الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

مثلاً : إنَّ تصديق كلّ القضايا النظرية يجب أَنْ ينتهي إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، بحيث لو ارتفع التصديق بها لَمَا أَمكن التصديق بشيء من القضايا ، ولذا تسمى بـ « أمّ القضايا » وذلك كاليقين بأَنَّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين ، فإنَّه لا يحصل إلَّا إذا حصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضية ، أي عدم مساواتها لهما . وإلَّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة . ولأجل ذلك اتفقت كلمة الحكماء على أن إقامة البرهان على المسائل النظرية إنما تتم إذا انتهى البرهان إلى أمّ القضايا التي قد عرفت .

وعلى ضوء هذا البيان نقول : كما أَنَّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوليّة تنتهي إليها ، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي ، يجب أَنْ تنتهي إلى قضايا أولية وواضحة عنده بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صح التصديق بقضية من القضايا فيها .

فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي ، مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح ، مثل قولنا « العدل حسن » و « الظلم قبيح » و « جزاء الإِحسان بالإِحسان حسن » و « جزاؤه بالإِساءة قبيح » .

فهذه القضايا قضايا أوليّة في الحكمة العملية والعقل العملي يدركها من صميم ذاته ومن ملاحظة القضايا بنفسها . وفي ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهية ، سواء أكانت مربوطة بالأخلاق أولاً ، أم تدبير المنزل ثانياً ، أَم سياسة المدن ثالثاً ، التي يبحث عنها في الحكمة العملية .

ولنمثل على ذلك : إِنَّ العالِم الأَخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلمِين وأولي النعمة ، وذلك لأَنَّ التكريم من شؤون جزاء الإِحسان

٢٤١
 &

بالإِحسان ، وهو حسن بالذات ، والإِهانة لهم من شؤون جزاء الإِحسان بالإِساءة وهو قبيح بالذات .

والباحث عن أَحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بالوظائف الزوجية من الطرفين وقبح التخلف عنها ، ذلك لأَن القيام بها قيام بالعمل بالميثاق ، والتخلف عنها تخلف عنه ، والأول حسن بالذات والثاني قبيح بالذات .

والعالِم الإِجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأَنَّه يجب أَنْ تكون الضرائب معادلة لدخل الأفراد ، وذلك لأَن الخروج عن تلك الضابطة ظلم على الرعيَّة وهو قبيح بالذات .

وقس على ذلك كلّ ما يرد عليك من الأَبحاث في الحكمة العملية ، سواء أكانت راجعة إلى الفرد ( الأَخلاق ) ، أو إلى المجتمع الصغير ( البيت ) ، أَو إلى المجتمع الكبير ( السياسة ) . فكل ما يرد فيها ويبحث عنه الباحثون ، بما أَنَّه من شؤون العقل العملي ، يجب أَنْ ينتهي الحكم فيه إيجاباً وسلباً ، صحة وبطلاناً إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل .

إلى هنا انتهينا إلى أَنَّه يجب انتهاء الأَحكام غير الواضحة ابتداءً في مجال العقلين ( النظري والعملي ) إلى أَحكام بديهية مدركة ابتداء بلا مؤونة شيء منهما . وذلك دفعاً للدور والتسلسل الذي استند إليه علماء المنطق والحكمة في القسم الأول ، أَي الحكمة النظرية . والدليل واحد سارٍ في الجميع .

إذا عرفت ما ذكرنا ، يقع الكلام في أمر آخر وهو تعيين المِلاك لدرك العقل صحة القضايا البديهية أو بطلانها في مجال العقلين ، فنقول :

إِنَّ المِلاك في مجال العقل النظري عبارة عن انطباق القضية مع التكوين وعدم انطباقها ، فالعقل ، يدرك من صميم ذاته أَن اجتماع النقيضين

٢٤٢
 &

شيء غير متحقق في الخارج ، وأنَّه لا يمكن الحكم بكون شيء موجوداً وفي الوقت نفسه الحكم بكونه معدوماً ، يدرك ذلك بلا حاجة إلى تجربة واستقراء .

وأما المِلاك في العقل العملي فهو عبارة عن درك مطابقة القضية وملاءَمتها للجانب المثالي من الإِنسان غير الجانب الحيواني ، أو منافرتها له .

فالإِنسان بما هو ذو فطرة مثالية ، يتميز بها عن الحيوانات ، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له . فيصف الملائم بالحُسن ولزوم العمل ، والمنافي بالقُبح ولزوم الإِجتناب . ولا يدرك القضايا بهذين الوصفين لشخصه فقط أو لصنف خاص من الإِنسان أو لكل من يطلق عليه الإِنسان ، بل يدرك حسن صدورها أو قبحه لكل موجود عاقل مختار سواء وقع تحت مظلة الإِنسانية أو خارجها . وذلك لأَن المقوم لقضائه بأَحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرك . فهو يدرك أَنَّ العدل حَسَن عند الجميع ومن الجميع ، والظلم قبيح كذلك ، ولا يختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان ولا جيل دون جيل .

