الدّارس في تاريخ المدارس - ج ٢

عبد القادر بن محمّد النعيمي الدمشقي

الدّارس في تاريخ المدارس - ج ٢

المؤلف:

عبد القادر بن محمّد النعيمي الدمشقي


الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٥٦
  نسخة غير مصححة

غالب إقامته بجامع دنكز ، وقيل إنه كان ينتظر أن يحصل منه له شيء ، فمات بدمشق في خامسه أو سادسه ، وكان عاريا من العلم جدا ، ولسانه ثقيل جدا لا يكاد يفهم كلامه ، وقيل إنه كان عفيفا في القضاء ، ولما مات وجد له شيء من الدنيا ولم يظهر فقيرا على ما كان يظن به ، وقد غلب عليه الشيب انتهى. وقال في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وثمانمائة وممن توفي في هذا الشهر : جلال الدين محمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد ابن الفقيه تقي الدين عبد الله بن شمس الدين المعروف والده بابن التقي الحنبلي توفي والده في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وهذا صغير ، فكتب باسمه واسم أخيه الكبير تدريس الحنبلية وغيره ، ثم اخرج عنهما تدريس الحنبلية واشتغل هذا يسيرا ، وناب عن أخيه في قضاء طرابلس مدة ، وكان عنده سذاجة وانجماع عن الناس ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم الاثنين سادسه بقرية المنصورة وقف الحنابلة ، خرج أبو القاسم فمات هناك شبه الفجأة ودفن هناك انتهى. ثم ولي تدريسها ونظرها قاضي القضاة برهان بن مفلح وقد مرت ترجمته في المدرسة الجوزية. فوائد :

الأولى : قال الأسدي رحمه‌الله تعالى في ترجمة الحافظ ، عبد القادر الرهاوي ، في سنة اثنتي عشرة وستمائة وكتب بخطه الكثير من الكتب والأجزاء ، وأقام بدمشق بمدرسة ابن الحنبلي مدة حتى نسخ تاريخ ابن عساكر بخطه انتهى. وبسط ترجمته وفيها فوائد كثيرة.

الثانية : سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى ابن خليل البغدادي الازجي الفقيه المحدث ، رحل إلى دمشق فقرأ صحيح البخاري على الحجار بالحنبلية ، وحضر قراءته الشيخ تقي الدين بن تيمية وخلق كثير ، توفي مطعونا في طريق الحج قبل دخوله إلى الميقات ، ودفن بتلك المنزلة ومعه نحو خمسين نفسا سنة تسع وأربعين وسبعمائة ، لخصته من طبقات الحنابلة لابن مفلح رحمه‌الله تعالى.

الثالثة : الوقف عليها البستان والحصة في الحولة والأرض في جهة حلبون

٦١

وعسال. قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه ومن خطه رحمه‌الله تعالى نقلت في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وفي يوم الاثنين سادس عشر رجب توفي الشيخ شعيب بن ميكائيل بن عبد الله التركماني الجاكيري ، وصلي عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق ، ودفن بمقبرة باب الصغير ، وكان موته رحمه‌الله تعالى بالمارستان ، ومولده تقريبا في سنة ثمان وأربعين وستمائة ، وسمع بقراءتي صحيح البخاري وكان رجلا مباركا حنبليا صالحا ، وكان تاجرا في الكتب مدة ، ثم ضعف وعجز عن الحركة واشترى بما كان معه ملكا ووقفه على نفسه ثم على المدرسة الحنبلية.

١٤٧ ـ المدرسة الصاحبية

بسفح قاسيون من الشرق ، قال ابن شداد رحمه‌الله انشأ ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب بجبل الصالحية انتهى. قال الذهبي رحمه‌الله تعالى في العبر في سنة ثلاث وأربعين : اتصل مظفر الدين بخدمة السلطان صلاح الدين وتمكن منه ، وتزوج بأخته ربيعة واقفة المدرسة الصاحبة وأخت العادل أيضا ، وقد نيفت على الثمانين ، ودفنت بمدرستها بالجبل. توفيت رحمها الله تعالى في شعبان منها انتهى. وقال ابن كثير رحمه‌الله تعالى في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة : الامير الكبير سعد الدين مسعود بن معين الدين أنر ، كان من الأمراء الكبار ايام نور الدين رحمه‌الله تعالى ، وصلاح الدين رحمه‌الله تعالى أيضا ، وهو أخو الست خاتون ، وحين تزوجها صلاح الدين زوجه بأخته ست ربيعة بنت أيوب التي تنسب إليها المدرسة الصاحبية بالسفح على الحنابلة ، وقد تأخرت وفاتها فتوفيت في سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، وكانت آخر من بقي من أولاد أيوب لصلبه انتهى. وقال في سنة ثلاث وأربعين وستمائة المذكورة : الخاتون ربيعة خاتون ، واقفة الصاحبة بقاسيون بنت ايوب اخت السلطان صلاح الدين ، زوجها أخوها أوّلا بالأمير سعد الدين مسعود بن معين الدين أثر ، وتزوج هو بأخته عصمة الدين خاتون ، التي كانت زوجة الملك نور الدين رحمه‌الله تعالى. لها الخاتونية الجوانية

٦٢

والخانقاه ، ثم لما مات الأمير سعد الدين زوجها من الملك مظفر الدين صاحب إربل ، فأقامت عنده بإربل أزيد من اربعين سنة حتى مات ، ثم قدمت دمشق فسكنت في دار العقيقي هي دار أبيها أيوب حتى كانت وفاتها في هذه السنة وقد جاوزت الثمانين ، ودفنت بقاسيون ، وكان في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الصالح الحنبلي وكانت فاضلة لها تصانيف ، وهي التي أرشدتها إلى وقف المدرسة الصاحبة بقاسيون على الحنابلة انتهى. وسيأتي في المدرسة العالمة أنها صودرت لأجلها.

