الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

تعالى قادراً هو ذاته ، ونسبتُها إلى الجميع متساوية لكونها منزهة عن الزمان والمكان والجهة فليس شيء أَقرب إليه من شيء حتى تتعلق به القدرة دون الآخر .

وأَما الثاني فلأَن المقتضي لكون الشيء مقدوراً هو إمكانه ، والإِمكان مشترك بين الكل فتكون صفة المقدورية أَيضاً مشتركة بين الممكنات وهو المطلوب » .

ويمكن توضيح ذلك الدليل بالبيان التالي :

إِن موانع عموم قدرته يمكن أنْ تكون أحد الأمور التالية :

أولاً ـ أنْ لا يكون الشيء ممكناً بالذات ، مثل اجتماع النقيضَيْن أو الضِدَّين .

ثانياً ـ أَنْ يكون هناك مانع من نفوذ قدرته وشمولها للجميع . وهذا كما إذا كان في مقابله قدرةٌ مضاهيةٌ ومعارضةٌ لقدرته .

ثالثاً ـ أنْ تكون ذاته غيرَ متساويةٍ بالنسبة إلى الأَشياء .

والعوامل الثلاثة منتفية بِرُمَّتِها . أما الأَول ، فلأَن المقصودَ من عموم قدرته هو شمولُها لكل أَمر ممكن دون الممتنع بالذات ، فلا تتعلق القدرة الإِلهية به أَبداً ، لا لقصور في الفاعل بل لقصور في المورد . وأَما الثاني ، فلأن القُدرة المُضاهِيَة المعارِضَة لقُدْرته مرفوضة بما ثَبَتَ وَيثْبُتُ في محله من وَحْدَةِ الواجبِ سبحانه ذاتاً وعدم مثيل له في صفحةِ الوجود ، وأما القُدرة المُمْكِنَة فليست مُزاحِمَةً لقدرته إذ هي مَخلوقةٌ له .

وأما الثالث ، فلأَن تَنَزُّهَه عن كلّ قيد وشرط وجهة ومكان يجعله متساوياً بالنسبة إلى كل ممكن بالذات فلا وجه لأن يقع بعضُ الممكنات في إِطار قدرته دون الآخر . فإن التبعيض في قدرته سبحانه رَهْن كونِ بعضِ

١٤١
 &

الأشياءِ قريبةً إليه دون بعضها الآخر ، كالإِنسان الذي يعيش في مكان وزمان خاص . فإِنَّ الأشياء الغابرةِ أو المستقبَلَة خارجةٌ عن حَوْزة قدرته ، لمحدودية ذاته بالقيود الزمانية والمكانية . وأَما المجرد التام الخالق لكل الأَزمنة والأَمكنة والجواهر والأَعراض فلا معنى لأن تكون ذاتُه قريبة إلى واحد وبعيدة عن الآخَر .

هذا توضيح ذلك البرهان .

وهناك برهان آخر أروع وأبْهى مما ذُكر يبتني على عدم تناهي ذاته سبحانه في الجمال والكمال وحاصله أنَّ وجوده سبحانه غير محدود ولا متناه ، بمعنى أَنَّه وجود مُطْلَق لا يَحُدُّه شيء من الحدود العقلية والخارجية . وما هو غير متناه في الوجود ، غير متناه في الكمال والجمال ، لأَن منبع الكمال هو الوجود ، فعدم التّناهي في جانب الوجود يُلازم عدمه في جانب الكمال ، وأيّ كمال أروع وأبهى من القدرة فهي غير متناهية تبعاً لعدم تناهي كماله ، فيثبت سعة قدرته لكل ممكن بالذات .

سعة قدرته سبحانه بمعنى آخر

إِنَّ لِسَعَةِ قدرته سبحانه معنيين أَحدهما ما تعرفت عليه ، والثاني ما طرحه الحكماء في كتبهم . وحاصلُه أنَّ الظواهرَ الكونية ، مجرَّدَها ومادّيَّها ، ذاتَها وفعلَها ، تنتهي إلى قدرته سبحانه . فكما أنَّه لا شريك له في ذاته ، لا شريك له في فاعليته . فكلُّ ما يُطلَق عليه كلمةُ الموجود فهو مخلوق لله سبحانه مباشرةً أو على نحو الأسباب والمُسبَّبات ، فالكل يستند إليه لا محالة . وهذا هو التَّوحيد في الخالقية الذي سنشرحه عند البحث في الصّفات السَّلبية .

والمخالف لهذا المعنى من سعة القدرة هم الثنوية الذين جعلوا فاعل الخير غير فاعل الشر ، وعامةُ المعتزلة الذين صيروا الإِنسان فاعلاً مستقلاً في

١٤٢
 &

أَفعاله . وسنوضح ، بإِذنه تعالى ، في محله بطلان هاتين العقيدتين(١) .

وأَما قول الحكماء بكون الصادر عن الله سبحانه هو العقل الأول ومنه صدر العقل الثاني إلى أَنْ تنتهي دائرة الوجود إلى المادة والهَيُولى ، فالظاهر أَنها فَرضيِّة محضة لا تخالف انتهاء الموجودات إلى الله سبحانه عن طريق الأَسباب والمسبَّبات ، والتفصيل موكول إلى محله .

