الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الصّفات الفعليَّة

(٢)

الصدق

إِتَّفق المسلمون والإِلهيون على أنَّ « الصادق » من أَسمائه ، وأَن « الصّدقَ » من صفاته ، وإِنِ اختلفوا في طريق البرهنة عليه . والمراد من صدقه كون كلامه منزهاً عن شَوْب الكذب . ولما كان المختار عندنا في « الكلام » أَنَّهُ من الصفات الفعلية ، يكون الصدق في الكلام مثله . لأَنه إذا كان الموصوف بالصّدق من الصفات الفعلية وفعلاً قائما بالله سبحانه ، فوصفه أولى بأن يكون من تلك المقولة .

ويمكن الإِستدلال على صدقه بأنَّ الكذب قبيح عقلاً ، وهو سبحانه منزه عما يعدّه العقل من القبائح . والبرهان مبني على كون الحُسن والقبح من الأمور التي يدركها العقل ، وأَنَّه مع قطع النظر عن الطوارىء والعوارض ، يحكم بكون شيء حسناً بالذات أو قبيحاً مثله . وهذا الأَصل هو الأمر المهم الذي فرّق المتكلمين إِلى فرقتين .

فإذا أَخذنا بالجانب الإِيجابي في ناحية ذلك الأصل ، كما هو الحق ، يثبت كونه سبحانه صادقاً . ولكن الأَشاعرة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليين يصفونه سبحانه بالصدق ، مستدلين تارة بأَنَّ الكذب نقص ،

٢٢١
 &

والنقص على الله تعالى محال . وأُخرى بأَنَّ الشرع قد أَخبر عن كونه صادقاً . وكلا الدليلين مخدوش جداً .

أما الأَول ، فلأنه لو قلنا بالتحسين والتقبيح العقليين ، يكون النقص محالاً على الله سبحانه في ناحية الذات والفعل ، فذاته منزهة عن النقص ، وفعله ـ كالتكلم ـ وأَمَّا إِذا أَنكرنا ذلك الأَصل فلا دليل على استحالة النقص على الله سبحانه في خصوص فعله وإِنْ كان طروء النقص على الذات محالاً مطلقاً . ولأَجل ذلك جوّز الأَشاعرة الظلم عليه سبحانه ، وهكذا سائر القبائح ، وإنْ كانت لا تصدر عنه سبحانه لأَجل إِخباره بذلك .

وأما الثاني ، فلأن ثبوت صدقه شرعاً يتوقف على صدق قول النبي ولا يثبت صدقه إلَّا بتصديق الله سبحانه ، فلو توقف تصديقه سبحانه على تصديق النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لزم الدور .

ولأَجل ذلك يجب أَنْ يكون هناك دليل قاطع وراء الشرع والوحي على كونه سبحانه صادقاً لا يكذب .

وهناك دليل آخر ، أَشار إليه بعض المعتزلة وحاصله أَنَّ كذبه ينافي مصلحة العالم ، لأَنه إِذا جاز وقوع الكذب في كلامه تعالى ارتفع الوثوق بإخباره عن أحوال الآخرة ، وفي ذلك فوات مصالح لا تحصى . والأَصلح واجب عليه تعالى لا يصح الإِخلال به . والمراد من كونه واجباً هو إِدراك العقل أنَّ موقفه سبحانه في ذلك المجال يقتضي اختيار الأَصلح وترك غيره .(١)

ولكن الدليل مبني على الأَصل المقرر عند العدلية من إِدراك العقل الحسنَ والقبْحَ ، مع قطع النظر عن جميع الطوارىء والعوارض . فعند ذلك يدرك الأصلح والصالح ، أو الصالح وغير الصالح ، كما يدرك لزوم اختيار الأصلح والصالح على غيرهما . ولأجل ذلك لا يكون دليلاً آخر .

__________________

(١) شرح القوشجي ، ص ٣٢٠ .

٢٢٢
 &

هذا إِذا قلنا بأَنَّ كلامه من الصفات الفعلية . وأمَّا لو فسّرناه بالكلام النفسي ـ كما قالت الأَشاعرة ـ فقد عرفت أَنَّه لا يخرج عن إطار العلم والإِرادة والكراهة ، فعندئذ يكون صدق كلامه بمعنى صدق علمه ، ولا يمكن تفسير صدق العلم إِلَّا بكونه مطابقاً للواقع . وأَمَّا صدق الإِرادة والكراهة فليس له فيهما معنى معقول . وعلى كل تقدير يكون الصدق عندهم ـ حينئذ ـ من الصفات الذَّاتية لا الفعلية .

