الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ب ـ قبح التكليف بما لا يطاق

من نتائج حكم العقل بعدله تعالى ، حكمه بلزوم وجود التمكّن والقدرة في العبد للإِتيان بما يُكَلَّفون به ، وأنَّ تكليفهم وإلزامهم بما هو فوق طاقتهم ظلم وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم ، ولأجل أهمية هذا البحث نفرده أيضاً ببحث مستقل بعد عرض هذه النتائج .

ج ـ مدى تأثير القضاء والقدر في مصير الإِنسان

من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، تأثير القضاء والقدر في مصير الإِنسان ، وهذه المسألة مع كونها من المسائل الأصولية في العقيدة الإِسلامية ، مما وقع فيه الجدل والنقاش إلى درجة التكفير وإراقة الدماء بين المسلمين في العصور الأولى . ويتفرع عليها مسألة البَداء أو تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة . وحيث إنَّ الوقوف عليهما يتوقف على الإِسهاب والتفصيل في مباحثهما ، خصصنا كلّاً منهما بفصل خاص من فصول الكتاب .

د ـ اختيار الإِنسان

من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، اختيار الإِنسان في أفعال نفسه ، وذلك أنَّ كونه مجبوراً مُسَيَّراً فيما يقوم به ، ظلم وجور . وحيث إنَّ هذه المسألة أيضاً من المسائل التي كثر فيها الجدال وتعددت فيها الآراء بين إفراط وتفريط ، أفردناها بالبحث في فصل مستقلّ من الكتاب ، مع ما يتفرع عليها من البحوث حول الحسنة والسيئة ، والهداية والضلالة وغير ذلك .

هـ ـ المصحح للعقاب الأُخروي

من جملة التساؤلات التي طرحت حول عدله سبحانه ، ما هو المصحح للعقاب الأُخروي ؟ وذلك من جهتين :

٢٦١
 &

الأولى ـ لماذا العقاب الأخروي ؟ هل هو للتّشفي أو الإِنتقام وكلاهما نقص تعالى الله عنه .

الثانية ـ إنَّ مقتضى القانون العقلي أن تكون العقوبة على مقدار الجرم ، والتخلف عن ذلك ظلم وجور تنزَّه الله عنه ، فَلِمَ يُخَلّد الكافرون والمجرمون في النار أبداً ؟ .

وسنجيب عنهما بعد التعرّض للبحث عن عدله تعالى(١) .

*        *       *

__________________

(١) وهناك جملة أخرى من التساؤلات حول حكمته وعدله تعالى ، أجاب عنها الأستاذ دام ظله في موسوعته « الله خالق الكون » ، فلاحظ ص ٩٧ ـ ٩٩ . وص ٢٦٩ ـ ٢٨١ .

٢٦٢
 &

ثمرات التَّحسين والتقبيح العقليين

(١)

أفعال الله سبحانه معللة بالغايات

ذهبت الأشاعرة إلى أن أفعاله سبحانه ليست معللة بالأغراض وأنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء واستدلوا على ذلك بوجوه :

الوجه الأول

لو كان فعله تعالى لغرض لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض لأنه لا يصلح غرضاً للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال(١) .

وأجابت العدلية بأنّ أفعاله تعالى معللة بالمصالح والحِكَمْ تفضلاً على العباد فلا يلزم الاستكمال ولا وجوب الأصلح . واختاره صاحب المقاصد وتبعته الماتريدية(٢) .

توضيح الجواب :

هل الغاية ، غاية للفاعل أو للفعل ؟

إن الأشعري خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل ، والغرض الراجع إلى فعله ، فالاستكمال موجود في الأول دون الثاني ، والقائل بكون أفعاله

__________________

(١) المواقف ص ٢٣١ .

(٢) إشارات المرام ص ٥٤ .

٢٦٣
 &

معلّلة بالأغراض والغايات والدواعي والمصالح ، إنما يعني بها الثاني دون الأول ، والغرض بالمعنى الأول ينافي كونه غنياً بالذات وغنياً في الصفات وغنياً في الأفعال ، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً ، وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً فالجمع بين كونه غنياً غير محتاج إلى شيء ، وكونه حكيماً منزهاً عن العبث واللغو ، بالقول باشتمال أفعاله على مصالح وحِكَم ترجع إلى العباد والنظام لا إلى وجوده وذاته ، كما لا يخفى .

تفسير العلة الغائية

العلة الغائية التي هي إحدى أجزاء العلة التامة ، يراد منها في مصطلح الحكماء ، ما تُخرج الفاعل من القوة إلى الفعل ، ومن الإمكان إلى الوجوب ، وتكون متقدمة صورة وذهناً ومتأخرة وجوداً وتحققاً ، فهي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلاً بالقوة إلى كونه فاعلاً بالفعل . مثلاً : النجار لا يقوم بصنع الكرسي إلا لغاية مطلوبة مترتبة عليه ، ولولا تصور تلك الغاية لما خرج عن كونه فاعلاً بالقوة ، إلى ساحة كونه فاعلاً بالفعل . وعلى هذا فللعلة الغائية دور في تحقق المعلول وخروجه من الإمكان إلى الفعلية ، لأجل تحريك الفاعل نحو الفعل ، وسوقه إلى العمل .

