كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

المطلوب من وحدته أو تعدده ، فتدبّر جيداً .

الفصل الثالث

الإِتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإِجزاء في الجملة بلا شبهة ، وقبل الخوض في تفصيل المقام وبيان النقض والإِبرام ، ينبغي تقديم أمور :

أحدها : الظاهر أن المراد من ( وجهه ) ـ في العنوان ـ هو النهج الذي ينبغي أن يؤتى به على ذاك النهج شرعاً وعقلاً ، مثل أن يؤتى به بقصد التقرب في العبادة ، لا خصوص الكيفية المعتبرة في المأمور به شرعاً ، فإنّه عليه يكون ( على وجهه ) قيداً توضيحياً ، وهو بعيد ، مع أنّه يلزم خروج التعبديات عن حريم النزاع ، بناءً على المختار ، كما تقدّم من أن قصد القربة من كيفيات الإِطاعة عقلاً ، لا من قيود المأمور به شرعاً ، ولا الوجه المعتبر عند بعض الأصحاب (١) ، فإنّه ـ مع عدم اعتباره عند المعظم ، وعدم اعتباره عند من اعتبره ، إلّا في خصوص العبادات لا مطلق الواجبات ـ لا وجه لاختصاصه بالذكر على تقدير الاعتبار ، فلا بدّ من إرادة ما يندرج فيه من المعنى ، وهو ما ذكرناه ، كما لا يخفى .

ثانيها : الظاهر أن المراد من الاقتضاء ـ ها هنا ـ الاقتضاء بنحو العلية والتأثير ، لا بنحو الكشف والدلالة ، ولذا نسب إلى الإِتيان لا إلى الصيغة .

إن قلت : هذا إنما يكون كذلك بالنسبة إلى أمره ، وأما بالنسبة إلى أمر آخر ، كالإِتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري بالنسبة إلى الأمر الواقعي ، فالنزاع في الحقيقة في دلالة دليلهما على اعتباره ، بنحو يفيد الإِجزاء ، أو بنحو آخر لا يفيده .

____________________________

(١) من المتكلمين ، وأشار اليه في مطارح الأنظار / ١٩ .

٨١
 &

قلت : نعم ، لكنه لا ينافي كون النزاع فيهما ، كان في الاقتضاء بالمعنى المتقدم ، غايته أن العمدة في سبب الاختلاف فيهما ، إنما هو الخلاف في دلالة دليلهما ، هل أنه على نحو يستقل العقل بأن الإِتيان به موجب للإِجزاء ويؤثر فيه ، وعدم دلالته ؟ ويكون النزاع فيه صغروياً أيضاً ، بخلافه في الإِجزاء بالإِضافة إلى أمره ، فانه لا يكون إلا كبروياً ، لو كان هناك نزاع ، كما نقل عن بعض (١) . فافهم .

ثالثها : الظاهر أن الإِجزاء ـ ها هنا ـ بمعناه لغة ، وهو الكفاية (٢) ، وإن كان يختلف ما يكفي عنه ، فإن الإِتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي يكفي ، فيسقط به التعبد به ثانياً ، وبالأمر الاضطراري أو الظاهري الجعلي ، فيسقط به القضاء ، لا أنه يكون ـ هاهنا ـ اصطلاحاً ، بمعنى إسقاط التعبد أو القضاء ، فإنه بعيد جداً .

رابعها : الفرق (٣) بين هذه المسألة ، ومسألة المرة والتكرار ، لا يكاد يخفى ، فإنّ البحث ـ هاهنا ـ في أن الإِتيان بما هو المأمور به يجزىء عقلاً ، بخلافه في تلك المسألة ، فإنه في تعيين ما هو المأمور به شرعاً بحسب دلالة الصيغة بنفسها ، أو بدلالة أخرى .

نعم كان التكرار عملاً موافقاً لعدم الإِجزاء لكنه لا بملاكه ، وهكذا الفرق بينها وبين مسألة تبعية القضاء للأداء ، فإن البحث في تلك المسألة في دلالة الصيغة على التبعية وعدمها ، بخلاف هذه المسألة ؛ فإنه ـ كما عرفت ـ في

____________________________

(١) وهو القاضي عبد الجبار ، راجع المعتمد ١ / ٩٠ .

(٢) اجزأ الشيءُ إياي : كفاني . القاموس المحيط ١ / ١٠ مادة الجزء .

أجزأني الشيء : كفاني . مجمع البحرين ١ / ٨٥ مادة جزأ .

(٣) راجع مطارح الأنظار / ١٩ .

٨٢
 &

أن الإِتيان بالمأمور به يجزىء عقلاً عن إتيانه ثانياً أداءً أو قضاءً ، أو لا يجزىء ، فلا علقة بين المسألة والمسألتين أصلاً .

إذا عرفت هذه الأمور ، فتحقيق المقام يستدعي البحث والكلام في موضعين :

الأول : إن الإِتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ـ بل (١) بالأمر الاضطراري أو الظاهري أيضاً ـ يجزىء عن التعبد به ثانياً ؛ لاستقلال العقل بأنه لا مجال مع موافقة الأمر بإتيان المأمور به على وجهه ، لاقتضائه التعبد به ثانياً .

