الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

الشيخ حسن محمد مكي العاملي

الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل - ج ١

المؤلف:

الشيخ حسن محمد مكي العاملي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ٧
ISBN: 978-964-357-384-3
ISBN الدورة:
978-964-357-388-1

الصفحات: ٤٠١
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01imagesimage001.png

١
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEElahyyat-part01imagesrafed.png

٢
 &

بسم الله الرحمن الرحيم

نصدر بحوثنا الكلامية بجملة من المقدمات المفيدة التي لا غنى عنها ، للتعرف على واقع الدين ومفهومه ، وجذوره في الفطرة الإِنسانية ، ودوره في حياة الإِنسان ، والمعرفة المعتبرة في الإِسلام .

١ ـ حياة الإِنسان والقيم الأَخلاقية

لا نتصور إِنساناً يملك من العقل شيئاً ، يخالف التقدم الصناعي ويعارضه ، بل يقوده إلى دعم « التكنولوجيا » التي تؤتيه الراحة والرفاه .

غير أَنَّ المشكلة في هذه الآونة من حياة البشر تنبع من موقع آخر ، وهو استغلال الغرب هذه « التكنولوجيا » لصالح الإِنتاج والتوزيع ، وجعله الأَخلاق والمشاعر الإِنسانية ضحيَّة لهذه الغاية .

نداء يطرق الأَسماع من بعيد :

وفي هذه الظروف الحَرِجة بالنسبة للإِنسان المثالي ، ظهر أُناس ذوو

٣
 &

ضمائر حية وقلوب مستنيرة يَشْكون هذه الحالة المحيطة بالإِنسان ، ويطردون الحياة الآلية المصطنعة . وقد أَحسّوا أَنَّ الإِنسان قد وصل إلى الدَّرَك الأَسفل من القيم الأَخلاقية ، وأَنَّ الحياة الآلية ( جَعْل الطاقات الإِنسانية والقيم ضحية الإِنتاج والتوزيع ) لا توصله إلى السعادة على الإِطلاق ، بل تقوده إلى تحصيل المال والثروة بسرعة ، وفي الوقت نفسه إلى تحطيم القيم والمثل وضياعها . ومن هذا المنطلق حاول هؤلاء إضفاء طابع روحي على حياة الإِنسان حتى تتوازن الحياة المادية مع الحياة المعنوية .

ونحن إِذْ نبارك لهؤلاء العلماء خطوتهم نذكّرهم أَنَّ القرآن الكريم قد وصف الحياة المادَّية الخالية من المعنويات والقيم بأَنها طيف يدور بين اللَّعب واللَّهو والزينة والتفاخر وينتهي بالتكاثر في الأَموال والأَولاد :

قال سبحانه : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ )(١) .

ترى أَنه سبحانه يقسم الحياة المادية إلى أَقسام خمسة وكأَنها تدور من بدايتها إلى نهايتها بين هذه المدارج وهي :

١ ـ اللعب .

٢ ـ اللهو .

٣ ـ التزين والتجمل .

٤ ـ التفاخر .

٥ ـ التكاثر في الأَموال والأَولاد .

__________________

(١) سورة الحديد : الآية ٢٠ .

٤
 &

ويعتقد العلماء أَنَّ كل قسم من هذه الأقسام يشغل مقداراً من عمر الإِنسان ثم يندفع إلى القسم الآخر حسب تكامل سنه واشتداد قواه ، ولعل كل واحد منها يأْخذ من عمر الإِنسان ثمان سنوات ، ثم الخامس يستمر معه إلى خاتمة حياته ولا يفارقه حتى يموت .

ثم إِنَّ الآية المباركة تشبّه هذه الحياة الفارغة من القيم ، بنبات مخضرّ لا دوام لاخضراره ولطافته ، فسرعان ما يتحول النبات الأَخضر إلى الأَصفر الذي ينفر منه الإِنسان .

فمثل الإِنسان الغارق في مستنقع المادة كمثل هذا النبات حيث يبتدىء حياته بالإِخضرار واللطافة ويستقر في نهاية المطاف ، جيفة في بطن الأَرض ، إِلّا من قرن حَياته المادَّية بالحياة المعنوية غير المنقطعة بموته وزهوق روحه .

وإِنَّ القرآن الكريم أَيضاً يصوّر الحياة المادية بشكل آخر ويقول : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ )(١) .

فالحياة المادية في ريعانها تتجلى بصورة شيء واقعي له من الزهو والجمال ما يغري به كالسراب الذي يخدع العطشان ، فإذا انتهى إلى نهاية المطاف من عمره ، يقف على أَنها لم تكن شيئاً واقعياً يسكن إليه .