ولا نتصور العلة الغائية بهذا المعنى في ساحته ، لغناه المطلق في مقام الذات والوصف والفعل ، فكما أنه تام في مقام الوجود ، تام في مقام الفعل ، فلا يحتاج في الإيجاد إلى شيء وراء ذاته . وإلا فلو كانت فاعلية الحق ، كفاعلية الإنسان ، فلا يقوم بالإيجاد والخلق إلا لأجل الغاية المترتبة عليه ، فيكون ناقصاً في مقام الفاعلية مستكملاً بشيء وراء ذاته ، وهو لا يجتمع مع غناه المطلق . .

هذا ما ذكره الحكماء ، وهو حق لا غبار عليه . وقد استغلته الأشاعرة في غير موضعه واتخذوه حجة لتوصيف فعله عارياً عن أية غاية وغرض ، وجعلوا فعله كفعل العابثين واللاعبين ، يفعل ( العياذ بالله ) بلا غاية ، ويعمل بلا غرض ، ولكن الاحتجاج بما ذكره الحكماء لإثبات ما قالته ، واضح البطلان ، لأن

٢٦٤
 &

إنكار العلة الغائية بهذا المعنى ، لا يلازم أن لا يترتب على فعله مصالح وحكم ينتفع بها العباد وينتظم بها النظام ، وإن لم تكن مؤثرة في فاعلية الحق وعليَّته ، وذلك لأنه سبحانه فاعل حكيم ، والفاعل الحكيم لا يختار من الأفعال الممكنة إلا ما يناسب ذلك ، ولا يصدر منه ما يضاده ويخالفه .

وبعبارة ثانية :لايُعْني من ذلك أنه قادر على أحد الفعلين دون الآخر ، وأنَّه في مقام الفاعلية يستكمل بالغاية ، فيقوم بهذا دون ذاك ، بل هو سبحانه قادر على كلا الأمرين ، ولا يختار منهما إلا ما يوافق شأنه ، ويناسب حكمته ، وهذا كالقول بأنه سبحانه يعدل ولا يجورُ ، فلسنا نعني من ذلك أنه تام الفاعلية بالنسبة إلى العدل دون الجور ، بل نعني أنه تام القادرية لكلا العملين . لكن عدله وحكمته ، ورأفته ورحمته ، تقتضي أن يختار هذا دون ذلك مع سعة قدرته لكليهما .

هذه هي حقيقة القول بأن أفعال الله لا تعلل بالأغراض والغايات والمصالح ، مع كون أفعاله غير خالية من المصالح والحكم من دون أن يكون هناك استكمال .

الوجه الثَّاني

ثم إنَّ أئمة الأشاعرة لما وقفوا على منطق العدلية في المقام وأنَّ المصالح والحكم ليست غايات للفاعل بل غايات للفعل ، وأنَّها غير راجعة إلى الفاعل ، بل إلى العباد والنظام ، طرحوه على بساط البحث فأجابوا عنه . وإليك نص كلامهم :

فإن قيل :لا نسلم الملازمة ، وإنَّ الغرض قد يكون عائداً إلى غيره .

قيل له : نفع غيره والإحسان إليه إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه ، جاء الإِلزام لأنه تعالى يستفيد حينئذ بذلك النفع والإحسان ، ما هو أولى به وأصلح ، وإن لم يكن أولى بل كان مساوياً أو مرجوحاً لم يصلح أن

٢٦٥
 &

يكون غرضاً له(١) .

وقد جاء بنفس هذا البيان « الفضل بن روزبهان » في رده على « نهج الحق » للعلامة الحلي وقال :

إنَّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه وذلك لأن ما يستوي وجوده وعدمه بالنظر إلى الفاعل أو كان وجوده مرجوحاً بالقياس إليه لا يكون باعثاً على الفعل وسبباً لإقدامه عليه بالضرورة فكل ما يكون غرضاً وجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل وأليق به من عدمه فهو معنى الكمال فإذن يكون الفاعل مستكملاً بوجوده ناقصاً بدونه(٢) .

يلاحظ عليه : أن المراد من الأصلح والأولى به ، ما يناسب شؤونه فالحكيم لا يقوم إلا بما يناسب شأنه كما أن كل فاعل غيره يقوم بما يناسب المبادىء الموجودة فيه . فتفسير الأصلح والأولى بما يفيده ويكمله ، تفسير في غير موضعه .