النصوص الدينية وسعة قدرته سبحانه

لقد تضافرت النصوص من الكتاب والسنة على سعة قدرته وإِطلاقها ، نذكر منها :

قوله سبحانه : ( وَكَانَ اللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا )(٢) . وقوله سبحانه : ( وَكَانَ اللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا )(٣) . وقوله سبحانه : ( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا )(٤) .

وقال الإِمام الصادق ( عليه السلام ) : « الأشياءُ له سواءٌ ، علماً وقدرةً وسلطاناً وملكاً »(٥) .

وقال الإِمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) : « هو القادرُ الذي لا يَعْجَزْ »(٦) .

__________________

(١) سنذكر بطلان عقيدة الثنوية عند البحث في التوحيد في الخالقية ، وبطلان مقالة المعتزلة عند البحث في الجبر والتفويض .

(٢) سورة الأحزاب : الآية ٢٧ .

(٣) سورة الكهف : الآية ٤٥ .

(٤) سورة فاطر : الآية ٤٤ .

(٥) و(٦) توحيد الصدوق ، ص ١٣١ وص ٧٦ .

١٤٣
 &

أَسئلة وأَجوبتها

إِن القائلين بعموم قدرته سبحانه قوبلوا بعدة أَسئلة نطرحها ثم نحللها ، وهذه هي الأسئلة :

١ ـ هل يقدر سبحانه على خلقِ مِثْلِهِ ؟ فلو أُجيب بالإِيجاب لزم افتراضُ الشريك له سبحانه ، ولو أُجيب بالنفي ثَبَت ضِيقُ قدرته وعدم عمومها .

٢ ـ هل هو قادر على أَنْ يجعل العالم الفسيحَ في البيضة من دون أَن يَصْغُر حجم العالم أَو تَكْبُر البيضة ؟ فإِنْ أُجيب بالإِيجاب لزم خلاف الضرورة وهو كون المظروف أَكبر من الظرف وإِنْ أُجيب بالنَّفي لزم عدم عموم قدرته .

٣ ـ هل يمكنه سبحانه أنْ يوجد شيئاً لا يقدر على إفنائِه ؟ فإنْ أُجيب بالإِيجاب لزم عدمُ سعة قدرته حيث لا يقدر على إِفنائه . وإِنْ أُجيب بالسلب لزم أَيضاً عدم عموم قدرته . ففي هذا السؤال يلزم من الجواب ، إِيجاباً وسلباً ، ضِيقُ قدرته .

هذه هي الأسئلة ، وأمّا الإِجابة عنها فبوجهين تارة بالإِجمال وأخرى بالتفصيل .

أما الإِجمال : فلأن المدَّعَى هو تعلق قدرته بالممكن بالذات وما ورد في هذه الأَسئلة ليست أُموراً ممكنة بالذات بل كلُّها إِمَّا محال بالذات أَو شيء يستلزم ذلك المحال . ولا يُعَدّ عدمُ القدرة عليها نقصاً في الفاعل . فعدم قدرة الخياط على خياطة القميص من الآجُرّ ، وعدم قدرةِ الرسام على رسم صورة الطاووس على الماء لا يعد نقصاً في قدرتهما .

وهذا مثلما إِذا طلبنا من عالم رياضي ماهر أَنْ يجعل نتيجة (٢ × ٢) خمسة . وعلى هذا الأَساس لا ينحصر السؤال فيما ذُكر ، بل كل ما لا يكون ممكناً بالذات لا يقع في إِطار القدرة لقُصورٍ فيه لا لقصور في القدرة .

١٤٤
 &

وأما الجواب التفصيلي عن الأسئلة الثلاثة فإليك بيانه :

أما الأول ، فلأن المِثْلَ مَحال بالذات أْن يقع في إِطار القدرة والمطالبة بخلقِه ، مطالبة بأَمر محال .

وببيان آخر ، إِنَّ القيام بخلق المِثْل يستلزم اجتماع الضدين في شيء واحد ، فبما أنّ المُفْتَرَضَ وجوده مِثْلُه سبحانه ، يجب أنْ يكون واجباً لا ممكناً ، قديماً لا حادثاً ، غير متناهٍ لا متناهٍ . وبما أنّه تعلقت به القدرة وهي لا تتعلق إلّا بشيء غير موجود ، يجب أنْ يكون حادثاً لا قديماً ، ممكناً لا واجباً ، متناهياً لا غير متناهٍ . وهذا ما قلناه من أنه يستلزم اجتماع الضدين في شيء واحد .

وبهذا تتبين الإِجابة عن السؤال الثاني . فإِنَّ عدم تعلق القدرة بجعل الشيء الكبير في الظرف الصغير ، هو منْ جهة كونه غير ممكن في حد ذاته . إذ البداهة تحكم بأَنَّ الظرف يجب أَن يكون أَكبر من مظروفه ، هذا من جانب ومن جانب آخر ، لو جعل الكبير في الظرف الصغير يلزم نقيضُه أَيْ كون الظرف أَصغر من مظروفه . فالقيامُ بهذا الإِيجاد يستلزم كونَ شيءٍ واحدٍ أعني الظرفَ أو المظروفَ في آن واحد صغيراً وكبيراً .

