الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )(١) . وإلى الكتاب المكنون بقوله : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ )(٢) . وإلى الكتاب الحفيظ بقوله : ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ )(٣) . وإلى الكتاب المُؤَجَّل بقوله : ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ) (٤) . وإلى الكتاب بقوله : ( وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ )(٥) . وإلى الإِمام المبين بقوله : ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ )(٦) . وإلى أم الكتاب بقوله : ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )(٧) . وإلى لوح المحو والإِثبات بقوله : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ )(٨) . وقد اكتفينا في الإِشارة إلى كل كتاب بآية واحدة مع أنَّ بعض هذه الكتب وردت الإِشارة إليها في آيات كثيرة .

ثم إن المفسرين اختلفوا في حقيقة هذه الكتب وخصوصياتها فمن قائل بتجردها عن المادة والمادية حتى يَصِحَّ أنْ تُعَدَّ مظاهر لعلمه غير المتناهي . ومن قائل بكونها ألواحاً وكتباً مادية سُطِّرَتْ فيها الأشياء وأعمارها وأوقاتها على وجه الرمز . ولا يمكن الركون إلى هذين القولين بل يجب الإِيمان بها وتحرّي تفسيرها عن طريق الكتاب والسنَّة الصحيحة .

ثم إنَّه يُعَدّ من مظاهر علمه القضاء والقدر وسنبحث عنهما في فصل خاص بإذن منه سبحانه .

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ٥٩ .

(٢) سورة الواقعة : الآيتان ٧٧ و ٧٨ .

(٣) سورة ق : الآية ٤ .

(٤) سورة آل عمران : الآية ١٤٥ .

(٥) سورة الإِسراء : الآية ٤ .

(٦) سورة يس : الآية ١٢ .

(٧) سورة الزخرف : الآية ٤ .

(٨) سورة الرعد : الآية ٣٩ .

١٢١
 &

نكتتان يجب التنبيه عليهما :

أ ـ علمه سبحانه حضوريٌّ لا حصوليّ :

قد تعرَّفتَ على الفرق بين العِلْمَ الحصولي والحضوري ولا نعيده . غير أنَّ الذي يجب إلفات النظر إليه أنَّ عِلْمَهُ سبحانه بذاته وبفعله حضوري : أَمَّا عِلمُه الذاتي بذاته فلعدم غيبوبة ذاته عن ذاته وحضورها لديها . وأمَّا علمه بالأشياء فقد عرفت أنَّه على وجهين :

الأول : إنَّ العلم بالذات علم بالحيثية التي تصدر عنها الأشياء والعلم بتلك الحيثية علم بالأشياء . وبذلك يتضح أنَّ علمه سبحانه بذاته كَشْفٌ تفصيليٌ عن الأشياء على الوجه اللائق بذاته .

الثاني : حضور الممكنات لدى الواجب . لأن الممكن قائم بوجود الباري سبحانه حدوثاً وبقاءً وإنَّ قيامَه بذاته سبحانه أشبَهُ بقيام المعنى الحرفيّ بالإِسمي . وهذا النحو من الوجود لا يقبل الغيبوبة إذ هي مناطُ انعدامه وفنائه . فإذا كانت الموجودات الإِمكانية بهذه الخصوصية ، فكيف يُتصور لها الانقطاع عنها ؟ وما هو إلا فَرْضُ انعدامِها وفنائِها . فعلى ذلك فالعالَم بعامة ذراته ، فعله سبحانه وإيجاده ، وفي الوقت نفسه حاضر لديه وهو ، أي الحضور ، علمه . فعلم الله وفعله مفهومان مختلفان ولكنهما متصادقان في الخارج .

وأمَّا أنَّ له سبحانه وراء العِلْم الحضوري علماً حصولياً أوْ لا ، فالبحث عنه موكول إلى محله في الكتب المُطَوَّلة . فإن المشائيّين من الفلاسفة زعموا أنَّ له سبحانه علماً حصولياً أسمَوْه بالصور المرتسمة .

ب ـ عِلْمه سبحانه بالجزئيات :

وإنْ تَعجب فَعَجَبٌ إنكار بعض الفلاسفة علمه سبحانه بالجزئيات

١٢٢
 &

متأثرين ببعض الشبهات الواهية التي ستقف على بعضها وجوابِها . والإِمعان فيما ذكرنا حول الموجودات الإِمكانية يُوضِح لزومَ علمه سبحانه بالجزئيات وضوحاً كاملاً . ويتضح حقيقته إذا وقفتَ على كيفية الخِلْقة وإفاضةِ الوجود من الله سبحانه ، وإليك بيانه :

إنَّ الكون ـ بكل ما فيه ـ من الذرَّة إلى المجرَّة متجدد متغير لا بعوارضه وصفاته فقط بل بجواهره وذواته . وما يتراءى للناظر من الثبات والاستقرار والجمود في عالم الطبيعة فهو من خطأ الحواس ، والحقيقة غير ذلك ، فالمادة بجميع ذرّاتها خاضعة للتغير والتبدل والسيلان في كل آن وأَوان . ومعنى التغير في عالم المادة هو تجدد وجودها وسيلان تحققها آناً بعد آن . فكل ظاهرة مادية مسبوقة بالعدم الزماني . ووجود المادة ، التي حقيقتها التدرّج والسيلان ، أشبه بعين نابعة يتدفق منها الماء باستمرار ، فليس لها بقاء وثبات وجمود واستقرار .