نعم لا يبعد أن يقال : بأنه يكون للعبد تبديل الامتثال والتعبد به ثانياً ، بدلاً عن التعبد به أولاً ، لا منضماً إليه ، كما أشرنا إليه في المسألة السابقة (٢) ، وذلك فيما علم أن مجرد امتثاله لا يكون علّة تامة لحصول الغرض ، وإن كان وافياً به لو اكتفى به ، كما إذا أتى بماء أمر به مولاه ليشربه ، فلم يشربه بعد ، فإن الأمر بحقيقته وملاكه لم يسقط بعد ، ولذا لو أهريق (٣) الماء واطلع عليه العبد ، وجب عليه إتيانه ثانياً ، كما إذا لم يأت به أولاً ، ضرورة بقاء طلبه ما لم يحصل غرضه الداعي إليه ، وإلا لما أوجب حدوثه ، فحينئذ يكون له الإِتيان بماء آخر موافق للأمر ، كما كان له قبل إتيانه الأول بدلاً عنه .

نعم فيما كان الإِتيان علة تامة لحصول الغرض ، فلا يبقى موقع للتبديل ، كما إذا أمر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه ، بل لو لم يعلم أنه من أيّ القبيل ، فله التبديل باحتمال أن لا يكون علة ، فله إليه سبيل ، ويؤيّد ذلك ـ بل يدلّ عليه ـ ما ورد من الروايات في باب إعادة من صلى فرادى

____________________________

(١) في نسختي « أ وب » بل او ...

(٢) راجع تنبيه المبحث الثامن من هذا الكتاب / ٧٩ .

(٣) في « ب » : أهرق .

٨٣
 &

جماعة (١) ، وأن الله تعالى يختار أحبهما إليه .

الموضع الثاني : وفيه مقامان :

المقام الأول : في أن الإِتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري ، هل يجزىء عن [ القضاء و ] (٢) الإِتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ثانياً ، بعد رفع الاضطرار في الوقت إعادةً ، وفي خارجه قضاءً ، أو لا يجزىء ؟ .

تحقيق الكلام فيه يستدعي التّكلم فيه تارة في بيان ما يمكن أن يقع عليه الأمر الاضطراري من الأنحاء ، وبيان ما هو قضيّة كلّ منها من الإِجزاء وعدمه ، وأخرى في تعيين ما وقع عليه .

فاعلم أنه يمكن أن يكون التكليف الاضطراري في حال الاضطرار ، كالتكليف الاختياري في حال الاختيار ، وافياً بتمام المصلحة ، وكافياً فيما هو المهمّ والغرض ، ويمكن أن لا يكون وافياً به كذلك ، بل يبقىٰ منه شيء أمكن استيفاؤه أو لا يمكن . وما أمكن كان بمقدار يجب تداركه ، أو يكون بمقدار يستحب ، ولا يخفى أنه إن كان وافياً به فيجزىء ، فلا يبقىٰ مجال أصلاً للتّدارك ، لا قضاءً ولا إعادةً ، وكذا لو لم يكن وافياً ، ولكن لا يمكن تداركه ، ولا يكاد يسوغ له البدار في هذه الصّورة إلا لمصلحة كانت فيه ، لما فيه من نقض الغرض ، وتفويت مقدارٍ من المصلحة ، لولا مراعاة ما هو فيه من الأهم ، فافهم .

لا يقال : عليه ، فلا مجال لتشريعه ولو بشرط الانتظار ، لإمكان استيفاء الغرض بالقضاء .

____________________________

(١) الكافي : ٣ / ٣٧٩ ، باب الرجل يصلي وحده من كتاب الصلاة .

التهذيب : ٣ / ٢٦٩ الحديث ٩٤ ، وصفحة ٢٧٠ الحديث ٩٥ الى ٩٨ الباب ٢٥ .

الفقيه : ١ / ٢٥١ . الحديث ٤١ إلى ٤٣ من باب الجماعة وفضلها .

(٢) أثبتناها من « أ » .

٨٤
 &

فإنّه يقال : هذا كذلك ، لولا المزاحمة بمصلحة الوقت ، وأمّا تسويغ البدار أو إيجاب الانتظار في الصّورة الأولىٰ ، فيدور مدار كون العمل ـ بمجرد الاضطرار مطلقاً ، أو بشرط الانتظار ، أو مع اليَأس عن طروِّ الاختيار ـ ذا مصلحة ووافياً بالغرض .

وإن لم يكن وافياً ، وقد أمكن تدارك الباقي (١) في الوقت ، أو مطلقاً ولو بالقضاء خارج الوقت ، فإن كان الباقي ممّا يجب تداركه فلا يجزىء ، بل لا بد (٢) من إيجاب الإِعادة أو القضاء ، وإلا فيجزىء ، ولا مانع عن البدار في الصورتين ، غاية الأمر يتخير في الصورة الأولى بين البدار والإِتيان بعملين : العمل الاضطراري في هذا الحال ، والعمل الاختياري بعد رفع الاضطرار أو الانتظار ، والاقتصار بإتيان ما هو تكليف المختار ، وفي الصورة الثانية يجزىء البدار ويستحب الإِعادة بعد طروء الاختيار .

هذا كله فيما يمكن أن يقع عليه الاضطراري من الأنحاء ، وأما ما وقع عليه فظاهر إطلاق دليله ، مثل قوله تعالى ( فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) (٣) وقوله ( عليه السلام ) : ( التراب أحد الطهورين ) (٤) و : ( يكفيك عشر سنين ) (٥) هو الإِجزاء ، وعدم وجوب الإِعادة أو القضاء ، ولا بد في إيجاب الإِتيان به ثانياً من دلالة دليل بالخصوص .

وبالجملة : فالمتبع هو الإِطلاق لو كان ، وإلا فالأصل ، وهو يقتضي البراءة من إيجاب الإِعادة ، لكونه شكّاً في أصل التكليف ، وكذا عن إيجاب

____________________________

(١) في « ب » : ما بقي منه .

(٢) في « أ » : ولا بد .

(٣) النساء : ٤٣ ، المائدة : ٦ .