*        *       *       *

٢٢٣
 &

٢٢٤
 &

الصِّفات الفعليَّة

(٣)

الحِكْمَةُ

إنَّ الحكمة من صفاته سبحانه ، كما أَنَّ الحكيم من أَسمائه وقد تواترت النصوص القرآنية بذلك ، فقال سبحانه :

( وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )(١) . مشعراً بأنَّ العلم غير الحكمة .

إِنَّ الحكمة تطلق على معنيين : أحدهما ، كون الفعل في غاية الإِحكام والإِتقان ، وغاية الإِتمام والإِكمال . وثانيها ، كون الفاعل لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بواجب .

قال الرازي : « في الحكيم وجوه : الأَول ـ إِنه فعيل بمعنى مُفْعِل ، كأليم بمعنى مُؤلم ، ومعنى الإِحكام في حق الله تعالى في خلق الأَشياء ، هو إتقان التدبير فيها ، وحسن التقدير لها ففيها ما لا يوصف بوثاقة البنية كالبقة والنملة وغيرهما ، إلّا أنَّ آثار التدبير فيها ـ وجهات الدلالات فيها على قدرة الصانع وعلمه ـ ليست بأَقل من دلالة السمٰوات والأَرض والجبال على علم الصانع وقدرته . وكذا هذا في قوله : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ )(٢) .

__________________

(١) سورة النساء : الآية ٢٦ .

(٢) سورة السجدة : الآية ٧ .

٢٢٥
 &

وليس المراد منه الحَسَن الرائق في المنظر ، فإِنَّ ذلك مفقود في القرد والخنزير ، وإِنّما المراد منه حسن التدبير في وضع كل شيء موضعه بحسب المصلحة . وهو المراد بقوله : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا )(١) .

الثاني ـ إِنَّه عبارة عن كونه مقدّساً عن فعل ما لا ينبغي ، قال تعالى : ( فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا )(٢) .

وقال : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا )(٣) و(٤) .

ونبحث فيما يلي عن كلا المعنيين واحداً بعد الآخر .

*        *       *

__________________

(١) سورة الفرقان : الآية ٢ .

(٢) سورة المؤمنون : الآية ١١٥ .

(٣) سورة صۤ : الآية ٢٧ .

(٤) وقد ذكر الرازي هنا معنى ثالثاً وهو أنَّ الحكمة عبارة عن معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم ، فالحكيم بمعنى العليم ، قال الغزالي : وقد دللنا على أنَّه لا يعرف الله إلَّا الله ، فيلزم أن يكون الحكيم الحق هو الله ، لأنه يعلم أصل الأشياء ، وهو ( العلم بأصل الأشياء ) أصل العلوم ، وهو علمه الأزلي الدائم الذي لا يُتصور زواله ، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها الخفاء ولا الشبهة . ( أسماء الله الحُسْنى ، ص ٢٧٩ ـ ٢٨٠ ) . أقول : وعلى المعنى الثالث تكون الحكمة من شعب علْمه .

٢٢٦
 &

الحكمة

(١)

الحكيم : المتقن فعله

قد عَرَفْتَ أنَّ الحكيم يُطلق على الفاعل الذي يعمل بإتقان ويًقدّر ويُدبِّر باتّزان والله سبحانه حكيم بهذا المعنى .

وأوضحُ دليل على ذلك أنَّ فعله في غاية البداعة والإِحكام والإِتقان ، فإِنَّ الناظر يرى أنَّ العالم خُلِقَ على نظامٍ بديع ، وأنَّ كل نوع خًلق بأَفضل صورة تناسبه ، وجُهّز بكل ما يحتاج إليه من أَجهزة تهديه في حياته وتساعده على السير إلى الكمال . وإنْ شئتَ فانظر إلى الأَشياء المحيطة بك مما هو من مظاهر حِكْمتِهِ تعالى .

فلاحِظِ العينَ مثلاً فإِنَّ فيها ما يقرب من مائة وأربعين مليون مستقبل حساس للضوء تُسمَّى بالمخاريط والعصي ، وطبقة المخاريط والعصي هذه واحدة من الطبقات العشر التي تشكل شَبَكيّة العين ، ولا يتجاوز ثخانتها ـ بطبقاتها العشر ـ أربعة أَعشار المليمتر الواحد . ويخرج من العين نصف مليون ليف عصبي ينقل الصورة بشكل ملون !

وهذا القلب وهو مضخة الحياة التي لا تَكِلّ عن العمل ، فإِنه ينبض يومياً ما يزيد على مائة ألف مرة ، يضخ خلالها ثمانية آلاف ليتر من الدم ،

٢٢٧
 &

وبمعدل وسطي يضخ ستة وخمسين مليون غالون على مدى حياة الإِنسان ، فترى هل يستطيع محرك آخر القيام بمثل هذا العمل الشاق لمثل تلك الفترة الطويلة من دون حاجة لإِصلاح ؟ . . .