وأَما السؤال الثالث ، فلأَن المفترض محال لاستلزامه المحال بالذات ، ففرض خلقه سبحانه شيئاً لا يقدر الخالق على إفنائه ، لا ينفك عن المحال بيانه :

إِنَّ الشيء المذكور بما أَنَّه أَمر ممكن فهو قابل للفناء ، وبما أَنَّه مُقَيَّد بعدم إِمكان إِفنائه فهو واجب غير ممكن . فتصبح القضية كونَ شيءٍ واحدٍ ممكناً وواجباً ، قابلاً للفناء وغير قابل له .

وبعبارة أُخرىٰ : إِنَّ كونه مخلوقاً يلازم إِمكان إِفنائه ، لأَن المخلوق

١٤٥
 &

قائم بالخالق فلو قُطِعت صلتُه به لزم انعدامه ، وكونه غير قابل للإِفناء يستلزم أَنْ لا يكون مخلوقاً ، فالمفروض في السؤال يستلزم تحققه ـ على الفرض ـ اجتماع النقيضين . وبهذا تَقْدِرُ على الإِجابة على نظائر هذه الأَسئلة مثل أَنْ يقال : هل الله قادر على خلق جسم لا يقدر على تحريكه ؟ فإنَّ هذا من باب الجمع بين المتناقضين . فإِنَّ فرض كونه مخلوقاً يلازم كونه متناهياً ، قابلاً للتحريك . وفي الوقت نفسه فرضنا أَنَّه سبحانه غيرُ قادر على تحريكه !!

إِنَّ هذه الفروض وأَمثالها لا تضرّ بعموم القدرة ، وإِنما يَغْتَرُّ بها بُسطاء العقول من الناس ، وأَما أهل الفضل والكمال فأَجلّ من أنْ يخفى عليهم جوابها .

شبهات النافين لعموم القدرة

قد عرفت بعض التفاصيل في هذه المسألة في صدر البحث . وقد حان وقت البحث عنها وتحليلها بشكل يناسب وضع الكتاب .

أ ـ الله سبحانه لا يقدر على فعل القبيح

استدل النَّظَّام على أَنَّه تعالى لا يقدر على القبيح بأنه لو كان قادراً عليه لصدر عنه ، فيكون إِما جاهلاً بقُبحه أو محتاجاً إلى فعله وكلا الأَمرين محال .

والإِجابة عنه واضحة ، إِذ المقصود قدرته على القبيح وأنها بالنسبة إليه وإلى الحسن سواء . فكما هو قادر على إرسال المطيع إلى الجنة قادر على إدخاله النار . وليس هنا ما يعجزه عن ذلك العمل . لكن لما كان هذا العمل مخالفاً لحكمته سبحانه وعدله وقسطه ، فلا يصدر عنه . لأَن القبيح لا يرتكبه الفاعل إلّا لجهله بقبحه أوْ لحاجته إليه . وكلا الأَمرين منتفيان عن ساحته المقدَّسة . فكم فرقٍ بين عدم القدرة على الشيء أَصلاً وعدم القيام به لعدم

١٤٦
 &

الداعي . فالوالد المشفق قادر على ذبح ولده ، ولكن الدواعي إلى هذا الفعل منتفية ، ولا يصدر هذا الفعل إِلّا من جاهل شقيّ أو محتاج مُعدَم .

فالنَّظَّام خلط بين عدم القدرة وعدم الداعي .

ب ـ عدم قدرته تعالى على خلاف معلومه

ذهب عبَّاد بن سليمان الصَّيْمُري إلى عدم سعة قدرته قائلاً بأَنَّ ما علم الله تعالى وقوعه ، يقع قطعاً ، فهو واجب الوقوع ، وما علم عدم وقوعه لا يقع قطعاً ، فهو ممتنع الوقوع . وما هو واجب أو ممتنع لا تتعلق به القدرة ، إذ القدرة تتعلق بشيء يصح وقوعه ولا وقوعه . والشيء الذي صار ـ حسب تعلق علمه ـ أحادي التعلق ، أي ذا حالة واحدة حتمية ، لا يقع في إطار القدرة .

مثلاً : إذا علم سبحانه وتعالى ولادة رجل في زمن معيَّن ، يكون وجوده في ذاك الزمن قطعياً ومعلوماً ، فلا تتعلق قدرته بعدمه الذي هو خلاف ما علم . لأن المفروض أَنَّ وجوده صار واجباً وعدمه صار ممتنعاً ، لكون علمه كاشفاً عن الواقع كشفاً تاماً .

والإِجابة عنه بوجهين : أما أولاً ـ فلأن لازم ما ذكره أَنْ لا تتعلق قدرته بأَي شيء أَصلاً . لأَنَّ كل شيء إِما أَنْ يكون معلوم التحقق في علمه سبحانه أوْ معلوم العدم . فالأَول واجبُ التحقق ، والثاني ممتنعهُ . فيكون كل شيء داخلاً في أَحد هٰذين الإِطارين ، فيلزم أنْ يمتنع توصيفه بالقدرة على أي شيء ، وهو مُسلّم البطلان .