وقال الصفدي رحمه‌الله تعالى في حرف الراء : ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب بن شادي اخت الناصر والعادل ، تزوجت بالأمير سعد الدين مسعود ابن الأمير معين الدين أنر ، فلما مات تزوجت بالملك المظفر صاحب إربل ، فبقيت عنده بإربل فلما مات قدمت إلى دمشق وفي خدمتها العالمة أمة اللطيف بنت الناصح بن الحنبلي ، فأحبتها وحصل لها من حبها أموال عظيمة وأشارت عليها ببناء المدرسة الصاحبة بسفح قاسيون ، فبنتها ووقفتها على الناصح والحنابلة ، وتوفيت بدمشق سنة ثلاث وأربعين وستمائة في دار العقيقي التي صيرت المدرسة الظاهرية ، ودفنت بمدرستها تحت القبور ، ولقيت العالمة بعدها شدائد من الحبس ثلاث سنين بالقلعة والمصادرة ، ثم تزوج بها الأشرف صاحب حمص ابن المنصور (١) ، وسافر بها إلى الرحبة وتوفيت هناك سنة ثلاث وخمسين وستمائة ، ولربيعة عدة محارم سلاطين ، وهي اخت ست الشام الآتي ذكرها إن شاء الله في حرف السين انتهى. واستولى الصاحب معين الدين ابن الشيخ على موجودها فلم يمنع وعاش بعدها ايام قلائل.

وقال ابن خلكان رحمه‌الله تعالى : كانت وفاتها بدمشق ، وغالب ظني أنها جاوزت ثمانين سنة ، وأدركت من محارمها الملوك من اخوتها وأولادهم أكثر من خمسين رجلا ، فإن إربل كانت لزوجها مظفر الدين والموصل لأولاد ابنها ،

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ٣١١.

٦٣

وخلاط وتلك الناحية لابن أخيها ، وبلاد الجزيرة الفراتية للأشرف ابن أخيها ، وبلاد الشام لأولاد إخوتها ، والديار المصرية والحجازية واليمن لأخوتها وأولادهم. قالت أنا مثل عاتكة بنت يزيد بن معاوية رحمه‌الله تعالى زوجة عبد الملك بن مروان وسيأتي ذكرها في حرف العين انتهى. ثم قال ابن شداد رحمه‌الله تعالى : أول من ذكر بها الدرس ناصح الدين الحنبلي ثم من بعده ولده سيف الدين يحيى إلى أن توفي ، وناب عنه فيها صفي الدين خليل المراغي (١) ، حين توجه إلى بغداد ، وابن أخيه شرف الدين محمد بن علي بن عبد الله ابن الشيخ ناصح الدين وبقيت على أولاده وينوب عنهم فيها الشيخ تقي المعروف بابن الواسطي (٢) وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. وقال ابن كثير رحمه‌الله تعالى في تاريخه سنة ثمان وعشرين وستمائة : وفيها درس الناصح الحنبلي بالصاحبة بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة بنت أيوب أخت ست الشام أه. زاد الأسدي في سنة ثمان وعشرين المذكورة : ودرس بالصاحبة الناصح بن الحنبلي في شهر رجب ، وكان يوما مشهورا ، وحضرت الواقفة وراء الستر انتهى. ثم قال ابن كثير في سنة أربع وثلاثين وستمائة : والناصح بن الحنبلي في ثالث المحرم توفي الشيخ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج الشيرازي ، وهم ينتسبون إلى سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه ، ولد الناصح سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، وقرأ القرآن وسمع الحديث ، وكان يعظ في بعض الأحيان ، وقد ذكر انه وعظ في حياة الحافظ عبد الغني (٣) وهو أول من درس بالصاحبية التي بالجبل وله تصانيف ، وقد اشتغل على ابن المني ببغداد ، وكان فاضلا ، وكانت وفاته بالصالحية ودفن هناك انتهى. وقد مرت له ترجمة في المدرسة الحنبلية من كلام الذهبي وغيره ، ومرت ترجمة يحيى ابنه فيها أيضا.

وقال الذهبي في سنة اثنتين وتسعين وستمائة : وابن الواسطي العلامة الزاهد

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ٣٩٠.

(٢) شذرات الذهب ٥ : ٤١٩.

(٣) شذرات الذهب ٤ : ٣٤٥.

٦٤

القدوة مسند الوقت تقي الدين أبو إسحاق ابراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الصالحي الحنبلي ، ولد سنة اثنتين وستمائة ، وسمع من ابن الحرستاني وابن البنا وطائفة ، ورحل إلى بغداد ، وسمع من الفتح ابن عبد السلام (١) وطبقته ، وأجاز له ابن طبرزد وأبو الفخر أسعد (٢) وخلق ، وتفقه وأتقن المذهب ودرس بالصاحبية ، وكان فقيها زاهدا ، عابدا ، مخلصا ، قانتا ، صاحب جد وصدق ، وقول بالحق ، وله هيبة بالنفوس ، توفي رحمه‌الله تعالى في يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة ، ودفن بالروضة انتهى. وقال ابن كثير في تاريخه في سنة اثنتين وتسعين المذكورة : الشيخ تقي الدين الواسطي أبو إسحاق ابراهيم بن علي بن احمد بن فضل الواسطي ثم الدمشقي الحنبلي تقي الدين شيخ الحديث بالظاهرية بدمشق ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم الجمعة آخر النهار رابع عشرين جمادى الاخرة عن تسعين سنة ، وكان رجلا صالحا ، انفرد بعلو الرواية ، ولم يخلف بعده مثله ، وتفقه ببغداد ، ثم رحل إلى الشام ، ودرس بالصاحبية عشرين سنة ، وبمدرسة أبي عمر رحمه‌الله تعالى ، وولي في آخر عمره مشيخة الحديث في الظاهرية بدمشق بعد سفر الفاروثي وكان داعية الى مذهب السلف والصدر الأول ، وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وكان من خيار عباد الله تعالى. وقد درس بعده بالصاحبة الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القوي المرداوي ، وبدار الحديث الظاهرية شرف الدين عمر بن الخواجا المعروف بالناسخ (٣) انتهى. وابن عبد القوي المذكور ، قال ابن مفلح : محمد بن عبد القوي ابن بدران بن عبد الله المقدسي الفقيه المحدث شمس الدين أبو عبد الله ، سمع من خطيب مردا ، وعثمان ابن خطيب القرافة ، وابن عبد الهادي (٤) وغيرهم ، وطلب وقرأ بنفسه ، وتفقه على الشيخ شمس الدين بن ابي عمر ، ودرس وأفتى وصنف ، وولي تدريس الصاحبة بعد ابن الواسطي مدة ، فتخرج به جماعة ، وممن قرأ عليه العربية الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وله تصانيف ، وحدث وروى عنه

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ١١٦.

(٢) شذرات الذهب ٥ : ٢٤.

(٣) شذرات الذهب ٦ : ٤.

(٤) شذرات الذهب ٥ : ٢٩٣.