وأَمثال ذلك الكثير مما لا تستوعبه السطور بل ولا الزبر .

إنَّ معطيات العلوم الطبيعية عما في الكون أَفضلُ دليل على وجود الحكمة الِإلٰهية في الفَلَكيّات والأَرضيات . ولا نطيل الكلام في الحكمة بهذا المعنى ، فإنها في الحقيقة من شعب القدرة التي استوفينا الكلام فيها . على أنَّه يمكن الإِستدلال على كونه حكيماً من وجهين آخرين غير ما مر :

الأول : إِنَّ إرادته سبحانه تعلقت بخلق كل شيء بأحسن نظام ، وإِلّا فإِنَّ صدور فعل خارج عن الإِتقان والإِحكام ، إمَّا لأَجل جهل الفاعل بالنظام الصحيح ، وإمّا لأَجل عجزه ، وكلا العاملين منفيان عن ساحته ، لسعة علمه لكلِّ شيء وسعة قدرته . فعدوله عن مقتضى العِلْم والقدرة الوسيعين يحتاج إلى دليل ، وليس هو إلّا كونه عابثاً ولاغياً ، وسيوافيك فيما يأتي أَنَّه منزَّهٌ عن القبيح .

الثاني : إنَّ أَثر كل فاعل يناسب واقع فاعله ومؤثره ، فهو كالظل يناسب ذا الظل . فالفاعل الكامل من جميع الجهات يكون مصدراً لفعل كامل ، وموجود متوازن أخْذاً بقاعدة مشابهة الظل لذي الظلّ .

الحكمة والإِتقان في الكتاب والسنة

إنَّ توصيفه سبحانه بالحكمة بهذا المعنى ورد في الذكر الحكيم ، قال سبحانه : ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )(١) .

وقد أشار الإِمام علي ( عليه السلام ) إلى الحكمة الإِلهية بمعنى

__________________

(١) سورة هود : الآية ١ .

٢٢٨
 &

الإِتقان والإِحكام بقوله : « قَدر ما خَلَقْ فأحْكَمَ تقديرَه »(١) .

وقوله : « مُبْتَدِعِ الخلائِقِ بعِلْمِهِ ، ومُنْشئهم بحُكْمِهِ ، بلا اقتِداءٍ ولا تعليمٍ ولا احتذاءٍ لِمثالِ صانعٍ حكيمٍ »(٢) .

ثم إِنَّ بعض المغرورين أثاروا شكوكاً حول حكمته تعالى ، وسألوا عن فوائد الأمور التالية وهي :

١ ـ الزائدة الدودِيّة .

٢ ـ اللوزتان .

٣ ـ ثديا الرجل .

٤ ـ صيوان الأذن .

٥ ـ الفضاء الوسيع .

ولكن هؤلاء اغتروا بما حصلوا عليه من علوم تجريبية ، وتصوروا أَنهم أَحاطوا بأَسرار العالم ، مع أَنَّ الواقعيين من العلماء يعترفون بضاۤلة علومهم وقلة اطلاعهم على سُنَن الكون ورُموزه . قال سبحانه : ( وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )(٣) .

وقال سبحانه : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )(٤) .

هذا ، مع أَنَّ العلم الحديث كشف عن الفوائد الجمة لهذه الأمور التي استشكل فيها هؤلاء المغرورون وزعموا أَنَّها مضادة لحكمته سبحانه(٥) .

*        *       *

__________________

(١) نهج البلاغة ، الخطبة (٩١) .

(٢) نهج البلاغة ، الخطبة (١٩١) .

(٣) سورة الإِسراء : الآية ٨٥ .

(٤) سورة الروم : الآية ٧ .

(٥) لاحظ « الله خالق الكون » ص ٣٧٠ ـ ٣٧٨ ، تحت عنوان « الأعضاء الزائدة لماذا » ؟

٢٢٩
 &

٢٣٠
 &

الحكمة

(٢)

الحكيم : المنزَّه عن فعل ما لا ينبغي

إِنَّ المعنى الثاني للحكمة هو التَنَزُّه عن فعل ما لا ينبغي ، وهي بهذا المعنى أَعمّ من العدل الذي نعرفه بعدَم الجور والظلم ، وغيره . فالحكيم ـ بعبارة أخرى ـ هو الذي لا يفعل القبيح .

والتصديق بثبوت هذه الصفة للباري تعالى مبني على القول بالتحسين والتقبيح العقليين . فإِنَّ مفاد تلك المسألة أَنَّ هناك أَفعالاً يدرك العقل كونها حسنة أَو قبيحة ، ويُدرك أَنَّ الغَنيّ بالذات مُنَزّه عن الإِتصاف بالقبيح ، وفعل ما لا ينبغي .

