الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ثانياً : هل ذلك المصدر أزَلِيٌّ أو حادثٌ ، واحدٌ أو كَثير ، بسيطٌ أو مُرَكَّب ، جامع لجميع صفات الجمال والكمال أو لا ؟

ثالثاً : هل لعلمه حَدّ ينتهي إليه أَوْ لا ؟

رابعاً : هل لقدرته نهاية تَقِفُ عندها أو لا ؟

خامساً : هل هو أوّلُ الأَشياء وآخرُها أو لا ؟

سادساً : هل هو ظاهر الأَشياء وباطنها ؟

إنّ هذه المعارف يطرحها القرآن الكريم ويأمر بالتدبّر فيها ويقول : ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )(١) .

والإِمعان في الطبيعة لا يفيد في الإِجابة عن هذه التساؤلات ، والوقوف على المعارف المطروحة في القرآن .

وعندئذٍ لا مناص عن سلوك أحد الطريقين : إمَّا أنْ يصار إلى التعطيل وتحريم البحث حول هذه المعارف . وإمَّا الإِذعان بوجود طريق عقليٍّ يوصِلُنا إلى تحليل هذه المعارف ويساعدُنا على الوقوف عليها .

إِنَّ الذين يُحَرِّمون الخوضَ في هذه المباحث يعتمدون على أَنَّ التعرُّفَ على حقيقة الذات وكُنْهِ صفاتها أَمرٌ محال ، ولكن ليس كلُّ بحثٍ كلامي ينتهي إلى ذلك الحد ويحاول البحث عن حقيقة الذات الإِلٰهية كما أَوضحناه .

إِنَّ العلومَ الطبيعيةَ قد خَدَمَت مَسْلَكَ الإِلٰهيين وعزَّزَت موقفهم ، حيث أَثبتت أَنَّ الكونَ نظامٌ كله ، إِلّا أَنها قاصرة عن حل كل المشاكل المطروحة في مجال العقائد .

__________________

(١) سورة محمد : الآية ٢٤ .

١٠١
 &

نعم ، إِنَّ التعمُّق في هذه الأَبحاث ليس متاحاً لكل أحد ، وليس مُيَسَّراً لكل قاصد ، فهي من قبيل السهل الممتنع ، وذلك لأنَّ الإِنسان بسبب أنسِه بالأُمور الحِسِّية يصعب عليه تحريرُ فِكْرِه عن كل ما تَفْرِضه عليه ظروفه حتى يَتَهَيَّأَ للتفكر فيما وراءَ الطبيعة بفكر متحرر من أغلال الماديَّة .

وهناكَ وجهٌ آخر لمحدودية الإِنسان عن درك عميق المعارف الإِلٰهية وهو أنَّ أدواتَ الإِنسان للتعبير محدودةٌ بألفاظ وكلمات لم توضع إلّا لبيان المعاني الحسية المحدودة فلأَجل ذلك لا مناص له عن التعبير عن الحقائق الكونية العُليا المُطْلَقَة عن الزمان والمكان بتلك الأَلفاظ الضَّيِّقة ، وإلى ذلك يشير بعض العرفاء بقوله :

أَلاَ إنّ ثَوْباً خِيْطَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَةٍ

وعشرينَ حَرْفاً عن معانيه قاصر

والشيخ الرئيس ابن سينا يُوصي بِأْن لا تُطرحَ المسائلُ الالهيةُ العويصةُ إِلّا على أَهلها ويقول في إِشاراته في خاتمة الكتاب : « أَيُّها الأخ إنّي قد مَخَضْتُ في هذه الإِشارات عن زُبدة الحق وأَلقَمْتُكَ قُفَّي الحكمِ في لطائف ، فضُنَّه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقادة ، والدَّرِبَة والعادة ، وكان صَفاهُ مع الفاغَة ، أو كان من مُلحدة هؤلاء الفلاسفة ومن هَمَجِهم . فإِنْ وجدتَ من تثق بنقاء سريرته ، وبتوقفه عما يتسرع إليه الوسواس ، وبنظره إلى الحق بعين الرضا والصدق ، فاعطه ما يسألُكَ منه مدَرّجاً مُجَزَّءاً مُفَرَّقاً تَسْتَفْرِسُ مما تُسْلِفُه لما تَسْتَقْبِلُه ، وعاهِدْهُ بالله وبأَيْمانٍ لا مخارج لها ليجري في ما يأتيه مجراكَ ، متأسّياً بكَ ، إِنْ أَذعتَ هذا العلمَ أَو أَضعتَه فالله بيني وبينَك وكفى بالله وكيلاً »(١) .