فإذا كانت الخلقة وإفاضة الوجود على وجه التدريج والتجزئة ، ولم يكن بإمكان المعلول الخروج عن حيطة علته ، يظهر أن العالَم بذرّاته وأجزائه ، حسب صدوره من الله تعالى ، معلوم له . فالإِفاضة التدريجية ، والحضور بوصف التَدَرُّج لديه سبحانه ، يلازم علمَه تبارك وتعالى بالجزئيات الخارجيَّة .

شُبهات المنكِرين

قد عرفت برهان عِلْمه سبحانه بالجزئيات ، وبقي الكلام في تحليل الشبهات التي أُثيرت في هذا المجال . وإليك بيانها :

الشبهة الأولى : العلم بالجزئيات يلازم التغيُّرَ في عِلْمه

قالوا لو عَلِم سبحانه ما يجري في الكون من الجزئيات لزم تغيُّرُ علمِه

١٢٣
 &

بتغيّر المعلوم وإلَّا لانتفت المطابقة . وحيث إنَّ الجزئيات الزمانية متغيرة ، فلو كانت معلومة لله تعالى لزم تغيّر علمه ، وهو محال .

وأوضحها العلَّامة ابن ميثم البحراني بقوله : « ومنهم من أنكر كونَه عالماً بالجزئيات على الوجه الجزئي المتغيّر ، وإنما يعلمها من حيث هي ماهيات معقولة . وحجتهم أنه لو علم كونَ زيد جالساً في هذه الدار ، فبعد خروجه منها ، إنْ بقي علمُه الأول ، كان جهلاً ، وإن زال لزم التغير »(١) .

تحليل الشبهة

إنَّ الشبهة واهية جداً ، والجواب عنها :

أولاً : بالنقض بالقدرة ، وذلك أنَّه لو استلزم تعلق العِلْم بالجزئيات تغيّره عند تغيّر المعلوم ، فإنه يلزم أيضاً تغيّر قدرتِه بتعلُّقِها بالجزئيات ، والقدرة من صفات الذات ، فما هو الجواب في جانب القدرة والجواب في جانب العلم ؟ .

وثانياً : بالحلّ . إنَّ عِلْمَنا بالحوادث الموجودة في أزمنة مختلفة علم زماني وأمَّا علمه تعالى فليس بزماني أصلاً . فلا يكون ثمة حالٌ وماض ومُسْتَقْبَلٌ . فإن هذه صفات عارضة للزمان بالقياس إلى الموجود الزماني الذي يعيش فيه ، ويسمى ما يزاوله من الزمان حالاً ، وما مضى بالنسبة إليه ماضياً ، وما سيوافيه ، مستَقْبَلاً . وأما الموجود الخارج عن إطار الزمان والمحيط به وبكل مكان فلا يتصور في حقه ماض وحاضر ومستقبل . فالله سبحانه عالم بجميع الحوادث الجزئية دفعة واحدة لا من حيث أنَّ بعضَها واقع في الحاضر وبعضَها في الماضي وبعضَها في المستقبل . بل يعلمها علماً شاملاً متعالياً عن الدخول تحت الأزمنة :

__________________

(١) قواعد المرام ، ص ٩٨ .

١٢٤
 &

وبعبارة أخرى : إنَّه تعالى لمَّا لم يكن مكانياً أيضاً ( كما أنَّه لم يكن زمانياً ) كانت نسبته إلى جميع الأمكنة على السواء فليس بالقياس إليه قريب وبعيد ومتوسط . وعلى ذلك تكون نسبته إلى جميع الأشياء في جميع الأزمنة على السواء . فالموجودات من الأزل إلى الأبد معلومة له وليس في علمه « كان » و « كائن » و « سيكون » ، بل هي حاضرة عنده بكل خصوصياتها لكن لا من حيث دخول الزمان فيها بحسب أوصافها الثلاثة ، إذ لا تحقق لها بالنسبة إليه تعالى . ومثل هذا العلم لا يكون متغيراً بل مستمراً كالعلم بالكليات .