وهذا هو الأَساس للحكم باتصافه تعالى بالحكمة والعدل وأَنه موجود لا يجور ولا يظلم ومن هنا يلزمنا البحث عن تلك المسألة على ضوء العقل والكتاب العزيز .

*        *       *

التحسين والتقبيح العقليان

ذهبت العدلية إلى أَنَّ هناك أَفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع أَنها حسنة ، يجب القيام بها ، أَو قبيحة يجب التنزه

٢٣١
 &

عنها . ولو أَمر الشارع بالأُولى ونهى عن الثَّانية ، فهو كاشف عما يدركه العقل ومرشد إليه . وليس للشرع أَنْ يعكس القضية بأَنْ يُحَسِّنَ ما قَبَّحَهُ العقل ، أَو يُقبِّح ما حَسَّنه .

وقالت الأَشاعرة ، لا حكم للعقل في حُسْن الأَشياء وقبحها ، ولا يتسم فعل بالحُسن أو القُبح بذاته قبل ورود الشرع ، فلأجل ذلك لا حَسَنَ إلَّا ما حسّنه الشارع ، ولا قبيح إلَّا ما قبحه . فلو كان الظلم قبيحاً ، فلأن الشارع نهى عنه ، ولو كان العدل حَسَناً فلأنه أمَر به . ولو عكس وجعل العدل قبيحاً والظلم حَسَناً ، لكان كما قال .

ثم إنَّ القائلين بالحُسن والقُبح العقليين يقسّمون الأفعال من حيث الإِتصاف بهما إلى أقسام ثلاثة :

الأول : ما يكون الفعل بنفسه علَّة تامة للحُسْن والقبح ، وهذا ما يسمّى بالحُسْن والقُبح الذاتيين ، مثل العدل والظلم . فالعدل بما هو عدل ، لا يكون إلَّا حَسَناً أبداً ، ومتى ما وجد لا بُدّ أن يُمدَح فاعله ويعدّ محسِناً ، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحاً ومتى ما وجد ففاعله مذموم ومسيء . ويستحيل أن يكون العدل قبيحاً والظلم حَسَناً .

الثاني : ما لا يكون الفعل علَّة تامة لأحدهما ، بل يكون مقتضياً للإِتصاف بهما ، بحيث لو خلّي الفعل ونفسه ، فإمَّا أن يكون حَسَناً كتعظيم الصديق بما هو هو أو يكون قَبيحاً كتحقيره . ولكنه لا يمتنع أن يكون التعظيم مذموماً لعروض عنوان عليه كما إذا كان سبباً لظلمِ ثالثٍ ، أو يكون التحقير ممدوحاً لعروض عنوان عليه كما إذا صار سبباً لنجاته . ولا ينحصر المثال بهما بل الصدق والكذب أيضاً من هذا القبيل . فالصدق الذي فيه ضرر على المجتمع قبيح ، كما أنَّ الكذب الذي فيه نجاة الإِنسان البريء حَسَن . وهذا بخلاف العدل والظلم فلا يجوز أن يتّسم العدل ـ بما هو عدل ـ بالقُبح ، والظُلم ـ بما هو ظلم ـ بالحُسن .

٢٣٢
 &

الثالث ـ ما لا علّية له ولا اقتضاء فيه في نفسه للإِتصاف بأحدهما ، وإنما يتبع الجهات الطارئة والعناوين المنطبقة عليه ، وهذا كالضَّرب فإنَّه حَسَن للتأديب ، وقَبيحٌ للإِيذاء .

هذا هو التقسيم الرائج بينهم . والغرض المطلوب في هذا البحث هو تبيين أنَّ هناك أفعالاً يدرك العقل إذا طالعها ، بقطع النظر عن كل الجهات الطارئة عليها ، أنَّها حسنة يجب أن يمدح فاعلها أو قبيحة يجب أن يُذمَّ . ولا نقول إنَّ كل فعل من الأفعال داخل في هذا الإِطار .

وبعبارة أخرى : إنَّ النزاع بين الفريقين دائر بين الإِيجاب الجزئي والسلب الكلّي ، فالعدلية يقولون بالأول والأشاعرة بالثاني .