إلى هنا تم تبيين الأَمرين اللذين لهما دور في الحكم بالتحسين والتقبيح العقليين ويجب أن لا يُخلط أَحدهما بالآخر لكون الأَول مقدمة للثاني ، وهما :

أ ـ انتهاء كل القضايا في مجال العقلين إلى قضايا بديهية دفعاً للمحذور .

ب ـ تبيين مِلاك دركِ العقلِ صحةَ تلك القضايا البديهية في مجال العقلين .

وقد اتضح بذلك أنَّ المدعي للتحسين والتقبيح العقليين الذاتيين في غنى عن البرهنة لما يتبنَّاه ، كما أَنَّ المدعي لامتناع اجتماع النقيضين

٢٤٣
 &

وارتفاعهما كذلك . والعجب أنَّ الحكماء والمتكلمين اتفقوا على أَنَّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية ، وإِلّا عقُمت الأَقِيْسَة ولزم التسلسل في مقام الإِستنتاج ، ولكنهم غفلوا عن إجراء ذلك الأَصل في جانب العقل العملي ولم يقسموا القضايا العملية إلى فكرية وبديهية ، أَو نظرية وضرورية . كيف والإِستنتاج والجزم بالقضايا غير الواضحة الواردة في مجال العقل العملي لا يتم إِلّا إِذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال . وقد عرفت أَنَّ المسائل المطروحة في الأَخلاق ، مما يجب الإِتصاف به أَو التنزّه عنه ، أو المطروحة في القضايا البيتية والعائلية التي يعبر عنها بتدبير المنزل ، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة وتدبير المدن ، ليست في الوضوح على نمط واحد ، بل لها درجات ومراتب . فلا ينال العقل الجزم بكل القضايا العملية إلَّا إِذا كانت هناك قضايا بديهية واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العملية حتى يحصل الجزم بها ويرتفع الإِبهام عن وجهها . ولأَجل ذلك نحن في غنى عن التوسع في طرح أَدلة القائلين بالتحسين والتقبيح ولا نذكر إِلّا النَّزر اليسير منها .

فكما أَنهم غفلوا عن تقسيم القضايا في الحكمة العملية إلى القسمين ، فهكذا غفلوا عن تبيين ما هو المِلاك لدرك العقل صحة بعض القضايا أوْ بطلانها في ذلك المجال . ويوجد في كلمات المتكلمين في بيان المِلاك والمعيار أمور غير تامة يقف عليها من راجع الكتب الكلامية .

أَدلة القائلين بالتَّحسين والتَّقبيح العقليين

الدليل الأول : هو ما أشار إليه المحقق الطّوسي بقوله : « ولإِنتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً »(١) . أي إنَّا لو قلنا بأنَّ الحُسن والقُبح يثبتان من طريق الشرع ، يلزم من ذلك عدم ثبوتهما بالشرع أيضاً .

توضيحه : إنَّ الحُسن والقُبح لو كانا بحكم العقل ، بحيث كان العقل

__________________

(١) كشف المراد ، ص ١٨٦ .

٢٤٤
 &

مستقلاً في إِدراك حُسن الصدق وقبح الكذب ، فلا إِشكال في أَنّ ما أَمر به الشارع يكون حَسَناً وما نهى عنه يكون قبيحاً ، لحكم العقل بأَنَّ الكذب قبيح ، والشارع لا يرتكب القبيح ، ولا يتصور في حقه ارتكابه .

وأَما لو لم يستقل العقل بذلك ، فلو أمر الشارع بشيء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق وقبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى نعتقد بمضمونه لاحتمال عدم صدق الشارع في أَمره أَو إِخباره فإِن الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد ، حتى لو قال الشارع بأَنَّه لا يكذب لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإِخبار . فيلزم على قول الأَشعري أَنْ لا يتمكن الإِنسان من الحكم بحسن شيء لا عقلاً ولا شرعاً .

وإِنْ شئت قلت : لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأَفعال وقبح بعضها الآخر ، كالصدق والكذب ، وأَخبرنا الله سبحانه عن طريق أَنبيائه بأَنَّ الفعل الفلاني حسن أَو قبيح ، لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه .

ثم إِنَّ الفاضل القوشجي الأَشعري أجاب عن هذا الإِستدلال بقوله « إِنَّا لا نجعل الأمر والنهي دليلي الحُسن والقبح ليرد ما ذكر بل نجعل الحُسن عبارة عن كون الفعل متعلق الأَمر والمدح ، والقبح عن كونه متعلق النهي والذم »(١) .

يُلاحظ عليه : إِنَّ البحث تارة يقع في التسمية والمصطلح فيصح أَنْ يقال إِنَّ ما وقع متعلق الأَمر والمدح حَسَن ، وما وقع متعلق النهي والذم قبيح . والعلم بذلك لا يتوقف إلّا على سماعها من الشرع . وأخرى يقع في الوقوف على الحسن الواقعي أو القبح كذلك عند الشرع ، فهذا مما لا يمكن استكشافه من مجرد سماع تعلق الأَمر والنهي بشيء إذْ من المحتمل أنْ يكون الشارع عابثاً في أَمره ونهيه . ولو قال إِنَّه ليس بعابث ، لا يثبت به نفي

__________________

(١) شرح التجريد للفاضل القوشجي ، ص ٤٤٢ .