ولسنا هنا مدعين أَنَّ هذه المباحثَ مباحثُ عامةٌ يجوزُ لكل أَحد

__________________

(١) الإِشارات ، ج ٣ ، ص ٢١٩ .

١٠٢
 &

ارتيادها لدقة مسالكها ، وكثرة مزالقها . بل خاصةَ بجماعة أَوتوا مقدرة فكرية فائقة .

فلأَجل ذلك نطرح المعارف الإِلهية في ضوء العقل والوحي مستمدين من الله سبحانه أَنْ يرينا الحقَّ ويحفظنا عن ركوب الباطل ، إِنَّهُ عزيز حكيم .

*        *       *

١٠٣
 &
١٠٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01imagesimage004.png

١٠٥
 &

١٠٦
 &

الصفات الثبوتية الذاتية

(١)

العِلْم

أجمع الإِلهيون على أنَّ العلم من صفات الله الذاتيَّة الكماليَّة ، وأنَّ العالِمْ من أسمائه العليا ، وهذا لم يختلف فيه اثنان على إجماله . ولتبيين الحال نُمَهِّد بمقدمة :

ما هو العلم ؟

عُرِّف العلمُ بأنَّه صورة حاصلة من الشيء على صفحة الذهن ، أو أنه انعكاس الخارج على الذهن عند اتصال الإِنسان بالخارج . وقد أخذ الحكماء هذا التعريف من العلوم الرائجة عند الإِنسان .

ولكن التَّعريف ناقص لعدم شموله لبعض أقسام العلم . فإنَّ العلم ينقسم إلى حصولي وحضوري ، والتعريف المذكور يناسب الأول دون الثاني . وإليك توضيح القسمين :

إنَّ الإِنسان عند ما يُطلُّ بنظره إلى الخارج ويلاحظ ما يحيط به في الكون من شجر وحجر ، وشمس وقمر ، يصبح مُدرِكاً والشَّيء الخارجيُ مدرَكاً ولكن بتوسط صورة بين المدرِك والمدرَك تُنْتَزَعُ تلك الصورة من

١٠٧
 &

الخارج بأدوات المعرفة ثم تَنْتَقِلُ إلى مراكز الإِدراك . فالشجرُ هو المعلوم بالعَرَض ، والصورةُ هي المعلوم بالذَّات ، والإِنسان هو العالم وإنما أسمينا الشيء الخارجي معلوماً بالعرَض والصورة معلوماً بالذَّات ، لأن الخارجَ معلوم لنا بواسطة هذه الصورة ولولاها لانقطعت صلة الإِنسان بالواقع .

وبعبارة أخرى : إنَّ الواقعية الخارجية ليست حاضرة عندنا بهذه السِّمة . لأن الشيء الخارجي له أثره الخارجي ، من الحرارة في النار ، والرطوبة في الماء ، والثِقَل في الحجر والحديد . ومعلوم أنَّ الشيء الخارجي لا يَرِدُ إلى أذهاننا بهذه الصفات . ولأجل ذلك أصبح الشيء الخارجي معلوماً بالعَرَض ، والصورة معلومة بالذَّات لمزاولة الإِنسان دائماً للصور الذهنيَّة .

وبذلك تقف على تعريف العلم الحصولي وهو : ما لا تكون فيه الواقعيَّة الخارجيَّة معلومة بنفسها ، بل بتوسط صورة مطابقة لها . والأدوات الحسّية كلُّها موظَّفةٌ في خدمة هذا العِلْم . فهو يعتمد على ثلاثة ركائز : المدرِك ، الخارج ، الصورة . ولا تَظُنَّنَ هذا اعترافاً بأصالة الصورة وفرعية الخارج ، إذ لا شك أنَّ الأمر على العكس ، فالخارج هو الأصيل والصورة هي المنتزعة منه والحاكية عنه ، غير أنَّ الذي يمارسه الذهن ويزاوله هو الصورة الموجودة عنده لا نفس الخارج . وهذه الصورة الذهنية وسيلته الوحيدة لدرك الخارج وإحساسه .