٦٥

اسماعيل بن الخباز في مشيخته ، توفي رحمه‌الله تعالى في ثاني عشر شهر ربيع الاول سنة تسع وتسعين وستمائة ، ودفن بسفح قاسيون انتهى. وقال الذهبي في ذيل العبر في سنة عشر وسبعمائة : ومات بالصالحية قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حسن (١) بن أبي موسى ابن الحافظ المقدسي مدرس الصاحبية الذي انتزع القضاء من تقي الدين سليمان بن حمزة ، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر وأعيد تقي الدين ، روى عن ابن عبد الدائم ، وعاش أربعا وخمسين سنة انتهى. وقد مرت ترجمته بأطول من هذه في المدرسة الجوزية. وقال الحافظ شمس الدين الحسيني في ذيل العبر في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة : ومات بدمشق في شعبان شيخنا الامام الثقة الخير المعمر شمس الدين أبو المظفر يوسف بن يحيى بن عبد الرحمن بن نجم بن الحنبلي الشيرازي الأصل الصالحي الحنبلي ، حدث عن أبيه والشيخ شمس الدين وطائفة ، ودرس بالمدرسة الصاحبية بالجبل وله خمس وستون سنة ، وكان عبدا صالحا انتهى. ثم درس بها العلامة الشيخ أقضى القضاة شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني صاحب كتاب الفروع ، وذكر له ابن حفيده في طبقاته ترجمة طويلة فلتراجع. قال الحسيني في ذيله : في سنة ثلاث وستين وسبعمائة وفي شهر رجب مات بالصالحية القاضي الامام العالم العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الصالحي الحنبلي عن إحدى وخمسين سنة ، أفتى ودرس وناظر وصنف وأفاد ، وناب في الحكم عن حميه قاضي القضاة جمال الدين المرداوي ، فشكرت سيرته وأحكامه ، وكان ذا حظ من زهد وتعفف وصيانة وورع تحسين ودين متين حدث عن عيسى المطعم وغيره انتهى. ثم درس بها شيخ الحنابلة برهان الدين ابراهيم بن محمد بن مفلح صاحب الميعاد بالجامع الأموي بمحراب الحنابلة بكرة نهار السبت ، يسرد فيه على ما يقال نحو مجلد صغير ، ويحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب ، وقد مرت ترجمته في المدرسة الجوزية. فوائد :

__________________

(١) شذرات الذهب ٦ : ٢١.

٦٦

(الأولى) قال الصفدي : محمد بن غازي الموصلي يعرف بالفقاعي شر بدار الست ربيعة خاتون أخت العادل ، له شعر توفي سنة تسع وعشرين وستمائة انتهى.

(الثانية) قال الذهبي في العبر : في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة مات بمصر المحدث الامام تاج الدين أبو القاسم عبد الغفار بن محمد بن عبد الكافي السعدي الشافعي في شهر ربيع الأول عن اثنتين وثمانين سنة ، سمع ابن عزون والنجيب (١) وعدة ، وخرج التساعيات وأربعين مسلسلات ، وطلب وكتب الكثير ، وتميز وأتقن ، وولي مشيخة الصاحبة ، وأفتى ونسخ نحوا من خمسمائة مجلد ، وخرج لشيوخ. انتهى. وقال تلميذه ابن كثير فيها : القاضي الإمام العالم المحدث تاج الدين أبو القاسم عبد الغفار بن محمد بن عبد الكافي بن عوض بن سنان بن عبد الله السعدي الفقيه الشافعي ، سمع الكثير ، وخرج لنفسه معجما في ثلاثة مجلدات ، وقرأ بنفسه الكثير ، وكتب الخط الجيد ، وكان متقنا عارفا بهذا الشأن يقال إنه كتب بخطه نحوا من خمسمائة مجلد وقد كان شافعيا مفننا ، ومع هذا ناب في وقت عن القاضي الحنبلي ، وولي مشيخة الحديث بالمدرسة الصاحبة ، وتوفي رحمه‌الله تعالى في مصر في مستهل ربيع الأول عن اثنتين وثمانين سنة انتهى.

(الثالثة) الذي علم الآن من وقفها غالب قرية جبة عسال ، والبستان الذي تحت المدرسة والطاحون وحاكورة ، غالب تلك الحارة جوارها انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٤٨ ـ المدرسة الصدرية

قال عز الدين الحلبي رحمه‌الله تعالى : واقفها صدر الدين بن منجا (٢) قال الذهبي في العبر فيمن مات في سنة سبع وخمسين وستمائة : والصدر بن المنجا واقف المدرسة الصدرية الرئيس أبو الفتح اسعد بن عثمان ابن وجيه الدين

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ٣٣٦.

(٢) شذرات الذهب ٥ : ٨٨ م.

٦٧

أسعد بن المنجا التنوخي الحنبلي المعدل ، ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة ، روى عن ابن طبرزد ، وتوفي في شهر رمضان ودفن بمدرسته انتهى. وقال تلميذه ابن كثير في سنة سبع المذكورة : واقف الصدرية الرئيس صدر الدين أسعد بن المنجا بن بركات بن مؤمل التنوخي المصري ثم الدمشقي الحنبلي ، أحد المعدلين ذوي الأموال والمروات والصدقات الدارة البارة ، وقف مدرسة للحنابلة وقبره بها إلى جانب تربة القاضي جمال الدين المصري في رأس درب الريحان من ناحية الجامع المبرور وقد ولي نظر الجامع المبرور مدة ، وقد استجد أشياء كثيرة منها سوق النحاسين قبلي الجامع ، ونقل الصاغة الى مكانها الآن ، وقد كانت قبل ذلك حيث يقال لها الصاغة العتيقة ، وجدد الدكاكين التي بين أعمدة باب الزيادة وثمر للجامع أموالا كثيرة جزيلة ، وكانت له صدقات كثيرة ، وذكر عنه أنه كان يعمل صنعة الكيمياء ، وإنه صح معه عمل الفضة ، وعندي أن هذا لا يصح عنه والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب انتهى. وقال الصفدي : عثمان بن أسعد بن المنجابن بركات الأجل عز الدين أبو عمرو وأبو الفتح التنوخي الدمشقي الحنبلي ، والد زين الدين بن المنجا ووجيه الدين محمد ، وصدر الدين أسعد ، واقف المدرسة الصدرية بدمشق ، ولد بمصر ، وسمع من البوصيري وغيره ، وكان ذا مال وثروة ، توفي سنة احدى وأربعين وستمائة انتهى. وقال شيخنا أبن مفلح في طبقات الحنابلة : أسعد بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي : ثم الدمشقي ، قال الذهبي : كان رئيسا محتشما متمولا ، ووقف داره مدرسة تسمى الصدرية على الحنابلة ، ووقف عليها ، ودفن رحمه‌الله تعالى بها. سمع من حنبل وابن طبرزد ، روى عنه الدمياطي ، وابن الخباز ، وولي نظر جامع بني أمية مدة ، وثمر له أموالا كثيرة ، وهو الذي استجد الدكاكين التي بسوق باب الزيادة بين العواميد من الجهتين ، وبنى في حائط الجامع القبلي حوانيت النحاسين ، وله آثار حسنة. مات رحمه‌الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع وخمسين وستمائة انتهى. ثم قال عز الدين الحلبي أول من درس بها وجيه الدين ثم أخوه ابن المنجا نيابة عن ولد أخيه صدر الدين ثم من بعده ولد وجيه الدين وهو مستمر بها إلى الآن انتهى.