(٤) التهذيب : ١ / ١٩٦ ـ ١٩٧ ، ٢٠٠ باب التيمم وأحكامه .

الكافي : ٣ / ٦٤ . باب الوقت الذي يوجب التيمم ، مع اختلاف في الألفاظ .

(٥) التهذيب : ١ / ١٩٤ ، الحديث ٣٥ ، التيمم وأحكامه ، وصفحة ١٩٩ ، الحديث ٥٢ .

٨٥
 &

القضاء بطريق أولى ، نعم لو دل دليله على أن سببه فوت الواقع ، ولو لم يكن هو فريضة ، كان القضاء واجباً عليه ، لتحقق سببه ، وإن أتى بالفرض لكنه مجرد الفرض .

المقام الثاني : في إجزاء الإِتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري وعدمه .

والتحقيق : أن ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه ، وكان بلسان تحقق ما هو شرطه أو شطره ، كقاعدة الطهارة أو الحلية ، بل واستصحابهما في وجه قوي ، ونحوها بالنسبة إلى كل ما اشترط بالطهارة أو الحلية يجزىء ، فإن دليله يكون حاكماً على دليل الاشتراط ، ومبيّناً لدائرة الشرط ، وأنه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، فانكشاف الخلاف فيه لا يكون موجباً لانكشاف فقدان العمل لشرطه ، بل بالنسبة إليه يكون من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل ، وهذا بخلاف ما كان منها بلسان أنه ما هو الشرط واقعاً ، كما هو لسان الأمارات ، فلا يجزىء ، فإن دليل حجيته حيث كان بلسان أنه واجد لما هو شرطه الواقعي ، فبارتفاع الجهل ينكشف أنه لم يكن كذلك ، بل كان لشرطه فاقداً (١) .

هذا على ما هو الأظهر الأقوى في الطرق والأمارات ، من أن حجيتها ليست بنحو السببية ، وأما بناءً عليها ، وأن العمل بسبب أداء أمارة إلى وجدان شرطه أو شطره ، يصير حقيقة صحيحاً كأنه واجد له ، مع كونه فاقده ، فيجزىء لو كان الفاقد معه ـ في هذا الحال ـ كالواجد في كونه وافياً بتمام الغرض ، ولا يجزىء لو لم يكن كذلك ، ويجب الإِتيان بالواجد لاستيفاء الباقي ـ إن وجب ـ وإلا لاستحب .

هذا مع إمكان استيفائه ، وإلا فلا مجال لإِتيانه ، كما عرفت في الأمر الاضطراري .

____________________________

(١) في « أ وب » : فاقد .

٨٦
 &

ولا يخفى أن قضية إطلاق دليل الحجية ـ على هذا ـ هو الاجتزاء بموافقته أيضاً ، هذا فيما إذا أحرز أن الحجية بنحو الكشف والطريقية ، أو بنحو الموضوعية والسببية ، وأما إذا شك [ فيها ] (١) ولم يحرز أنها على أيِّ الوجهين ، فأصالة عدم الإِتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للإِعادة في الوقت ، واستصحاب عدم كون التكليف بالواقع فعليّاً في الوقت لا يجدي ، ولا يثبت كون ما أتى به مسقطاً ، إلّا على القول بالأصل المثبت ، وقد علم اشتغال ذمته بما يشك في فراغها عنه بذلك المأتي .

وهذا بخلاف ما إذا علم أنه مأمور به واقعاً ، وشك في أنه يجزىء عما هو المأمور به الواقعي الأولي ، كما في الأوامر الاضطرارية أو الظاهرية ، بناءً على أن يكون الحجية على نحو السببية ، فقضية الأصل فيها ـ كما أشرنا إليه ـ عدم وجوب الإِعادة ؛ للاتيان بما اشتغلت به الذمة يقيناً ، وأصالة عدم فعلية التكليف الواقعي بعد رفع الاضطرار وكشف الخلاف .

وأما القضاء فلا يجب بناء على أنه فرض جديد ، وكان الفوت المعلق عليه وجوبه لا يثبت بأصالة عدم الإِتيان ، إلا على القول بالأصل المثبت ، وإلا فهو واجب ، كما لا يخفى على المتأمل ، فتأمل جيّداً .

ثم إن هذا كله فيما يجري في متعلق التكاليف ، من الأمارات الشرعية والأصول العملية ، وأما ما يجري في إثبات أصل التكليف ، كما إذا قام الطريق أو الأصل على وجوب صلاة الجمعة يومها في زمان الغيبة ، فانكشف بعد أدائها وجوب صلاة الظهر في زمانها ، فلا وجه لإِجزائها مطلقاً ، غاية الأمر أن تصير صلاة الجمعة فيها ـ أيضاً ـ ذات مصلحة لذلك ، ولا ينافي هذا بقاء صلاة الظهر على ما هي عليه من المصلحة ، كما لا يخفى ، إلا أن يقوم دليل بالخصوص على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد .

____________________________

(١) أثبتناها من « أ » .

٨٧
 &

تذنيبان :

الأول : لا ينبغي توهم الإِجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطأ ، فإنه لا يكون موافقة للأمر فيها ، وبقي الأمر بلا موافقة أصلاً ، وهو أوضح من أن يخفى ، نعم ربما يكون ما قطع بكونه مأموراً به مشتملاً على المصلحة في هذا الحال ، أو على مقدار منها ، ولو في غير الحال ، غير ممكن مع استيفائه استيفاء الباقي منها ، ومعه لا يبقى مجال لامتثال الأمر الواقعي ، وهكذا الحال في الطرق ، فالإِجزاء ليس لأجل اقتضاء امتثال الأمر القطعي أو الطريقي للإِجزاء ـ بل إنما هو لخصوصية اتفاقية في متعلقهما ، كما في الإِتمام والقصر ، والإِخفات والجهر .