إلى هنا وقفت على تعريف العِلْم الحصولي . وأما العِلْم الحضوري فهو عبارة عن حضور المدرَك لدى المدرِك من دون توسط أي شيء ، وله قسمان :

١ ـ ما لا يتوسط فيه بين المدرِك والمدرَك شيء مع كون المدرِك غير المدرَك حقيقةً . وهذا كالعلم بنفس الصورة المنتزعة من الخارج . وذلك أنَّ الخارج يدرَك بواسطة الصورة ، وأمّا الصورةُ نفسُها فمعلومةٌ بالذات ولا

١٠٨
 &

يتوسط بينها وبين المدرِك أي شيء . فعند اتصال الإِنسان بالخارج عن طريق الصورة الذهنية يجتمع هناك عِلْمان : حصوليٌّ باعتبار علمه بالخارج عن طريق الصورة ، وحضوريٌّ باعتبار علمه بنفس الصورة وحضورها بواقعيتها عند المدرِك .

وبذلك تقف على فرق جوهري بين العِلْمين وهو أنَّ المعلومَ في العلم الحصولي غيرَ حاضرٍ لدى المدرِك بواقعيته كما عرفت ، وفي الحضوري يكون المعلوم حاضراً لديه بواقعيته وهذا كالصورة العِلْمية الذهنيَّة فإنها بواقعيتها التي لا تخرج عن كونها موجوداً ذهنياً ، حاضرة لدى الإِنسان .

وبذلك يظهر أنَّ الحصوليَّ ثلاثيُّ الأطراف والحضوريَّ ثنائيُّها في هذا القسم الأول منه .

٢ ـ ما لا يتوسط فيه بين المدرِك والمدرَك أي شيء ولكنهما يتحدان بالذات ويختلفان باللحاظ والاعتبار . وذلك كعلم الإِنسان ودَرْكِه لذاته ، فإنَّ واقعية كل إنسان حاضرة بذاتها لديه ، وليست ذاتُه غائبةً عن نفسه ، وهو يشاهد ذاتَه مشاهدة عقلية ويحس بها إحساساً وجدانياً ويراها حاضرة لديه من دون توسط شيء بين الإِنسان المدرِك وذاتِه المدرَكة . وفي هذه الحالة يصبح العِلمُ أحاديَّ الأطراف بدل ثنائيِّها في الثاني وثلاثيِّها في الأول . فالإِنسان في هذه الحالة هو العالم وهو المعلوم في آن واحد . وعندئذٍ يتّحد المدرِك والمدرَك وتصبح ذات الإِنسان عِلْماً وانكشافاً بالنسبة إلى ذاته . ومن العلم الحضوري علم الإِنسان بأحاسيسه من أفراحه وآلامه ، فالكل حاضر لدى الذات بلا توسط صورة .

وبذلك تقف على ضعف الإِستدلال على وجود الإِنسان بتفكره ، فيقال : « أنا أفَكِّر إِذَنْ أَنَا موجود » ، فاستُدِلَّ بوجود التَّفَكُّر على وجود

١٠٩
 &

المُفَكِّر(١) ، وجه الضعف :

أولاً ـ إنَّ عِلمَ الإِنسان بوجود نفسه ضروريٌ لا يحتاج إلى البرهنة ، فليس تفكر الإِنسان أوضح من علمه بذاته ونفسه .

ثانياً ـ إنَّ المستدلَ اعترف بالنتيجة في مقدمة الاستدلال حيث قال : « أنا » أُفكر . فقد أخذ وجود نفسه أمراً مفروضاً ومسلَّماً ثم حاول الاستدلال عليه .

تعريف جامع

على ضوء ما ذكرنا من تقسيم العلم إلى الحصولي والحضوري يصح أنْ يُقال إِنَّ العلم على وجه الإِطلاق عبارة عن « حضور المعلوم لدى العالم » ، وهذا التعريف يشمل العلم بكلا قسميه(٢) . غير أنَّ الحاضر في الأول هو الصورة الذهنية دون الواقعية الخارجية وفي الثاني نفس واقعية المعلوم من دون وسيط بينها وبين العالم . فالصورة الذهنية في العلم الحصولي حاضرة لدى الإِنسان غير غائبة عنه . كما أنَّ ذات الإِنسان في العلم الحضوري حاضرة لديه ، وهي فيه ، بما أنها واقفة على نفسها ، تسمى عالمة ، وبما أنها مكشوفة لنفسها غير غائبة عنها ، تُعَدُّ معلوماً ، وبما أنَّ هناك حضوراً لا غيبوبة ، يسمى ذلك الحضور علماً .

وهذا التعريف جامع شامل كلَّ أنواع العلوم الحاصلة في الممكن والواجب . فإذا وقفت على هذه المقدمة يقع البحث في علمه سبحانه تارة بذاته وأخرى بفعله ( الأشياء الخارجة عن ذاته ) .