٦٨

وقال ابن كثير في تاريخه في سنة ثمان وثمانين وستمائة : الشيخ فخر الدين أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي ، شيخ دار الحديث النورية ومشهد ابن عروة ، وشيخ الصدرية ، كان يفتي ويفيد الناس مع ديانة وصلاح وعبادة وزهادة ، ولد سنة احدى عشرة وستمائة ، وتوفي في شهر رجب منها انتهى. وقال الحافظ شمس الدين الحسيني في ذيل العبر في سنة أربعين وسبعمائة : ومات بظاهر دمشق الحافظ الامام العلامة ذو الفنون شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الصالحي الحنبلي ولد سنة خمس وسبعمائة ، وسمع أباه القاضي تقي الدين سليمان وأبا بكر بن عبد الدايم وهذه الطبقة ، ولازم الحافظ المزي فأكثر عنه وتخرج به ، واعتنى بالرجال والعلل ، وبرع وجمع وصنف ، وتفقه بشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ، وكان من جملة أصحابه ، ودرس بالمدرسة الصدرية ، وولي مشيخة الضيائية والصبابية ، وتصدر للاشغال والافادة ، وكان رأسا في القراآت والحديث والفقه والتفسير والأصلين والعربية واللغة وتخرج به خلق ، وروى الذهبي عن المزي عن السروجي عنه ، توفي يوم الاربعاء عاشر جمادى الاولى ، وسمعت شيخنا الذهبي يقول يومئذ بعد دفنه : والله ما اجتمعت به قط الا استفدت منه رحمهم‌الله تعالى انتهى. وقال ابن مفلح في طبقاته : ابراهيم بن محمد بن ابي بكر بن أيوب الشيخ العلامة برهان الدين ابن الشيخ المفنن شمس الدين المعروف بابن القيم ، حضر على أيوب ابن نعمة النابلسي (١) ، ومنصور بن سليمان البعلي وسمع من ابن الشحنة ، واشتغل في أنواع العلوم ، وأفتى ودرس وناظر ، وذكره الذهبي في معجمه المختص وقال : تفقه بأبيه ، وشارك بالعربية ، وسمع وقرأ وتنبه ، وأسمعه أبوه بالحجاز ، وطلب بنفسه ، وقال ابن رافع طلب الحديث ، وأفتى وتفقه ، واشتغل بالعربية ودرّس بالصدرية ، زاد ابن كثير والتدمرية ، وله تصدير بالجامع الأموي ، وخطابة جامع خليخان يعني بالقراونة ، وشرح ألفية ابن مالك وسماه (ارشاد السالك الى حل ألفية ابن مالك). قال شيخنا قاضي القضاة تقي الدين ابن قاضي شهبة : وكان له

__________________

(١) شذرات الذهب ٦ : ٩٣.

٦٩

أجوبة مسكتة ، وقد وقع بينه وبين ابن كثير في بعض المحافل فقال له ابن كثير : انت تكرهني لأني أشعري فقال له : لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس انك أشعري ، توفي يوم الجمعة مستهل صفر سنة سبع وستين وسبعمائة ببستانه بالمزة ، وصلي عليه بجامع المزة ، ثم صلي عليه بجامع جراح ، ودفن عند أبيه بباب الصغير ، وحضر جنازته القضاة والأعيان ، وكانت جنازته حافلة. قال ابن كثير : بلغ من العمر ثماني واربعين سنة فترك مالا كثيرا يقارب مائة ألف درهم انتهى ، وقال في المحمدين : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعيد الزرعي ثم الدمشقي الفقيه الأصولي المفسر النحوي الصادق شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية سمع من القاضي تقي الدين سليمان وفاطمة بنت جوهر وعيسى المطعم وأبي بكر بن عبد الدايم وجماعته ، وتفقه في المذهب وأفتى ، ولزم الشيخ تقي الدين ، وأخذ عنه وتفنن في علوم شتى ، وكان عارفا عالما بالتفسير وبأصول الدين والفقه ، وله اعتناء بعلم الحديث والنحو وعلم الكلام والسلوك ، وقد اثنى عليه الذهبي ثناء كثيرا. وقال برهان الدين الزرعي : ما تحت اديم السماء أوسع علما منه ، ودرس بالصدرية وغيرها ، واوقف كتبا حسانا في علوم شتى توفي في ليلة الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة احدى وخمسين وسبعمائة ، وصلي عليه من الغد بالجامع الأموي ، ودفن رحمه‌الله تعالى بمقبرة باب الصغير ، وشيعه خلق كثير ، ورؤيت له منامات حسنة انتهى. وقال فيها عبد الله ابن محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الأصلي ثم الدمشقي الفقيه الفاضل المحصل جمال الدين ابن الشيخ العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية الخطيب بجامع سليمان وهو أول من خطب به. قال ابن كثير : وكان لديه علوم جيدة ، وذهن حاضر حاذق ، أفتى ودرس وناظر وحج مرات ، وكان أعجوبة زمانه وتوفي رحمه‌الله تعالى يوم الأحد رابع عشر شعبان سنة ست وخمسين وسبعمائة وكانت جنازته حافلة انتهى. وقال فيها : عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي ، الشيخ القدوة أبو الفرج زين الدين الزرعي ثم الدمشقي أخو الشيخ شمس الدين بن القيم ، وسمع من أبي بكر

٧٠

ابن عبد الدائم ، وعيسى المطعم ، والحجار ، وحدث ، قاله ابن رافع. وذكره ابن رجب في مشيخته وقال : سمعت عليه كتاب (التوكل) لابن أبي الدنيا بسماعه على الشهاب العابر وتفرد بالرواية عنه ، توفي رحمه‌الله تعالى ليلة الأحد حدثا من عشرين ذي الحجة سنة تسع وستين وسبعمائة ، وصلي عليه من الغد بجامع دمشق ، ودفن بباب الصغير انتهى. وقال اسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب الشيخ الإمام الخطيب عماد الدين أبو الفدا ابن الشيخ زين الدين الزرعي الأصلي الدمشقي المعروف بابن القيم وابن قيم الجوزية هو أبو بكر. قال الشيخ شهاب الدين بن حجي. كان رجلا حسنا ، اقتنى كتبا نفيسة وهي كتب عمه الشيخ شمس الدين محمد ، وكان لا يبخل بعاريتها ، وكان خطيب جامع خليخان ، وأخذ الخطابة بعده القاضي برهان الدين بن العماد ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم السبت خامس عشر شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبعمائة والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى.