ومعنى أنه لا يختار إلا الأصلح والأولى ليس بمعنى أن هناك عاملاً خارجياً عن ذاته ، يحدد قدرته ومشيئته ويفرض عليه إيجاد الأصلح والأولى ، بل مقتضى كماله وحكمته ، هو أن لا يخلق إلا الأصلح ، والأولى ويترك اللغو والعبث فهو سبحانه لما كان جامعاً للصفات الكمالية ومن أبرزها كونه حكيماً ، صار مقتضى ذلك الوصف ، إيجاد ما يناسبه وترك ما يضاده ، فأين هو من حديث الاستكمال والاستفادة والإلزام والفرض ؟ كل ذلك يعرب عن أن المسائل الكلامية طرحت في جو غير هادئ وأن الخصم لم يقف على منطق الطرف الآخر .

والحاصل : إنّ ذاته سبحانه تامّة الفاعلية بالنسبة إلى كلا الفعلين : الفعل المقترن بالحكمة ، والخالي عنها ، وذلك لعموم قدرته سبحانه للحسن

__________________

(١) المواقف ، ص ٣٣٣ . وشرحه ، ج ٨ ، ص ٢٠٤ .

(٢) دلائل الصدق ، ج ١ ، ص ٢٣٣ .

٢٦٦
 &

والقبيح . ولكن كونه حكيماً يصده عن إيجاد الثاني ويخص فعله بالأول ، وهذا صادق في كل فعل له قسمان : حسن وقبيح . مثلا : الله قادر على إنعام المؤمن وتعذيبه ، وتام الفاعلية بالنسبة إلى الكل ولكن لا يصدر منه إلا القسم الحسن منهما لا القبيح ، فكما لا يستلزم القول بصدور خصوص الحسن دون القبيح ( على القول بهما ) كونه ناقصاً في الفاعلية ، فهكذا القول بصدور الفعل المقترن بالمصلحة دون المجرد عنها ، وإنعام المؤمن ليس مرجوحاً ولا مساوياً لتعذيبه بل أولى به وأصلح لكن معنى صلاحه وأولويته لا يهدف إلى استكماله أو استفادته منه ، بل يهدف إلى أنه المناسب لذاته الجامعة للصفات الكمالية ، المنزهة عن خلافها . فجماله وكماله ، وترفعه عن ارتكاب القبيح ، يطلب الفعل المناسب له ـ وهو المقارن للحكمة ـ والتجنب عن مخالفه .

الوجه الثالث :

وهناك دليل ثالث للأشاعرة حاصله أن غرض الفعل خارج عنه ، يحصل تبعاً له وبتوسطه . وبما أنه تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداء ، فلا يكون شيء من الكائنات إلّا فعلاً له ، لا غرضاً لفعل آخر لا يحصل إلّا به ، ليصلح غرضاً لذلك الفعل . وليس جعل البعض غرضاً أولى من البعض(١) .

وكان عليه أن يقرر الدليل بصورة كاملة ويقول : لو كان البعض غاية للبعض فإما أن ينتهي إلى فعل لا غاية له ، فقد ثبت المطلوب . أو لا ، فيتسلسل ، وهو محال .

يلاحظ عليه :

لا يشك من أطلَّ بنظره إلى الكون ، بأنَّ بعض الأشياء بما فيها من الآثار ، خُلِقَ لأشياء أُخر . فالغاية من إيجاد الموجودات الدانية كونها في خدمة العالية منها وأما الغاية من خلق العالية فهي إبلاغها إلى حدٍ تكون مظاهر

__________________

(١) المواقف ، ص ٣٢٢ . وشرحه ، ج ٨ ، ص ٢٠٤ .

٢٦٧
 &

ومجالي لصفات ربّها وكمال بارئها .

إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي ، نرى هناك أوائل الأفعال وثوانيها وثوالثها و . . . . فيقع الداني في خدمة العالي ويكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الذي هو أمر جميل بالذات . ولا يتطلّب إيجاد الجميل بالذات غايةً سوى وجوده ، لأن الغاية منطوية في وجوده .

هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي .

وأما إذا نظرنا إلى الكون بالنظر العامّ فالغاية للنظام الجملي ليست أمراً خارجاً عن وجود النظام حتى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل ، بل هي عبارة عن الخصوصيات الموجودة فيه وهي بلوغ النظام بأبعاضه وأجزائه إلى الكمال الممكن ، والكمال الممكن المتوخى من الإيجاد ، خصوصية موجودة في نفس النظام ويعدّ صورة فعلية له ، فالله سبحانه خلق النظام وأوجد فعله المطلق ، حتى يبلغ ما يصدق عليه فعله ، كلاً أو بعضاً ، إلى الكمال الذي يمكن أن يصل إليه ، فليست الغاية شيئاً مفصولاً عن النظام ، حتى يقال : ما هي الغاية لهذه الغاية حتى يتسلسل أو يصل إلى موجود لا غاية له .