في إطلاقات الحُسن والقُبح

لا شك أنَّ للحسن والقبح معنى واحداً ، وإنما الكلام في مِلاك كون الشيء حَسَناً أو قَبيحاً . وهو يختلف باختلاف الموارد ، فقد ذُكر للحُسن والقُبح مِلاكات نوردها فيما يلي :

١ ـ ملاءَمةُ الطَبْع ومنافرته . فالمشهد الجميل ـ بما أنَّه يلائم الطبع ـ يُعدّ حَسَناً ، كما أنَّ المشهد المَخُوف ، ـ بما أنَّه منافر للطبع ـ يُعَدّ قَبيحاً . ومثله الطعام اللذيذ والصوت الناعم ، فإنهما حَسَنان كما أنَّ الدواء المُرّ ونهيق الحمار قبيحان . والحُسن والقُبح بهذا المِلاك ليسا محل البحث والاختلاف . أضف إلى ذلك أنَّهما لا يمكنهما الثبات والدوام ، لاختلاف الطبائع .

٢ ـ موافقة الغَرَض والمصلحة الشخصيَّة والنوعيّة ومخالفتهما . فقتل إنسان لعَدائه حَسَن ، حيث إنَّه موافق لأغراض القاتل الشخصية . ولكنه قبيح لأصدقاء المقتول وأهله ، لمخالفته لأغراضهم ومصالحهم الشخصية . هذا في المجال الشخصي . وأمَّا في المجال النوعي ، فإنَّ العدل بما أنَّه حافظ لنظام المجتمع ومصالح النوع فهو حَسَن وبما أنَّ الظلم هادم للنظام ومخالف

٢٣٣
 &

لمصلحة النوع فهو قبيح . وهذا أيضاً خارج عن مجال البحث بين العدليّة والأشاعرة ، فإنَّ المصالح الشخصيَّة لا تصحح توصيف الفعل بالحُسن والقُبح على وجه الدوام ، لما عرفت من اختلاف الأغراض والمصالح الشخصية . فرُبَّ فعل كالقتل حَسَنَ عند فرد أو جَمع وقَبيحٌ عند آخرين والبحث إنَّما هو عن الُحسن والقُبح الذاتيين اللذين لا يتغير الإِتصاف بهما عند قوم دون قوم ، وجيل دون جيل ، بل يكون حُكْماً ثابتاً للفعل أبداً .

وأمَّا المصالح النوعيَّة ـ كبقاء النظام وانهدامه ـ فهي وإن كانت تصبغ الفعل بالحُسن والقُبح على وجه الثبات والدوام ، لكن لا يصحّ توصيف الحُسن والقُبح في هذا المورد بالذاتيين . لأنَّ المراد بالذاتي كون ملاحظة نفس الفعل ـ مع غضّ النظر عن غيره ـ موجباً لإِدراك العقل حُسنَه أو قُبحَه ، وليس الأمر كذلك في توصيف الفعل بالحُسن أو القُبح لأجل المصالح والمفاسد النوعية ، فإنَّ لتلك الأغراض الخارجة عن حقيقة الفعل دخالة في إدراك العقل وتوصيفه . فلأجل ذلك يجب أن يكون مثل ذلك خارجاً عن محل النزاع ، ولو اعترف الأشاعرة بحسن العدل وقبح الظلم من هذه الزاوية ، فلا يمكن عدهم موافقين للعدلية .

٣ ـ كون الشيء كمالاً للنفس أو نقصاً لها ، كالعِلْم والجهل ، فالأول زَيْن لها والثاني شَيْن . ولكنَّ التحسين والتقبيح بهذا المعنى لا غبار عليه وليس محلاً للنقاش . إذ لا أظن أنَّ أحداً على أديم الأرض ينكر كونَ العلمِ والشجاعة والفصاحة كمالاً وحَسَناً ، والجهلِ والجُبنِ والفهاهةِ نقصاً وقبيحاً .

فهذه الملاكات الثلاثة على فرض كونها ملاكات للإِتصاف بالحُسْن والقُبح ، خارجة عن حريم البحث ، وإنَّما البحث بين العدلية وغيرهم في المِلاك الرابع التالي :

٤ ـ ما استحق من الأَفعال مدح فاعله عُدّ عند العقلاء حَسَناً ، وما استحق منها ذماً عُدّ عندهم قبيحاً . وذلك بملاحظة الفعل نفسه من حيث هو

٢٣٤
 &

هو ، من دون ضم شيء إليه ، ومن دون أن يلاحظ كونه مشتملاً على نفع شخصي أو نوعي ، فيستقل العقل بحُسنه ووجوب فعله ، أو قُبحه ووجوب تركه .