إِنَّ الحياة الإِنسانية إِنَّما تأْخذ المنحى السليم إِذا تفاعلت مع الجانب الروحي ، ليكون للدين والقيم والأَخلاق مكانة مرموقة في حياته ، كما أنَّ لحاجاته المادية ذاك المقام المنشود . وإِنَّما تتجلى هذه الحقيقة ، أي لزوم التوجه إلى الدين ، إِذا وقفنا على أَمرين :

__________________

(١) سورة النور : الآية ٣٩ .

٥
 &

١ ـ ما هو الدّين ؟ وما واقعه ؟

٢ ـ ما هو دوره في حياة الإِنسان ؟

*        *       *

٢ ـ ما هو الدّين ؟ وما هي جذوره في الفطرة الإِنسانية ؟

لا يحاول الدّين إِرجاع البشر إلى الجهل والتخلف ، بل هو ثورة فكرية تقود الإِنسان إلى الكمال والترقّي في جميع المجالات . وما هذه المجالات إلّا أَبعاده الأَربعة :

أ ـ تقويم الأَفكار والعقائد وتهذيبها عن الأَوهام والخرافات .

ب ـ تنمية الأصول الأَخلاقية .

ج ـ تحسين العلاقات الإِجتماعية .

د ـ إلغاء الفوارق العنصرَّية والقوميَّة .

ويصل الإِنسان إلى هذه المآرب الأَربعة في ظل الإِيمان بالله الذي لا ينفك عن الإِحساس بالمسْؤُوليَّة ، وإليك توضيحها :

أمّا في المجال الأَول ، أعني إصلاح الأَفكار والعقيدة فنقول : لا يتمكن الإِنسان المفكر من العيش بلا عقيدة ، حتى أولئك الذين يضفون على منهجهم طابع الإِلحاد ، ويرفعون عقيرتهم بشعار اللَّادينية ، لا يتمكنون من العيش بلا عقيدة في تفسير الكون والحياة . وإليك نظرية الدّين لواقع الكون والحياة .

إِنَّ الدين يفسر واقع الكون وجميع الأَنظمة المادية بأَنها إِبداع موجود عال قام بخلق المادة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود ، وقد أَخضعه لنظام دقيق ، فالجاعل غير المجعول ، والمعطي غير الآخذ .

كما أَنَّه يفسر الحياة الإِنسانية بأَنها لم تظهر على صفحة الكون عبثاً ولم

٦
 &

يُخلق الإِنسان سدى ، بل لتكوّنه في هذا الكوكب غاية عليا يصل إليها في ظل تعاليم الأَنبياء والهداة المبعوثين من جانب الخالق إلى هداية مخلوقه .

هذا هو تفسير الدين لواقع الكون سر الحياة ، غير أنَّ المادّي يحاول تفسير الكون بشكل مغاير ، وهو يقول :

إنَّ المادة الأُولى قديمة بالذات وهي التي قامت فأَعطت لنفسها نظماً ، وأَنَّه لا غاية لها ، ولا للإِنسان القاطن فيها .

وبعبارة أُخرى ، إِنَّ للكون في نظرية الإِنسان الإِلهي بداية ونهاية ، فإِنَّ نشوءه من الله سبحانه ، كما أَنَّ نهايته ـ باسم المعاد ـ إلى الله تعالى .

غير أَنَّ الكون في نظرية الإِنسان المادي فاقد للبداية والنهاية ، بمعنى أَنَّه لا يتمكن من ترسيم بدايته ، وأَنَّه كيف تحقق وتكوّن ووُجد ؟ بل كلّما سأَلته يجيبك : بـ « لا أَدري » . كما أَنَّه لا يتمكن من تفسير نهايته وغايته ، ولو سألته عن ذلك لأَجابك بـ « لا أعلم » . فهذا العالم عند الفيلسوف المادي أَشبه بكتاب مخطوط مخروم قد سقطت من أَوله وآخره أَوراق مما أَدخله في إِطار الإِبهام ، فلا يقف الإِنسان على بدئه ولا على ختامه فالفيلسوف المادّي جاهل ببدء العالم وختامه وليس له هنا جواب سوى « لا أَدري » .

وبعبارة ثالثة : لم تزل الأَسئلة الثلاثة التالية عالقة بذهن الإِنسان منذ أَنْ عرف يمينه من يساره ، وهي :

١ ـ إِنَّه من أَين ؟

٢ ـ وإلى أَين ؟

٣ ـ ولماذا خُلِق ؟ .