٢٤٥
 &

احتمال العابثية عن فعله وكلامه ، لاحتمال كونه هازلاً أَو كاذباً في كلامه .

فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإِدراكات العقلية شيء لا يتوقف درك حسنه وقبحه على شيء ، وأن يكون العقل مستقلاً في دركه ، وهو حسن العدل وقبح الظلم وحسن الصدق وقبح الكذب حتى يستقل العقل بذلك على أنَّ كل ما حكم به الشرع فهو صادق في قوله . فيثبت عندئذٍ أنَّ ما تعلق به الأمر حسن شرعاً ، وما تعلق به النهي قبيح شرعاً . وهذا ما يهدف إليه المحقق الطوسي من أنَّه لولا استقلال العقل في بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتاً .

الدليل الثاني ـ ما أشار إليه المحقق الطوسي أيضاً بقوله : « ولجاز التعاكس »(١) أي في الحسن والقبح .

توضيحه : إنَّ الشارع على القول بشرعية الحسن والقبح ، يجوز له أن يُحَسّن أو يُقَبّح ما حَسّنه العقل أو قبّحه . وعلى هذا يلزم جواز تقبيح الإِحسان وتحسين الإِساءة وهو باطل بالضرورة . فإنَّ وجدان كل إنسان يقضي بأنَّه لا يصح أن يُذَمَّ المُحْسن أو يُمدَحَ المسيء . قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « ولا يَكُونَنّ المُحسن والمُسيءُ عندَكَ بمنزلةٍ سواء »(٢) . والإِمام يهدف بكلمته هذه إيقاظ وجدان عامله ، ولا يقولها بما أنَّها كلام جديد غفل عنه عامله .

الدليل الثالث ـ لو كان الحُسن والقُبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة والملاحدة الذين ينكرون الشرائع ، ويحكمون بذلك مستندين إلى العقل . وهؤلاء الماديون والملحدون المنتشرون في أقطار واسعة من شرق الأرض ومغربها يرفضون الشرائع والدين من أساسه ، ويعترفون بحُسن أفعال وقبح بعضها الآخر .

__________________

(١) كشف المراد ، ص ١٨٦ .

(٢) نهج البلاغة ، الكتاب ٥٣ .

٢٤٦
 &

ولأجل ذلك يغرّون شعوب العالم بطرح مفاهيم خدّاعة ، بدعاياتهم الخبيثة ، من قبيل دعم الصلح والسلام العالميين ، وحفظ حقوق البشر والعناية بالأسرى والسجناء ونبذ التمييز العُنصري ، إلى غير ذلك مما يستحسنه الذوق الإِنساني والعقل البشري في جميع الأوساط ، يطرحون ذلك ليصلوا من خلاله إلى أهدافهم ومصالحهم الشخصية . ولولا كون هذه المفاهيم مقبولة عند عامة البشر لما استخدمها دعاة المادية والإِلحاد في العالم .

والحاصل أنَّ هناك أفعالاً لا يشكّ أحد في حسنها سواء ورد حُسنها من الشرع أم لم يرد . كما أنَّ هناك أفعالاً قبيحة عند الكل ، سواء ورد قبحها من الشرع أم لا . ولأجل ذلك لو خُيِّر العاقل الذي لم يسمع بالشرائع ، ولا علم شيئاً من الأحكام ، بل نشأ في البوادي ، خالي الذهن من العقائد كلّها ، بين أن يَصْدُقَ ويُعطَى ديناراً ، أو يَكْذِبَ ويُعْطَى ديناراً ، ولا ضرر عليه فيهما فإنه يرجّح الصدق على الكذب . ولولا قضاء الفطرة بحسن الصدق وقبح الكذب لما فرق بينهما ، ولما اختار الصدق دائماً .

وهذا يعرب عن أنَّ العقل له قدرة الحكم والقضاء في أمور ترجع إلى الفرد والمجتمع ، فيحكم بحسن إطاعة وليه المنعم وقبح مخالفته ، وأنَّ المحسن والمسيء ليسا بمنزلة سواء ، ونحو ذلك .

الدليل الرابع ـ لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع ، لما قبح من الله تعالى شيء . ولو كان كذلك لما قبح منه إظهار المعجزات على أيدي الكاذبين . وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة الأنبياء ، فإنَّ أيّ نبي أتى بالمعجزة عقيب الإِدّعاء ، لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه .

وهذه النتيجة الباطلة من أهم وأبرز ما يترتب على إنكار القاعدة . وبذلك سدّوا باب معرفة النبوّة .