__________________

(١) المستدل هو الفيلسوف الفرنسي ( ديكارت ) .

(٢) ليس الهدف من التعريف إلا الإِشارة بوجه إلى حقيقة العلم من دون مراعاة شرط التعريف الحقيقي فلا يؤاخذ عليه بأنه مستلزم للدور لأخذ المُعَرَّف في التعريف .

١١٠
 &

عِلمُه سبحانه بذاتِه

إِنَّ علمه سبحانه بذاته ليس حصولياً بمعنى أخذه الصورة من الذات ومشاهدتها عن ذاك الطريق لامتناع هذا القسم من العلم عليه كما سيأتي ، بل حضوري بمعنى حضور ذاته لذاته ، ويدل على ذلك أمران :

الأول ـ إنَّ مفيض الكمال لا يكون فاقده .

إِنَّه سبحانه خلق الإِنسان العالم بذاته علماً حضورياً ، فمُعطي هذا الكمال يجب أنْ يكون واجداً له على الوجه الأتمّ والأكمل لأن فاقد الكمال لا يعطيه ، فهو واجد له بأحسن ما يمكن . ونحن وإِنْ لم نُحِطْ ولن نحيط بخصوصية حضور ذاته لدى ذاته غير أنَّا نرمُز إلى هذا العِلْم بـــ « حضور ذاته لدى ذاته وعلمه بها من دون وساطة شيء في البَيْن » .

وباختصار : لا يسوغ عند ذي فطرة عقلية أنْ يكون واهبُ الكمال ومفيضُه ، فاقداً له . وإلّا كان الموهوب له أشرف من الواهب ، والمستفيدُ أكرمَ من المفيد . وحيث ثبت استناد جميع الممكنات إليه ومنها الذوات العالمة بأنفسها ، وجب أنْ يكون الواجب واجداً لهذا الكمال أي عالماً بذاته عِلماً يكون نفس ذاته لا زائداً عليها(١) .

الثاني ـ إنَّ عوامل غيبوبة الذَّات واختفائها غير موجودة .

توضيحه : إنَّ الموجود المادي بما أنَّه موجود كمّي ذو أبعاض وأجزاء ليس لها وجود جمعي ـ إذ لا تجتمع أجزاؤه في مقام واحد ـ تغيب بعض أجزائه عن البعض الآخر فلا يصحّ للموجود المادّي من حيث إنَّه مادي أنْ يعلم بذاته ، لمكان الغيبوبة المسيطرة على أجزاء ذاته .

فالغيبوبة مضادة لحضور الذات وتمنع تحقق علم الذات بالذات . فإذا

__________________

(١) أنظر الأسفار ، ج ٦ ، ص ١٧٦ . وسيوافيك عينيّة صفاته مع ذاته في الأبحاث الآتية .

١١١
 &

كان الموجود منزّهاً من الغَيْبة والجزئية والتَبَعُّض وكان موجوداً بسيطاً جمعياً دون أجزاء وأبعاض ، كانت ذاتُه حاضرةً لديها حضوراً كاملاً مطلقاً . وبذلك نشاهد حضور ذواتنا عند ذواتنا لكن لا بمعنى حضور أبعاض أجسامنا وأبداننا بل بمعنى حضور الواقعية الإِنسانية المعبر عنها بلفظة « أنا » المنزهة عن الكمّ والبَعْض والتجزئة . فلو فرضنا موجوداً على مستوى عالٍ من التجرد والبساطة عارياً عن كل عوامل الغيبة التي هي من خصائص الكائن المادي ، كانت ذاته حاضرة لديه . وهذا معنى علمه سبحانه بذاته أي حضور ذاته لدى ذاته بأتم وجه لتنزهه عن المادية والتركّب والتفرّق كما سيوافيك برهان بساطته عند البحث عن الصفات السلبية .

وهناك دلائل أُخر تركناها رَوْماً للاختصار . غير أنَّ هناك جماعة ينفون علمه بذاته وإليك بيان مذهبهم :

العلم بالذَّات يستلزم التغاير

استدلَّ النافون لعلمه سبحانه بذاته بأنَّ العِلْم نسبةٌ قائمةٌ بين العالِم والمعلوم والنسبة إنَّما تكون بين الشيئين المتغايرين ، ونسبة الشيء إلى نفسه محال إذْ لا تغاير ولا إثنينيَّة . وباختصار : الشيء الواحد أعني سبحانه تعالى ، بما هو شيء واحد ، لا تتصور فيه نسبة .

