عن القضاء والقدر ، والبحث عن الجبر والاختيار .

*        *       *

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٢١٤ .

(٢) نهج البلاغة ، الخطبة ١٨٥ .

(٣) نهج البلاغة ، الخطبة ١٩١ .

(٤) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٢٧ .

٢٩٢
 &

ثمرات التحسين والتقبيح العقليين

(٤)

ما هو المصحح لعقوبة العبد ؟

لقد تضافرت النصوص السماوية على عقوبة المجرمين والتنكيل بالظالمين وعندئذ يقع الكلام في مقامين :

الأول : ما هو الغرض من العقوبة ؟ فهل هو التّشفي كما في قوله سبحانه : ( وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا )(١) ؟ ولكن هذه الغاية منتفية في جانب الحق سبحانه لأنه أجلّ من أنْ يكون له هذا الداعي لاستلزامه طروء الإِنفعال إلى ذاته . أو لاعتبار الآخرين ؟ وهذا إِنّما يصح في دار التكليف لا في دار الجزاء . يقول سبحانه : ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ )(٢) .

فقوله : ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) قرينة على أنَّ الغاية

__________________

(١) سورة الإِسراء : الآية ٣٣ .

(٢) سورة النور : الآية ٢ .

٢٩٣
 &

من جلد الزانية والزاني هو اعتبار الآخرين ، أو أنه أَحد الغايات .

الثاني : إنَّ من السنن العقلية المقررة مساواة العقوبة للجُرْم كماً وكَيْفاً ، غير أن هذه المعادلة منتفية في العقوبات الأخروية ، فإنَّ قسماً من المجرمين يخلدون في النار مع أن معصيتهم أقل مدة من مدة التعذيب .

قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )(١) .

وقال سبحانه : ( وَعَدَ اللَّـهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّـهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ )(٢) .

قال المفيد :« اتّفقت الإِمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفّار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإِقرار بفرائضه من أَهل الصلاة »(٣) .

وقال الصدوق في عقائده : « اعتقادنا في النار أنه لا يخلد فيها إلَّا أهل الكفر والشرك ، فأما المذنبون من أهل التوحيد فيخرجون منها بالرحمة التي تدركهم »(٤) .

وأما الجواب : عن السؤال الأول ، فنقول : إن السؤال عن غاية العقوبة ، وإنها هل هي للتشفي أو لإِيجاد الإِعتبار في غير المعاقَب إنما يتوجه على العقوبات التي تترتب على العمل عن طريق التقنين والتشريع ، فللتعذيب في ذلك المجال إحدى الغايتين : التَشَفّي أو الإِعتبار .

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٣٩ .

(٢) سورة التوبة : الآية ٦٨ .

(٣) أوائل المقالات ، ص ١٤ .

(٤) عقائد الصدوق ، ص ٩٠ ، الطبعة القديمة الملحقة بشرح الباب الحادي عشر .

٢٩٤
 &

وأما إذا كانت العقوبة أثراً وضعياً للعمل بالوجهين الآتيين ، فالسؤال ساقط ، لأَن هناك ضرورة وجودية بين وجود المجرم والعقوبة التي تلابس وجوده في الحياة الأخروية ، فعند ذلك لا يصح أن يُسأل عن أن التعذيب لماذا ، وإِنما يتجه السؤال مع إمكان التفكيك ، والوضع والرفع ، كالعقوبات الإِتفاقية .

ثم إِنَّ الملازمة الخارجية بين الإِنسان والعقوبة تتصور على وجهين :

الأَول : إنَّ كلاً من الأَعمال الإِجرامية أو الصالحة التي تصدر من الإِنسان في عالم الطبيعة تُوجِد في النفس مَلَكَةً مناسبة لها ، بسبب تكرار العمل وممارسته . وهذه المَلَكات النَفْسانية ليست شيئاً مفصولاً عن وجود الإِنسان ، بل تشكل حاقّ وجوده وصَميم ذاته . فالإِنسان الصالح والطالح إِنما يحشران بهذه الملكات التي اكتسباها في الحياة الدنيوية عن طريق الطاعة والمعصية ، ولكل ملكة أثر خاص يلازمها . وإن شئت قلت : إنّ كل نفس مع ما اكتنفها من الملكات تكون خَلّاقةً للصور التي تناسبها ، إِما الجنة والروح والريحان ، أو النار ولهيبها وعذابها . فعلى ذلك يكون الثواب والعقاب مخلوقين للنفس قائمين بها على نحو لا يتمكن من ترك الإِيجاد . وهذا كالإِنسان الصالح الذي ترسخت فيه الملكات الصالحة في هذه الدنيا ، فإنه لا يزال يتفكر في الأمور الصالحة ، ولا تستقر نفسه ولا تهدأ إلّا بالتفكر فيها ، وفي مقابله الإِنسان الطالح الذي ترسخت فيه الملكات الخبيثة عن طريق الأعمال الشيطانية في الحياة الدنيوية فلا يزال يتفكر في الأمور الشرّيرة والرديئة ، ولو أراد إِبعاد نفسه عن التفكر فيما يناسب ملكتها لم يقدر على ذلك .