ولتقريب الذهن نأتي بمثال : إذا كان الشارع حافلاً بالسيّارات العابرة واحدة تلو الأخرى وكان هناك إنسان ينظر إليه من نافذة ضَيّقة . فإنه يرى في كل لحظة سيارة واحدة . فالسيارات حينئذٍ بالنسبة إليه على أقسام ثلاثة : سيارة مرّت ، وسيارة تمرّ ، وسيارة لم تمرّ بعد . وهذا التقسيم صحيح بالنسبة إليه في هذا الموضع .

ولكن لو كان هذا الإِنسان ينظر إلى هذا الشارع من أُفُق عال ، فإنه يرى مجموع السيارات دفعة واحدة ولا يصح هذا التقسيم بالنسبة إليه عندئذٍ .

وعلى ذلك الأصل فالموجود المنزَّه عن قيود الزمان وحدود المكان يقف على جميع الأشياء مرة واحدة ، وتنصبغ الموجودات المتغيرة بصبغة الثَّبات بالنسبة إليه .

فالعِلْمُ في المثال الذي ذُكِر في بيان الشبهة من كون زيد جالساً في الدار ساعة ثم خروجه منها في ساعة أخرى ، يتعلق بالجلوس والخروج مرة واحدة ولا معنى للتقدم والتأخر .

حل الشّبهة بوجه آخر

إنَّ الشبهة قائمة على فرض كون علمه سبحانه بالأشياء علماً حصولياً

١٢٥
 &

عن طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه وعند ذلك يكون التغير في المعلوم ملازماً لتغير الصُّوَر القائمة به ويلزم على ذلك كون ذاته محلاً للتغير والتبدّل .

وأما لو قلنا بأنَّ علمه سبحانه بالجزئيات علمٌ حضوريٌ بمعنى أنَّ الأشياء بهُويّاتها الخارجية وحقائقها العينية ، فعلُه سبحانه وفي الوقت نفسه عِلمه ، فلا مانع من القول بطروء التغير على عِلْمِه سبحانه إِثْرَ طروء التغير على الموجودات العينية . فإنَّ التغير الممتنع على عِلْمه إنما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي وأما العلم الفعلي ، أي العلم في مقام الفعل ، فلا مانع من تغيره كتغيّر فعله . فإنَّ العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفسِ الفعلِ علمَه لا غير . وإلى ذلك يشير المحقق الطوسي بقوله : « وتغير الإِضافات ممكن »(١) .

أي إنَّ التغير إنَّما هو في الإِضافات لا في الذات . والمقصود من الإِضافات هو فعله الذي هو علمُه ، ولا مانع من حدوث التغير في الإِضافات والمتعلَّقات من دون حدوث تغيّر في الذات .

الشبهة الثانية : إدراك الجزئيَّات يحتاج إلى آلة

إنَّ إدراك الجزئيات يحتاج إلى أدوات ماديَّة وآلات جسمانية ، وهو سبحانه منزه عن الجسم ولوازم الجسمانية .

والجواب عن هذه الشبهة واضح ، ذلك أنَّ العلم بالجزئيات عن طريق الأدوات المادية إنما هو شأن من لم يُحِط الأشياء إحاطة قَيْموميّة ، ولم تكن الأشياء قائمة به حاضرة لديه ، كالإِنسان ، فإنَّ علمه بها لمَّا كان عن طريق انتزاع الصور بوسيلة الأدوات الحسّية كان إدراك الجزئيات متوقفاً على تلك الأدوات وإعمالها .

__________________

(١) تجريد الاعتقاد ، ص ١٧٦ .

١٢٦
 &

وأما الواجب عزّ اسمه ، فلمَّا كان علمه عن طريق إحاطته بالأشياء وقيامها به قياماً حقيقياً فلا يتوقف علمه بها على الأدوات وإعمالها .

وإلى هذا الجواب يشير الفاضل القوشجي في شرح التجريد بقوله : « إن إدراك الجزئيات إنما يحتاج إلى آلة جسمانية إذا كان العلم بانتزاع الصورة ، وأما إذا كان إضافة محضة بدون الصورة فلا حاجة إليها »(١) .

الشبهة الثالثة : العلم بالجزئيات يلازم الكثرة في الذات

إنَّ العِلمَ صورةٌ مساوية للمعلوم مرتسمةٌ في العالِم ، ولا خفاء في أنَّ صُور الأشياء مختلفة ، فيلزم كثرة المعلومات وكثرة الصور في الذات الأحَدِيَّة من كل وجه(٢) .

والإِجابة عن الإِشكال ـ حسب ما عرفت ـ واضحةٌ ، فإنَّه مبنيٌّ على كون علمه بالأشياء مُرْتَسِماً في ذاته سبحانه كارتسام الأشياء في النفس الإِنسانية ، فيلزم حدوثُ الكَثَرَات في الذات الأحَدِيَّة . وقد عرفت أنَّ عِلْمَه بالأشياء ليس بهذا النَّمَط ، بل الهُوِيّات الخارجيَّة حاضرة لدى ذاته بلا ارتسام ، وهذا النَّوع من العِلْم أقوى من ارتسام صور الأشياء .