والعجب أنَّ الفَضْل بن روُزبَهان حاول الإِجابة عن هذا الدليل بقوله :

٢٤٧
 &

« عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس لكونه أمراً قبيحاً عقلاً ، بل لعدم جريان عادة الله ، الجاري مجرى المحال العادي ، بذلك . فعند ذلك لا ينسد باب معرفة الأنبياء ، لأنَّ العِلْم العادي حَكَم باستحالة هذا الِإظهار »(١) .

فإنَّه يُلاحظ عليه ، إنَّه من أين وقف على تلك العادة ، وأنَّ الله لا يجري الإِعجاز على يد الكاذب . ولو كان التصديق متوقفاً على إحرازها ، لزم أن يكون المكذبون بنبوة نوح أو من قبله ومن بعده ، معذورين في إنكارهم لنبوّة الأنبياء ، إذ لم تثبت عندهم تلك العادة ، لأَنَّ العلم بها إنما يحصل من تكرر رؤية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين .

ويمكن أن يقال : إنَّ تحصيل جريان عادة الله بأن لا يظهر المعجزة على يد الكاذب ، يجب أن يستند إلى مصدر ، فإن كان المصدر هو العقل فهو معزول عند الأشاعرة . وإن كان هو السمع فالمفروض أنَّه يحتمل أن يكون الشرع كاذباً في هذا الإِدعاء ، بل لا سمع قبل ثبوت نبوّة النبي .

وحصيلة البحث : إنَّ منكر الحُسن والقُبح منكر لما هو من البديهيات . ولا يصحّ الكلام معه ، لأن النزاع ينقطع إذا بلغ إلى مقدمات ضرورية وهؤلاء ينازعون فيها .

ليت شعري ، إذا لم يحكم العقل بامتناع التكليف بما لا يطاق ، وجَوَّز أن ينهَى الله سبحانه العبد عن الفعل ويخلق فيه اضطراراً ويعاقبه عليه ، فقل : ها ، أيّ أمرٍ يُدرِكُه العقل ؟!! .

قيل : اجتمع النظَّام والنجّار للمناظرة ، فقال النّجّار : لم تدفع أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون ؟ .

فسكت النظَّام ، فقيل له : لم سَكَتّ ؟ .

__________________

(١) دلائل الصّدق ، ج ١ ، ص ٣٦٩ .

٢٤٨
 &

قال : كنت أريد بمناظرته أن ألزمه القول بتكليف ما لا يُطاق ، فإذ التزمه ولم يستح ، فبم أُلزمه ؟ .

وبذلك تعرف مدى وهن ما ذكره أبو الحسن الأشعري في لمعه ، وإليك نصه :

« فإن قال قائل : هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة ؟ قيل له : لله تعالى ذلك ، وهو عادل إن فعله » . . . إلى أن قال . . . « ولا يقبح منه أن يعذّب المؤمنين ، ويُدخل الكافرين الجنان . وإنما نقول إنَّه لا يفعل ذلك ، لأنه أخبرنا إنه يعاقب الكافرين وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره »(١) .

*        *       *

أدلة الأشاعرة على نفي التحسين والتقبيح العقليين

الدليل الأول ـ الله مالك كل شيء يفعل في ملكه ما يشاء

استدل الأشعري على مقالته بقوله : « والدَّليل على أنَّ كل ما فعله فله فعله ، أنَّه المالك ، القاهر ، الذي ليس بمملوك ، ولا فوقه مبيح ، ولا آمر ، ولا زاجر ، ولا حاظر ، ولا مَن رَسَمَ له الرسوم ، وحدّ له الحدود . فإذا كان هذا هكذا ، لم يقبح منه شيء ، إذ كان الشيء إنَّما يقبح منّا ، لأنَّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا ، وأتينا ما لم نملك إتيانه . فلمَّا لم يكن الباري مملوكاً ولا تحت آمر ، لم يقبح منه شيء . فإن قال : فإنما يقبح الكذب لأنه قبّحه ، قيل له : أجل ، ولو حسّنه لكان حسناً ، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض .

فإن قالوا : فجوِّزوا عليه أن يكذب ، كما جوزتم أن يأمر بالكذب .

قيل لهم : ليس كل ما جاز أن يأمر به ، جاز أن يوصف به »(٢) .

__________________

(١) اللّمع ، ص ١١٦ .

(٢) اللّمع ، ص ١١٧ .

٢٤٩
 &

يلاحظ عليه : أمَّا أوَّلاً ـ فإننا نسأل الشيخ الأشعري إنَّه سبحانه إذا أوْلَم طفله في الآخرة وعذّبه بألوان التعذيب ، مع كون الطفل بريئاً لم يصدر منه ذنب ، ورأى الأشعري ذلك بأم عينه في الآخرة ، هل يرى ذلك عين العدل ، ونفس الحُسن ؟! أو أنه يجد ذلك الفعل ، من وجدانه ، أمراً مُنْكَراً ؟ .