وهذه الأسئلة الثلاثة يجيب عنها الفيلسوف الإِلهي بأجوبة رصينة تتضح من خلال هذه الرسالة ، وإجمالها أنَّ البداية من الله ، وأنَّ نهاية المطاف هي

٧
 &

الله سبحانه ( إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )(١) ، وأَنَّ الغاية هي التخلّق بالقيم والمثل الأخلاقية والإِتصاف بأسمائه وصفاته سبحانه . غير أنَّ المادي يَكِلُّ عند الإِجابة عن هذه الأسئلة ولا يأتي بشيء مقنع .

وعلى هذا الأساس قلنا إنَّ للدّين دوراً في تصحيح الأفكار والعقائد . ومن خلال المقارنة بين الفكر الإِلهي والمنهج المادي في الإِجابة على الأسئلة الثلاثة يعلم الإِنسان أنَّ التكامل الفكري إنما يتحقق في ظل الدين ، لأنه يكشف آفاقاً وسيعة أمام عقليته وتفكيره ، في حين أنَّ المادي يملأ الذهن بالجهل والإِبهام ، بل يقوده إلى الخرافات . إذ كيف يمكن للمادة أن تمنح نفسها نُظُماً ؟ وهل يمكن أن تتّحد العلّة والمعلول ، والفاعل والمفعول ، والجاعل والمجعول ؟ .

هذا ما يتعلق بدور الدين في مجال إِصلاح الفكر والعقيدة .

وأمَّا في المجال الثاني ، وهو ما يتعلق بتنمية الدّين للأصول السامية للأَخلاق فنقول : إِنَّ العقائد الدينية تعد رصيداً للأصول الأَخلاقية إِذ التقيد بالقيم ورعايتها لا ينفك عن مصاعب وآلام يصعب على الإِنسان تحملها إِلّا بعامل روحي يسهّلها ويزيل صعوبتها له ، وهذا كالتضحية في سبيل الحق والعدل ورعاية الأَمانة ومساعدة المستضعفين . فهذه بعض الأصول الأَخلاقية التي لا تنكر صحّتها ، غير أَنَّ تجسيدها في المجتمع يستتبع آلاماً وصعوبات ، كما يستتبع الحرمان من بعض اللذائذ ، فما هو ضمان تحقق هذه الأصول ؟ .

إِنَّ الإِعتقاد بالله سبحانه وأنَّ في إِجراء كل أصل من الأصول الأخلاقية أَجراً كبيراً يصل إليه الإِنسان في الحياة الأخروية ، خير عامل لتحبيذ الإِنسان وتشويقه على إِجرائها والتلبّس بها في حياته الدنيويَّة ، ولولا ذاك الإِعتقاد لأَصبحت الأَخلاق نصائح وعظات جافة لا ضمان لإِجرائها .

__________________

(١) سورة البقرة الآية ١٥٦ .

٨
 &

وفي هذا الصدد يقول ويل ديوارانت المؤرخ المعاصر : « لولا الدّين لتجلت الأَخلاق وكأَنها أَشبه بالمبادلات الإِقتصادية ، ولصارت الغاية منها الفوز بالنجاح الدنيوي بحيث لو كان النجاح والفوز مضاداً للقيم لتمايل عنها ، لكون الغاية في جانب اللاقيم ، وإِنما هي العقيدة الدينية التي تترك الإِحساس بالمسؤولية في روح الإِنسان »(١) .

وأَما في المجال الثالث ، وهو ما يتعلق بتوطيده العلاقات الإِجتماعية ، فنذكر فيه ما ذكرنا في دعمه الأَخلاق السامية . فإِنَّ العقيدة الدّينية تساند الأصول الاجتماعية لأنها تصبح عند الإِنسان المتديّن تكاليف لازمة ، ويكون الإِنسان بنفسه مقوداً إلى العمل والإِجراء .

غير أنَّ تلك الأصول بين غير المتديّنين لا تراعى إِلّا بالقوى المادّيَة القاهرة . وعندئذ لا تتمتع الأصول الإِجتماعية بأي ضمان تنفيذي وهذا مشهود لمن لاحظ حياة الأمم المادّية غير الملتزمة بمبدأ أو معاد .

وأما المجال الرابع ، أعني إلغاءه الفوارق العنصرية والقومية المفروضة على عاتق المستضعفين بالقوة والسلطة والإِغراء والجهل وتشويه الحقائق .

فنقول : إِنّ الدّين يعتبر البشر كلهم مخلوقين لمبدأ واحد ، فالكل بالنسبة إليه حسب الذات والجوهر كأسنان المشط ، ولا يرى أي معنى للتمييز والتفريق وترفيع بعض وتخفيض بعض آخر ، كما لا يرى معنى لوجود أناس اتخمهم الشبع وآخرين أهلكهم الجوع والحرمان .