الشبهة الرابعة : العِلْم بالجزئيات يوجب انقلابَ الممكن واجباً

لو تعلَّق العِلْمُ بالمتجدد قبل تجدُّدِه لزم وجوبُه وإِلَّا لجاز أْن لايوجد ، فينقلب علمُه تعالى جهلاً وهو محال(٣) .

وبعبارة أخرى : إنَّ علمَه تعالى لا يتعلق بالحوادث قبل وقوعها وإِلَّا

__________________

(١) شرح تجريد الاعتقاد للقوشجي ، ص ٤١٤ .

(٢) المصدر السابق .

(٣) كشف المراد ، ص ١٧٦ .

١٢٧
 &

يلزم أنْ تكون تلك الحوادث ممكنة وواجبة معاً . أما الأول فلكونها حادثة ، وأمَّا الثاني فلأنها لولاه لجاز أنْ لا توجد ، فينقلب علمه جهلاً .

والإِجابة عن الشبهة واضحة ، فإنَّ المحال هو اجتماع الممكن بالذات مع الواجب بالذات وأما اجتماع الممكن بالذات مع الواجب بالغير فهو أمر لا شبهة فيه . فإنَّ المعاليل عند وجود العلَّة التامة ممكناتٌ بالذات واجباتُ بالغير .

وعلى ذلك فلو تعلق علمه سبحانه بوجود حادث في وقت خاص فعلمه سبحانه لا يخرجه عن الإِمكان الذاتي . إذ غاية ما يقتضي كونُ علمِه موافقاً للواقع ، وجوبَ وجودِه بالغير ، سواءٌ أكان السببُ هو الله سبحانه أو غيرُه وهو يجتمع مع الممكن بالذات .

وباختصار : إنَّ الحادثَ الذي يقع في ظرف خاص لا يَخْرُج عن حدّ الإِمكان بعد تعلُّق علمه تعالى به وحصول علّته التامة . فالعالَم كلُّه ممكنٌ بالذات وفي الوقت نفسِه واجبٌ بالغير .

القرآن الكريم وسعةُ عِلْمه تعالى

مما قدمنا تقف على عظمة الجملة القائلة « إِنَّ الله بكلِّ شيءٍ عليم » فهي تعني أنَّه تعالى عالم بما مضى وما يأْتى وما هو كائن وما في الكون من الأسرار والرموز . يقول سبحانه : ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُو وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )(١) .

ويقول سبحانه : ( قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ

__________________

(١) سورة الأنعام : الآية ٥٩ .

١٢٨
 &

وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ )(١) .

ويقول سبحانه : ( اللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ )(٢) .

وقال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )(٣) .

وقال عزَّ مِنْ قائل : ( عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )(٤) .

إلى غير ذلك من الآيات الدَّالة على عِلْمه تعالى بالجُزْئِيات .

رفعة التَّعبير القرآني عن سعة علمه

إِنَّ من المفاهيم المُعْضِلَة هو تصور مفهوم اللامتناهي بحقيقته وواقعيته ، فإنَّ الإِنسان لم يزل يتعامل في حياته مع الأمور المحدودة ولذلك أصبح تصور اللامتناهي أمراً مشكلاً في غاية الصعوبة عليه . فهذه المنظومة بما فيها من السَّيَّارات جُزْءٌ من مَجَرَّتِنا الواسعة ومع ذلك فالجزء والكُلُّ متناهيان من حيث الذرّات والمركبات . وإنَّ أكبر عدد تعارف الإِنسان العادي على استخدامه في حياته هو رقم المليارد الذي يتألف من رقم واحد أمامه تسعة أصفار .

ثم إِنَّ الحضارة البشرية بسبب تكاملها في العلوم الرياضية توصلت إلى

__________________

(١) سورة آل عمران : الآية ٢٩ .

(٢) سورة الرعد : الآية ٨ .

(٣) سورة ق : الآية ١٦ .

(٤) سورة سبأ : الآية ٣ .

١٢٩
 &

ما يسمى بالأرقام النجومية ومع ذلك فإنَّ كل ما توصل إليه الإِنسان من الأرقام حتى النجومية لا يتجاوز كونه عدداً متناهياً ، والقرآن الكريم عندما يريد بيان علمه سبحانه من حيث كونه لا متناهياً ، لا يستخدم الأرقام والأعداد الرياضية وحتى النجومية لانتهائها إلى حدٍّ ما ، بل يأتي بمثال رائع يبين سعة علمه ويقول : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(١) .