ومثله ما لو فُعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله مع كونه مؤمناً ، فهل يرضي بذلك في أعماق روحه ، ويراه نفس العدل ، غير متجاوَزٍ عنه ، بحجة أنَّ الله سبحانه مالِك المُلك يفعل في ملكه ما يشاء ؟ أو أنه يقضي بخلاف ذلك ؟ .

وأمَّا ثانياً : فلا شك أنَّه سبحانه مالِك المُلك والملكوت يقدر على كل أمر ممكن ـ كما عرفت ـ من غير فرق بين الحَسَن والقبيح ، فعموم قدرته لكل ممكن ممّا لا شبهة فيه ، ولكن حكم العقل بأنَّ الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم ، ليس تحديداً لملكه وقدرته . وهذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنَّ قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه نوع دخالة في شؤون ربّ العالمين ، ولكن الحق غير ذلك .

توضيحه : إنَّ العقل بفضل التجربة ، أو بفضل البراهين العقلية ، يكشف عن القوانين السَّائدة على الطبيعة ، كما يكشف عن القوانين الرياضية ، فلو قال العقل : إنَّ كل زوج ينقسم إلى متساويين ، فهل يحتمل أنَّ العقل بذلك فَرَض حُكْمَه على الطبيعة ، أو يقال إنَّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون والعقل كشفه وبيّنه ؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم وكشفه في عالم الطبيعة ، فليكن هو الفارق بين إدراكِهِ حُسْن الفعل وقُبحه وأنَّ أيّ فعل يصدر منه وأيَّهُ لا يصدر منه ، وفَرْضِهِ الحُكْمَ على الله سبحانه فرضاً يحدد سعة قدرته وَإرادته وفعله . فليس العقل هنا حاكماً وفارضاً على الله سبحانه ، بل هو ـ بالنظر إلى الله تعالى وصفاته التي منها الكمال والغنى ـ يكشف عن أنَّ الموصوف بمثل هذه الصفات وخاصة الحكمة ، لا

٢٥٠
 &

يصدر منه القبيح ، ولا الإِخلال بما هو حسن .

وبعبارة أخرى : إِنَّ العقل يكشف عن أنَّ المُتَّصفَ بكل الكمال ، والغنى عن كل شيء ، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح ، لتحقّق الصَّارف عنه وعدم الداعي إليه ، وهذا الإِمتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتى لا يقدر على الخلاف ، ولا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات ، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح ، فإن الفعل بالإِختيار ، والترك به أيضاً . وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنَّه يمتنع عليه القبائح . ولا يهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل ، بل الله بحكم أنَّه حكيم ، التزم وكتب على نفسه أن لا يخل بالحسن ولا يفعل القبيح . وليس دور العقل هنا إلّا دور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته .

وباختصار : إِنَّ فعله سبحانه ـ مع كون قدرته عامة ـ ليس فوضوياً ومتحرراً عن كل سلب وإيجاب ، وليس التحديد مفروضاً عليه سبحانه من ناحية العقل ، وإنما هو واقعية وحقيقة كشف عنه العقل ، كما كشف عن القوانين السائدة على الطبيعة والكون . فتَصوُّر أنَّ فعله سبحانه متحرر عن كل قيد وحَدّ ، بحجة حفظ شأن الله سبحانه ، وسعة قدرته ، أشبه بالمُغالَطة ، فإنَّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض انحلال فعلِه عن كل قيد وشرط .

وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استَدلَّ به القائلون بنفي التحسين والتقبيح العقليين . ولا بأس بالإِشارة إلى بعض أدلتهم التي أقامها المتأخرون عن أبي الحسن الأشعري .

الدليل الثاني : لو كان التحسين والتقبيح ضرورياً لما وقع الإِختلاف

قالوا : لو كان العلم بحسن الإِحسان وقبح العُدوان ضرورياً لما وقع

٢٥١
 &

التَّفاوت بينه وبين العِلْم بأنَّ الواحد نصف الإِثنين ، لكنَّ التالي باطل بالوجدان .

وأجاب عنه المحقق الطّوسي بقوله : « ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور »(١) .

توضيحه : إنَّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصور أطرافها . وقد قرر في صناعة المنطق أنَّ للبديهيات مراتب : فالأَوليّات أبدَه من المشاهدَات بمراتب . والثانية أبده من التجربيات والثالثة أبده من الحَدْسيات ، والرابعة أبده من المتواترات ، والخامسة أبده من الفطريَّات . والضابط في ذلك أنَّ ما لا يتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره ، وذلك مثل الأوليات(٢) ، وهكذا .

فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة ، لزم أنْ لا تكون الحدسيات من اليقينيات .

وباختصار ، إنَّ العلوم اليقينية ، مع كثرتها ليست على نمط واحد ، بل لها مراتب ودرجات ، وهذا شيء يلمسه الإِنسان إذا مارس علومه ويقينياته وعلى ذلك فلا مانع من أن يقع الاختلاف في بعض العلوم الضرورية لدوافع خاصة ، وهي في المقام تصوّر أنَّ الحكم بالحُسن والقُبح تحديد لسلطته

__________________

(١) كشف المراد ، ص ١٨٦ .