الثاني : لا يذهب عليك أن الإِجزاء في بعض موارد الأصول والطرق والأمارات ، على ما عرفت تفصيله ، لا يوجب التصويب المجمع على بطلانه في تلك الموارد ، فإن الحكم الواقعي بمرتبته محفوظ فيها ، فإن الحكم المشترك بين العالم والجاهل والملتفت والغافل ، ليس إلا الحكم الإنشائي المدلول عليه بالخطابات المشتملة على بيان الأحكام للموضوعات بعناوينها الأولية ، بحسب ما يكون فيها من المقتضيات ، وهو ثابت في تلك الموارد كسائر موارد الأمارات ، وإنما المنفي فيها ليس إلا الحكم الفعليّ البعثيّ ، وهو منفي في غير موارد الإِصابة ، وإن لم نقل بالإِجزاء ، فلا فرق بين الإِجزاء وعدمه ، إلا في سقوط التكليف بالواقع بموافقة الأمر الظاهري ، وعدم سقوطه بعد انكشاف عدم الاصابة ، وسقوط التكليف بحصول غرضه ، أو لعدم إمكان تحصيله غير التصويب المجمع على بطلانه ، وهو خلو الواقعة عن الحكم غير ما أدت إليه الامارة ، كيف ؟ وكان الجهل بها ـ بخصوصيتها أو بحكمها ـ مأخوذاً في موضوعها ، فلا بد من أن يكون الحكم الواقعي بمرتبته محفوظاً فيها ، كما لا يخفى .

٨٨
 &

فصل

في مقدمة الواجب

وقبل الخوض في المقصود ، ينبغي رسم أمور :

الأول : الظاهر أن المهم المبحوث عنه في هذه المسألة ، البحث عن الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، فتكون مسألة أصولية ، لا عن نفس وجوبها ، كما هو المتوهم من بعض العناوين (١) ، كي تكون فرعية ، وذلك لوضوح أن البحث كذلك لا يناسب الأصولي ، والاستطراد لا وجه له ، بعد إمكان أن يكون البحث على وجه تكون عن المسائل الأصولية .

ثم الظاهر أيضاً أن المسألة عقلية ، والكلام في استقلال العقل بالملازمة وعدمه ، لا لفظية كما ربما يظهر من صاحب المعالم (٢) ، حيث استدل على النفي بانتفاء الدلالات الثلاث ، مضافاً إلى أنه ذكرها في مباحث الالفاظ ، ضرورة (٣) أنه إذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ثبوتاً محل الاشكال ، فلا مجال لتحرير النزاع في الإِثبات والدلالة عليها بإحدى الدلالات الثلاث ، كما لا يخفى .

الأمر الثّاني : إنه ربما تقسم المقدمة إلى تقسيمات :

منها : تقسيمها إلى [ الـ ] داخلية وهي الأجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها ، والخارجية وهي الأمور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه .

____________________________

(١) كما في حاشية القزويني ( ره ) على القوانين .

وربما يتوهم من عنوان البدائع ، البدائع / ٢٩٦ عند قوله أحدهما ... في آخر الصفحة .

(٢) معالم الدين في الأصول / ٦١ ، في مقدمة الواجب .

(٣) اشارة الى ما اورده صاحب التقريرات على صاحب المعالم مطارح الانظار / ٣٧ ، في مقدمة الواجب .

٨٩
 &

وربما يشكل (١) في كون الأجزاء مقدمة له وسابقة عليه ، بأن المركب ليس إلا نفس الأجزاء بأسرها .

والحل : إن المقدمة هي نفس الأجزاء بالأسر ، وذو المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع ، فيحصل المغايرة بينهما ، وبذلك ظهر أنه لا بد في اعتبار الجزئية أخذ الشيء بلا شرط ، كما لا بد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع .

وكون الأجزاء الخارجية كالهيولى والصورة ، هي الماهية المأخوذة بشرط لا ، لا ينافي ذلك ، فإنه إنما يكون في مقام الفرق بين نفس الأجزاء الخارجية والتحليلية ، من الجنس والفصل ، وأن الماهية إذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة ، وإذا أخذت لا بشرط تكون جنساً أو فصلاً ، لا بالإِضافة إلى المركب ، فافهم .

ثم لا يخفى أنه ينبغي خروج الأجزاء عن محل النزاع ، كما صرح به بعض (٢) وذلك لما عرفت من كون الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً ، وإنما كانت المغايرة بينهما اعتباراً ، فتكون واجبة بعين وجوبه ، ومبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه ، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر ، لامتناع اجتماع المثلين ، ولو قيل بكفاية تعدد الجهة ، وجواز اجتماع الأمر والنهي معه ، لعدم تعددها ها هنا ؛ لأن الواجب بالوجوب الغيري ، لو كان إنما هو نفس الأجزاء ، لا عنوان مقدميتها والتوسل بها إلى المركب المأمور به ؛ ضرورة أن الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة ، لأنه المتوقف عليه ، لا عنوانها ، نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون .

____________________________

(١) هو المحقق صاحب حاشية المعالم .

(٢) وهو سلطان العلماء كما في بدائع الأفكار / ٢٩٩ .

٩٠
 &

فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي والغيري ، باعتبارين ، فباعتبار كونه في ضمن الكل واجب نفسي ، وباعتبار كونه مما يتوسل به إلى الكل واجب غيري ، اللهم إلا أن يريد أن فيه ملاك الوجوبين ، وإن كان واجباً بوجوب واحد نفسي لسبقه ، فتأمل (١) ، هذا كله في المقدمة الداخلية .