وإِنْ شئت قلت : إِذا وقع الفعل في إطار العقل البشري من دون فرق بين الأَفراد ، ومع غض النظر عن أَي شيء آخر غير الفعل نفسه ، وجده العقل موصوفاً بالحُسن وقابلاً للمدح ، أَو على العكس . وهذا كما إِذا لاحظ جزاء الإِحسان بالإِحسان فيحكم بحسنه ، وجزاءه بالإِساءة فيحكم بقبحه . فالعقل في حكمه هذا ، لا يلاحظ سوى نفس الموضوع ، من دون أن يتصور كونه يتضمن صلاحاً أَو فساداً . فمبحث الحُسن والقُبح الذاتيين ، لا يهدف إِلّا إلى هذا القسم .

والأَقسام الثلاثة الأُولى خارجة عن مجال البحث ، كما أَنَّ التحسين والتقبيح العاديين ، كتحسين خروج الجندي بالبَزَّة العسكرية وتقبيح خروج العالم باللباس غير المناسب ، خارجان أَيضاً عن محل البحث .

وربما يتوهم أَنَّ للتحسين والتقبيح مِلاكاً خامساً ، هو أَنَّ الحسَنَ ما استَحق الثواب عند الله ، والقَبيح ما استَحق العقاب عنده . ولكنه خارج عن مجال البحث أَيضاً ، كيف وقد بحث عن أَصل التحسين والتقبيح البراهمة الذين لا يدينون بشريعة فضلاً عن الإِعتقاد بالثواب والعقاب في الآخرة ، فكيف يكون هذا مِلاك البحث . نعم قد اتخذ هذا الوجه سناداً من أراد أنْ ينكر الحُسنَ والقُبحَ ، بحجة أَنَّ العلم باستحقاق الثواب والعقاب على الفعل خارج عن نطاق العقل ، وداخل في مجال الشرع .

ومما قدمنا يعلم ما فيه .

ولأجل زيادة البيان في تعيين محل النزاع بين الأشاعرة والعدلية نأتي بالتوضيح التالي :

٢٣٥
 &

إِنَّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين ، يعلّلون حُسن العدل والإِحسان ، وقُبحَ الظلم والعدوان ، باشتمال الأَول على مصلحة عامة وباشتمال الثاني على مفسدة كذلك . ولأَجل تلك النتائج عم الإِعتراف بحُسن الأَول وقبح الثاني الجميع . ولكنك عرفت أَنَّ مِلاك البحث أَوسع من ذلك ، وأَنَّ المسألة مركزة على لحاظ نفس الفعل مع غض النظر عن تواليه وتوابعه ، هل يدرك العقل حسنه أَو قبحه ، أَو لا ؟ وهل العقل يمدح إحسان المحسن بالإِحسان ، ويذم جزاء المحسن بالإِساءة أَوْ لا ؟ وهل العقل يقبح تكليف الإِنسان بما لا يطيقه ، أَوْ لا ؟ وهل العقل يحسّن عمل العامل بالميثاق ، أَوْ لا ؟ فالنقاش على هذا الصعيد لا بالنظر إلى الأَغراض والمصالح ، فرديَّة كانت أَمْ اجتماعيَّة .

فالقائلون بالتقبيح والتحسين العقليين يقولون : إِنَّ كل عاقل مميِّز ، يجد من صميم ذاته حُسن بعض الأَفعال وقُبح بعضها الآخر ، وإِنَّ هذه الأحكام نابعة من صميم القوة العاقلة والهُويّة الإِنسانيَّة المِثاليَّة .

وأَول من قام بتحرير محل النزاع على الوجه الذي قررناه هو المحقق اللاهيجي في تآليفه الكلامية . وأَوضح دليل على صواب تحريره هو أَن الغرض من طرح هذه المسألة التوصل إلى التعرف على أَفعاله سبحانه ، وأَنَّ العقل هل يستطيع أَنْ يستكشف وصف أَفعاله ، أَوْ لا ؟ وأَنَّ ما هو حسن عند العقل أَوْ قبيح عنده هل هو كذلك عند الله تعالى ؟ ولا يمكن ذلك الإِستكشاف إِلّا بكون المدار في التحسين والتقبيح على ملاحظة نفس الفعل بما هو هو .

وعلى ذلك فلا معنى للبحث عن التحسين والتقبيح بالمِلاكات السَّابقة من الملاءمة والمنافرة للطبع ، أو موافقة الغَرَض ومخالفته ، أَو كونه حافظاً وهادماً للنظام والمجتمع ، وإلّا لبطلت الغاية التي طرحت لأَجلها تلك المسألة وهي التعرف على أَفعال الباري سبحانه .

٢٣٦
 &

هل التَّحسين والتَّقبيح العقليَّان من المشهورات ؟

ربما يظهر من بعض الحكماء والمتكلمين أَنَّ التحسين والتقبيح العقليين من المشهورات التي اتفقت عليها آراء العقلاء وتسمى بـ « الآراء المحمودة » .