فهذه هي المجالات الأربعة التي للدين فيها دور وتأثير واضح ، أَفيصح

__________________

(١) لذائذ الفلسفة ، ص ٤٧٨ .

٩
 &

بعد الوقوف على هذه التأثيرات المعجبة أنْ نهمل البحث عنه ، ونجعله في زاوية النسيان ؟

غير أن هنا نكتة نلفت نظر القارىء إليها ، وهي أنَّه ليست كل عقيدة تتسم باسم الدين قادرة على خلق هذه الآثار وإبداعها ، وإنما تقدر عليها كل عقيدة دينية تقوم على أساس العقل ، وتكون واصلة إلينا عن طريق الأنبياء الصادقين ، ففي مثل تلك العقيدة نجد الحركة والحياة ، وفي غير هذه الصورة يصبح الدين عقائد خرافية تتجلى بصورة الرهبانية والميول السلبية إلى غير ذلك من الآثار السيئة التي نلمسها في العقائد الدينية التي لا تمت إلى الوحي ورجال الدين الحقيقي بصلة .

فالمفكر الغربي إذ يتهم الدّين بأَنَّه عامل التخلف والإِنحطاط ، ومضاد للتقدم والرقي ، فهو يهدف إلى أَمثال هذه العقائد الدينية .

وهناك نكتة أخرى وهي : إِنَّ الدين الحقيقي يلغي الفوارق السلبية التي لا تمت إلى أَساس منطقي بصلة ، وأَما المميزات الإِيجابية التي لا تنفكّ عن أَفراد البشر فهي غير ملغاة أَبداً ، فكما أنَّ أَصابع اليد الواحدة تختلف كل واحدة منها عن الأخرى ، كذلك أَفراد البشر يتفاوتون من حيث العقل والفكر والحركة والنشاط .

فالفوارق التي تنشأ من نفس طبيعة الإِنسان غير قابلة للحذف والتغيير ، وما يرفضه الدين ويحذفه عن مجال الحياة هو الإِمتيازات النابعة من القوة والسلطة .

إلى هنا تعرفنا على الجوانب الحقيقية للدين وحان الآن وقت التعرف على جذوره في فطرة الإِنسان .

١٠
 &

الدين والفطرة :

الإِيمان بالمبدأ والتوجه إلى ما وراء الطبيعة من الأمور الفطرية التي عجنت خلقة الإِنسان بها ، كما عجنت بكثير من الميول والغرائز .

أقول بشكل عام إِنَّ إِدراكات الإِنسان تنقسم إلى نوعين :

١ ـ الإِدراكات التي هي وليدة العوامل الخارجة عن وجود الإِنسان بحيث لولاها لما وقف الإِنسان عليها بتاتاً ، مثل ما وقف عليه من قوانين الفيزياء والكيمياء والهندسة .

٢ ـ الإِدراكات النابعة من داخل الإِنسان وفطرته من دون أن يتدخل في الإِيحاء عامل خارجي . كمعرفة الإِنسان بنفسه وإِحساسه بالجوع والعطش ، ورغبته في الزواج في سن معينة ، والإِشتياق إلى المال والمنصب في فترات من حياته . تلك المعارف ـ وإِنْ شئت سميتها بالأَحاسيس ـ تنبع من ذات الإِنسان وأَعماق وجوده . وعلماء النفس يدّعون أنَّ التوجه إلى المبدأ داخل تحت هذا النوع من العرفان .

إِنَّ علماء النفس يعتقدون بأَنَّ للنفس الإِنسانية أَبعاداً أَربعة يكون كلُّ بعد منها مبدأً لآثار خاصة .

أ ـ روح الإِستطلاع واستكشاف الحقائق ، وهذا البعد من الروح الإِنسانية خلاق للعلوم والمعارف ، ولولاه لما تقدم الإِنسان منذ أَن وجد في هذا الكوكب ، شبراً في العلوم واستكشاف الحقائق .

ب ـ حبّ الخير ، والنزوع إلى البرِّ والمعروف ، ولأَجل ذلك يجد الإِنسان في نفسه ميلاً إلى الخير والصلاح ، وانزجاراً عن الشر والفساد . فالعدل والقسط مطلوب لكل إنسان في عامة الأَجواء والظروف ، والظلم والجور منفور له كذلك ، إلى غير ذلك من الأَفعال التي يصفها كل إِنسان بالخير أو الشر ، ويجد في أَعماق ذاته ميلاً إلى الأَول وابتعاداً عن الثاني ،

١١
 &

وهذا النوع من الإِحساس مبدأُ للقيم والأخلاق الإِنسانية .