١٤٩ ـ المدرسة الضيائية المحمدية

بسفح قاسيون شرقي الجامع المظفري ، قال ابن شداد : بانيها الفقيه ضياء الدين محمد بجبل الصالحية انتهى. قال الذهبي في تاريخه العبر فيمن مات في سنة ثلاث وأربعين وستمائة : والشيخ الضياء أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي الحافظ احد الأعلام ، ولد سنة سبع وستين وخمسمائة وسمع من الخضر بن طاووس (١) وطبقته بدمشق ومن ابن المعطوش وطبقته ببغداد ، ومن ابن البوصيري وطبقته بمصر ، ومن أبي جعفر الصيدلاني وطبقته بأصبهان ، ومن أبي الروح والمؤيد وطبقتهما بخراسان ، وافنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين ، والورع ، والفضيلة التامة ، والثقة والاتقان ، انتفع الناس بتصانيفه ، والمحدثون بكتبه ، توفي رحمه‌الله تعالى في السادس والعشرين جمادى الآخرة انتهى. وقال تلميذه ابن كثير في تاريخه : الحافظ ضياء الدين محمد المقدسي صاحب الأحكام

__________________

(١) شذرات الذهب ٤ : ٢٦١.

٧١

هو محمد بن عبد الواحد بن احمد بن عبد الرحمن المقدسي سمع الحديث الكثير ، وكتب كثيرا ، ورحل وطاف وجمع وصنف ، والف كتبا مفيدة ، حسنة ، كثيرة الفوائد من ذلك (كتاب الأحكام) ولم يتمه ، (وكتاب الأحاديث المختارة) وفيه علوم حسنة مفيدة حديثية ، وهي أزيد وأجود من مستدرك الحاكم لو كملت وله (فضائل الأعمال) وغير ذلك من الكتب الحسنة ، الدالة على كثرة حفظه واطلاعه وتضلعه من علم الحديث متنا وإسنادا. وكان في غاية العبادة والزهادة والورع ، وقد وقف كتبا كثيرا بخطه بخزانة المدرسة الضيائية التي وقفها على أصحابهم من أهل الحديث والفقهاء ، وقد وقف عليها أوقافا أخر كثيرة بعد ذلك انتهى. وقال الصفدي في تاريخه في المحمدين : الحافظ ضياء الدين المقدسي محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل الحافظ الحجة الامام ضياء الدين أبو عبد الله السعدي المقدسي الصالحي صاحب التصانيف ، ولد بالدير المبارك سنة سبع وستين وخمسمائة ، لزم الحافظ عبد الغني وتخرج به وحفظ القرآن ، وتفقه ، ورحل أولا الى مصر سنة خمس وتسعين ورحل الى بغداد بعد موت ابن كليب ومن هو أكبر منه ، وسمع من ابن الجوزي الكثير بهمدان ، ورحل ثم رجع إلى دمشق بعد الستمائة ، ثم رحل الى اصفهان فأكثر فيها وتزيد وحصل أشياء كثيرة من المسانيد والأجزاء ، ورحل الى نيسابور فدخلها ليلة وفاة الفراوي (١) ، ورحل الى مرو ، وسمع بحلب المحروسة وحران والموصل ، وقدم دمشق بعد خمسة أعوام بعلم كثير ، وحصل أصولا نفيسة فتح الله بها عليه هبة وشراء ونسخا ، وسمع بمكة المشرفة ، ولزم الاشتغال لما رجع وأكب على التصنيف والنسخ ، وأجاز له السلفي ، وشهدة ، وأحمد بن علي الناعم ، وأسعد بن يلدك (٢) وتجنى الوهبانية (٣) وابن شاتيل وعبد الحق اليوسفي (٤) وأخوه عبد الرحيم (٥) وعيسى الدوشابي (٦) ومحمد بن نسيم العيشوني (٧) ، ومسلم بن ثابت

__________________

(١) شذرات الذهب ٤ : ٢٦١.

(٢) شذرات الذهب ٥ : ٣٤.

(٣) شذرات الذهب ٤ : ٢٥٠.

(٤) شذرات الذهب ٤ : ٢٥١.

(٥) شذرات الذهب ٤ : ٢٤٨.

(٦) شذرات الذهب ٤ : ٢٥٢.

(٧) شذرات الذهب ٤ : ٢٤٩.

٧٢

النحاس (١) ، وأبو شاكر السفلاظوني (٢) ، وابن بري النحوي ، وأبو الفتح الخرقي (٣) ، وخلق كثير.

قال الشيخ شمس الدين : سمعت الحافظ أبا الحجاج المزي وما رأيت مثله يقول : الشيخ الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني ولم يكن في وقته مثله ، ومن تصانيفه كتاب (الأحكام) يقرب قليلا ثلاث مجلدات و (فضائل الأعمال) مجلد و (الأحاديث المختارة) خرج منها تسعين جزءا وهي الأحاديث التي تصلح أنه يحتج بها سوى ما في الصحيحين خرجها من مسموعاته و (فضائل الشام) ثلاثة أجزاء و (فضائل القرآن) جزء وكتاب (صفة الجنة) وكتاب (صفة النار) و (مناقب اصحاب الحديث) و (النهي عن سب الصحابة) و (سير المقادسة كالحافظ عبد الغني والشيخ الموفق والشيخ أبي عمر وغيرهم) رحمهم‌الله تعالى في عدة مجلدات ، وله تصانيف كثيرة في اجزاء عديدة ، وبنى مدرسة على باب الجامع المظفري وأعانه عليها بعض أهل الخير ، وجعلها دار حديث ، وان يسمع فيها جماعة من الصبيان ووقف بها كتبه واجزاءه وفيها من وقف الشيخ موفق الدين ، والبهاء عبد الرحمن ، والحافظ عبد العزيز ، وابن الحاجب ، وابن سلام ، وابن هامل ، والشيخ علي الموصلي (٤) ، وقد نهبت في نكبة الصالح نوبة قازان وراح منها شيء كثير ، ثم تمايلت وتراجعت ، وجمع بين فقه الحديث ومعانيه وسنده ، وطرفا من الأدب ، وكثيرا من التفسير واللغة ، ونظر في الفقه وناظر فيه ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم الاثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة وله أربعون سنة انتهى. وقال برهان الدين بن مفلح في طبقاته : واقف الضيائية محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن اسماعيل بن منصور السعدي المقدسي الحافظ الكبير ضياء الدين ابو عبد الله ، محدث عصره ووحيد دهره ، وشهرته تغني عن الأطناب في ذكره ، سمع بدمشق من ابي المجد البانياسي ، والخطبة من الخضر بن هبة الله بن طاووس ، وبمصر من البوصيري ،

__________________

(١) شذرات الذهب ٤ : ٢٤٣.