وقد أجاب عنه المحققون بما هذا حاصله : إنَّ التعدّد والتغاير إنما هو في العلم الحصولي لأنه عبارة عن إضافة العالِم إلى الخارج بالصورة الذهنيّة ، ففيه الصورة المعلومة غير الهُويَّة الخارجية . وأمَّا العلم الحضوري فلا يشترط فيه التغاير خارجاً بل يكفي التعدد اعتباراً .

مثلاً : إنَّه سبحانه بما أنَّ ذاته غير غائبة عن ذاته فهو عالم ، وبما أنَّ الذات حاضرة لديها فهي معلومة .

وبعبارة أخرى : إنَّ إطلاق العِلْم والعالِم والمعلوم لأجل حيثيات

١١٢
 &

واعتبارات . فباعتبار انكشاف الذات للذات يسمى ذلك الانكشاف « عِلْماً » ، وباعتبار كون الذات مكشوفة لدى الذات يطلق عليها « معلومة » ، وباعتبار كونها واقفة على ذاتها تسمى « عالِمة » . ولو اعتبرْتَ كيفية علم الإِنسان بذاته ، لربما يسهل عليك تصديق ذلك .

وإلى ما ذكرنا يعود قول المحققين إنَّ المغايرة قد تكون بالذات وقد تكون بنوع من الاعتبار . وهنا ، ذاته تعالى من حيث إنها عالمة مغايرةٌ لها من حيث إنها معلومة ، وذلك كافٍ في تعلق العِلْم(١) .

علمه سبحانه بالأشياء قبل إيجادها

إنَّ علمَه سبحانه بالأشياء على قسمين : علم قبل الإِيجاد ، وعلم بعده . والأول هو الذي نرتئيه وهو من أهم المسائل الكلاميَّة ، وإليك الدليل عليه :

١ ـ العلم بالسببيَّة علم بالمسبَّب

إِنَّ العِلْم بالسبب ، بما هو سبب ، علم بالمسبَّب . والعلم بالعلَّة ، بما هي علَّة ، علم بوجود المعلول ، والمراد من العلم بالعلَّة ، العلم بالحيثية التي صارت مبدأً لوجود المعلول وحدوثه . ولتوضيح هذه القاعدة نمثل بالأمثلة التالية .

أ ـ إنَّ المنجم العارف بالقوانين الفلكية والمحاسبات الكونية يقف على أنَّ الخسوف أو الكسوف أو ما شاكل ذلك يتحقق في وقت أو وضع خاص . وليس علمه بهذه الطوارىء إلّا من جهة علمه بالعلة من حيث هي علّة لكذا وكذا .

__________________

(١) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، ص ١٧٥ . وشرح القوشجي ، ص ٣١٣ .

١١٣
 &

ب ـ إنَّ الطبيب العارف بحالات النَّبض وأنواعه وأحوال القلب وأوضاعه يقدر على التنبؤ بما سيصيب المريض في مستقبل أيامه . وليس هذا العلم إلّا من جهة علمه بالعلَّة من حيث هي علَّة .

ج ـ إنَّ الصيدلي العارف بخصوصية السّم إذا شربه الإِنسان يخبر عن أنَّه سيقضي على حياة الشارب في مدة معينة ، أيضاً .

إذا عرفت هذه الأمثلة نقول : إنَّ العالَم بأجمعه معلول لوجوده سبحانه وليس له علَّة إلّا ذاته سبحانه . فالعِلْم بالذات علم بالحيثية التي هي سبب لتحقق العالم وتكوّنه . وبعبارة أخرى : العِلْمُ بالذات ـ كما عرفت دلائله ـ علم بالحيثية التي صدر منها الكون بأجمعه ، والعلم بتلك الحيثية يلازم العلم بالمعلول . وهذا البرهان مبني على مقدمات مسلمة عند الإِلهيين نشير إلى خلاصتها :

الأولى ـ إنَّ العالم بجميع أجزائه مستند إليه سبحانه وهو مقتضى التوحيد في الخالقية ، وإنَّه لا خالق إلّا هو .