وأما المقدمة الخارجية ، فهي ما كان خارجاً عن المأمور به ، وكان له دخل في تحققه ، لا يكاد يتحقق بدونه ، وقد ذكر لها أقسام ، وأُطيلَ الكلامُ في تحديدها بالنقض والابرام ، إلا أنه غير مهم في المقام .

ومنها : تقسيمها إلى العقلية والشرعية والعادية :

فالعقلية هي (٢) ما استحيل واقعاً وجود ذي المقدمة بدونه .

والشرعية على ما قيل : ما استحيل وجوده بدونه شرعاً ، ولكنه لا يخفى رجوع الشرعية إلى العقلية ؛ ضرورة أنه لا يكاد يكون مستحيلاً ذلك شرعاً ، إلا إذا أُخذ فيه شرطاً وقيداً ، واستحالة المشروط والمقيد بدون شرطه وقيده ، يكون عقليّاً .

وأما العادية ، فإن كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة ، بحيث يمكن تحقق ذيها بدونها ، إلا أن العادة جرت على الإِتيان به بواسطتها ، فهي وإن كانت غير راجعة إلى العقلية ، إلا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل

____________________________

(١) وجهه : إنه لا يكون فيه أيضاً ملاك الوجوب الغيري ، حيث أنه لا وجود له غير وجوده في ضمن الكل يتوقف على وجوده ، وبدونه لا وجه لكونه مقدمة ، كي يجب بوجوبه أصلاً ، كما لا يخفى . وبالجملة : لا يكاد يجدي تعدد الاعتبار الموجب للمغايرة بين الأجزاء والكل في هذا الباب ، وحصول ملاك وجوب الغيري المترشح من وجوب ذي المقدمة عليها ، لو قيل بوجوبها ، فافهم ( منه قدس سره ) .

(٢) في « أ وب » فهي .

٩١
 &

النزاع ، وإن كانت بمعنى أن التوقف عليها وإن كان فعلاً واقعياً ، كنصب السلم ونحوه للصعود على السطح ، إلا أنه لأجل عدم التمكن من الطيران الممكن عقلاً فهي أيضاً راجعة إلى العقلية ؛ ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلاً لغير الطائر فعلاً ، وإن كان طيرانه ممكناً ذاتاً ، فافهم .

ومنها : تقسيمها إلى مقدمة الوجود ، ومقدمة الصحة ، ومقدمة الوجوب ، ومقدمة العلم .

لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود ، ولو على القول بكون الأسامي موضوعة للأعم ؛ ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب ، لا في مقدمة المسمى بأحدها ، كما لا يخفى .

ولا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع ، وبداهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها ، وكذلك المقدمة العلمية ، وإن استقل العقل بوجوبها ، إلا أنه من باب وجوب الإِطاعة إرشاداً ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز ، لا مولويّاً من باب الملازمة ، وترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذي المقدمة .

ومنها : تقسيمها إلى المتقدم ، والمقارن ، والمتأخر ، بحسب الوجود بالإِضافة إلى ذي المقدمة ، وحيث أنها كانت من أجزاء العلة ، ولا بد من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول أشكل الأمر في المقدمة المتأخرة ، كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض ، والاجازة في صحة العقد على الكشف كذلك ، بل في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زماناً المتصرم حينه ، كالعقد في الوصية والصرف والسلم ، بل في كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزائه ، لتصرمها حين تأثيره ، مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زماناً ، فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصاً بالشرط المتأخر في

٩٢
 &

الشرعيات ـ كما اشتهر في الألسنة ـ بل يعم الشرط والمقتضي المتقدِّمين المتصرِّمين حين الأثر .

والتحقيق في رفع هذا الإِشكال أن يقال : إن الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها ، لا يخلو إما [ أن ] يكون المتقدم أو المتأخر شرطاً للتكليف ، أو الوضع ، أو المأمور به .

أما الأول : فكون أحدهما شرطاً له ، ليس إلا أن للحاظه دخلاً في تكليف الأمر ، كالشرط المقارن بعينه ، فكما أن اشتراطه بما يقارنه ليس إلا أن لتصوره دخلاً في أمره ، بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعي إلى الأمر ، كذلك المتقدم أو المتأخر .

وبالجملة : حيث كان الأمر من الأفعال الاختيارية ، كان من مبادئه بما هو كذلك تصوَّر الشيء بأطرافه ، ليرغب في طلبه والأمر به ، بحيث لولاه لما رغب فيه ولما أراده واختاره ، فيسمى كل واحد من هذه الأطراف التي لتصورها دخل في حصول الرغبة فيه وإرادته شرطاً ، لأجل دخل لحاظه في حصوله ، كان مقارناً له أو لم يكن كذلك ، متقدماً أو متأخراً ، فكما في المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطاً ، كان فيهما كذلك ، فلا إشكال ، وكذا الحال في شرائط الوضع مطلقاً ولو كان مقارناً ، فإن دخل شيء في الحكم به وصحة انتزاعه لدى الحاكم به ، ليس إلا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه ، وبدونه لا يكاد يصح اختراعه عنده ، فيكون دخل كل من المقارن وغيره بتصوره ولحاظه وهو مقارن ، فأين انخرام القاعدة العقلية في غير المقارن ؟ فتأمل تعرف .