أنظر إلى هذا التعبير الرائع الذي يفوق كل التعابير فلا تجد أيَّ رقم رياضي يصوِّر سعةَ علمه سبحانه يعادل قوله : ( مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ ) . ولو قال أحدٌ إِنَّ مقدار علمه هو العدد الواحد أمامه مئات الأصفار لما أفاد أيضاً ما يفيده قوله : ( مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ ) وبذلك تقف على حقيقة قوله سبحانه : ( مَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )(٢) ، فإنه يعبر عن مَحْدُودِيَّة المقاييس والمعايير البشرية كما يُعَبِّر عن قِلّةِ عِلْمِ الإِنسانِ وضآلةِ معارفه .

كلمات الإِمام علي (ع) في علمه تعالى بالجزئيات :

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « لا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ السَّماءِ ، ولا نُجُومُها ولا سَوافي الريحِ في الهواء ، ولا دَبيبُ النَّملِ على الصَّفا ، ولا مَقيلُ الذَّرِّ في الليلةِ الظَّلْماءِ ، يَعْلَمُ مساقِطَ الأورَاقِ ، وخَفِيَّ الأحداق »(١) .

وقال ( عليه السلام ) : « الحَمْدُ لله الذي يَعْلَمُ عجيجَ الوحوشِ في الفَلَوات ، ومعاصي العبادِ في الخَلَوات ، واختلافَ النينانِ في البحارِ

__________________

(١) سورة لقمان : الآية ٢٧ .

(٢) سورة الإِسراء : الآية ٨٥ .

(٣) نهج البلاغة ، خطبة ١٧٨ .

١٣٠
 &

الغامِرات ، وتلاطُمَ الماءِ بالرياح العاصفات »(١) .

وقال ( عليه السلام ) : « قد عِلِمَ السرائرَ ، وخَبَرَ الضمائرَ ، له الإِحاطة بكُلّ شَيْء »(٢) .

إلى هنا تم الكلام عن إحدى الصفات الثبوتية الذاتية وهي العِلْم . ويقع الكلام فيما يلي في الصفة الثانية وهي القدرة ، بإذنه سبحانه .

*        *       *

__________________

(١) نهج البلاغة ، خطبة ١٩٨ .

(٢) نهج البلاغة ، خطبة ٨٦ .

١٣١
 &

١٣٢
 &

الصّفات الثبوتية الذاتية

(٢)

القدرة

اتفق الإِلٰهيون على أَنَّ القدرة من صفاته الذاتيَّة الكمالية كالعِلْم . ولأَجل ذلك يُعَدّ القادر من أَسمائه سبحانه(١) .

القدرة لغة ـ كما عرّفها أَصحاب المعاجم ـ الملك والغِنى واليَسار . قال ابن منظور : يقال قَدِرَ على الشَّيء قُدْرَةً أي مَلَكَهُ فهو قادر وقدير . يقول سبحانه ( عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ )(٢) أي قادر ، والقَدْر الغنى واليَسَار .

وقال الراغب : القدرة إِذا وُصِفَ بها الإِنسان فاسم لهَيْئة له ، بها يتمكن من فعل شيء ما . وإذا وصف الله تعالى بها فهو نفي العجز عنه . ا . هـ . ولا يخفى أن تفسير الراغب القُدرة في الله سبحانه بإرجاعها إلى الصفات السلبية ( نفي العجز عنه ) خطأ واضح ، لأن القدرة كمال ولا يشذّ كمال عن ذاته .

__________________

(١) الفرق بين الصفة والإِسم عبارة عن أنَّ الأول لا يُحْمَل على الموضوع فلا يقال « زَيْدٌ عِلْمٌ » بخلاف الثاني فيحمل عليه ويقال « زَيْدٌ عالِمٌ » وعلى ذلك جرى الاصطلاح في أسمائه وصفاته سبحانه . فالعِلْمُ والقُدْرةُ والحياة ُصفات و « العالِم » و « القادِر » و « الحيّ » أَسماؤهُ تعالى .

(٢) سورة القمر : الآية ٥٥ .

١٣٣
 &

تعريف القدرة :

ثم إِنَّ الفلاسفة والمتكلّمين فسروا القدرة بوجوه أبرزها :

١ ـ القُدرة بمعنى صحة الفعل والتَّرك ، فالقادر هو الذي يصح أَنْ يفعل ويصح أَنْ يترك .

٢ ـ القدرة هي الفعل عند المشيئة ، والترك عند عدمها . فالقادر من إِنْ شاء فعل وإِنْ شاء لم يفعل ، أَوْ إِنْ لم يشَأْ لم يفعلْ .