(٢) وجه الضبط أنَّ القضايا البديهية إمَّا أن يكون تصور طرفيها مع النسبة كافياً في الحكم والجزم ، أو لا يكون .

والأول هو الأوليات ، والثاني إمَّا أن يتوقف على واسطة غير الحس الظاهر والباطن أو لا . والثاني المشاهدات ، وتنقسم إلى مشاهَدات بالحس الظاهر ومشاهَدات بالحسّ الباطن . والأول إمَّا أن تكون تلك الواسطة بحيث لا تغيب عن الذهن عند تصور الأطراف أو لا تكون كذلك ، فالأول هي الفطريات ، وتسمى بالقضايا التي قياساتها معها . والثاني إمَّا أن يستعمل فيه الحدس ، وهو انتقال الذهن الدفعي من المبادي إلى المطالب أو لا يستعمل فيه ، فالأول هو الحَدْسيات ، والثاني إن كان الحكم فيه حاصلاً بإخبار جماعة يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب فهو المتواترات ، وإن لم يكن كذلك بل حاصلاً من كثرة التجارب فهي التجريبيات وقد علم بذلك حدّ كل واحد منها .

٢٥٢
 &

سبحانه ، فلأجل ذلك رفضت الأشاعرة هذا العلم الضروري للحفاظ على عموم سلطته تعالى .

الدليل الثالث : لو كان الحُسن والقُبح عقليين لما تغيرا

إِنَّ الحُسنَ والقُبحَ لو كانا عقليين لما اختلفا ، أي لما حَسُن القبيح ولما قَبُح الحسن ، والتَّالي باطل ، فإنَّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح وذلك فيما إذا تضمن الكذب إنقاذ نبي من الهلاك ، والصدق إهلاكه .

فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله(١) .

وأجاب عنه المحقق الطّوسي بقوله : « وارتكاب أقل القبيحين مع إمكان التخلّص »(٢) .

وتوضيحه : إنَّ الكذب في هذه الصّورة على قبحه إلّا أنَّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب ، فيحكم العقل بارتكاب أقلّ القبيحين تخلّصاً من ارتكاب الأقبح . على أنَّه يمكن التخلص عن الكذب بالتعريض ( أي التورية ) .

وباختصار : إِنَّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق فيكون تركه أقبح من الكذب فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة ، على الصدق .

أضف إلى ذلك ، أنَّ الإِستدلال مبني على كون قُبح الكذب وحُسْن الصدق ، كقُبح الظّلم وحُسن العدل ، ذاتيين لا يتغيران . وأمَّا على ما مرّ من أنَّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقُبح على أقسام منها ما يكون الفعل علة تامة لأحدهما ، فلا يتغير حُسنه ولا قُبحه بعروض العوارض كحُسن الإِحسان

__________________

(١) الإِحكام ، للآمدي ، ج ١ ، ص ١٢١ .

(٢) كشف المراد ، ص ١٨٧ .

٢٥٣
 &

وقُبح الإِساءة . ومنها ما يكون مقتضياً لأحدهما ، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر ، وهكذا في جانب القبح . وقد تقدم أنَّ حُسْن الصّدق وقُبح الكذب من هذا القبيل . ومنها ما لا يكون علة ولا مقتضياً لأحدهما كالضرب ، جزاءً أو إيذاءً .

*        *       *

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنَّ هناك أفعالاً يستقل العقل بحسنها وقبحها ، ويقضي بهما من دون أن يستعين بالشرع ، ويرى حسنها وقبحها مطّرداً في جميع الفاعلين ، من غير اختصاص بالخالق أو المخلوق . وقد ذكرنا مِلاك قضائه وهو ملاءمة الفعل أو منافرته للشخصية العلوية المثالية التي خلق الإِنسان عليها .

ثم إنَّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين إنما يتم على القول بأنَّ الإِنسان فاعل مختار ، وأمَّا على القول بأنَّه مجبور في أفعاله ، فالبحث عنهما منفي بانتفاء موضوعه ، لأن شيئاً من أفعال المجبور لا يتصف بالحسن ولا بالقُبح عقلاً . وبما أنَّ الأشاعرة يصوّرون الإِنسان فاعلاً مجبوراً ، فلازم مقالتهم نفي التحسين والتقبيح العقليين ، وسيوافيك كون الإِنسان فاعلاً مختاراً غير مجبور ، كما سيوافيك نقد ما استدل به الأشاعرة على مقالة الجبر(١) .

التَّحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنَّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يعطي أنَّه يُسَلّم استقلال العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي ، ثم يأمر بالحَسَن وينهي عن القبيح .

__________________

(١) لاحظ شرح تجريد الاعتقاد للفاضل القوشجي ، ص ٣٢٩ ، حول قولهم يكون الإِنسان مجبوراً في فعله . وسيوافيك مفصّلاً البحث في الجبر الأشعري عند البحث في « العدل الإِلهي وأفعال الإِنسان » .