وأما الثاني : فكون شيء شرطاً للمأمور به ليس إلا ما يحصل لذات المأمور به بالإِضافة إليه وجه وعنوان ، به يكون حسناً أو متعلقاً للغرض ، بحيث لولاها لما كان كذلك ، واختلاف الحسن والقبح والغرض باختلاف الوجوه والاعتبارات الناشئة من الإِضافات ، مما لا شبهة فيه ولا شك يعتريه ، والإِضافة كما تكون إلى المقارن تكون إلى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت أصلاً ، كما لا يخفى على المتأمل ، فكما تكون إضافة شيء إلى مقارن له موجباً لكونه

٩٣
 &

معنوناً بعنوان ، يكون بذلك العنوان حسناً ومتعلقاً للغرض ، كذلك إضافته إلى متأخر أو متقدم ؛ بداهة أن الاضافة إلى أحدهما ربما توجب ذلك أيضاً ، فلولا حدوث المتأخر في محله ، لما كانت للمتقدم تلك الإِضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه والأمر به ، كما هو الحال في المقارن أيضاً ، ولذلك أطلق عليه الشرط مثله ، بلا انخرام للقاعدة أصلاً ؛ لأن المتقدم أو المتاخر كالمقارن ليس إلا طرف الإِضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن ، وقد حقق في محله أنه بالوجوه والإعتبارات ، ومن الواضح أنها تكون بالإِضافات .

فمنشأ توهم الانخرام إطلاق الشرط على المتأخر ، وقد عرفت أن إطلاقه عليه فيه ، كإطلاقه على المقارن ، إنما يكون لأجل كونه طرفاً للإِضافة الموجبة للوجه ، الذي يكون بذاك الوجه مرغوباً ومطلوباً ، كما كان في الحكم لأجل دخل تصوره فيه ، كدخل تصور سائر الأطراف والحدود ، التي لولا لحاظها لما حصل له الرغبة في التكليف ، أو لما صح عنده الوضع .

وهذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الإِشكال ، في بعض فوائدنا (١) ، ولم يسبقني إليه أحد فيما أعلم ، فافهم واغتنم .

ولا يخفى أنها بجميع أقسامها داخلة في محل النزاع ، وبناء على الملازمة يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن والسابق ، إذ بدونه لا تكاد تحصل الموافقة ، ويكون سقوط الأمر بإتيان المشروط به مراعىً بإتيانه ، فلولا اغتسالها في الليل ـ على القول بالاشتراط ـ لما صح الصوم في اليوم .

الأمر الثالث : في تقسيمات الواجب

منها : تقسيمه إلى المطلق والمشروط ، وقد ذكر لكل منهما تعريفات

____________________________

(١) تعليقة المصنّف على فرائد الأصول ، كتاب الفوائد / ٣٠٢ ، فائدة في تقدم الشرط علىٰ المشروط .

٩٤
 &

وحدود ، تختلف بحسب ما أُخذ فيها من القيود ، وربما أُطيل الكلام بالنقض والإِبرام (١) في النقض على الطرد والعكس ، مع أنها ـ كما لا يخفى ـ تعريفات لفظية لشرح الاسم ، وليست بالحد ولا بالرسم ، والظاهر أنه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق والمشروط ، بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفي ، كما أن الظاهر أن وصفي الإِطلاق والاشتراط ، وصفان إضافيان لا حقيقيان ، وإلا لم يكد يوجد واجب مطلق ، ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الأمور ، لا أقل من الشرائط العامة ، كالبلوغ والعقل .

فالحريّ أن يقال : إن الواجب مع كل شيء يلاحظ معه ، إن كان وجوبه غير مشروط به ، فهو مطلق بالإِضافة إليه ، وإلا فمشروط كذلك ، وإن كانا بالقياس إلى شيء آخر كانا بالعكس .

ثم الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه ، أن نفس الوجوب فيه مشروط بالشرط ، بحيث لا وجوب حقيقة ، ولا طلب واقعاً قبل حصول الشرط ، كما هو ظاهر الخطاب التعليقي ؛ ضرورة أن ظاهر خطاب ( إن جاءك زيد فأكرمه ) كون الشرط من قيود الهيئة ، وأن طلب الإِكرام وإيجابه معلق على المجيء ، لا أن الواجب فيه يكون مقيداً به ، بحيث يكون الطلب والإِيجاب في الخطاب فعليّاً ومطلقاً ، وإنما الواجب يكون خاصاً ومقيداً ، وهو الإِكرام على تقدير المجيء ، فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة ، كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة (٢) أعلى الله مقامه ، مدعياً لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٤٣ ، الفصول / ٧٩ ، هداية المسترشدين / ١٩٢ ، قوانين الأصول ١ / ١٠٠ ، البدائع / ٣٠٤ .

(٢) مطارح الأنظار / ٤٥ ـ ٤٦ و ٥٢ ، في مقدمة الواجب .

هو الشيخ مرتضى بن محمد امين الدزفولي الانصاري النجفي ، ولد في دزفول ١٢١٤ ، قرأ أوائل امره على عمه الشيخ حسين ثم خرج مع والده الى زيارة مشاهد العراق وهو في العشرين من عمره ، بقي في كربلاء آخذاً عن الاستاذين السيد محمد مجاهد وشريف العلماء اربع

٩٥
 &

واقعاً ، ولزوم كونه من قيود المادة لبّاً ، مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية أنه من قيود الهيئة ظاهراً .

أما امتناع كونه من قيود الهيئة ، فلأنه لا إطلاق في الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة ، حتى يصح القول بتقييده بشرط ونحوه ، فكل ما يحتمل رجوعه إلى الطلب الذي يدل عليه الهيئة ، فهو عند التحقيق راجع إلى نفس المادة .

وأما لزوم كونه من قيود المادة لبّاً ، فلأن العاقل إذا توجه الى شيء والتفت إليه ، فإمّا أن يتعلق طلبه به ، أو لا يتعلق به طلبه أصلاً ، لا كلام على الثاني .