وقال الشيخ الرئيس في ( الإِشارات ) : فأَما المشهورات . . . ومنها الآراء المسماة بـ « المحمودة » ، وربما خصصناها باسم « المشهورة » ، إذْ لا عمدة لها إِلّا الشهرة . وهي آراء لو خُلّي الإِنسان وعقله المجرد ، ووهّمه وحسّه ، ولم يؤدَّب بقبول قضاياها والإِعتراف بها ، ولم يَمِل الإِستقراء بظنه القوي إلى حُكمٍ ، لكثرة الجزئيات ، ولم يستَدعِ إليها ما في طبيعة الإِنسان من الرحمة والخجل والأَنفَةَ والحَمِيّة وغير ذلك ، لم يقض بها الإِنسان طاعةً لعقله أو وهمه أو حسّه . مثل حكمنا إِنَّ سلب مال الإِنسان قبيح وإِنَّ الكذب قبيح لا ينبغي أنْ يقدم عليه . ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس ، وإنْ صَرَف كثيراً عنه الشرع من قبح ذبح الحيوان ، اتباعاً لما في الغريزة من الرقة لمن تكون غريزته كذلك ، وهم أَكثر الناس .

وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج ، ولو توهم نفسه وأَنَّه خُلق دفعة تام العقل ولم يسمع أَدبا ولم يطع انفعالاً نفسانياً أَو خلقياً ، لم يقض في أَمثال هذه القضايا بشيء ، بل أَمكنه أَنْ يجهله ويتوقف فيه . وليس كذلك حال قَضائِه بأَنَّ الكُلَّ أعظمُ من الجزء ـ إلى أَنْ قال ـ : فالمشهورات إمَّا من الواجبات وإِما من التأديبات الصلاحية ، وما يتطابق عليه الشرائع الإِلٰهية ، وإِمَّا خُلُقِيّات وانفعاليّات ، وإِمَّا استقرائيات وإِما اصطلاحيّات ، وهي إِمَّا بحسب الإِطلاق ، وإِما بحسب أَصحاب صناعة وملة »(١) .

__________________

(١) الإِشارات والتنبيهات ، ج ١ ، ص ٢١٩ ـ ٢٢٠ ـ قوله : « وإِمَّا اصطلاحيات » : يريد منه أن تكون مشهورة عند الكل كقولنا : « العلم بالمتقابلات واحد » ، فإنَّ العلم بأبوة زيد لعمرو مساوق للعلم ببنوة عمرو لزيد . أو عند أصحاب صناعة كقولنا : « التسلسل محال » ، وهو مشهور عند المناظرة . أو عند أصحاب ملة كقولنا : « الإِله واحد » و« الرِّبا حرام » .

٢٣٧
 &

فها إِنَّك ترى أَنَّ الشيخ الرئيس يَعُدَّ كون سلب مال الإِنسان قبيحاً ، من القضايا المشهورة وأنَّه ليس له مدرك سوى آراء العقلاء وأن الإِنسان لو خُلي وعقله ، ولم يؤدب بقبول قضاياها ، لم يقض بقبحه .

وقد وافقه على ذلك المحقق الطوسي في شرحه على الإِشارات .

يُلاحظ عليه : إنَّ القياس ينقسم إلى أقسام خمسة :

١ ـ برهاني ،

٢ ـ جَدَلي ،

٣ ـ خِطابي ،

٤ ـ شِعري ،       ٥ ـ سَفْسَطي .

والأَول منها يتركب من اليقينيّات وأصولها ستة :

١ ـ الأوليّات ،

٢ ـ المُشاهَدات ،

٣ ـ التَجربيّات ،

٤ ـ الحَدْسِيّات ،

٥ ـ المُتَواتِرات ،

٦ ـ الفِطْريات .

وأَما الثاني ـ أعني القياس الجَدَلي ـ فيتألف من المشهورات والمُسَلَّمات ، سواء أكانت عند الكل أمْ عند طائفة خاصة .

وعلى ذلك فالمشهورات من مبادىء الجَدَل ، وهو يقابل القياس البرهاني . فلو جعل التحسين والتقبيح العقليان من المشهورات وأدخل في القياس الجدلي وعرف بأنَّه لا مدرك له إلّا الشهرة التي لو خلي الإِنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه ، ولم يؤدَّب بقبول قضاياها لم يقض بها ، يلزم إِنكار التحسين والتقبيح العقليين وإِثبات العقلائي منهما . وهو غير ما يتبناه القائلون بالعقلي .