ويظهر من العلامة ( الطباطبائي ) أَنَّ الثواب والعقاب الأخرويين من الحقائق التي يكتسبها الإِنسان بأعماله الصحيحة والفاسدة ، وهما موجودان في هذه النشأة غير أنَّ الأحجبة تحجز بينه وبين ما أعد لنفسه من الجنة والنار ، قال : « إِن ظاهر الآيات أنَّ للإِنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش

٢٩٥
 &

بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ، ذات أصول وأَعراق ، يعيش بها فيها وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحُجُب » .

إلى أنْ قال : « إنَّ الأَعمال تُهيء بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أموراً مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيراً أو شراً هي التي سيطلع عليها الإِنسان يوم يكشف عن ساق »(١) .

وقد استظهر ما ذكره من عدة آيات ذكرها في كتابه .

وعلى ضوء ما ذكرنا ، فالإِنسان الوارد إلى الحياة الجديدة إنما يردها بملكات طيبة أو خبيثة ، ولها لوازم تطلبها ضرورة وجوباً شاء أم لم يشاء . وهذه اللوازم تتجلى بصورة النِعَم والنِقَم لكل من الطائفتين .

فعند ذلك يسقط السؤال عن الهدف من التعذيب . وهذا نظير من شرب السم فيُقْتل ، أو شرب الدواء النافع فيبرأ ، فلا يصح السؤال عن الهدف من القتل والإِبراء .

الثاني : إِنَّ من المقرر في محله أنَّ لعمل الإِنسان صورتين ، صورة دنيوية وصورة أخروية ، فعمل الإِنسان يتجلى في كل ظرف بما يناسبه ، فالصلاة لها صورتها الخاصة في هذه الحياة من حركات وأذكار ، ولكن لها صورة أخرى في الحياة الأخروية .

كما أنَّ الصوم له وجود خاص في هذا الظرف يعبر عنه بالإِمساك عن المفطرات ، وله وجود آخر في العالم الأَعلى يعبر عنه بكونه جُنّة من النار . وهكذا سائر الأَعمال من صالحها وطالحها . وهذا ما أَخبر عنه الكتاب العزيز ، يقول سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا )(٢) .

__________________

(١) الميزان ، ج ١ ، ص ٩١ ـ ٩٣ .

(٢) سورة النساء : الآية ١٠ .

٢٩٦
 &

وقال سبحانه : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(١) .

وقال سبحانه : ( يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ )(٢) . إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على حضور نفس العمل يوم القيامة ، لكن باللباس الأخروي ، وهذا يعرب عن أنَّ لفعل الإِنسان واقعية تتجلى في ظرف بصورة وفي آخر بأُخرى .

وهذه الأعمال تلازم وجوده ولا تنفك عنه ، فإِذا كان عمل كل إِنسان يعد من ملازمات وجوده ، وملابسات ذاته ، فالسؤال عن أنَّ التعذيب لماذا ، يكون ساقطاً ، إِذ السؤال إِنما يتوجه إذا كان التفكيك أمراً ممكناً .

والفرق بين الوجهين واضح : ففي الوجه الأول تكون نفس الإِنسان الصالح أو الطالح خلّاقةً لثوابه وعقابه وجنته وناره حسب المَلَكات التي اكتسبتها في هذه الدنيا بحيث لا يمكن لصاحب هذه المَلَكَة السكون والهدوء إِلّا بفعل ما يناسبها . وفي الوجه الثاني يكون العمل متجلياً في الآخرة بوجوده الأخروي من دون أنْ يكون للنفس دور في تلك الحياة في تجلّي هذه الأَعمال بتلك الصور بل هي من ملازمات وجود الإِنسان المحشور ، فلا يُحْشَر الإِنسان وحده بل يحشر مع ما يلازم وجوده ويقارنه ويلابسه ولا ينفك عنه . وباختصار تكون رابطة الجزاء مع الإِنسان في القسم الأَول رابطة إِنتاجية بحيث تكون النفس منتجة ومولّدة للجزاء الحسن والسيء . وأما في الثاني فهي من ملازمات وجود الإِنسان وملابِساته من دون انتاج .

قال تعالى : ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

__________________

(١) سورة ال عمران : الآية ١٨٠ .

(٢) سورة التوبة : الآية ٣٥ .

٢٩٧
 &

كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا )(١) .

ولعلك لو نظرت إلى الآيات التي تحكي عن حضور نفس العمل في الآخرة ، وأضفت إليها « احتمال كون هذه الأعمال بِصُوَرِها الأُخروية من ملازمات ذات الإِنسان صالِحِهِ وطالِحِهِ » لسَهُل عليك الإِجابة عن السؤال من أنَّ التعذيب لماذا . قال سبحانه : ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا )(٢) وقال سبحانه : ( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )(٣) . وقال سبحانه : ( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ )(٤) . وقال سبحانه حاكياً عن لقمان : ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ )(٥) .