وعلى الأوّل : فإما أن يكون ذاك الشيء مورداً لطلبه وأمره مطلقاً على اختلاف طوارئه ، أو على تقدير خاص ، وذلك التقدير ، تارة يكون من الأمور الاختيارية ، واُخرىٰ لا يكون كذلك ، وما كان من الأمور الاختيارية ، قد يكون مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف ، وقد لا يكون كذلك ، على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به ، من غير فرق في ذلك بين القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، والقول بعدم التبعية ، كما لا يخفى ، هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل (١) المقرر لبحثه بأدنى تفاوت ، ولا يخفى ما فيه .

____________________________

سنوات ، ثم عاد الى وطنه ، ثم رجع الى العراق واخذ من الشيخ موسىٰ الجعفري سنتين ، عزم زيارة مشهد خراسان ماراً في طريقه على كاشان ، فاز بلقاء استاذه النراقي مما دعاه الى الاقامة فيها نحو ثلاث سنين ، ورد دزفول سنة ١٢٤١ ثم عاد الى النجف الاشرف سنة ١٢٤٩ فاختلف الى مدرسة الشيخ علي بن الشيخ جعفر ، ثم انتقل بالتدريس والتاليف ، ووضع اساس علم الاصول الحديث ، تخرج عليه الميرزا الشيرازي والميرزا حبيب الله الرشتي وغيرهما له مؤلفات منها « الرسائل » في الاصول و « المكاسب » انتهت اليه رئاسة الامامية . توفي في ١٨ جمادي الاخرة سنة ١٢٨١ ودفن في المشهد الغروي ( اعيان الشيعة ١٠ / ١١٧ ) .

(١) هو العلامة الميرزا أبو القاسم النوري ( ره ) ، على ما في مطارح الأنظار ، كما تقدم آنفاً .

٩٦
 &

أما حديث عدم الإِطلاق في مفاد الهيئة ، فقد حققناه سابقاً (١) ، إن كل واحد من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عاماً كوضعها ، وإنما الخصوصية من قبل الاستعمال كالأسماء ، وإنما الفرق بينهما أنها وضعت لتستعمل وقصد بها المعنى بما هو هو ، و الحروف وضعت لتستعمل وقصد بها معانيها بما هي آلة وحالة لمعاني المتعلقات ، فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارىء المعنى ، بل من مشخصات الاستعمال ، كما لا يخفى على أولي الدراية والنهى .

فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق ، قابل لأن يقيد ، مع أنه لو سلم أنه فرد ، فإنما يمنع عن التقيد لو أنشىء أوّلاً غير مقيد ، لا ما إذا أنشىء من الأول مقيداً ، غاية الأمر قد دل عليه بدالّين ، وهو غير إنشائه أولاً ثم تقييده ثانياً ، فافهم .

فإن قلت : على ذلك ، يلزم تفكيك الإِنشاء من المنشأ ، حيث لا طلب قبل حصول الشرط .

قلت : المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصوله ، فلا بد أن لا يكون قبل حصوله طلب وبعث ، وإلا لتخلف عن إنشائه ، وإنشاء أمر على تقدير كالإِخبار به بمكان من الإِمكان ، كما يشهد به الوجدان ، فتأمل جيداً .

وأما حديث (٢) لزوم رجوع الشرط إلى المادة لبّاً ففيه : إن الشيء إذا توجه إليه ، وكان موافقاً للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها ، كما يمكن أن يبعث فعلاً إليه ويطلبه حالاً ؛ لعدم مانع عن طلبه كذلك ، يمكن أن يبعث إليه معلقاً ، ويطلبه استقبالاً على تقدير شرط متوقّع الحصول لأجل مانع عن الطلب

____________________________

(١) راجع صفحة ١١ و ١٢ من هذا الكتاب ، الأمر الثاني في تعريف الوضع .

(٢) هذه هي الدعوى الإِيجابية التي ادعاها الشيخ ( قده ) ، من رجوع الشرط إلى المادة لباً . مطارح الأنظار / ٥٢ ، في مقدمة الواجب .

٩٧
 &

والبعث فعلاً قبل حصوله ، فلا يصح منه إلا الطلب والبعث معلقاً بحصوله ، لا مطلقاً ولو متعلقاً بذاك على التقدير ، فيصح منه طلب الإِكرام بعد مجيء زيد ، ولا يصح منه الطلب المطلق الحالي للإِكرام المقيد بالمجيء ، هذا بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها في غاية الوضوح .

وأما بناء على تبعيتها للمصالح والمفاسد في المأمور به ، والمنهي عنه فكذلك ؛ ضرورة أن التبعية كذلك ، إنما تكون في الأحكام الواقعية بما هي واقعية ، لا بما هي فعلية ، فإن المنع عن فعلية تلك الأحكام غير عزيز ، كما في موارد الأصول والأمارات على خلافها ، وفي بعض الأحكام في أول البعثة ، بل إلى يوم قيام القائم عجل الله فرجه ، مع أن حلال محمد ( صلّى الله عليه وآله ) حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، ومع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الأحكام باقياً مرّ الليالي والأيام ، إلى أن تطلع شمس الهداية ويرتفع (١) الظلام ، كما يظهر من الأخبار المروية (٢) عن الأئمة ( عليهم السلام ) .

فان قلت : فما فائدة الانشاء ؟ إذا لم يكن المنشأ به طلباً فعلياً ، وبعثاً حاليّاً .

قلت : كفى فائدة له أنه يصير بعثاً فعليّاً بعد حصول الشرط ، بلا حاجة إلى خطاب آخر ، بحيث لولاه لما كان فعلاً متمكناً من الخطاب ، هذا مع شمول الخطاب كذلك للإِيجاب فعلاً بالنسبة إلى الواجد للشرط ، فيكون بعثاً فعليّاً بالإِضافة إليه ، وتقديريّاً بالنسبة إلى الفاقد له ، فافهم وتأمل جيّداً .