وبما أن إيصال كل ممكن إلى كماله ، غاية ذاتية لأنه عمل جميل بالذات ، فيسقط السؤال عن أنه لماذا قام بهذا ، لأنه حين أوصل كل موجود إلى كماله الممكن فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات .

فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد وإبداع النظام ، لقلنا بأن الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن . ثم إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن ، لكان السؤال جزافياً ساقطاً لأن العمل الحسن بالذات ، يليق أن يفعل ، والفعل والغاية نفس وجوده .

فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن ، وإبلاغه إلى كماله فيض آخر ، يتم به الفيض الأول ، فالمجموع فيض من الفياض تعالى إلى الفقير المحتاج ولا ينقص من خزائنه شيء ، فأي كمال أحسن وأبدع من هذا ، وأي غاية أظهر من

٢٦٨
 &

ذلك ، حتى تحتاج إلى غاية أخرى وهذا بمثابة أن يسأل لماذا يفعل الله الأفعال الحسنة بالذات ، فإن الجواب مستتر في نفس السؤال وهو أنه فعلها لأنّها حسنة بالذات وما هو حسن بالذات ، نفسه الغاية ولا يحتاج إلى غاية أخرى .

ولأجل تقريب الأمر إلى الذهن نمثل بمثال : إذا سألنا الشاب الساعي في التحصيل وقلنا له لماذا تبذل الجهود في طريق تحصيلك ؟ فيجيب : لنيل الشهادة العلمية ، فإذا أعدنا السؤال عليه وقلنا : ما هي الغاية من تحصيلها ؟ يجيبنا : للاشتغال في إحدى المراكز الصناعية أو العلمية ، أو الإِدارية . فإذا أعدنا عليه السؤال وقلنا ما هي الغاية من الاشتغال فيها ؟ يقول : لتأمين وسائل العيش مع الأهل والعيال . فلو سألناه بعدها عن الغاية من طلب الرفاه وتأمين سبل العيش ، لوجدنا السؤال جزافياً لأن ما تقدم من الغايات وأجاب عنها غايات عرضية لهذه الغاية المطلوبة بالذات ، فإذا وصل الكلام إلى الأخيرة يسقط السؤال .

القرآن وأفعاله سبحانه الحكيمة

والعجب من غفلة الأشاعرة عن النصوص الصريحة في هذا المجال .

يقول سبحانه : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ )(١) .

وقال عز من قائل ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ )(٢) .

وقال سبحانه : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )(٣) .

وقال سبحانه : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )(٤) إلى غير ذلك من الآيات التي تنفي العبث عن فعله وتصرح باقترانه بالحكمة والغرض .

__________________

(١) سورة المؤمنون : الآية ١١٥ .

(٢) سورة الدخان : الآية ٣٨ .

(٣) سورة ص : الآية ٢٧ .

(٤) سورة الذاريات : الآية ٥٦ .

٢٦٩
 &

وأهل الحديث وبعدهم الأشاعرة الذين اشتهروا بالتعبد بظواهر النصوص تعبداً حرفياً غير مفوضين معانيها إلى الله سبحانه ولا مؤوّليها ، لا مناص لهم إلا تناس الآيات الماضية أو تأويلها وهم يفرون منه وينسبونه إلى مخالفيهم .

عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة

ومن الخطأ الواضح ، عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة وتصوير أن الطائفتين تقولان بأن أفعال الله سبحانه غير معللة بالأغراض ، وهو خطأ محض كيف وهذا صدر المتألهين يخطِّىء الأشاعرة ويقول : إنَّ من المعطلة قوماً جعلوا فعل الله تعالى خالياً عن الحكمة والمصلحة ، ومع أنك قد علمت أن للطبيعة غايات(١) . وقال أيضاً : إنَّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقاً بل إنما نفوا في فعله المطلق إذا لوحظ الوجود الإمكاني جملة واحدة ، غرضاً زائداً على ذاته تعالى وأما ثواني الأفعال والأفعال المخصوصة والمقيدة فاثبتوا لكل منها غاية مخصوصة كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات ومنافعها كما يعلم من مباحث الفلكيات ومباحث الأمزجة والمركبات وعلم التشريح وعلم الأدوية وغيرها(٢) .

وعلى ذلك فنظرية الحكماء تتلخص في أمرين :

١ ـ أن أفعاله غير متصفة بالعبث واللغو وأن هنا مصالح وحكماً تترتب على فعله ، يستفيد بها العباد ، ويقوم بها النظام .

٢ ـ إذا لوحظ الوجود الإمكاني على وجه الإطلاق فليس لفعله غرض خارج عن ذاته ، لأن المفروض ملاحظة الوجود الإمكاني جملة واحدة والغرض الخارج عن الذات لو كان أمراً موجوداً فهو داخل في الوجود الإمكاني وليس شيئاً وراءه .

__________________

(١) الأسفار ، ج ٢ ، ص ٢٨٠ .

(٢) الأسفار ، ج ٧ ، ص ٨٤ .