جـ ـ عشق الإِنسان وعلاقته بالجمال في مجالات الطبيعة والصناعة فالمصنوعات الدقيقة والجميلة ، واللوحات الفنية والتماثيل الرائعة تستمد روعتها وجمالها من هذا البعد .

إِنَّ كل إِنسان يجد في نفسه حبّاً أَكيداً للحدائق الغناء المكتظة بالأَزهار العطرة والأَشجار الباسقة ، كما يجد في نفسه ميلاً إلى الصناعات اليدوية المستظرفة وحبّاً للإِنسان الجميل المظهر ، وكلها تنبع من هذه الروح التي عجن بها الإِنسان ، وهي في الوقت نفسه خلّاقة للفنون في مجالات مختلفة .

د ـ الشعور الديني الذي يتأجج لدى الشباب في سن البلوغ ، فيدعو الإِنسان إلى الإِعتقاد بأَنَّ وراء هذا العالم عالماً آخر يستمد هذا العالم وجوده منه ، وأنَّ الإِنسان بكل خصوصياته متعلق بذلك العالم ويستمد منه .

وهذا البعد الرابع الذي اكتشفه علماء النفس في العصر الأَخير وأَيدوه بالإِختبارات المتنوعة مما ركز عليه الذكر الحكيم قبل قرون وأَشار إليه في آياته المباركات ، نعرض بعضها :

أ ـ ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا )(١) .

إنَّ عبارة « فِطْرَةَ الله » تفسير للفظة الدّين الواردة قبلها ، وهي تدل بوضوح على أنَّ الدّين ـ بمعنى الإِعتقاد بخالق العالم والإِنسان ، وأَنَّ مصير الإِنسان بيده ـ شيء خلق الإِنسان عليه ، وفُطر به كما خلق وفُطِر على كثير من الميول والغرائز .

__________________

(١) سورة الروم : الآية ٣٠ .

١٢
 &

ب ـ ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )(٢)

أيْ عرَّفْنا الإِنسان طريقَ الخير وطريقَ الشر . وليس المراد التعرف عليهما عن طريق الأنبياء بل تعريفهما من جانب ذاته سبحانه ، وإن لم يقع في إِطار تعليم الأَنبياء ، وذلك لأَنه سبحانه يقول قبله ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * . . .* أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) فالكل من معطياته سبحانه عند خلق الإِنسان وإبداعه .

وهذا إنْ دلّ على شيء فإنما يدل على أنَّ النظرية التي اكتشفها علماء معرفة النفس مما ركّز عليها الوحي بشكل واضح ، وحاصلها إِنَّ الدين بصورته الكليَّة أَمر فطري ينمو حسب نمو الإِنسان ورشده ، ويخضع للتربية والتنمية كما يخضع لسائر الميول والغرائز .

*        *       *

٣ ـ دور الدين في الحياة

لقد بان مما ذكرنا واقع الدين ومفهومه وأنَّه أَمر مكنون في فطرة الإِنسان ، غير أَنَّه يجب علينا أَنْ نعرف دوره في الحياة ، وأَنَّه له التأثير الكبير في حياة الإِنسان العلمية والإِجتماعية ، ولأَجل إِيقاف القارىء على تأْثير الدين في هذه المجالات الحيويَّة نشير إلى بعضها :

أ ـ الدين مبدع للعلوم :

نحن نستعرض في هذا البحث مدى تأثير النظريتين المتضادتين ( الدّين والإِلحاد ) حول نشوء العالم ، في استكشاف الحقائق والتطلع إلى

__________________

(٢) سورة البلد : الآية ١٠ .

١٣
 &

السنن السائدة فيه ، من دون جنوح ـ فعلا ـ إلى صحة إحدى الفرضيتين .

لا شك أَنَّ في تفسير العالم وتبيينه نظريتين متقابلتين لا تجتمعان أَبداً ، وسنبين فيما بعد الصحيح منهما ، غير أَنَّ الذي نركز عليه هنا هو تحديد تأْثير كل واحدة من النظريتين على تكامل العلوم ورقيها .

النظريَّة الأْولى : تعتمد على أَنَّ العالم من الذرة إلى المجرة إِبداع عقل كبير ، وموجود جميل ، غير متناه في القدرة والعلم ، فهو بعلمه وقدرته أَبدع العالم وخلقه .

النظريَّة الثانية : إِنَّ مادة العالم أَزلية ليس للعِلْم ولا القدرة ، الخارجين عنها ، أي صنع وتأْثير فيه ، فلو وجدت فيه سنن ، فإِنما هي وليدة التصادف أَو ما يشبهه من الفروض العلمية التي تشترك جميعها في القول بإِفاضة المادة الصمَّاء العمياء على نفسها السنن والقوانين .