وثانياً ـ إنَّ ابن عبّاد لم يفرق بين الواجب بالذات والواجب بالغير ، كما لم يفرق بين الممتنع بالذات والممتنع بالغير . فالمانع من تعلق القدرة هو الوجود والإِمتناع الذاتيان ، لا الوجود والإِمتناع الغيريان اللاحقان بالشيء من جانب وجود علته ومن جانب عدم علته .

١٤٧
 &

توضيحه : إِنّ كلّ شيء تتعلق به القدرة يجب أَنْ يكون في حدّ ذاته ممكناً تتساوى إليه نسبة الوجود والعدم . وكونه واجب الوجود عند وجود علته لا يخرجه عن حدّ الإِمكان . كما أَنَّ كونه ممتنع الوجود عند عدم علته لا يخرجه عن ذلك الحد . وعلى ذلك فمعلومه سبحانه ، وإِنْ كان بين محقَّق الوجود أوْ محقَّق العدم ـ أي بين ضرورة الوجود بالنسبة إلى وجود علته وضرورة العدم بالنسبة إلى عدم علّته ـ لكن هذه الضرورة في كلا الطرفين لا تجعل الشيء واجباً بالذات أَو ممتنعاً كذلك . بل الشيء حتى بعد لحوق الضرورة أوْ الإِمتناع من جانب وجود علّته أو عدمه ، موصوف بالإِمكان غير خارج عن حد الإِستواء .

ففي المثال المفروض ـ أعني ولادة الإِنسان في وقت معين ـ قد تعلق علمه وإرادته سبحانه على خلقه في ذاك الظرف ، ولا يقع نقيضه . ولكن عدم وقوعه ليس لأجل عدم قدرته سبحانه عليه ، بل في وسعه سبحانه قطع الفيض وعدم خلق المعلوم ، بل لكونه على خلاف ما علم وأراد ، فكم فرقٍ بين عدم القيام بالشيء ( عدم الخلقة ) لأجل كونه خلاف ما علم صلاحه ، وعدم قدرته عليه .

ج ـ عدم قدرته تعالىٰ على مثل مقدور العبد

ذهب البلخي إلى أَنَّ الله تعالى لا يقدر على مِثْل مَقدور العبد ، لأَنه إمّا طاعة أوْ معصية أوْ عبث ، وفعل الإِنسان لا يخرج عن هذه العناوين الثلاثة ، وكلُّها مستحيلة عليه تعالى وإِلّا لزم اتصاف فعله بالطاعة أَوْ المعصية أوْ العبث . والأوَّلان يستلزمان أنْ يكون لله تعالى آمر ، وهو محال . والأخير يدخل تحت القبيح وهو مستحيل عليه سبحانه . وقد مرّت الإِجابة عن عدم قدرته على القبيح فلا نعيد . وأَمَّا الأَولان فنقول :

إِنَّ الطاعة والمعصية ليستا من الأمور الحقيقية القائمة بالشيء نفسه ،

١٤٨
 &

بل هما أَمران يدركهما العقل من مطابقة الفعل للمأمور به ومخالفته له . فعندئذ ليس هنا أي إِشكال في قدرته سبحانه على مِثْل ما قام به العبد بما هو مِثْلٌ ، بأَنْ يكون فعله سبحانه متحد الذات والهيئة مع فعل العبد وهيئته . وأما عدم اتصاف فعله سبحانه حينئذ بوصف الطاعة والعصيان فلا يضرّ بقدرته تعالى على مثل ما أتى به الإِنسان ، لأن المِلاك في المِثْلِيّة هو واقعية الفعل وحقيقته الخارجية لا العناوين الإِعتبارية أو الإِنتزاعية غير الداخلة في حقيقة الشيء . وإلى ما ذكرنا ينظر قول العلامة الحلّي في شرح التجريد : « إنَّ الطاعة والعبث وصفان لا يقتضيان الإِختلاف الذاتي »(١) . نفترض أنَّ إنساناً قام ببناء بيت امتثالاً لأمر آمره ، فالله سبحانه قادر على إِيجاد مثل ذلك البيت من دون تفاوتِ قدرِ شعرةٍ بينهما ويتَّسم فعل العبد بالطاعة دون فعله سبحانه ، لكن ذلك لا يوجد فرقاً جوهرياً بين الفعلين ، بل الفعلان متحدان ماهية وهيئة .

وإِنما الإِختلاف في الأَمر الإِعتباري أوْ الإِنتزاعي ، ففعل الإِنسان إذا نُسب إلى أَمر الآمر يتّسم بالطاعة دون فعله سبحانه . وهذا لا يوجب التَّقول بأَنه سبحانه لا يقدر على مثل فعل عبده .