٢٧٠
 &

ويقولون : ليس الغرض شيئاً خارجاً عن الذات وإنما الغرض نفس ذاته ، لئلا يكون ناقص الفاعلية لأن الحاجة إلى شيءٍ خارجٍ عن ذاته في القيام بالفعل ، آية كونه ناقصاً في الفاعلية ، والمفروض أنه سبحانه تام في فاعليته ، غني في ذاته وفعله عن كل شيء سوى ذاته(١) .

ثم إِنَّ لهم بياناً فلسفياً ممزوجاً بالدليل العرفاني يهدف إلى كون الغرض من الخلق هو ذاته سبحانه وبه فسروا قوله سبحانه :

( ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) . وقوله في الحديث القدسي : « كنت كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقت الخلقَ لكي أُعرف » والله سبحانه هو غاية الغايات . ومن أراد الوقوف على برهانهم فليرجع إلى أسفارهم(٢) .

*        *       *

__________________

(١) الأسفار ، ج ٢ ، ص ٢٦٣ .

(٢) لاحظ الأسفار ، ج ٢ ، ص ٢٦٣ .

٢٧١
 &

٢٧٢
 &

ثمرات التحسين والتقبيح العقليين

(٢)

البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً

إِنَّ مسألة البلايا والمصائب والشرور ، من المسائل المشهورة الذائعة الصيت في الحكمة الإِلهية ، ولها صلة بالمباحث التالية :

١ ـ إذا كان الدليل على وجود الخالق المدبر هو النظام السائد في الكون . فكيف يفسّر وجود بعض الظواهر غير المتوازنة العاصية عن النظام كالزلازل والسيول والطوفانات ، فإنها من أبرز الأدلة على عدم النظام .

٢ ـ لو كان الصانع تعالى حكيماً في فعله ، متقناً في عمله ، واضعاً كل شيء في محله ، منزّهاً فعله عمّا لا ينبغي ، فكيف تفسَّر هذه الحوادث التي لا تنطبق مع الحكمة سواء أفسّرت بمن يصنع الأشياء المتقَنة أو من يكون فعله منزهاً عمّا لا ينبغي .

٣ ـ إذا كان الخالق عادلاً وقائماً بالقسط فكيف يجتمع عدله سبحانه مع هذه الحوادث التي تبتلع النفوس البريئة في آن واحد ، وتخرّب الديار وتدمرها . إلى غير ذلك .

وعلى ذلك فالبحث عن المصائب والبلايا والشرور يرتبط بالمسائل المتقدمة ، ونحن نطرح هذه المسألة بعد أن أقمنا الدليل على كونه حكيماً .

٢٧٣
 &

إنَّ البحث عن الشرور ، ليس مسألة جديدة كشف عنها فلاسفة الغرب ومنهم الفيلسوف « هيوم » الإِنكليزي ، كما ربما يتخيله بعض من لا خبرة له بالفلسفة الإِسلامية ، بل والإِغريفية ، فإن هذه المسألة قد طرحت بين القدامى من فلاسفة الإِغريق ، والمتأخرين من فلاسفة الإِسلام .

فقد اشتهر قول أرسطو : « إِنَّ الموجودات الممكنة بالقسمة العقلية في بادىء الإِحتمال تنقسم إلى خمسة أقسام :

١ ـ ما هو خير كله لا شرّ فيه أصلاً .

٢ ـ ما فيه خير كثير مع شرّ قليل .

٣ ـ ما فيه شرّ كثير مع خير قليل .

٤ ـ ما يتساوى فيه الخير والشرّ .

٥ ـ ما هو شر مطلق لا خير فيه أصلاً » .

ثم صرّحوا بأنَّ الأقسام الثلاثة الأخيرة غير موجودة في العالم ، وإنما الموجود من الخمسة المذكورة هو قسمان(١) .

وقد بحث الفيلسوف الإِسلامي صدر الدين الشيرازي ( ت ٩٧٩ هـ ، م ١٠٥٠ هـ ) عن مسألة الخير والشر والمصائب والبلايا في كتابه القيّم « الأسفار الأربعة » في ثمانية فصول بحثاً علمياً ، كما بحث عنها الحكيم السبزواري في قسم الفلسفة من شرح المنظومة بحثاً متوسطاً . وقد سبقهما عدة من الأجلّاء كما تبعهما ثلة أُخرى من المفكرين الإِسلاميين . ونحن نقتبس فيما يلي ما ذكره هؤلاء المحققون بتحليل وتشريح خاص فنقول :

إنَّ مسألة الشرور والبلايا دفعت بعض الطوائف في التاريخ وحتى اليوم إلى الاعتقاد بالتعدد في الخالق ، وهو الاتجاه المسمى بالثَّنويّة ، حيث تصوّر أنَّ إلٰه الخير هو غير إله الشَّر ، هروباً من الإِشكال المذكور ، ولأجل ذلك عرفوا بالثَّنوية . وبما أنَّهم يعتقدون بأنَّ الإِلهين مخلوقان للإِلٰه الواجب

__________________

(١) الأسفار ، ج ٧ ، ص ٦٨ .