(٢) شذرات الذهب ٤ : ٢٤٦.

(٣) شذرات الذهب ٤ : ٢٦٦.

(٤) شذرات الذهب ٥ : ٦٠.

٧٣

وببغداد من ابن الجوزي وطبقته ، وسمع ببلاد شتى ، يقال إنه كتب عن ازيد من خمسمائة شيخ ، وحصل أصولا كثيرة ، وأقام بهراة ومرو ، وله اجازة من السلفي وشهدة. قال ابن النجار : وكتب عنه ببغداد ونيسابور ودمشق ، وهو حافظ متقن ثبت ، ثقة صدوق ، نبيل حجة ، عالم بالحديث وأحوال الرجال ، له مجموعات وتخريجات وهو ورع ، تقي ، زاهد ، عابد ، محتاط في أكل الحلال ، مجاهد في سبيل الله ، ولعمري ما رأت عيناي مثله في نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم ، واثنى عليه عمر بن الحاجب والشرف بن النابلسي والذهبي. وقال بنى مدرسة على باب الجامع المظفري واعانه عليها بعض أهل الخير ، روى عنه ابن نقطة ، وابن الخباز وابن النجار ، والبرزالي ، وابن الحاجب وابن أخيه الفخر بن البخاري ، والقاضي تقي الدين سليمان بن حمزة ، وابو بكر بن عبد الدايم ، وعيسى المطعم ، وخلق ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، ودفن بجبل قاسيون انتهى. ثم ذكر بعده محمد بن عبد المنعم بن غازي بن هامان بن موهوب الحراني الى ان قال وأقام بدمشق ، ووقف كتبه وأجزاءه بمدرسته ، واثنى عليه البرزالي ، توفي بدمشق بالمارستان الصغير ليلة الأربعاء ثاني شهر رمضان سنة احدى وسبعين وستمائة ، ودفن من الغد بسفح قاسيون انتهى. ثم قال ابن شداد : اول من ذكر بها الدرس بانيها ، ثم بعده الشيخ عز الدين بن تقي الدين ثم من بعده شمس الدين خطيب جبل الصالحية قاضي القضاة وهو مستمر بها إلى الآن انتهى. وقال الذهبي في تاريخه العبر في سنة ثمان وثمانين وستمائة : وابن الكمال المحدث الامام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن احمد المقدسي الحنبلي ، ولد سنة سبع وستمائة ، وسمع الكندي وابن الحرستاني حضورا ، ومن داود بن ملاعب وطائفة ، وعنى بالحديث وجمع وخرج ، مع الدين المتين والورع والعبادة ، وولي مشيخة الضيائية ، ومشيخة الأشرفية بالجبل ، توفي رحمه‌الله تعالى في تاسع جمادى الأولى انتهى. وقال الصفدي في تاريخه في المحمدين : المحدث شمس الدين بن الكمال محمد بن عبد المنعم بن عبد الواحد بن أحمد الامام المحدث

٧٤

القدوة الصالح شمس الدين بن كمال المقدسي الحنبلي ابن اخي الحافظ ضياء الدين ، ولد سنة سبع وستمائة وسمع من الكندي وابن الحرستاني حضورا ، وابن ملاعب والبكري أبي الفتوح وموسى بن عبد القادر والشمس أحمد بن العطار والشيخ العماد ابراهيم والشيخ الموفق وابن ابي لقمة وابن البن وابن صصري وزين الأمناء وابن راجح وأحمد بن طاووس وابن الزبيدي وخلق كثير وحدث بالكثير نحو أربعين سنة ، وتمم تصنيف الأحكام الذي جمعه عمه الحافظ ضياء الدين ، وكان محدثا فاضلا نبيها ، حسن التحصيل ، وافر الديانة ، كثير العبادة ، نزها عفيفا مخلصا روى عنه الحافظ تقي الدين سليمان ، وابن تيمية ، وابن العطار والمزي ، وابن مسلم ، وابن الخباز ، والبرزالي ، وولي مشيخة الأشرفية التي بالجبل ودرس بالضيائية ، وحج مرتين. حفر مكانا بالصالحية لبعض شأنه ، فوجد جرة مملوءة ذهبا ، وكانت زوجته تعينه ، فقال لزوجته هذا فتنة ، ولهذا مستحقون لعلنا أن لا نعرفهم فوافقته وطماه وتركاه ، توفي في سنة ثمان وثمانين وستمائة انتهى. وقال شيخنا ابن مفلح في طبقاته في الأحمدين : وأحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي بكر السعدي أبو العباس كان من كبار الصالحين الأتقياء حدث عن ابراهيم بن خليل وابن عبد الدايم ، سمع منه الذهبي ، وقال سألت عنه ولده فقال : ما أعلم فيه شيئا يشينه في دينه ، وكان شيخ الحديث في الضيائية ، حدث بالكثير ، سمع منه ابن الخباز وغيره ، توفي في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعمائة انتهى. وقال فيها أيضا : محمد بن ابراهيم بن عبد الله ابن الشيخ أبي عمر المقدسي ، الخطيب البليغ ، الصالح العالم ، القدرة عز الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ العز ، سمع من ابن عبد الدائم ، والكرماني حضورا ، وسمع كثيرا من أبي عمر ، وتفقه قديما بعم أبيه الشيخ شمس الدين ، ودرس بمدرسة جده ، وخطب بالجامع المظفري ، وكان من الصالحين الأخيار المتفق عليهم ، وعمر ، وحدث بالكثير ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم الاثنين عشرين شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، ودفن بتربة جده الشيخ أبي عمر انتهى. وقال فيها : عمر بن سعد الله بن عبد الأحد الحراني ثم الدمشقي الفقيه الفرضي القاضي زين الدين