نعم ، هناك أَفعال صادرة عن الإِنسان بالمباشرة ، قائمة به قيام العَرَض بالموضوع ، كالشرب والأكل . فعدم صدورهما عن الله سبحانه سبَبُه كونهُما من الأَفعال المادية القائمة بالموضوع المادي ، والله سبحانه منزه عن المادة ، فلا يتصف بهذه الأفعال . ومع ذلك كله : فالإِنسان وما يصدر منه من الأَفعال المباشرة بإقداره سبحانه وحوله وقوته ، بحيث لو انقطع الفيض من ربه لصار الإِنسان مع فعله خبراً بعد أَثر .

__________________

(١) كشف المراد ، ص ١٧٤ ـ طبعة صيدا .

١٤٩
 &

د ـ عدم قدرته تعالى على عين مقدور العبد

ذهب الجُبَّائيّان إلى عدم سعة قدرته سبحانه ، كما ذهب من تقدم ، ولكن بتفصيل آخر ، وهو أَنَّهُ تعالى لا يقدر على عَيْن مقدور العبد ، وإِلّا لزم اجتماع النقيضين إذا أراده الله وكرهه العبد ، أَوْ بالعكس .

بيان الملازمة : إنَّ المَقدور من شأنه الوقوع عند داعي القادر عليه ، والبقاء على العدم عند وجود صارفه . فلو كان مقدورٌ واحدٌ واقعاً من قادرين ، وفرضنا وجود داعٍ لأَحدهما ووجود صارف للآخر في وقت واحد ، لزم أنْ يوجد بالنظر إلى الداعي وأنْ يبقى على العدم بالنظر إلى الصارف ، فيكون موجوداً غير موجود ، وهما متناقضان .

والجواب : أولاً ـ إنَّ الإِمتناع لا يختص بالصورة التي ذكرها الجُبَّائيّان أعني التي تَعَلَّق فيها داعي أَحدهما بالفعل وصارف الآخر بعدمه ، بل يجري الإِمتناع فيما إذا تعلقت إرادة كل منهما بإيجاد نفس المقدور وعينه ، فإِنَّ لازم ذلك اجتماع علَّتين تامَّتين على معلول واحد .

ثانياً ـ إنَّ عدم قدرته سبحانه على عين فعل العبد ، لأَجل أَنَّها إِنَّما تتعلق بالممكن بما هو مُمْكن فإذا صار ممتنعاً ومحالاً ، فلا تتعلق به القدرة . وعدم تعلُّقِها بالممتنع لا يدل على عدم سعتها . وما فرضه الجُبّائيّان من الصور ، أو ما أَضفناه إليها لا يثبت أَكثر من أَنَّ صدور الفعل في تلك الظروف محال لاستلزامه اجتماع النقيضين ـ في فرض الجبّائيان ـ أو اجتماع العلَّتين التامتين على معلول واحد كما في فَرْضِنا . وما هو محالٌ خارجٌ عن إِطار القدرة ولا يطلق عليه عدم القدرة .

وثالثاً ـ ماذا يريدان من قولهما « عين مقدور العبد » ؟ هل يريدان منه الشيء قبل وجوده ، أو بعده ؟ فإِذا أرادا الأَول فلا عينية ولا تَشَخُّص في هذا

١٥٠
 &

الظرف ولا يتجاوز الشيء في هذه المرحلة عن كونه مفهوماً كلياً . وإِنْ أرادا الثاني ، فعدم تعلق القدرة عليه إِنما هو لأَنه من قبيل تحصيل الحاصل وهو محال . والمحال خارج عن إِطار القدرة .

ورابعاً ـ إِن ما ذكراه من « تعلق إِرادة العبد على إِيجاده وتعلق إِرادته سبحانه على نقيضه » ، فكرة ثنوية وجدت في الأَوساط الإِسلامية حيث تُصُوِّر أنَّ فعل العبد مخلوق له وليس مخلوقاً لله سبحانه بالتسبيب وأنَّ هناك فاعلين مستقلين ( الله وعبده ) ، ولكلٍ مجالُه الخاص . وعند ذلك لا يرتبط مقدور العبد بالله سبحانه بصلة .

غير أَنَّ ذلك باطل كما سنبيّنه في التوحيد في الخالقيّة . فكل فاعل مختاراً كان أَوْ غيره ، لا يقوم بالفعل إِلَّا بإِقداره سبحانه وإِرادته . فلو أراد العبد ، فإِنما يريد بإِرادة الله وقدرته على وجه لا يوجب الإِلجاء والاضطرار كما سنشرحه بإِذنه سبحانه .

*        *       *

١٥١
 &

١٥٢
 &

الصّفات الثبوتيَّة الذاتيَّة

(٣)

الحَياة

إتَّفق الإِلهيون على أنَّ الحياة من صفاته ، وأنّ « الحي » من أسمائه سبحانه . ولكن إِجراء هذا الإِسم عليه سبحانه يتوقف على فهم معنى الحياة حسب الإِمكان ، وكيفية إجرائها على واجب الوجود .

نقول : لا شك أنَّ كل إنسان يميز بين الموجود الحي والموجود غير الحي ، ويُدرك بأَنَّ الحياة ضد الموت ، إِلّا أَنَّه رَغم تلك المعرفة العامة ، لا يستطيع أحد إدراك حقيقة الحياة في الموجودات الحية .