٢٧٤
 &

الواحد ، فهم من أهل التثليث على هذا الإِعتبار .

وعلى كل تقدير فالإِجابة عن مشكلة الشرور تتحقق بوجهين :

الأول ـ تحليلها تحليلاً فلسفياً كلياً .

الثاني ـ تحليلها تحليلاً تربوياً مؤثراً في تكامل النفوس .

فعلى من يريد الإسهاب في البحث أنْ يلج البابين ، وهاك البيان :

*        *       *

البحث الأول ـ التحليل الفلسفي لمسألة الشرور .

حاصل هذا التحليل أنَّ ما يظنه بعض الناس من أنَّ هناك حوادث غير منتظمة ، أوْ ضارّة مدمّرة ، فإنما هو ناشىء من نظراتهم الضيّقة المحدودة إلى هذه الأمور . ولو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار « النظام الكوني العام » لأذعنوا بأنها خير برمتها ، ويكون موقف المسألة كما قاله الحكيم السَبْزَواري :

ما ليْس مَوْزوناً لِبَعْضٍ مِنْ نَغَم

فَفي نِظامِ الكُلِّ كُلٌّ مُنْتَظَم

هذا إجمال الجواب ، وأَما تفصيله فيتوقف على بيان أمرين :

الأَمر الأَول ـ النَّظرة الضيّقة إلى الظواهر

إنَّ وصف الظواهر المذكورة بأنَّها شاذّة عن النظام ، وأَنَّها شرور لا تجتمع مع النظام السائد على العالم أولاً ، وحكمته سبحانه ـ بالمعنى الأعم ـ ثانياً ، وعدله وقسطه ثالثاً ، ينبع من نظرة الإِنسان إلى الكون من خلال نفسه ، ومصالحها ، وجعلها محوراً ومِلاكاً لتقييم هذه الأمور . فعندما ينظر إلى الحوادث ويرى أَنَّها تعود على شخصه وذويه بالإِضرار ، ينبري من فوره إلى وصفها بالشرور والآفات . وما هذا إلّا لأَنه يتوجه إلى هذه الظواهر من منظار خاص ويتجاهل غير نفسه في العالم ، من غير فرق بين من مضى

٢٧٥
 &

من غابر الزمان ومن يعيش في الحاضر في مناطق العالم أو سوف يأتي ويعيش فيها . ففي النَّظرة الأَولى تتجلى تلك الحوادث شراً وبليّة . ولكن هذه الحوادث في الوقت نفسه وبنظرة ثانية تنقلب إلى الخير والصلاح وتكتسي خلع الحكمة والعدل والنَّظْم . ولبيان ذلك نحلل بعض الحوادث التي تعد في ظاهرها من الشرور فنقول :

إنَّ الإِنسان يرى أنّ الطوفان الجارف يكتسح مزرعته ، والسَيْل العارم يهدم منزله ، والزلزلة الشديدة تُزَعْزِعُ بُنيانه ، ولكنه لا يرى ما تنطوي عليه هذه الحوادث والظواهر من نتائج إيجابية في مجالات أُخرى من الحياة البشرية .

وما أَشبه الإِنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة تحفر الأرض ، أو تهدم بناءً مُحْدِثَةً ضوضاءَ شديداً ومُثيرة الغبار والتراب في الهواء ، فيقضي من فوره بأنه عمل ضار وسيء وهو لا يدري بأَنَّ ذلك يتم تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى ويعالج المصابين ويهيء للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض .

ولو وقف على تلك الأَهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى ، ولَوَصَفَ ذلك التهديم بأنه خير ، وأَنه لا ضير فيما حصل من الضوضاء ، وتصاعد من الأَغبرة .

إِنَّ مَثَلَ هذا الإِنسان المحدود النظر في تقييمه ، مَثَل الخفاش الذي يؤذيه النور لأنه يَقبض بصره ، بينما يبسط هذا النور ملايين العيون على آفاق الكون ويسهل للإِنسان مجالات السعي والحياة . أَفهل يكون قضاء الخفاش على النور بأنه شَرٌّ مِلاكاً لتقييم هذه الظواهر الطبيعية المفيدة ؟ كلا ، لا .

الأَمر الثَّاني ـ الظواهر حلقات في سلسلة طويلة

إنَّ النظر إلى ظاهرة من الظواهر ، منعزلة عن غيرها ، نظرة ناقصة

٢٧٦
 &

ومبتورة . لأنَّ الحوادث حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة ممتدة ، فما يقع الآن منها يرتبط بما وقع في أعماق الماضي وبما سيقع في المستقبل ، في سلسلة من العلل والمعاليل والأسباب والمسبَّبات .