فليس الحاضر يوم الجزاء إلّا نفس العمل الذي يعبَّر عنه بتجسم الأَعمال وتحققها بالصور المناسبة لذلك الظرف .

ولعل ما ورد في الآيات والروايات من أنَّ العمل الصالح حرث الآخرة أو مطلق العمل كذلك إِشارة إلى هذا الجواب . فذات العمل طاعة كان أو عصيانا ، حَبٌّ يزرعه الإِنسان في حياته الدنيوية ، وهذا الحَبّ ينمو ويتكامل ويصير حرثاً له في الآخرة يحصده بحسب ما زرع ، قال سبحانه : ( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ )(٦) .

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « العَملُ الصالحُ حرثُ

__________________

(١) سورة الإِسراء : الآية ١٣ .

(٢) سورة آل عمران : الآية ٣٠ .

(٣) سورة الكهف : الآية ٤٩ .

(٤) سورة التكوير : الآية ١٤ .

(٥) سورة لقمان : الآية ١٦ .

(٦) سورة الشورى : الآية ٢٠ .

٢٩٨
 &

الآخرة »(١) .

كل ذلك يعرب عن أنَّ رابطة الجزاء مع الإِنسان رابطة العلية والمعلولية .

فالإِنسان بوجوده علة لجزائه ، إما بخلقه وإِيجاده أو كونه زارعاً في هذه الدنيا زرعاً يحصد جناه في الآخرة ، وليس بينه وبين حرثه انفكاك . فإذا كانت الرابطة بهذه الصورة ( العلية والمعلولية ) لم يكن للسؤال مجال .

نعم ، لا يصحّ لمتشرع ملمّ بالكتاب والسنَّة أنْ يحصر النّعمة والنّقمة في هذين القسمين وينكر جنة مفصولة أو عذاباً كذلك عن وجود الإِنسان وعمله ، فإِن الظاهر أنَّ لكل من الجنة والنار وجودين مستقلين يرد إِليهما الإِنسان حسب أعماله . ومع ذلك كله ، لا مانع من أنْ يكون هناك تعذيب أو تنعيم بأحد المعنيين الماضيين . ولمّا كان الإِشكال عقلياً ، كفى في رفعه ما ذكرنا من الوجهين .

وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول :

إنَّ ما ذُكر مِنَ السُّنة العقلية من التطابق بين الجرم والعقوبة كَمّاً وكيفاً ، إنما يرتبط بالعقوبات الجعلية ، وأَما إذا كانت العقوبة أثراً وضعياً للعمل فلا نجد تلك المطابقة في الكم ولا في الكيف .

فالسائق الغافل لحظة واحدة ربما يتحمل خسارات نفسية ومالية تدوم مدة عمره . والإِنسان الذي يستر بذرة شوك أو بذرة ورد تحت التراب ، يحصد الأشواك والورود ما دام العمر ، فالعمل كان آنياً والنتيجة دائمية ، فليست المعادلة محفوظة بين العمل وثمرته .

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٢ ، طبعة عبده .

٢٩٩
 &

فإذا كان عمل الإِنسان في هذه الحياة بذوراً لما يحصده في الآخرة فلا مانع من أنْ تكون النتيجة دائمية والعمل آنياً أو قصير المدة . وهذا بنفسه كافٍ في ردّ الإِشكال ، وقد عرّفه سبحانه نتيجة عمله في الآخرة وأنَّ أَعماله القصيرة سوف تورث حسرة طويلة أو دائمة وأنّ عمله هنا سينتج له في الآخرة أشواكاً تؤذيه أو وروداً تطيّبه ، وقد أقدم على العمل عن علم واختيار ، فلو كان هناك لوْم فاللوم متوجه إليه ، قال سبحانه حاكياً عن الشيطان : ( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّـهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(١) .

وفيما مرّ من الآيات التي تَعُدُّ الجزاء الأُخروي حَرْثاً للإِنسان تأييد لهذا النظر .

على أنَّ من المحتمل أَنَّ الخلود في العذاب مختص بما إذا بطل استعداد الرحمة وإمكان الإِفاضة . قال تعالى : ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )(٢) .

ولعل قوله : ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) إحاطتها به إحاطة توجب زوال أي قابلية واستعداد لنزول الرحمة ، والخروج عن النقمة(٣) .

وكيف كان ، فيظهر صحة ما ذكرنا إذا أَمعنت النظر فيما تقدم في الجواب عن السؤال الأول وهو أنَّ الجزاء إمّا مخلوق للنفس أو يلازم وجود الإِنسان وفي مثله لا تجري السنة العقلية كما هو واضح .

*        *       *

__________________

(١) سورة إبراهيم : الآية ٢٢ .

(٢) سورة البقرة : الآية ٨١ .

(٣) الميزان ، ج ١٢ ، ص ٨٦ .

٣٠٠