فالحياة أَشدّ الحالات ظهوراً ولكنها أَعسرها على الفهم ، وأَشدها استعصاءً على التحديد .

ولأَجل ذلك اختلفت كلمة العلماء في تبيين حقيقتها وذهبوا مذاهب شتى . ولكنها في نظر علماء الطبيعة تلازم الآثار التالية في الموصوف بها :

١ ـ الجذب والدفع .

٢ ـ النُموّ والرشد .

٣ ـ التوالد والتكاثر .

٤ ـ الحركة وردّة الفعل .

١٥٣
 &

وهذا التعريف للحياة إِنما يشير إِلى آثار الحياة لا إِلى بيان حقيقتها ، وهي آثار مشتركة بين أفراد الحي ومع ذلك كلّه نرى البُعدَ الشاسع بين الحياة النباتيّة والحياة البشريّة . فالنبات الحي يشتمل على الخصائص الأربَع المذكورة ، ولكن الحياة في الحيوان تزيد عليها بالحس والشعور وهذا الكمال الزائد المتمثل في الحسّ والشعور لا يجعل الحيوان مصداقاً مغايراً للحياة ، بل يجعله مصداقاً أكمل لها . كما أَنَّ هناك حياةً أَعلى وأَشرف وهي أَن يمتلك الكائن الحي مضافاً إِلى الخصائص الخمس ، خصيصة الإِدراك العلمي والعقلي والمنطقي (١) ، وعلى ذلك فالخصائص الأَربَع قَدْر مشترك بين جميع المراتب الطبيعية وإِن كانت لكل مرتبة من المراتب خصيصة تمتاز بها عما دونها .

وليعلم أَن علماء الطبيعة ذكروا هذا التعريف واكتفوا به لأَنه لم يكن لهم هدف إِلّا الإِشارة إلى الحياة الواقعة في مجال بحوثهم . وأما الحياة الموجودة خارج عالم الطبيعة فلم تكن مطروحة لديهم عند اشتغالهم بالبحث عن الطبيعة .

تعريف الحياة بنحو آخر

لا شك أنَّ الحياة النباتية غير الحياة الحيوانية في الكيفية ، وهكذا سائر المراتب العليا للحياة . ولكن ذلك لا يجعل الكلمة مشتركاً لفظياً ذا معان متعددة . بل هي مشترك معنوي يطلق بمعنى واحد على جميع المراتب لكن بعملية تطوير وتكامل .

توضيحه : إِن الحياة المادية في النبات والحيوان والإِنسان ـ بما أَنَّه حيوان ـ تقوم بأَمرين ، هما :

__________________

(١) وهذا الإِدراك العلمي والمنطقي والعقلي تطوير للحسّ الموجود في الحياة الحيوانية .

١٥٤
 &

الأَوَّل : الفعل والإِنفعال ، والتأثير والتأثّر . وإلى ذلك تهدف الخصائص الأربع التي ذكرها علماء الطبيعة كما أَوضحنا . ويمكن أنْ نرمز إلى هذه الخصيصة بـ « الفعّالية » .

الثاني : الحسّ والدَرْك بالمعنى البسيط . فلا شك أَنَّه متحقق في أنواع الحياة الطبيعية حتى النبات . فقد كشف علماء الطبيعة عن وجود الحس في عموم النباتات وإنْ كان الإِنسان البدائي عالماً بوجوده في بعضها كالنخل وغيره . وإلى هذا الأمر نرمز بـ « الدرّاكيّة » .

فتصبح النتيجة أنَّ مُقَوِّم الحياة في الحياة الطبيعية بمراتبها هو الفعّالية والدّرّاكيّة ، بدرجاتهما المتفاوتة ومراتبهما المتكاملة ، وأنَّه لا يصح أَن تُطْلَق الحياة على النبات والحيوان إلّا بالتطوير لوجود البَوْن الشاسع بين الحياتين ، فالذي يصحح الإِطلاق والاستعمال بمعنى واحد هو عملية التطوير بحذف النواقص والشوائب الملازمة لما يناسب كلاً من النبات والحيوان .

وعلى هذا الأَساس يصح اطلاق الحياة على الحياة الإِنسانية ، بما هو إنسان لا بما هو حيوان ، والمصحح للإِطلاق هو عملية التطوير التي وقفت عليها ، وإلَّا فكيف يمكن أَنْ تُقاس الحياة الإِنسانية بما دونها من الحياة ، فأَين الفعل المُتَرَقّب من الحياة العقلية في الإِنسان من فعل الخلايا النباتية والحيوانية ! وأَين دَرْكُ الإِنسان للمسائل الكلية والقوانين الرياضية من حسّ النبات وشعور الحيوان ! ومع هذا البون الشاسع بين الحياتين ، تَجِد أَنَّا نصف الكل بالحياة ، ونطلق « الحي » بمعنى واحد عليها . وليس ذاك المعنى الواحد إِلَّا كون الموجود « فعّالاً » و « درّاكاً » ولكن فعلاً ودركاً متناسباً مع كل مرتبة من مراتب الحياة .