٢٥٤
 &

١ ـ قال سبحانه : ( إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )(٢) .

٢ ـ ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ )(٢) .

٣ ـ ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ )(٣) .

٤ ـ ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّـهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ )(٤) .

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنَّ هناك أموراً توصف بالإِحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف قبل تعلّق الأمر أو النهي بها ، وأنَّ الإِنسان يجد اتصاف الأفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته ، كما يعرف سائر الموضوعات كالماء والتراب . وليس عرفان الإِنسان بها موقوفاً على تعلّق الشرع وإنما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح .

أضف إلى ذلك أنَّه سبحانه يتخذ وجدان الإِنسان سنداً لقضائه فيما تستقل به عقليّته :

٥ ـ يقول تعالى : ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )(٥) .

٦ ـ ويقول سبحانه : ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )(٦) .

٧ ـ ويقول سبحانه : ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ )(٧) .

__________________

(٢) سورة النحل : الآية ٩٠ .

(٢) سورة الأعراف : الآية ٣٣ .

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٥٧ .

(٤) سورة الأعراف : الآية ٢٨ .

(٥) سورة ص : الآية ٢٨ .

(٦) سورة القلم : الآيتان ٣٥ ـ ٣٦ .

(٧) سورة الرحمن : الآية ٦٠ .

٢٥٥
 &

فالتدبّر في هذه الآيات لا يَدَعُ مجالاً لتشكيك المشكّكين في كون التحسين والتقبيح من الأمور العقلية التي يُدركها الإِنسان بالحجة الباطنيّة من دون حاجة إلى حجة ظاهرية .

*        *       *

٢٥٦
 &

ثمرات التحسين والتقبيح العقليين

تحتل مسألة التحسين والتقبيح العقليين مكانة مرموقة في الأبحاث الكلامية وذلك أن أجلَّ ما تثبته هذه المسألة حكمة الباري تعالى وأنَّه منزَّه عن فعل ما لا ينبغي ، وبه تنحل الكثير من المشاكل الكلامية وغيرها . وإليك فيما يلي بيان بعض منها .

١ ـ وجوب المعرفة

اتفق المتكلمون ـ ما عدا الأشاعرة ـ على لزوم معرفة الله سبحانه على كل إنسان لزوماً عقلياً ، بمعنى أنَّ العقل يحكم بحُسْن المعرفة وقُبح تركها ، لِمَا في المعرفة من أداء شكر المنعِم ، وهو حسن ، وفي تركها من الوقوع في الضَّرر المحتمل ، وهو قبيح . هذا إذا قلنا باستقلال العقل ، وإِلَّا لَمَا ثبت وجوب المعرفة ، لا عقلاً ـ لأنه حسب الفرض معزول عن الحكم ـ ولا شرعاً ، لأنه لم يثبت الشرع بعد .

٢ ـ وجوب تنزيه فعله سبحانه عن العبث

ممّا يترتب على هذه المسألة تنزيه أفعاله سبحانه عن العبث ولزوم اقترانها بالغايات والأغراض وهذه المسألة من المسائل التي تشاجرت فيها

٢٥٧
 &

العدلية والأشاعرة فالأولى على الإِيجاب والثانية على السلب . وللحكماء فيها رأي خاص أيضاً ، ولذلك فإنَّا نفردها بالبحث بعد عرض هذه النتائج .

٣ ـ لزوم تكليف العباد

إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث ، يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كل مكلف إلى الغايات التي خلق لها ، وذلك بتكليفهم بما يوصلهم إلى الكمال ، وزجرهم عمّا يمنعهم عنه ، حتى لا يتركوا سدى ، وتتفتح في ضوء التكليف طاقاتهم الروحية . وعِلْم الإِنسان بالحُسن والقُبح لا يكفي في استكماله ، إذ هناك أمور تصده عن بلوغ الغاية أو توصله إليها وهي مجهولة له ، ولا تعلم إلّا من طريق الوحي والشرع .

٤ ـ لزوم بعث الأنبياء

إِنَّ مسألة لزوم إرسال الرسل أيضاً ، تبتني على هذه المسألة ، فالعقل الذي يدرك بأنَّ الإِنسان لم يخلق سدى بل خلق لغاية ، يدرك بأنه لا يصل إليها إلّا بالهداية التشريعية الإِلهية ، فيستقل بلزوم بعث الدعاة من الله تعالى لهداية البشر(١) .

٥ ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة

لا شكّ أنَّ الأنبياء الحقيقيين يبعثون بمعاجز وبيّنات ، فإذا ادّعى إنسان السَّفارة من الله تعالى إلى النَّاس ، فهل يجب على الناس النظر في دعواه وبرهانه ؟ على استقلال العقل في مجال التحسين والتقبيح ، يجب النظر والإِصغاء دفعاً للضرر المحتمل . وأمَّا على القول بعدمه ، فلا يجب ذلك عقلاً ـ لأنه حسب الفرض معزول ـ ولا شرعاً ، لعدم ثبوته بعد . ونتيجة ذلك أنَّ التارك للنظر معذور ، لأنه لم يهتد إلى حقيقة الأمر ! .