نحن لا نريد التَّركيز على إِحدى الفرضيتين لأَن الحقيقة ستتجلى في الأَبحاث الآتية ، وإِنما نركز على معرفة أَية نظرية من النظريتين تحثّ الإِنسان على التحقيق وتثير روح البحث في نفسه ؟

هل القول بأَن عالم المادة صنع موجود غير متناه في العِلْم والقدرة ، قد أَبدع المادة وأَجرى فيها السنن والقوانين بفضل علمه وسعة قدرته ؟

أو القول بأَنَّ المادة لم تزل أَزلية وليس فيها للعِلْم والقدرة صنع ، ولو صارت ذات سنن وقوانين فإِنما هي وليدة الصّدفة أو وليدة التضاد الحاكم عليها ـ كما هو أَحد الفروض للماديين الماركسيين ـ أو ما يقرب من ذلك .

فأَي النظريتين هو المؤثر في تقدم العلوم وتكاملها ؟

لا شك أَنَّ الباحث عن الكون لو تدرَّع بالنظرية الأُولى يجد في نفسه

١٤
 &

حافزاً على التحقيق وإِحساساً بأَنَّ العالم غير منفك عن السنن والنظم ، وعليه أَنْ يتفحَّصَ عنها .

وهذا بخلاف الباحث المعتنق للنظريَّة الثانية ، لأَنَّ تحقق الصدفة أو التضاد السائد بين أَجزاء المادة ، لا يورث العِلْم بحتمية حدوث سنن وأَنظمة في داخل المادة حتى يبحث عنها الإِنسان فلا يصح للباحث عن سنن العالم والمستطلع للحقائق السائدة فيه ، أنْ يتكىء على منصة الدراسة إِلّا أَنْ يكون معتقداً بالنظريَّة الأُولى دون النظرية الثانية .

وهذا ما ادَّعيناه في صدر البحث من أَنَّ العقيدة الدينية خلاقة للعلوم وباعثة للتحقيق .

وقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أَنَّ الدين بمعنى الإِعتقاد بكون العالم مخلوقاً لعلم وقدرة ، عامل كبير في تقدم العلوم البشرية ، وأَنَّه يثير روح التعمق والتدبر في الإِنسان المحقق ، في حين إِنَّ اللادينية والإِعتقاد بأَصالة المادة وعدم اتصالها بمبدأ أقوى لا يثير شوق البحث والتحقيق .

نعم ، ها هنا سؤال ربما يخالج ذهن القارىء وهو أنَّ هناك عدة فرق من دعاة المادية ، من المكتشفين لأَسرار الطبيعية ونظمها ، فلو كان الإِلحاد يعرقل خطى التحقيق والتقدم ، فكيف وصل هؤلاء إلى ما وصلوا إليه من الكشف والتحقيق ؟

الجواب : إِنَّ هؤلاء وإِن كانوا يحملون شعار الإِلحاد ، لكنها شعارات على ألسنتهم ، وأَما قلوبهم فتخفق بخلاف ذلك ، بمعنى أَنَّهم يعتقدون في صميم قلوبهم بخضوع العالم لقوة كبرى أَجرت فيه السنن والنظم ، التي هم بصدد كشفها والتعرف عليها ، ولولا ذاك الإِيمان والإِعتقاد بخضوع العالم لتلك القوة ، لما حصل لهم الإِيمان بأَنَّ المادة ذات سنن ونظم ، أَرضها وسماءَها ، قريبها وبعيدها ، حتَّى النجوم والمجرات المتوغلة في أَعماق

١٥
 &

الكون فإِنَّ إِصرارهم على كشف النظم فرع الإِيمان بوجودها فيها ، ولا يحصل الإِيمان والإِذعان إِلّا لمن اعتقد خضوع العالم لقوة كبرى عالمة قادرة ، أَجرت فيها السنن . وإِلّا فالإِعتقاد بأَزلية المادة وكون السنن الحكيمة وليدة التصادف لا يوجب أَي إِذعان بوجود النظم في جميع أَجزاء العالم ، قريبها ونائيها .

وبعبارة أَوضح : إِنَّ كل مستكشف قبل الشروع في الإِستكشاف ذو عقيدة خاصة ، وهي أنَّ كل ذرة من ذرات هذا العالم حيّها وميتها ، قريبها وبعيدها ، مشتملة على قانون يريد هو أَنْ يستكشفه ويفرغه في قالب العِلْم ، فعندئذ نسأل من أَين حصل لهذا المكتشف هذا الإِذعان والإِعتقاد . لا بد أَنْ يكون لهذا العلم مبدأ ومصدرٌ ، فما هذا المنشأ ؟ .