وباختصار ، إن ملاك الحياة الطبيعية هو الفعل والدَّرْك ، وهو محفوظ في جميع المراتب ، ولكن بتطوير وتكامل . فإذا صحّ إِطلاق الحياة بمعنى واحد على تلك الدرجات المتفاوتة فليصح على الموجودات الحية العُلوية لكن بنحو متكامل . فالله سبحانه حيّ بالمعنى الذي تفيده تلك الكلمة ،

١٥٥
 &

لكن حياة مناسبة لمقامه الاسمَى ، بحذف الزوائد والنواقص والأخذ بالنخبة ٠ والزبدة واللب والمعنى ، فهو سبحانه حيٌّ أي « فاعل » و « مُدْرِكٌ » . وإنْ شئت قلت : « فعّال » و « درّاك » ، لا كفعّالية الممكنات ودرّاكيّتها .

تمثيل لتصوير التطوير في الإِطلاق

ما ذكرناه في حقيقة الحياة ، وأنَّ العقل بعد ملاحظة مراتبها ينتزع مفهوماً وسيعاً ينطبق على جميعها ، أمر رائج . مثلاً : إنَّ لفظ « المصباح » كان يطلق في البداية على الغصن المشتعل ، غير أنَّه تطور حسب تطور الحضارة والتمدن ، فاصبح يطلق على كل مشتعل بالزيت والنفط والغاز والكهرباء ، بمفهوم واحد ، وما ذاك إلَّا لأن الحقيقة المقوّمة لصحة الإِطلاق : كون الشيء ظاهراً بنفسه ، مُظهِراً لغيره ومُنيراً ما حوله . وهذه الحقيقة ـ مع اختلاف مراتبها ـ موجودة في جميع المصاديق ، وفي المصباح الكهربائي على نحو أتمّ .

إِنَّ من الوهم تفسير حياة الباري من خلال ما نلمسه من الحياة الموجودة في النبات والحيوان والإِنسان . كما أنَّ من الوهم أَنْ يُتصور أنَّ حياتَه رهنُ فعل وانفعال كيميائي أو فيزيائي ، إذْ كل ذلك ليس دخيلاً في حقيقة الحياة وإِنْ كان دخيلاً في تحققها في بعض مراتبها ، إِذ لولا هذه الأفعال الكيميائيّة أَو الفيزيائيّة ، لامتنعت الحياة في الموجودات الطبيعية . لكن دخالته في مرتبة خاصة لا يعد دليلاً على كونه دخيلاً في حقيقتها مطلقاً . كما أَنَّ اشتعال المصباح بالفتيلة في كثير من أقسامه لا يعد دليلاً لكونها مقومة لحقيقة المصباح وإن كانت كذلك لبعض أَقسامه . وعندئذ نخرج بالنتيجة التالية وهي أَنَّ المقوّم للحياة كون الموجود عالماً وعاملاً ، مدركاً وفاعلاً ، فعّالاً ودرّاكاً ، أوْ ما شئت فعبّر .

١٥٦
 &

دليل حياته سبحانه

لا أظن أنَّك تحتاج في توصيفه سبحانه بالحياة إلى برهان بعد الوقوف على أمرين :

الأول ـ قد ثبت بالبرهان أَنَّه سبحانه عالم وقادر . وقد تقدم البحث فيه .

الثاني ـ إِنَّ حقيقة الحياة في الدرجات العلوية ، لا تخرج عن كون المتصف بها درّاكاً وفعّالاً ، وعالماً وفاعلاً .

فإذا تقرر هذان الأَمران تكون النتيجة القطعية أَنَّه سبحانه ، بما أَنَّه عالم وقادر ، درّاك وفعّال ، لملازمة العلم للدرْك ، والقدرة للفعل ، وهما نفس الحياة عند تطويرها بحذف الزوائد . ولأَجل ذلك نرى أَنَّ الحكماء يستدلون على حياته بقولهم : « إنه تعالى حي لامتناع كون من يمكن أنْ يوصف بأنَّه قادر عالم ، غير حي »(١) .

وفي الحقيقة حياته سبحانه عبارة عن اتصافه بالقدرة والعلم . وسيوافيك أنَّ جميع صفاته سبحانه وإِنْ كانت مختلفة مفهوماً ، لكنها متحدة واقعية ومصداقاً .

أَضف إلى ذلك أَنَّه سبحانه خلق موجودات حية ، مُدركة وفاعلة ، فمن المستحيل أنْ يكون معطي الكمال فاقداً له .

حياته سبحانه في الكتاب والسنَّة

إِنَّ الله تعالى يصف نفسه في الذكر الحكيم بالحياة التي لا موت فيها إذ يقول : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ )(٢) . وقد جاء لفظ « الحي » فيه إسماً له سبحانه خمس مرات . يقول جلّ وعلا : ( اللَّـهُ لَا

__________________

(١) كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد للعلامة الحلي ، ص ٤٦ .

(٢) سورة الفرقان : الآية ٥٨ .

١٥٧
 &

إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ )(١) .