ومن هنا لا يصحّ القضاء على ظاهرة من الظواهر بحكمٍ مع غض النظر عما سَبَقَها ، وما يلحقها ، بل القضاء الصحيح يتحقق بتقييمها جُملة واحدة والنظر إليها نظراً كلياً لا جزئياً . فإِنَّ كل حادثة على البسيطة أو في الجو ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما سبقها أَوْ يلحقها من الحوادث . حتى أنَّ ما يهب من النسيم ويعبث بأوراق المنضدة التي أَمامك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما حدث أو سيحدث في بقاع العالم . فلا بد للمحقق أن يلاحظ جميع الحوادث بلون الإِرتباط والتَّشكل . فعند ذاك يتغير حكمه ويتبدل قضاؤه ولن يصف شيئاً بالشذوذ ، ولن يَسِمَ شيئاً بأَنَّه من الشرور .

إِذا عرفت هذين الأَمرين فلنأْتِ ببعض الأَمثلة التي لها صلة بهما :

١ ـ إذا وقعت عاصفة على السواحل فإنها تقطع الأَشجار وتدمر الأَكواخ وتقلب الأَثاث ، فتوصف عند ساكني الساحل بالشر والبلية ، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على آثار حيويّة لمنطقة أُخرى .

فهي مثلاً توجب حركة السُفُن الشِّراعيَّة المتوقفة في عرض البحر بسبب سكون الريح . وبهذا تنقذ حياة المئات من ركّابها اليائسين من نجاتهم ، وتوصلهم إلى شواطىء النجاة ، فهي موصوفة عند ركّاب السفينة بالخير .

٢ ـ إنَّ الرياح وإِنْ كانت ربما تهدم بعض المساكن إِلّا أَنها في نفس الوقت تعتبر وسيلة فعالة في عملية التلقيح بين الأَزهار وتحريك السحب المولدة للمطر وتبديد الأَدخنة المتصاعدة من فوهات المصانع والمعامل التي لو بقيت وتكاثفت لتعذرت أَوْ تعسّرت عملية التنفس لسكان المدن والفاطنين حول تلك المصانع . إلى غير ذلك من الآثار الطيبة لهبوب الرياح ، التي تتضاءل عندها بعض الآثار السيئة أو تكاد تنعدم نهائياً .

٢٧٧
 &

٣ ـ الزلازل وإِنْ كانت تسبب بعض الخسائر الجزئية أو الكلية في الأَموال والنفوس ، إِلا أَنها توصف بالخير إذا وقفنا على أَنَّ علّتها ـ على بعض الفروض ـ جاذبية القمر التي تجذب قشرة الأَرض نحو نفسها ، فيرتفع قاع البحر ويوجب ذلك الزلازل في مناطق مختلفة من اليابسة .فإنَّ هٰذا في نفس الوقت يوجب أَنْ تصعد مياه البحار والأَنهار فتفيض على الأراضي المحيطة بها وتسقي المزارع والسهول فتجدد فيها الحياة وتجود بخير العطاء .

ويترتب على الزلازل آثار نافعة أُخرى يقف عليها الإِنسان المتفحص في تلك المجالات ، فهل يبقى مجال مع ملاحظة هٰذين الأَمرين للقضاء العاجل بأنَّ تلك الحوادث شرور وبلايا لا يترتب عليها أيّة فائدة ؟ .

إِنَّ عِلْمَ الإِنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أَنْ يقضي في الحوادث بتلك الأقضية الشاذة ، ولو وقف على علمه الضئيل ونسبة علمه إلى ما لا يعلمه لرجع القَهْقَرى قائلاً : ( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ )(١) . ولأذعن بقوله تعالى : ( وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )(٢) . وقوله سبحانه : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )(٣) .

ولهذا السبب نَجِدُ أنَّ العلماء الموضوعيين الذين لم تبهرهم منجزات العلوم ولم يغرّهم ما حصل لهم من التقدم ، يعترفون بقصور العلم البشري ويَحْذَرُون من التسرع في القضاء والحكم على الأشياء . كيف وهذا العالم الإِنكليزي الأستاذ ( وليم كروكش ) مكتشف إشعاع المادة ، والمخترع لكثير من أدوات التجارب الكيميائية قال : « من بين جميع الصفات التي عاونتني في مباحثي النفسية ، وذلّلت لي طرق اكتشافاتي الطبيعية ، وكانت تلك الإِكتشافات أحياناً غير منتظرة ، هو اعتقادي الراسخ بجهلي »(٤) . إلى غير

__________________

(١) سورة آل عمران : الآية ١٩١ .

(٢) سورة الإِسراء : الآية ٨٥ .

(٣) سورة الروم : الآية ٧ .

(٤) على أَطلال المذهب المادي ، ج ١ ، ص ١٣٦ .