٧٥

أبو حفص حضر على أبي الحسن بن البخاري ، وسمع بالقاهرة ، ودخل بغداد وأقام ثلاثة أيام ، وتفقه وبرع في الفقه والفرائض ، ولازم الشيخ تقي الدين وغيره ، وكتب بخطه الكثير من كتب المذاهب ، وكان خيرا ، دينا ، حسن الأخلاق ، متواضعا ، بشوشا ، فاضلا ، فرضيا ، وذكره الذهبي في معجمه المختص ، وقال فيه : عالم ذكي ، متواضع ، بصير بالفقه والعربية ، سمع الكثير ، وولي مشيخة الضيائية ، فألقى دروسا محررة ، توفي رحمه‌الله تعالى في سنة تسع واربعين وسبعمائة مطعونا شهيدا انتهى. وقال فيها أيضا : شمس الدين القباقبي محمد بن محمد بن ابراهيم بن عبد الله المرداوي الشيخ الامام شمس الدين الشهير بالقباقبي ثم الصالحي ، سمع على أحمد بن عبد الهادي (١) نسخة اسماعيل ابن قيراط ابي الفخر عن الخشوعي ، وله يد طولى في الفقه ، اشتغل وأفتى ودرس ، وانتفع به جماعة منهم صاحبنا الشيخ شمس الدين النسيلي ، باشر درس الضيائية جوار جامع المظفري ، وحضرنا درسه بحضور قاضي القضاة شهاب الدين بن الحبال وجدي الشيخ شرف الدين وغيرهما ، توفي رحمه‌الله تعالى يوم الاربعاء ثامن عشر ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمانمائة ودفن بالصالحية.

فوائد : الاولى قال فيها أيضا : أحمد بن محمد بن عبد الرحيم الشيخ المحدث موفق الدين قاريء الحديث بالضيائية ، وله اعتناء بالحديث ، وحصل الأجزاء ، وصار له معرفة وفهم ، وكان شابا حسنا دينا محببا الى الناس سمع من ابن عبد الدائم ، فمن بعده توفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة.

الثانية : اعادة بيد الشيخ علي البغدادي.

الثالثة : الوقف عليها غالب دكاكين السوق الفوقاني ، وحوانيت وجنينة في النيرب وأرض بسقبا ، ويؤخذ لأهلها ثلث قمح ضياع وقف دار الحديث الأشرفية بالجبل الدير والدوير والمنصورة والتليل والشرفية انتهى.

__________________

(١) شذرات الذهب ٦ : ١٧١.

٧٦

١٥٠ ـ المدرسة الضيائية المحاسنية

قال ابن شداد : مدرسة ضياء الدين محاسن (١) كان رجلا صالحا بنى هذه المدرسة وجعلها موقوفة على من يكون أمير الحنابلة يذكر فيها الدرس ، فأول من ذكر بها الدرس الشيخ عز الدين ابن الشيخ التقي ، ثم من بعده الشيخ شمس الدين خطيب الجبل وهو مستمر بها الى الآن انتهى. قلت ولعله الشرابيشي والدنور الدين واقف الشرابيشية المالكية ، وواقف التربة قبالة جامع جراح فليحرر ورأيت في العبر للذهبي : وماتت عائشة بنت محمد المسلم الحرانية أخت محاسن (٢) في شوال عن تسعين سنة ، روت عن العراقي (٣) والبلخي (٤) حضورا ، وعن اليلداني ومحمد بن عبد الهادي (٥) وتفردت رحمها الله تعالى انتهى. ورأيت في طبقات الحنابلة : محاسن بن عبد الملك بن علي بن منجا التنوخي الحموي ثم الصالحي الفقيه الامام ضياء الدين ابو ابراهيم ، سمع من الخشوعي ، وتفقه على الشيخ موفق الدين حتى برع وأفتى ، وكان فقيها عارفا بالمذهب ، زاهدا ما نافس في منصب قط ولا دنيا ، ولا أكل من وقف ، بل كان يتقوت من شكارة تزرع له بحوران ، وما آذى قط مسلما ، ولا دخل حماما ولا تنعم في ملبس ولا مأكل ، ولا زاد على ثوب وعمامة ، قرأ عليه ، توفي رحمه‌الله تعالى ليلة الرابع من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بجبل قاسيون ودفن به انتهى.

١٥١ ـ المدرسة العمرية الشيخية

قال عز الدين : مدرسة الشيخ أبي عمر بالجبل في وسط دير الحنابلة واقفها وبانيها الشيخ ابو عمر الكبير ، والد قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي ، وكان من الأولياء المشهورين انتهى. قال الذهبي في العبر في سنة سبع وستمائة : والشيخ

__________________

(١) شذرات الذهب ٥ : ٢٢٣.

(٢) شذرات الذهب ٦ : ١١٣.

(٣) شذرات الذهب ٥ : ٢٥٥.

(٤) شذرات الذهب ٥ : ٢٦١.

(٥) شذرات الذهب ٥ : ٢٩٥.

٧٧

ابو عمر المقدسي الزاهد محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن حسن الحنبلي القدوة الزاهد أخو العلامة موفق الدين ، ولد بجماعيل سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وهاجر الى دمشق لاستيلاء الفرنج على الأرض المقدسة ، وسمع الحديث من ابي المكارم عبد الواحد بن هلال وطائفة كثيرة ، وكتب الكثير بخطه ، وحفظ القرآن والفقه والحديث ، وكان اماما فاضلا مقريا زاهدا عبادا قانتا لله خائفا من الله منيبا الى الله ، كثير النفع طلق الوجه ، ذا اوراد وتهجد واجتهاد ، واوقات مقسمة على الطاعة بين الصيام والقيام والذكر وتعلم العلم والفتوى والفتوة والمروءة والخدمة والتواضع رحمه‌الله تعالى ، فلقد كان عديم النظير بزمانه ، خطب بجامع الجبل إلى أن توفي في الثاني والعشرين من شهر ربيع الاول رحمه‌الله تعالى انتهى. وقال في مختصر تاريخ الاسلام في سنة سبع المذكورة : والزاهد الكبير ابو عمر محمد بن احمد بن قدامة الصالحي الحنبلي واقف المدرسة المباركة وله ثمانون سنة انتهى. وذكر له شيخنا البرهان بن مفلح في الطبقات ترجمة طويلة الى ان قال : وله آثار جميلة منها مدرسة بالجبل ، وهي وقف على القرآن والفقه ، وقد حفظ القرآن فيها امم لا يحصون ، وذكر جماعة : أن الشيخ ابا عمر قطبا اقام قطب الوقت قبل موته ست سنين ، وكان آخر كلامه : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) الآية. وحزر من حضر جنازته فكانوا عشرين ألفا ودفن بجبل قاسيون انتهى. وأما والده فقال الحافظ الذهبي في سنة ثمان وخمسين في كتاب العبر : وفيها توفي الشيخ احمد بن محمد بن قدامة الزاهد والد الشيخ ابي عمر والشيخ موفق الدين وله سبع وستون سنة ، وكان خطيب قرية جماعيل فقرّ بدينه من الفرنج مهاجرا الى الله ، ونزل مسجد ابي صالح الذي بظاهر باب شرقي سنتين ، ثم صعد الى الجبل وبنى الدير ، ونزل هو وآله بسفح قاسيون وكانوا يعرفون بالصالحين لنزولهم بمسجد ابي صالح المذكور ومن ثم قيل جبل الصالحية ، وكان زاهدا صالحا قانتا لله صاحب جدّ وصدق وحرص على الخير رحمه‌الله تعالى انتهى. وقال ابن كثير في تاريخه في ترجمة ابي عمر في سنة سبع وستمائة : ولد سنة. ثمان وعشرين وخمسمائة