٦ ـ العِلْم بصدق دعوى النبوّة

إِذا اقترنت دعوة المتَنبّىء بالمعاجز والبيّنات الواضحة ، فلو قلنا

__________________

(١) سنبحث مفصلاً في لزوم بعثة الأنبياءِ في مباحث النبوّة العامّة .

٢٥٨
 &

باستقلال العقل في مجال الحُسن والقُبح ، حكمنا بصدقه ، لقبح إعطاء البيّنات للمدعي الكذّاب ، لما فيه من إضلال النَّاس . وأمَّا إذا عزلنا العقل عن الحكم في المقام ، فلا دليل على كونه نبيّاً صادقاً ، والشرع بعد لم يثبت حتى يحكم بصدقه .

٧ ـ الخاتمية واستمرار أحكام الإِسلام

إنَّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح ، بالمعنى الذي عرفت من الملاءَمة للفطرة العلوية والمنافرة لها ، أساس الخاتميَّة وبقاء أحكام الإِسلام وخلودها إلى يوم القيامة . وذلك أنَّ الفطرة مشتركة بين جميع أفراد البشر ولا تتبدل بتبدل الحضارات وتطوّر المدنيّات ، فإنَّ تبدلها لا يمسّ فطرة الإِنسان ولا يغيّر جبلّته ، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة ، ولا يتطرق التبدل والتغيّر إليه(١) .

٨ ـ ثبات الأخلاق

إنَّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور والحضارات أو تبدلها تبعاً لاختلافها ، مما طرح مؤخراً عند الغربيين ودارت حوله المناقشات وأبديت فيه الآراء ، فمن قائل بثبات أصولها ، ومن قائل بتبدلها وتغيّرها حسب تغيّر الأنظمة والحضارات . ولكن المسألة لا تنحل إلّا في ضوء التحسين والتقبيح العقليين الناشئين من قضاء الجِبِلَّة الإِنسانية العالية والفطرة الثابتة ، فعند ذاك تتّسم أصول الأخلاق بسمة الثبات والخلود . وأما ما يتغير بتغير الحضارات فإنما هو العادات والتقاليد العرفية .

خذ على ذلك مثلاً « إكرام المحسن » ، فإنه أمر يستحسنه العقل ، ولا يتغير حكم العقل هذا أبداً ، وإنما الذي يتغير بمرور الزمان ، وسائل الإِكرام وكيفياته . فإذا ، الأصول ثابتة ، والعادات والتقاليد ـ التي ليست إلّا لباساً للأصول ـ هي المتغيّرة .

__________________

(١) سنبحث عن خاتمية الإِسلام في مباحث النبوّة الخاصّة .

٢٥٩
 &

٩ ـ الحكمة في البلايا والمصائب والشرور

من المسائل المشهورة في الحكمة الإِلهية مسألة البلايا والشرور ، فإنَّ وجود هذه الحوادث أوجد إشكالات على حكمته بل عِلْمه تعالى ، فهي بظاهرها تدل على انعدام النّظام في الكون من جهة ، وتنافي حكمته بمعنى إتقان أفعاله من جهة ثانية ، وتنافي حكمته ـ على نحو الإِطلاق ـ أعني كون فعله منزهاً عمّا لا ينبغي من جهة ثالثة ، وتنافي حكمته ـ على نحو الخصوص ـ أعني عدله تعالى وقيامه بالقسط من جهة رابعة . وحيث إنها من المسائل الطويلة الذيل ، التي وقع فيها البحث والنقاش سواء في علم الكلام أو الفلسفة والحكمة الإِلهية ، فإنَّا نفردها بالبحث بعد العرض الإِجمالي لهذه النتائج .

١٠ ـ الله عادل لا يجور

من أبرز مصاديق حكمته تعالى ـ الثابتة بفضل القول بالتحسين والتقبيح العقليين ـ عدله ، بمعنى قيامه بالقسط وأنَّه لا يجور ولا يظلم وسنفرده بالبحث مع بيان مكانته في التشريع الإِسلامي . ويترتب عليه بعض النتائج منها :

أ ـ قبح العقاب بلا بيان

إذا كان الله تعالى عادلاً ، فإنه لا يعاقب عباده من دون أن يبين لهم تكاليفهم ، فإنَّ ذلك ظلم يحكم العقل بقبحه ولزوم تنزّه الواجب عنه . من دون فرق بين أن لا يقع البيان أصلاً ، أو يقع ولا يصل إليهم لأسباب وعوامل معينة . وهذا الأصل مما اتفق عليه الأصوليون وبنوا عليه أصالة البراءة في الشبهات غير المقترنة بالعلم الإِجمالي .

نعم ، المسألة تبتنى على التحسين والتقبيح العقليين إذا لم تثبت البراءة من الشرع بواسطة الكتاب والسنة ، والمفروض أنَّ البحث فيها بعده .

٢٦٠