٢٧٨
 &

ذلك من الكلمات المأثورة عن كبار المفكرين وأعاظم الفلاسفة والمعنيين بتحليل الظواهر الطبيعية ، فإنك تراهم يعترفون بجهلهم وعجزهم عن الوقوف على أسرار الطبيعة . وهذا هو المخ الكبير في عالم البشرية الشيخ الرئيس يقول : « بلغ علمي إلى حدّ علمت أني لست بعالم » .

تحليل فلسفي آخر للشرور

قد وقفت على التحليل الفلسفي الماضي ، وهناك تحليل فلسفي آخر لمشكلة البلايا والمصائب ولعله أدق من سابقه ، وحاصله :

إِنَّ الشر أَمر قياسي ليس له وجود نفسي وإِنما يتجلى عند النفس إِذا قيس بعض الحوادث إِلى بعض آخر ، وإليك بيانه :

إِنَّ القائلين بالثَّنوية يقولون إنَّ الله سبحانه خير محض ، فكيف خلق العقارب السّامة والحيَّات القاتلة والحيوانات المفترسة والسباع الضواري . ولكنهم غفلوا عن أنَّ اتصاف هذه الظواهر بالشرور اتصاف قياسي وليس باتصاف نفسي ، فالعقرب بما هو ليس فيه أي شر ، وإِنما يتصف به إذا قيس إلى الإِنسان الذي يتأذَّى من لسعته ، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود ، بل هو أمرٌ انتزاعي تنتقل إليه النفس من حديث المقايسة ، ولولاها لما كان للشرّ مفهوم وحقيقة . وإليك توضيح هذا الجواب .

إِنَّ الصفات على قسمين : منها ما يكون له واقعية كموصوفه ، مثل كون الإِنسان موجوداً ، أو أَنَّ كل متر يساوي مائة سنتيمتر . فاتصاف الإِنسان بالوجود والمتر بالعدد المذكور ، أَمران واقعيان ثابتان للموجود ، توجه إِليه الذهن أَم لا . حتى لو لم يكن على وجه البسيطة إِلَّا إنسان واحد أو متر كذلك فالوصفان ثابتان لهما .

ومنه ما لا يكون له واقعية إلّا أَنَّ الإِنسان ينتقل إِلى ذلك الوصف ، أَو بعبارة صحيحة ينتزعه الذهن بالمقايسة ، كالكبر والصغر ، فإِنَّ الكبر ليس

٢٧٩
 &

شيئاً ذا واقعية للموصوف وإِنما يُدْرَك بالقياس إِلى ما هو أصغر منه .

مثلاً : الأَرض توصف بالصِغَر تارة إذا قيست إلى الشمس ، وبالكِبَر أخرى إذا قيست إلى القمر . ولأَجل ذلك لا يدخلان في حقيقة الموصوف ، وإِلا لما صح وصف الأرض بوصفين متعارضين .

إذا عرفت انقسام الأَوصاف إلى القسمين ، فعليك تحليل مفهوم الشر على ضوء هذا البيان فنقول : إِنَّ كون العقرب موجوداً وذا سمَّ ، من الأُمور الحقيقية . وأما كونه شرّاً ، فليس جزءاً من وجوده ، وإِنما يتصف به سمّ العقرب إذا قيس إلى الإِنسان وتضرره به أو فقدانه لحياته بسببه ، وإِلّا فانه يعدّ كمالاً للعقرب وموجباً لبقائه . فإذا كان كذلك سهل عليك حلّ عقدة الشرور من جوانبها المختلفة .

أَما من جانب التوحيد في الخالقية وأنَّه ليس من خالق في صفحة الوجود إلّا الله سبحانه وهو خير محض ليس للشر إليه سبيل ، فكيف خَلَقَ هذه الموجودات المتسمة بالشر ، فالجواب أنَّ المخلوق هو ذوات هذه الأَشياء وما لها من الصفات الحقيقية ، وأَما اتصافها بالشر فليس أمراً حقيقياً محتاجاً إِلى تعلق العلّة ، بل هو أَمرٌ قياسي يتوجه إليه الإِنسان عند المقايسة .

وإلى هذا المعنى تؤول كلمات الفلاسفة القدامى إذ قالوا :

« ١ ـ الشر أمرٌ عدمي ، وليس أَمراً موجوداً محتاجاً إِلى العلّة .

٢ ـ الشَّر ليس مجعولاً بالذات بل مجعول بالعَرَض .

٣ ـ إِذا تصفحت جميع الأَشياء الموجودة في هذا العالم المسمَّاة عند الجمهور شروراً ، لم تجدها في أَنفسها شروراً ، بل هي شرور بالعَرَض خيْرات بالذات »(١) .

ونحو ذلك الأَخلاق الذميمة فإنها كلها كمالات للنفوس السَّبُعِيّة والبهيمية وليست بشرور للقوى الغضبية والشَّهَوِيَّة . وإنما شِرِّيَّة هذه الأَخلاق

__________________

(١) الاسفار الاربعة ، ج ٧ ، ص ٦٢ .

٢٨٠