وقد أُورد على التعريف الأَول بأَنَّ معنى صحة الفعل والترك إِمكانُهما للقادر . وهذا الإِمكان إما إِمكان ما هَويٌ يقع وصفا للماهية ويقال : الإِنسان بما هو إِنسان يمكن أَنْ يفعل ويمكن أَنْ لا يفعل . وإِمَّا امكانٌ استعداديٌ يقع وصفاً للمادة المستعدة لأَن تتصف بكمال مثل قولنا : الحَبّة لها إمكان أَنْ تكون شجرة . وعلى كلا التقديرين فلا يصح تبيين قدرته سبحانه بهذه العبارة لأَن الله سبحانه مُنَزّه عن الماهية بل هو وجودٌ كُلُّه ، فكيف يمكن توصيفه بإمكان هو من عوارضها . كما أنَّه سبحانه منزَّه عن المادّة والإِستعداد ، فكيف يصح تبيين قدرته بشيء يقوم بالمادة والإِستعداد ، هذا .

وقد أورد على التعريف الثاني بأَنَّ ظاهره كونُ الفاعل موجِداً للفعل بالمشيئة ، ولازمه أَنْ لا يكون الفاعل تامّاً في الفاعلية إِلّا بضم ضميمة إليه وهي المشيئة وهو مستحيل على الله سبحانه ، لأَنَّه غنيٌّ في الفاعلية عن كل شيء سوى ذاته حتى المشيئة الزائدة عليها .

دفاع عن التعريفين

إِنَّ الهدف من وصفه تعالى بالقدرة هو إِثبات كمالٍ وجمالٍ له وتنزيهُه عن النقص والعيب . فلو كان لازم بعض التعاريف طروءَ نقص أو توهّم في

١٣٤
 &

حقه سبحانه ، وَجَب تجريدها عن تلك اللوازم وتمحيضها في الكمال المطلق . وهذا لا يختص بالقدرة بل كل الصفات الجارية عليه سبحانه تتمتع بذلك الأَمر .

مثلاً : إِنَّ الحياة مبدأ الكمال والجمال ، ومصدر الشعور والعلم ، فليس الهدف من توصيفه سبحانه بالحياة إلّا الإِشارة إلى ذاك الكمال . وأَمَّا الذي ندركه من الحياة ، وننتزعه من الأَحياء الطبيعية ، فإِنه يمتنع توصيفه تعالى به لاستلزامه كونَه سبحانه موجوداً طبيعيّاً مستعداً للفعل والإِنفعال إلى غير ذلك من خصائص الحياة المادية . ولأَجل ذلك يجب أَن نَصِفَه سبحانه بالحياة مجردةً عن النقائص . وهذه ضابطة كلية في جميع الصفات الإِلٰهية فلا توصف ذاته سبحانه بشيء منها إلّا بهذا المِلاك ، وهذا ما يسعى إليه الحكيم العارف بالله سبحانه . وعند ذلك يصح تفسير قدرته سبحانه بما ورد في التعريفين ولكن بتجريد كل واحد منهما عما يستلزمه من النقائص ، ككونه سبحانه ذا ماهية أو مادة مستعدة ، كما في التعريف الأَول . أَو كونه سبحانه فاعلاً بمشيئة زائدة على الذات ، كما في التعريف الثَّاني .

وعلى ذلك فالذي يمكن أن يقال هو إنَّ نسبة الفعل إلى فاعله لا تخلو عن أقسام ثلاثة :

الأَول : أنْ يكون الفاعل متقيداً بالفعل فلا ينفك فعله عنه ، وذلك هو الفاعل المضطر كالنار في إحراقها ، والشمس في إشراقها .

الثاني : أنْ يكون الفاعل متقيِّداً بترك الفعل فيكون الفعل ممتنعاً عليه .

الثالث : أنْ لا يكون الفاعل متقيّداً بواحدة من النِسْبَتَيْن فلا يكون الفعل ممتنعاً حتى يتقيَّد بالترك ، ولا الترك ممتنعاً حتى يتقيد بالفعل . فيعود الأَمر في تفسير القدرة إلى كون الفاعل مطلقاً غيرَ مقيد بشيء من الفعل

١٣٥
 &

والترك(١) .

هذا ما نفهمه من توصيفه سبحانه بالقدرة سواءٌ أفُسِّرت بصحة الفعل والترك أم فُسِّرت بـ « إن شاء فَعَل وإِنْ شاء لم يفعل » . فإِنَّا نْأخذ من التعريفين كمال القدرة ونطرح نقائصها . فيصح أنْ يقال إنَّ القدرة في حقّه سبحانه بمعنى صحة الفعل والترك ، بمعنى تجرده عن التقيد بالفعل أو الترك . كما يصح أن يقال بالتعريف الثاني ، لا بمعنى كونه فاعلاً بالمشيئة الزائدة ، بل ما عرفت من تجرده عن أي إلزام بأحد الطرفين .

دلائل قدرته

أُستدل على قدرته سبحانه بوجوه نعرض أَوضحها وأَقواها .