فإِنْ قال : « إِني أَعتقد بأَنَّ مجموع العالم إِبداع قوة كبرى ذات علم وقدرة هائلين أَوجدت العالم بعلمها وقدرتها وحكمتها » ، لصح له أَنْ يعتقد بأَنَّ كل جزء من أَجزاء هذا العالم ذو نظام ، لأَنَّ فعل العالم القادر الحكيم لا ينفك عن النظم ولا يوجد فيه اختلال ولا اضطراب .

وإِنْ قال : « إِني أَعتقد بأَزلية المادة وأنَّ المادة الصماء صارت ذات نظام في ظل الصدقة طيلة الأَزمنة المتمادية » ، فيقال له : إِنَّ الإِعتقاد بالصدفة لا يلازم الإِذعان بالنظام مائة بالمائة بل يحتمل أَنْ يوجد هناك نظام كما يحتمل أَنْ لا يوجد .

فتفسير الإِذعان بوجود النظام مائة بالمائة عن طريق الإِعتقاد بالصدفة باطل جداً لأَنه من قبل تفسير العلم القطعي ، بشيء لا يوجد العلم بل يوجد الإِحتمال ، لأَن الإِعتقاد بالصدفة مبدأ لاحتمال وجود النظام لا الإِذعان بوجوده ، فلا بد لهذا الإِذعان من علَّة أُخرى غير الصدفة ، وليس هي إِلّا

١٦
 &

الإِعتقاد بكون الشعور والقدرة دخيلين في إِنشاء العالم وإِخراجه إلى حيز الوجود .

وإِنْ شئت أَفرغ هذا البيان بقالب منطقي وقل : لكل مكتشف قبل الإِنشغال بالكشف ، إِذعان بوجود النَّظم والسنن في هذا العالم ، وهو يريد كشفها ، هذا من جانب .

ومن جانب آخر ، إنَّ المادي يرى العامل الوحيد لظهور السنن هو الصدفة ، ولكنها ليست عاملاً مورثاً للإِذعان بل أقصى ما تورثه هو الاحتمال . مع أنَّ المستكشف يحمل العلم بالسنن لا أنه يحتمل أنْ يكون هناك سنّة ونظام .

فيجب أنْ يفسّر ذاك الإِذعان بعامل ثان وليس هو إلّا قيام العالم ، حدوثاً وبقاء ، بعلم وقدرة أزليين .

ب ـ الدّين دعامة الأخلاق

قد تعرفت على دور الدين في إثارة روح التحقيق في الإِنسان ، لكن له دوراً آخر في تركيز الأخلاق وتحكيم أصولها في المجتمع ، وإليك بيانه :

لا شك أَنَّ إقامة الأخلاق والتمسك بالقيم الأخلاقية ، لا ينفكّ عن الحرمان في بعض الأحايين وترك اللذائذ النفسانية في ظروف أُخر ، وعندئذٍ يجب أنْ نبحث عن عامل النجاح في هذا المعترك .

فمن جانب : إنَّ الإِنسان مقهور للميول النفسانية والغرائز المتعدية التي لا تعرف لنفسها حدّاً وهي تريد أنْ تفجر أمامها ، وتنال كل لذيذ وملائم ، وافق القيم أمْ خالفها ، وهذا شيء يحسه كل إنسان في كثير من فترات حياته .

١٧
 &

ومن جانب آخر : إنَّ الفطرة الإِنسانية توحي إلى صاحبها بحفظ القيم والعمل بالأخلاق كما أنَّ علماء التربية يوصون بذلك . وعند ذلك يجد الإِنسان في نفسه صراعاً عنيفاً بين ميوله ، فلا بد لنجاحه في هذا المعترك من عامل يرجح كفّة الفطرة الإِنسانية الموحية بحفظ الأخلاق والعمل بالقيم ، فما هو هذا العامل خصوصاً في الفترات التي يغيب فيها الرقيب ، وتنام فيها العيون ، ولا يسأل الإِنسان عما يفعل ؟ .

هنا يتجلى الدّين بصورة عامل قوي يرجح كفة الأخلاق ، ويوحي للإِنسان بالعمل بالقيم وكبح جماح الغرائز ، لأن المتديّن يعتقد بأنَّ كل ما يعمل من خير وشرّ في هذه الدنيا ، سيحاسبه الله سبحانه عليه بأشد الحساب وأدقّه ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ )(١) .

وهذا بخلاف ما إذا كان ملحداً ولم يعتقد بكتاب ولا حساب لا في الحياة ولا بعدها فلا يرى في معترك صراع الغرائز وتنازعها في كيانه رادعاً عن نقض الحدود وتجاهل القيم غير عنصر ضعيف التأثير يُدعى بالفطرة الإِنسانية ، التي سرعان ما تتقهقر أمَام طوفان الشَّهوات ، والنَّزوات .