____________________________

(١) في « ب » : ( وارتفع الظلام ) .

(٢) الكافي : ١ ، كتاب فضل العلم ، باب البدع والرأي والمقاييس الحديث ١٩ .

الكافي : ٢ كتاب الإِيمان والكفر ، باب الشرائع ، الحديث ٢ مع اختلاف يسير .

٩٨
 &

ثم الظاهر دخول المقدّمات الوجودية للواجب المشروط ، في محل النزاع (١) أيضاً ، فلا وجه لتخصيصه بمقدّمات الواجب المطلق ، غاية الأمر تكون في الإِطلاق والاشتراط تابعة لذي المقدمة كأصل الوجوب بناءً على وجوبها من باب الملازمة .

وأما الشرط المعلق عليه الإِيجاب في ظاهر الخطاب ، فخروجه مما لا شبهة فيه ، ولا ارتياب :

أما على ما هو ظاهر المشهور والمنصور ، لكونه مقدمة وجوبية .

وأما على المختار لشيخنا العلامة (٢) ـ أعلى الله مقامه ـ فلأنه وإن كان من المقدمات الوجودية للواجب ، إلا أنه أخذ على نحو لا يكاد يترشح عليه الوجوب منه ، فانه جعل الشيء واجباً على تقدير حصول ذاك الشرط ، فمعه كيف يترشح عليه الوجوب ويتعلق به الطلب ؟ وهل هو إلا طلب الحاصل ؟ نعم على مختاره ـ قدس سره ـ لو كانت له مقدمات وجودية غير معلق عليها وجوبه ، لتعلق بها الطلب في الحال على تقدير اتفاق وجود الشرط في الاستقبال ، وذلك لأن إيجاب ذي المقدمة على ذلك حالي ، والواجب إنما هو استقباليّ ، كما يأتي في الواجب المعلق (٣) ، فإن الواجب المشروط على مختاره ، هو بعينه ما اصطلح عليه صاحب الفصول (٤) من المعلق ، فلا تغفل .

هذا في غير المعرفة والتعلم من المقدمات ، وأما المعرفة ، فلا يبعد القول بوجوبها ، حتى في الواجب المشروط ـ بالمعنى المختار ـ قبل حصول شرطه ، لكنه لا بالملازمة ، بل من باب استقلال العقل بتنجز الأحكام على الأنام بمجرد قيام

____________________________

(١) كما في مطارح الأنظار / ٤٤ .

(٢) من رجوع الشرط إلى المادة لبّاً ، مطارح الأنظار / ٤٥ ـ ٤٦ و ٥٢ ، في مقدمة الواجب .

(٣) سيأتي في الصفحة ١٠٣ من هذا الكتاب ، عند قوله : وربما أشكل ... الخ .

(٤) الفصول / ٧٩ في آخر الصفحة .

٩٩
 &

احتمالها ، إلا مع الفحص واليأس عن الظفر بالدليل على التكليف ، فيستقل بعده بالبراءة ، وإن العقوبة على المخالفة بلا حجة وبيان ، والمؤاخذة عليها بلا برهان ، فافهم .

تذنيب : لا يخفى أن إطلاق الواجب على الواجب المشروط ، بلحاظ حال حصول الشرط على الحقيقة مطلقاً ، وأمّا بلحاظ حال قبل حصوله فكذلك على الحقيقة على مختاره (١) ـ قدس سره ـ في الواجب المشروط ؛ لأن الواجب وإن كان أمراً استقباليّاً عليه ، إلا أن تلبّسه بالوجوب في الحال ، ومجاز على المختار ، حيث لا تلبّس بالوجوب عليه قبله ، كما عن البهائي (٢) ( رحمه الله ) تصريحه بأن لفظ الواجب مجاز في المشروط ، بعلاقة الأول أو المشارفة .

وأما الصيغة مع الشرط ، فهي حقيقة على كل حال لاستعمالها على مختاره (٣) ـ قدس سره ـ في الطلب المطلق ، وعلى المختار في الطلب المقيد ، على نحو تعدد الدالّ والمدلول ، كما هو الحال فيما إذا أريد منها المطلق المقابل للمقيد ، لا المبهم المقسم ، فافهم .

ومنها : تقسيمه إلى المعلق والمنجز ، قال في الفصول (٤) : إنه ينقسم

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٤٥ ـ ٤٦ و ٥٢ في مقدمة الواجب .

(٢) زبدة الأصول / ٤٦ مخطوط .

هو بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي ، ولد في بعلبك عام ٩٥٣ هـ ، انتقل به والده وهو صغير الى الديار العجمية ، أخذ عن والده وغيره من الجهابذة ، ولي بها شيخ الإِسلام ، ثم أخذ في السياحة ثلاثين سنة ، واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل ، ثم عاد وقطن بأرض العجم ، له كتب كثيرة منها « الحبل المتين » و « الزبدة » في الأصول و « حاشية الشرح العضدي على مختصر الأصول » وغيرها ، له شعر كثير بالعربية والفارسية . قال تلميذه العلّامة المولى محمد تقي المجلسي : ما رأيت بكثرة علومه ووفور فضله وعلوّ مرتبته أحداً ، توفي سنة ١٠٣١ . ( أمل الآمل ١ / ١٥٥ رقم ١٥٨ ) .

(٣) راجع المصدر المتقدم في هامش رقم (١) .

(٤) الفصول / ٧٩ آخر الصفحة .

١٠٠