الثانية ـ علّيَّة شيء لشيء عبارة عن كونه مشتملاً على خصوصية تقتضي صدور المعلول عنه وتوجب إيجاباً قطعياً وجود المعلول في الخارج بحيث لولا تلك الخصوصية لما تحقق المعلول . ولأجل ذلك تكون بين الخصوصية القائمة بالعلَّة ووجود المعلول رابطةٌ وصلةٌ خاصةٌ تقتضي وجودَ المعلول ، ولولا تلك الخصوصية لكانت نسبةُ المعلول إلى العلَّة ، وغيرِها الفاقد لها ، متساوية ، مع أنه ضروري البطلان .

فالخصوصية الموجودة في النار الموجبة للحرارة غير الخصوصية الموجودة في الماء المقتضية للرطوبة .

الثالثة ـ إنَّ فاعليته تعالى لِمَا عداه ، بنفس ذاته لا بخصوصية طارئة ، وجهة زائدة عليها . فهو بنفس ذاته فاعل الكل ، كما هو مقتضى بساطة ذاته

١١٤
 &

وغناه عن كل شيء ( الخصوصية الزائدة ) سواه . فالواجب تبارك وتعالى فاعل بذاته لا بحَيْثِيَّة منضمة إليها .

الرابعة ـ إنَّ العِلْم بالجهة المقتضية للشيء ، علم بذاك الشيء .

فيتحصل أنَّ علمه تعالى بذاته ، علم بتلك الخصوصية والجهة . ويترتب عليه لازمه ، أعني علمه بالأشياء قضاءً للملازمة .

وقد أشار إلى هذا البرهان أعاظم المتكلمين والفلاسفة . قال صدر المتألهين : « إنَّ ذاته سبحانه لما كانت علَّة للأشياء ـ بحسب وجودها ـ والعلم بالعلة يستلزم العلم بمعلولها ، فتعقّلها من هذه الجهة لا بُدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحداً بعد واحد »(١) .

وإلى ذلك يشير الحكيم السبزواري في منظومته بقوله :

وعالِمٌ بِغَيْرِهِ إِذا اسْتَنَد

إِليه وهو ذاتَه لقد شَهِد

بالسَّبَبِ العِلْم بما هَوَ السَّبَب

عِلْمٌ بِما مُسَبَّبٌ بِهِ وَجَب(٢)

٢ ـ الإِحكام والإِتقان دليل علمِهِ بالمصنوعات

إنَّ لحاظ كل جهاز بسيط أو معقد ( كقلم أو عقل الكتروني ) يدلنا على أنَّ صانعه عالم بما يسود ذلك الجهاز من القوانين والعلاقات . كما تدل دائرة معارف ضخمة على علم مؤلفيها وجامعيها بما فيها .

وبعبارة أخرى : إنَّ وجود المعلول كما يدل على وجود العلة ، فخصوصياته تدل على خصوصية في علته ، فالعالَم بما أنه مخلوق لله سبحانه

__________________

(١) الأسفار ، ج ٦ ، ص ٢٧٥ . وراجع في ذلك أيضاً التجريد وشروحه .

(٢) شرح المنظومة ، قسم الفلسفة ، ص ١٦٤ .

١١٥
 &

يدل ما فيه من بديع الخلق ودقيق التركيب على أنَّ خالقَه عالمٌ بما خلق ، عليم بما صنع . فالخصوصيات المكنونة في المخلوق ترشدنا إلى صفات صانعه .

وقد وقع هذا البرهان موضع عناية عند المتفكرين . فإنَّ المصنوع يدلّ من جهة الترتيب الذي في أجزائه أي كون صنع بعضها من أجل بعض ، ومن جهة موافقة جميعها للغرض المقصود من ذلك المصنوع ، على أنَّه لم يحدث عن فاعل غير عالم بتلك الخصوصيات ، بل حدث عن صانع رتب ما قبل الغاية ، فيجب أنْ يكون عالماً به . والإِنسان إذا نظر إلى بيت وأدرك أنَّ الأساس قد صُنع من أجل الحائط وأنَّ الحائط من أجل السقف ، يتبين له أنَّ البيت قد وُجِدَ عن عالِمٍ بصناعة البناء .

والحاصل ، أنَّ المصنوع بما فيه من إتقان ودقة ونظام بديع ومقادير معينة ومضبوطة يحكي عن أنّ صانِعَه مطّلع على هذه القوانين والرموز ، عارف بما يتطلبه ذلك المصنوع من مقادير وأنظمة . ومن هنا يشهد الكون ابتداءً من الذرة الدقيقة وانتهاء إلى المجرة الهائلة ، ومن الخلية الصغيرة إلى أكبر نجم ، بما يسوده من أنظمة وتخطيطات بالغة الدقة ، على أنَّ خالق الكون عالم بكل ما فيه من أسرار وقوانين وأن من المستحيل أن يكون جاهلاً . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل بقوله : ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )(١) .