وقال الامام محمد بن علي الباقر ( عليهما ‌السلام ) : « إِنَّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء غيرُه ، نوراً لا ظلامَ فيه ، وصادقاً لا كذب فيه ، وعالماً لا جَهْل فيه ، وحيّاً لَا مَوْتَ فيه ، وكذلك هو اليوم وكذلك لا يزال أبداً »(٢) .

وقال الامام موسى بن جعفر ( عليهما ‌السلام ) : « إِنَّ الله لا إلٰه إلَّا هو : كان حياً بلا كَيْف . . . كان عزّ وجل إلٰهاً حيّاً بلا حياة حادِثة ، بل هو حي لنفسه »(٣) .

فحياته سبحانه كسائر صفاته الكمالية ، صفةٌ واجبةٌ لا يَتَطَرَّق إليها العدم ، ولا يَعرِض لها النفاد والانقطاع ، لأنَّ تطرق ذلك يضاد وجوبَها وضرورتَها ، ويناسب إمكانَها ، والمفروض خلافه .

*        *       *

__________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٥٥ .

(٢) و (٣) توحيد الصدوق ، ص ١٤١ .

١٥٨
 &

الصّفاتُ الثّبوتيةُ الذاتيَّة

(٤) و (٥)

السَّمعُ والبَصَر

إِنَّ من صفاته سبحانه السَّمع والبصر ، وإنَّ من أَسمائه السَّميع البصير ، وقد ورد هذان الوصفان في الشريعة الإِسلامية الحقّة ، وتواتر وصفه سبحانه بكونه سميعاً بصيراً في الكتاب والسنة . ولكنهم اختلفوا في حقيقة ذينك الوصفين على أَقوال أَبرزها :

١ ـ إِنَّ سمعَهُ وبصرَهُ سبحانه ليسا وصفين يغايران وصف العلم ، بل هما من شُعَب علمه بالمسموعات والمُبْصَرات ، فلأَجل علمه بهما صار يطلق عليه أنَّه سميعٌ بصير .

٢ ـ إِنَّهما وصفان حسّيان ، وإِدراكان نظير الموجود في الإِنسان .

٣ ـ إنَّ السَّمعَ والبَصَر يغايران مطلق العلم مفهوماً ، ولكنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق من دون تكثر في الذات ومن دون أن يستلزم ذلك التوصيف تجسماً ، وما هذا إلّا حضور الهُوِيّات المسموعة والمُبْصَرة عنده سبحانه . فشهود المسموعات سمع ، وشهود المبصرات بصر ، وهو غير علمه المطلق بالأشياء العامة ، غير المسموعة والمبصَرَة(١) .

__________________

(١) الاسفار ، ج ٦ ، ص ٤٢١ ـ ٤٢٣ .

١٥٩
 &

إذا تعرَّفتَ على الأقوال نذكر مقدمة وهي :

إنّ السَّماع في الإِنسان يتحقق بأجهزة وأدوات طبيعية وذلك بوصول الأَمواج الصّوتية إِلى الصَّماخ ، ومنها إلى الدماغ المادّي ثم تدركه النفس .

غير أَنَّه يجب التركيز على نكتة وهي : إِنَّ وجود هذه الأدوات المادية هل هو من لوازم تحقق الإِبصار والسَّماع في مرتبة خاصة كالحيوان والإِنسان ، أَوْ أَنَّه دخيل في حقيقتها بصورة عامة ؟ لا شك أَنَّ هذه الآلات والأدوات التي شرحها العلم بمشراطه إِنَّما هي من خصوصيات الإِنسان المادي الذي لا يمكنه أن يقوم بعملية الإِستماع والإِبصار بدونها . فلو فرض لموجود أَنّه يصل إلى ما يصل إِليه الإِنسان من دون هذه الأَدوات فهو أَولى بأَن يكون سميعاً بصيراً ، لأن الغاية المتوخاة من السَّماع والإِبصار هي حضور الأَمواج والصُوَر عند النفس المدرِكة ، فلو كانت الامواج والصور حاضرة عند موجود بلا إعمال عمل فيزيائي أو كيميائي فهو سميع بصير أيضاً لتحقق الغاية بنحو أَتم وأَعلى .

وقد ثبت عند البحث عن مراتب علمه أَنَّ جميع العوالم الإِمكانية حاضرة لديه سبحانه ، فالأشياء على الاطلاق ، والمسموعات والمبصرات خصوصاً ، أفعالُه سبحانه ، وفي الوقت نفسه علمه تعالى ، فالعالم بجواهره وأَعراضه حاضر لدى ذاته وعلى هذا فعلمه بالمسموع كاف في توصيفه بأَنه سميع كما أَنَّ علمه بالمبصر كاف في توصيفه بأنه بصير .

نعم ليس علمه بالمسموعات أَوْ المُبْصَرات مثل علمه سبحانه بالكليات ، وبذلك تقف على الفرق بين القول الأَول والثالث .

إجابة عن سؤال

إِذا كان حضور المسموعات والمبصرات لديه سبحانه مصحّحاً لتوصيفه بالسميع والبصير فليكن هذا بعينه مصححاً لتوصيفه بأَنَّه لامس ذائق شامّ ؟

١٦٠