الأول ـ الفطرة

إِنَّ كل إِنسان يجد في قرارة نفسه انجذاباً إلى قدرة سامية عند طروء الشدائد ويعتقد أَنَّ هناك قدرة عليا هي الملجأ الوحيد للنجاة في تلك الأَحايين . وهذا ما يلمسه من دون تلقين وتعليم . ووجود هذه الفطرة حاكٍ عن وجود تلك القدرة المطلقة ، وإِلّا يلزم أَنْ يكون وجودها لغواً . وليس المراد من الفطرة هنا هو تَصَوُّرُ القادرِ وتوهُّمُه عند طروء الشدائد حتى يقال إِنَّ تصور الشيء لا يدل على وجوده كتصور العنقاء الذي لا يعد دليلاً على وجودها ، بل المراد منها الميلُ الباطني ، والإِنجذاب الذاتي الوجداني ، وإِحساسه ذلك الإِنجذاب كسائر أَحاسيسه .

فالإِنسان الغارق في الشدائد الآيس من كل سبب مادي ، يجد في

__________________

(١) وبذلك تعرف أَنَّ توصيفه سبحانه بالقدرة بمعنى تجرُّدِه عن الإِلزام بأَحد الطرفين يلازم ثبوت وصف الإِختيار له سبحانه وسيوافيك الكلام فيه ، بإِذن منه سبحانه .

١٣٦
 &

أَعماق نفسه ـ وُجدانا لا يشك فيه ـ أَنَّ هناك موجوداً عالماً بِمَشاكِلِه قادراً على دفعها عنه . ولا ينافي فطريته الغفلةُ عنه بعد ارتفاع الشدائد وزوال المحن ، إِذ ليس كل أَمر فطري متجلٍّ في جميع الظروف . فإِنَّ لظهور الغرائز شرائط وأَجواء خاصة حتى غريزتي الشهوة والغضب .

وباختصار إِنَّ الفطرة كما تدعو إلى وجوده سبحانه ، تدعو إلى صفاته من العلم والقدرة . يقول سبحانه :

( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّـهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّـهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ )(١) .

الثاني ـ النظام ـ الكوني

النظام الكوني بما فيه من دَقيقٍ وجَليل ، وما فيه من جمال وبَهاء ، ودِقّة وروعة ، وإِتقان وإحكام ، يحكي عن قدرة مُبْدِع الأَشياءِ وتمكُّنِه من خَلْقِ أَدقِّها وأَرْوَعِها . وقد خَدَمَتْ العلومُ الطبيعيةُ كثيراً في هذا المجال . وأَثْبَتَتْ قدرة الصانع . وكلَّما تكامَلَتْ هذه العلومُ وازداد وقوفُ الإِنسان على سُنَنِ الكَوْنِ وقوانينِه وبدائِعِهِ وروائِعِهِ ، تَجَلَّت هذه الصفة بنحو أحسنَ وأجلى .

وبذلك يتّضح أَنَّ فِعْلَ الفاعل ، كما يكشف عن وجود الفاعل ، يكشف عن صفته . فالديوانُ الشِّعْري الرائع كما يَدُل على وجود منشىءٍ له ، كذلك يدل على مقدرته الفنية وذوقه المتفوق وقدرته على التحليق في آفاق

__________________

(١) سورة الأنعام : الآيتان ٤٠ و ٤١ .

١٣٧
 &

الخيال وسَبْكِ المعاني السامية في قوالبِ الألفاظ الجميلة . وكتابُ « القانون » لابن سينا في الطب ، وكتابُه الآخر باسم « الشِّفاء » في الفلسفة ، يَدُلّان على أَنَّ مؤلفهما كان من البارعين في الطب والفلسفة . ولأَجل ذلك نرى أَنه سبحانه عندما يصف روائع أَفعاله وبدائع صنعه في آيات الذكر الحكيم ، يختمها باسم « القدير » يقول سبحانه : ( اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا )(١) .

فالاحكامُ والإِتقان في الفعل آيتا العلم وعلامتا القدرة . وإِنَّا نرى في كلمات الإِمام علي ( عليه السلام ) أنّه يستند في البرهنة على قدرته تعالى بروعة فعله وجمال صنعه سبحانه .

قال ( عليه السلام ) : « فَطَرَ الخلائِقَ بقُدْرَتِهِ ، ونَشَرَ الرِّياح برحمَتِه ، وَوَتَّدَ بالصُّخورِ مَيَدانَ أرضِه »(٢) .

ويقول ( عليه السلام ) : « وأَرانا من مَلَكوتِ قُدْرَتِه وعجائِبِ ما نَطَقَتْ به آثارُ حِكْمَتِه »(٣) .

ويقول ( عليه السلام ) : « فَأقامَ مِنَ الأَشياءِ أَوَدَها ، ونَهَجَ حُدودَها ولاءَم بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضادِّها »(٤) .

ويقول ( عليه السلام ) : « وأَقامَ مِن شواهِدِ البَيّناتِ على لَطيف صَنْعَتِه وعَظيم قُدْرَتِه »(٥) .