وهذا شيء ملموس لا نطيل الكلام فيه .

ج ـ الدّين حصن منيع في خضمّ متقلبات العَالَم

إنَّ الحياة في هذا الكوكب حليفة التعب والوصب ، والإِنسان يعيش في السرَّاء والضرَّاء ، يفقد الأعزة ويواجه البلايا والنوازل إلى غير ذلك من الملمّات المؤلمة القاصمة للظهر ، فما هي السلوى في مواجهة علقم الحياة وحنظلها ؟ .

__________________

(١) سورة يونس : الآية ٦١ .

١٨
 &

أقول إنَّ الدّين هو السلوى الكبرى التي تجعل الإِنسان جبلاً راسخاً تجاه الحوادث المؤلمة غير متزعزع في البلايا ولا متزلزل عن الكوارث ، لماذا ؟ لوجهين :

أما أولاَ فإنه يعتقد أنَّ ما يجري في الكون من خير وشر ، فهو من مظاهر مشيئة الخالق الحكيم الذي لا يصدر منه شيء إلّا عن حكمة ولا يفعل إلّا عن مصلحة ، فهذه الكوارث ، مرّة ظواهرها ، حلوة بواطنها ، وإنْ كان الإِنسان لا يشعر بذلك في ظرف المصيبة والابتلاء ، ولكنه يقف عليه بعد كشف الغطاء وانجلاء الحقائق .

وثانياً فإنَّ الإِنسان إذا صبر تجاه المصائب واستقبلها بصدر رحب ووجه مشرق يكون مأجوراً عنده سبحانه بصبره وثباته واستقامته ، ورضاه بتقديره وقضائه قال سبحانه : ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )(١) . فعند ذلك يتجلى الدّين كدواء يسكّن الآلام ويخفّف المصائب ، بل ربما يستقبلها ببشاشة وانشراح ، غير أنَّ المادي في ذاك المجال فاقد البلسم لجراحات حياته ، وفاقد الدواء لاضطراباته ، لأنه لا يعتقد بأن وراء المادة عالماً يحشر فيه الإِنسان ، ويثاب بصبره ، ويؤجر بأعماله فهو يعتقد بأنَّ دائرة الكون محدودة بالمادة ، يبدأ منها وينتهي إليها ، فلا مناص منها إلّا إليها ، وهي صماء وعمياء لا تقدر على تسكين جروح الإِنسان وترفيه روحه ، فلأجل ذلك نرى الانتحار شائعاً بين تلك الزمرة ، عند المصائب ، وأما الزمرة المؤمنة بالحياة الأُخروية ، فيستقلّون آلام المصائب عند حلولها ويسلّون أنفسهم بالصبر والثَّواب على خلاف الماديّين حيث يستكثرونها ويستسلمون أمامها .

__________________

(١) سورة البقرة : الآيات ١٥٥ ـ ١٥٧ .

١٩
 &

فلو صحَّ لنا تشبيه المعقول بالمحسوس وإفراغ المعاني العالية في قوالب حسية ضيقة ، فلا عتب علينا إذا قلنا بأن الدين تجاه التيارات المؤلمة القاصمة للظهر ، الموجبة للإِنفجار ، كصمام الأمان في المسخّنات البخارية التي لم يزل بخارها يزداد حيناً بعد حين ، فلو لا صمام الأمان الذي يوجب تسريح البخار الزائد ، لانفجر المسخن في المعمل وأورث القتل الذريع والحرق الفظيع ، وقد اعتذرنا عن هذا المثال بأنه من باب تشبيه المعقول بالمحسوس .

*        *       *

٤ ـ المعرفة المعتبرة

إِنَّ الخطوة الأولى لفهم الدّين هي الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه . فالدّين الواقعي لا يعتبر كل معرفة حقاً قابلاً للاستناد ، بل يشترط فيها الشروط التالية :

أ ـ المعرفة القطعية التي لا تنفكّ عن الجزم والإِذعان ورفض المعرفة الظنّية والوهميّة والشكّية ، قال سبحانه :

( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)(١) . ترى أنَّ الآية ترفض كل معرفة خرجت عن إطار العِلْم القطعي ، ولأجل ذلك يَذمّ في كثير من الآيات اقتفاءَ سنن الآباء والأجداد ، اقتفاء بلا دليل واضح ، وبلا عِلْم بصحته وإتقانه ، يقول سبحانه : ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ )(٢) .

__________________

(١) سورة الأسراء : الآية ٣٦ .

(٢) سورة الزخرف : الآيتان ٢٢ ـ ٢٣ .

٢٠