وقال تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ )(٢) .

وقال الإِمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « عَلِمَ ما يَمْضِي وما مَضَى ، مُبْتَدِعُ الخلائِقِ بِعِلْمِه ومُنْشِؤُها بِحِكْمَتِه »(٣) .

__________________

(١) سورة الملك : الآية ١٤ .

(٢) سورة ق : الآية ١٦ .

(٣) نهج البلاغة ، قسم الحكم ، ١٩١ .

١١٦
 &

وقال الإِمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) : «سبحان من خَلَقَ الخَلْقَ بِقُدْرِته ، أتقَنَ ما خَلَق بِحِكْمَتِه وَوَضَعَ كُلَّ شيءٍ موضِعَهُ بعِلْمِه »(١) .

وإلى هذا الدليل أشار المحقق الطوسي في تجريد الاعتقاد بقوله : « والإِحكامُ دليلُ العِلْم » .

فإن قُلتَ : قد يصدر من بعض الحيوانات أفعال متقنة في ترتيب مساكنها ومعيشتِها ، كما في النحل والنمل وكثير من الوحوش والطيور ، مع أنها ليست من أولي العلم ؟

قلتُ : إنَّ ما ذكرنا من أن الإِتقان في الفعل يدل على علم الفاعل قضيةٌ عقلية غيرُ قابلةٍ للتخصيص ، وأما هذه الحيوانات فإن عملها بإلهام من خالقها كما عليه النصوص القرآنية . قال سبحانه : ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )(٢) .

وما ربما يقال من تفسير هذه الأفعال العجيبة بغرائز الحيوانات ، فلا ينافي ما ذكرنا . فإن الغرائز الصَّمَّاء لا تزيد عن كونها مادة عمياء لا تقدر على إيجاد شيء موزون إلّا إذا كانت هناك قيادة عالية تسوقها إلى ما هو المطلوب منها . وللتفسير مجال آخر .

علمه سبحانه بالأشياء بعد إيجادها

قد تعرفت على براهين علمه بذاته وبأفعاله قبل الإِيجاد ، وحان وقت

__________________

(١) بحار الأنوار ج ٤ ، ص ٦٥ .

(٢) سورة النحل : الآيتان ٦٨ ـ ٦٩ .

١١٧
 &

البحث عن علمه سبحانه بأفعاله بعد إيجادها وتكوينها فنكتفي في المقام بالبرهانين التاليين :

١ ـ علمُه سبحانه فعلُه

إنَّ الأشياء الخارجية تنتهي في مقام الوجود إلى الله سبحانه ويُعَدُّ الكلُّ معلولاً له . وكلُّ معلول حاضر بوجوده العيني عند علته لا يغيب ولا يحجب عنها . وقد عرفت أنَّ حقيقة العلم هو حضور المعلوم لدى العالم .

وبعبارة أخرى : إنَّ كل موجود سواه ممكن ، جوهراً كان أوْ عَرَضاً ، خارجياً كان أوْ ذهنياً . فالكل مصبوغ بِصبغة الإِمكان ، ولا محيص للمكن عن الاستناد إليه . وليس الاستناد إلّا الحضور لديه وإحاطته سبحانه به(١) .

توضيح هذا الدليل : إنَّ كل ممكن معلول في تحققه لله سبحانه ، وليس للمعلولية معنى سوى تعلق وجود المعلول بعلته وقيامه بها قياماً واقعياً كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الإِسمي . فكما أنَّ المعنى الحرفي بكل شؤونه قائم بالمعنى الإِسمي فهكذا المعلول قائم بعلته . وكما أنَّ انقطاع المعنى الحرفي عن الإِسمي يقضي على وجوده ، فهكذا انقطاع المعلول عن العلة ينتهي إلى انعدامه .

فإذا قلتَ : « سرتُ من البصرة » ، فهناك معنى إسمي وهو السير والبصرة ، ومعنى حرفي وهو ابتداء السير من ذلك البلد . ولكن المعنى الثاني قائم بالطرفين ولولاهما لما كان له قوام . ومثله المعلول أي الوجود الإِمكاني المفاض ، قائم بالمفيض وليس له واقعية سوى تعلقه بعلته . وإلّا يلزم استقلاله وهو ، مع فرض الإِمكان ، خلف . وما هذا شأنه لا يكون خارجاً عن وجود علته ، إذ الخروج عن حيطته يلازم الاستقلال وهو لا يجتمع

__________________

(١) كشف المراد ، ص ١٧٥ ، بتصرف .