أَضف إليه أنَّ جعلهما من المشهورات وإخراجهما من القياس البرهاني وإدخالهما تحت القياس الجدلي يُبطل جميع الأَحكام والآثار التي تترتب على القول بالعقلي ، كما أَوضحناه . إِذْ على هذا ، لا يكون التحسين والتقبيح برهانياً ، فلا يكون ما يترتب عليه مُبَرْهَناً به بل يُعَدّ من المشهورات التي تطابقت عليها آراء العقلاء . ومن الممكن جداً اتفاق العقلاء على

٢٣٨
 &

ضدها ، فعند ذلك يكون الحَسَن قبيحاً والقَبيح حسناً .

فإن قلت : إنَّ الشيخ الرئيس جعل المشهورات أعم مما هو من مبادىء الجَدَل ، فأدخل فيها الأوليّات حيث قال في صدر كلامه : « أمّا المشهورات من هذه الجملة فمنها أَيضاً هذه الأَوليات ونحوها مما يجب قبوله ومنها الآراء المسماة بـ ( المحمودة ) وربما خصصناها باسم ( المشهورة ) إِذْ لا عمدة لها إلّا الشهرة » .

قلت : ما ذكرتم صحيح ، فإِنَّ المشهورات عنده أَعمّ من اليقينيات وغيرها حتى أَنَّ الأَوليات لها اعتباران ، فمن حيث انه يعترف بها عموم الناس تعدّ مشهورات ، ومن حيث إنه يحكم بها محض العقل ويجب قبولها يقينيات . وفي مقابل هذا القسم ، قسم آخر للمشهورات وهي غير يقينيات ويتوقف العقل الصِرْف في الحكم بها ، ولكن لعموم النَّاس بها اعتراف وتسمى « آراء محمودة » ، وربما يخصص هذا القسم باسم المشهورات . فالمشهورات تقال بالإِشتراك المعنوي على ما يعمّ اعتراف الناس بها ، ولها قسمان : يقينيّات ، وغير يقينيّات . ولكن الشيخ ومن تبعه عدُّوا التحسين والتقبيح من القسم الثاني ، وهو يستلزم إنكار التحسين والتقبيح العقليين وما بني عليه من الأحكام ، فلاحظ .

ما هو المِلاك للحكم بحسن الأَفعال وقبحها ؟

إِذا كان محل النزاع ما ذكرنا من إدراك العقل حُسن الفعل أو قُبحه بالنظر إلى ذاته مع غض النظر عما يترتب عليه من التوالي ، فيقع الكلام في أنَّ العقل كيف يقضي بالحسن والقُبح ، وما هو المِلاك في قضائه ؟

إنَّ المِلاك لقضاء العقل هو أنه يجد بعض الأَفعال موافقاً للجانب الأَعلى من الإِنسان والوجه المثالي في الوجود البشري ، وعدم موافقة بعضها الآخر لذلك .

وإنْ شئت قلت : إِنَّه يدرك أَنَّ بعض الأَفعال كمال للموجود الحي

٢٣٩
 &

المختار ، وبعضها الآخر نقص له ، فيحكم بحُسن الأَول ولزوم الإِتصاف به ، وقبح الثاني ولزوم تركه . ولو عمّم الطبع ـ فيما ذكرنا من المِلاكات ـ لهذا المعنى أي الطبع الأَعلى في الإِنسان ، لكان هذا المعنى داخلاً في لملاك الأَول .

توضيح ذلك : إِنَّ الحكماء قسموا العقل إلى عقل نظري وعقل عملي ، فقد قال المعلم الثاني : « إنَّ النظرية هي التي بها يَحُوز الإِنسان علم ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان ، والعملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإِنسان بإِرادته » .

وقال الحكيم السبزواري في توضيحه : « إِنَّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل ، لكن النظري شأنه العلوم الصِرفة غير المتعلقة بالعمل مثل : الله موجود واحد ، وأنَّ صفاته عين ذاته ، ونحو ذلك .

والعملي شأنه العلوم المتعلقة بالعمل مثل : « التوكّل حسن » و « الرضا والتسليم والصبر محمودة » . وهذا العقل هو المستعمل في علم الأَخلاق ، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين ، بل هما كجهتين لشيء واحد وهو الناطقة »(١) .

ثم ، كما أَنَّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية ، ولولا ذلك لعقُمت القياسات وصارت غير منتجة ، فهكذا في الحكمة العملية ، قضايا غير معلومة لا تعرف إلّا بالإِنتهاء إلى قضايا ضرورية ، وإلّا لما عَرِف الإِنسان شيئاً من قضايا الحكمة العملية . فكما أنَّ العقل يدرك القضايا البديهيَّة في الحكمة النظرية من صميم ذاته فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاته بلا حاجة إلى تصور شيء آخر .

__________________

(١) تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة ، ص ٣١٠ .

٢٤٠