__________________

(١) سورة الطلاق : الآية ١٢ .

(٢) النهج ، الخطبة الأولى .

(٣) النهج ، خطبة الأشباح ، الخطبة ٩١ .

(٤) المصدر نفسه .

(٥) النهج ، الخطبة ١٦٥ .

١٣٨
 &

إلى غير ذلك من خطبه وكلماته .

وقال الإِمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) في جواب بعض المَلاحِدَة : « كَيْفَ احتَجَبَ عَنْكَ من أَراكَ قُدْرَتَهُ في نفسِكَ »(١) .

الثالث ـ معطي الكمال ليس فاقداً له

ومن دلائل قدرته سبحانه أَنَّه خلق الإِنسان كما خلق غيرهَ وأَعطاه قدرةً يقتدر بها على إِيجاد البدائع والغرائب والصنائع الهائلة والأَشياء الظريفة . ومن المعلوم أَنَّ الإِنسانَ بوجوده وقُدرته معلولُ وجودِه سبحانه ، فهل يمكن أَنْ يكون مفيضُ وخالقُ الإِنسان القادر فاقداً لها ؟

سعة قدرته تعالى لكل شيء

إنّ الفِطْرة البشرية تقضي بأَنَّ الكمال المطلق الذي ينجَذِب إليه الإِنسان في بعض الأَحايين قادر على كل شيء ممكن ، ولا يتبادر إلى الأذهان أَبداً ـ لولا تشكيك المُشَكّكين ـ أَنَّ لقدرته حدوداً أَو أَنّه قادر على شيء دون شيء ، ولقد كان المسلمون في الصدر الأَول على هذه العقيدة استِلهاماً من كتاب الله العزيز ، النّاص على عمومية قدرة الله سبحانه .

حتى وصل أَمر الأَبحاث الكلامية إلى شيوخ المعتزلة فجاؤوا بتفاصيل في سعة قُدرته سبحانه نشير إليها على وجه الإِجمال .

١ ـ قال النَّظَّام(٢) : إِنَّه تعالى لا يقدر على القبيح .

__________________

(١) التوحيد للصَّدوق ، ص ٩١ .

(٢) هو ابراهيم بن سَيَّار بن هاني النَّظّام المتوفى عام ٢٣١ هـ . وكان عهده عهد ازدهار الترجمات الأَجنبية للآراء الوافدة إلى بلاد الإِسلام . ومن المظنون أَنَّه تأثر بتلك الآراء والأَفكار .

١٣٩
 &

٢ ـ وقال عَبَّاد بن سليمان الصَّيْمُرى(١) : لا يقدر على خلاف معلومه .

٣ ـ وقال البلخي(٢) : لا يقدر على مِثْل مقدور عبده .

٤ ـ وقال الجُبّائِيّان(٣) : لا يقدر على عَيْن مقدور العبد .

وربما نُسب إلى الحكماء أَنَّه سبحانه لا يقدر على أَكثر من الواحد ولا يصدر منه إِلّا شيء واحد وهو العقل . وهناك عقائد للثنوية مبهمة نترك بيانها إلى موضع آخر(٤) .

هذه صورة تاريخية عن نشأة هذا الرأي ، أَيْ تقييد قدرة الله . ويبدو أنّ أكثرَ هؤلاء تأثّروا بالآراء الدخيلة الوافدة إلى بلاد الإِسلام في عصر نهضة الترجمة . وستوافيك شبهاتهم وتحليلها بعد استعراض أَدلة القائلين بعموم قدرته .

أَدلة القائلين بعموم القدرة الإِلٰهية

إِنَّ المقصود من عموم قدرته سبحانه هو سعتها لكل شيء ممكن . بمعنى أنَّه تعالى قادر على خلق كل ما يكون ممكناً لذاته غير ممتنع كذلك . وقد استدل المحققون عليه بقولهم :

« إنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود . أما الأَول فلأن المقتضي لكونه

__________________

(١) وقد نقل عنه القول بكون دلالة الأَلفاظ ذاتية لا وضعية ولم نقف على ترجمته في المعاجم . وقد ذكر العلامة الحلي نظريته في قدرته سبحانه في « نهج المسترشدين » . لاحظ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين ، ص ١٨٩ .

(٢) هو أبو القاسم الكعبي المتوفي عام ٣١٧ هـ .

(٣) وهما الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب المتوفي عام ٣٠٣ هـ . وابنه أَبو هاشم عبد السلام بن محمد المتوفي عام ٣٢١ هـ . وكانا من رؤساء المعتزلة وأَقطابهم ولهما آراء خاصة يخالفان فيها سائر شيوخها .

(٤) يأتي البحث عن عقائد الثنوية في مبحث التوحيد في الخالقيَّة .

١٤٠