٧٨

بقرية اكساويه وقيل بجماعيل ، وهو الذي ربىّ الشيخ موفق الدين أخاه وأحسن إليه ، وكان يقوم بمصالحه ، وهو الذي قدم به من تلك البلاد فنزلوا بمسجد ابي صالح ، ثم انتقلوا منه الى السفح ، وليس له من العمارة سوى دير الحوراني ، قال فقيل لنا (الصالحين) ينسبوننا الى مسجد ابي صالح لا اننا صالحون ، وسميت هذه البقعة بالصالحية نسبة الينا انتهى. ولأحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر (١) في مدح الصالحية يقول :

الصالحية جنة

والصالحون بها اقاموا

فعلى الديار وأهلها

مني التحية والسلام

وولي قضاء الحنابلة وهو المشهور بشرف الدين جمال الاسلام ابن قاضي القضاة شرف الدين الخطيب ، المعروف بابن قاضي الجبل ، مات رحمه‌الله تعالى سنة احدى وسبعين وسبعمائة ودفن بمقبرة جده ابي عمر. ومسجد ابي صالح المذكور ، قال ابن شداد في كتابه الاعلاق الخطيرة : مسجد ابي صالح قديم ثم كان يلزمه ابو بكر بن سند بن حمدويه الزاهد ، وخلفه فيه ابو صالح صاحبه فنسب إليه ، سكنه جماعة من الصالحين فيه بئر وله وقف وامام انتهى. وقال الذهبي في كتابه العبر في سنة ثلاثين وخمسمائة : وفيها الزاهد العابد ابو صالح صاحب المسجد المشهور الكائن بظاهر باب شرقي يقال له مفلح ، وكان من الصوفية العارفين انتهى. وقال الشيخ تقي الدين الأسدي الشهير بابن قاضي شهبة في تاريخه في سنة ثلاثين وخمسمائة : ابو صالح العابد مفلح بن عبد الله الشيخ العابد ابو صالح الحنبلي واقف مسجد ابي صالح ظاهر باب شرقي ، صحب الشيخ ابا بكر بن سند بن حمدويه الدمشقي ، وكان له كرامات واحوال ومقامات روى الحافظ ابن عساكر من طريق ابي بكر محمد بن داود الدينوري الرقي عن الشيخ ابي صالح قال : كنت أطوف بجبل لبنان في طلب العبّاد ، فرأيت في جبل اللكام رجلا عليه مرقعة جالسا على حجر ، فقلت : يا شيخ ما تصنع

__________________

(١) شذرات الذهب ٦ : ٢١٩.

٧٩

ههنا؟ فقال اتفكر وارعى ، فقلت : ما ارى بين يديك الا الحجارة فما تنظر وترعى؟ فتغير ، وقال : انظر خواطر قلبي وارعى اوامر ربي فبحق الذي اظهرك عليّ الا جزت عني ، فقلت له : كلمني بشيء انتفع به حتى امضي ، قال : من لزم الباب اثبت من الخدم ، ومن اكثر الذنوب اكثر الندم ، وعن الشيخ ابي صالح قال : مكثت ستة ايام أو سبعة ايام لا آكل ولا اشرب ، ولحقني عطش شديد فجئت النهر الذي وراء المسجد ، فجلست أنظر الى الماء فذكرت قوله تعالى : (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) فذهب عني العطش ، فمكثت تمام العشرة ايام ، وعنه قال : مكثت مرة اربعين يوما لا أشرب ، فلقيني الشيخ ابو بكر محمد بن حمدويه فادخلني منزله وجاءني بماء ، وقال لي : اشرب فشربت فأخذ فضلي وذهب الى امرأته ، وقال : اشربي فضل رجل قد مكث اربعين يوما لم يشرب الماء.

قال ابو صالح : ولم يكن اطلع على ذلك إلا الله تعالى عزوجل. قال ابن كثير : ولأبي صالح مناقب كثيرة ، توفي رحمه‌الله تعالى في جمادى الاولى انتهى. وشرط النظر فيه للحنابلة ، وهو بيد القاضيّ ناصر الدين بن زريق ، وفيه امور مرتبة وفيه بيوت حوله ، وغالب ما فيه انقطع ، والبيوت خربت ، والظاهر أن هذه المدرسة العمرية أصلها من بناية نور الدين الشهيد رحمه‌الله تعالى ولما قال شيخنا بدر الدين بن قاضي شهبة في كتابه الكواكب الدرية في السيرة النورية قال في المرآة إلى أن قال فيها : وفيها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة رحمه‌الله تعالى ، قال : كان نور الدين يزور والدي الشيخ احمد في المدرسة الصغير التي على نهر يزيد المجاورة للدير ، ونور الدين بنى هذه المدرسة والمصنع والفرن ، قال : فجاء نور الدين لزيارة والدي وكان بسقف المسجد خشبة مكسورة فقال له يا نور الدين لو كشفت السقف وجددته فنظر الى الخشبة وسكت ، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة فزرقها موضع المكسورة ومضى ، قال : فعجب الجماعة ، فلما جاء إلى الزيارة قال بعض الحاضرين يا نور الدين فاكرتنا في كشف سقف واعادته ، فقال : لا والله وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح وانا ازوره لأنتفع به وما اردت أن از خرف له المسجد وانقض ما هو صحيح وهذه

٨٠