١١٨
 &

مع كونه ممكناً . فلازم الوقوع في حيطته وعدم الخروج عنها ، كون الأشياء كلها حاضرة لدى ذاته . والحضور هو العِلْم لما عرفت من أنَّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالِم .

ويترتب على ذلك أنَّ العالَم كما هو فعلُه ، فكذلك علمه سبحانه . وعلى سبيل التقريب لاحظ الصور الذهنية التي تخلقها النفس في مسرح الذهن ، فهي فعل النفس وفي نفس الوقت علمها ، ولا تحتاج النفس في العلم بتلك الصور إلى صور ثانية ، وكما أنَّ النفس محيطة بتلك الصور وهي قائمة بفاعلها وخالقها فهكذا العالَم دقيقُه وجليلُه مخلوقٌ لله سبحانه قائمٌ به ، وهو محيطٌ به .

٢ ـ سَعةُ وجودِه دليلُ عِلْمه

أثبتتْ البراهين القاطعة أنَّ وجوده سبحانه منزَّهٌ عن الجسم والمادَّة والزمان والمكان . وهو فوق كل قيد زماني أو مكاني وما كان هذا شأنه يكون وجوده غير محدود ولا متناه إذ المحدودية والتقيّد فرع كون الشيء سجين الزمان والمكان . فالموجود الزماني والمكاني لا يتجاوز إطار محيطه وأمَّا المنزَّه عن ذينك القيدين فلا يحدّه شيء ولا يحصره حاصر . وما هذا حاله لا يغيب عنه شيء ولا يحيطه شيء بل هو يحيط كل شيء .

وعلى سبيل التقريب نقول إنَّ الإِنسان الجالس في الغرفة الناظر إلى خارجها من كُوَّة صغيرة لا يرى من القطار العابر إلّا جزءاً منه وهو بخلاف الواقف على السطح أو الناظر من أُفق أعلى كالطائرة .

وعلى هذا الأصل فكلما كان الإِنسان متجرّداً عن القيود تكون إحاطته بالأشياء أكثر وأكثر . والله المنزه عن الزمان والمكان وكل حد وقيد لا يحيط به شيء مِن الأشياء الواقعة في إطار الزمان والمكان ، بل هو المحيط بكل ما يجري على مسرح الوجود .

١١٩
 &

وقد أشار الإِمام عليّ ( عليه السلام ) إلى بعض ما ذكرنا بقوله : « إِنَّ الله عزَّ وجلَّ أيَّن الأيْن فلا أيْنَ له ، وجَلَّ أَنْ يحويه مكان ، وهو في كل مكان ، بغير مُماسَّةٍ ، ولا مُجاوَرَةٍ . يحيط عِلْماً بما فيها ، ولا يخلو شيء منها من تدبيره » .

وسنتلو عليك بعض الآيات الكريمات عند البحث عن علمه سبحانه بالجزئيات .

مراتب علمه سبحانه

قد تبين مما ذكرنا أنَّ علمه سبحانه بالأشياء ذو مرتبتين :

الأولى : عِلْمُهُ بها قبل إيجادها في مرتبة الذات وقد عرفت برهانه .

الثانية : عِلْمُهُ بها بعد إيجادها خارج مرتبة الذات وقد عرفت برهانه . هذا حسب ما ساقتنا إليه البراهين الفلسفية . غير أنَّ الذكر الحكيم يذكر لعلمه سبحانه مظاهر عبّر عنها تارة :

باللوح المحفوظ ، وأخرى بالكتاب المسطور ، وثالثة بالكتاب المبين ، ورابعة بالكتاب المكنون ، وخامسة بالكتاب الحفيظ ، وسادسة بالكتاب المُؤَجَّل ، وسابعة بالكتاب ، وثامنة بالإِمام المبين ، وتاسعة بأُم الكتاب . وعاشرة بلوح المحو والإِثبات .

فإلى اللوح المحفوظ أشار سبحانه بقوله : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ )(١) . وإلى الكتاب المسطور بقوله : ( وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ )(٢) . وإلى الكتاب المبين بقوله : ( وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا

__________________

(١) سورة البروج : الآيتان ٢١ و ٢٢ .

(٢) سورة الطور : الآيتان ٢ و ٣ .

١٢٠