كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &



المقصد الأول : في الاوامر

وفيه فصول :

الأول : فيما يتعلق بمادة الأمر من الجهات ، وهي عديدة :

الأولى : إنه قد ذكر للفظ الأمر معانٍ متعددة ، منها الطلب ، كما يقال ، أمره بكذا .

ومنها الشأن ، كما يقال : شغله أمر كذا .

ومنها الفعل ، كما في قوله تعالى : ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (١) .

ومنها الفعل العجيب ، كما في قوله تعالى : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ) (٢) .

ومنها الشيء ، كما تقول : رأيت اليوم أمراً عجيباً .

ومنها الحادثة ، ومنها الغرض ، كما تقول : جاء زيد الأمر كذا .

ولا يخفى أن عدّ بعضها من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم ؛ ضرورة أن الأمر في ( جاء زيد لأمر [ كذا ] ) ما استعمل في معنى الغرض ، بل اللام قد دل على الغرض ، نعم يكون مدخوله مصداقه ، فافهم ، وهكذا الحال في قوله

____________________________

(١) هود : ٩٧ .

(٢) هود : ٦٦ ، ٨٢ .

٦١
 &

تعالى ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ) (١) يكون مصداقاً للتعجب ، لا مستعملاً في مفهومه ، وكذا في الحادثة والشأن .

وبذلك ظهر ما في دعوى الفصول (٢) ، من كون لفظ الأمر حقيقة في المعنيين الأولين ، ولا يبعد دعوى كونه حقيقة في الطلب في الجملة والشيء ، هذا بحسب العرف واللغة .

وأما بحسب الإِصطلاح ، فقد نقل (٣) الاتفاق على أنه حقيقة في القول المخصوص ، ومجاز في غيره ، ولا يخفى أنه عليه لا يمكن منه الاشتقاق ، فإن معناه ـ حينئذ ـ لا يكون معنى حدثياً ، مع أن الاشتقاقات منه ـ ظاهراً ـ تكون بذلك المعنى المصطلح عليه بينهم ، لا بالمعنى الآخر ، فتدبر .

ويمكن أن يكون مرادهم به هو الطلب بالقول لا نفسه تعبيراً عنه بما يدل عليه ، نعم القول المخصوص ـ أي صيغة الأمر ـ إذا أراد العالي بها الطلب يكون من مصاديق الأمر ، لكنه بما هو طلب مطلق أو مخصوص .

وكيف كان ، فالأمر سهل لو ثبت النقل ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، وإنما المهم بيان ما هو معناه عرفاً ولغة ، ليحمل عليه فيما إذا ورد بلا قرينة ، وقد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنة ، ولا حجة على أنه على نحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة والمجاز .

وما ذكر في الترجيح ، عند تعارض هذه الأحوال ، لو سلم ، ولم يعارض بمثله ، فلا دليل على الترجيح به ، فلا بد مع التعارض من الرجوع إلى الأصل في مقام العمل ، نعم لو علم ظهوره في أحد معانيه ، ولو إحتمل أنه كان للانسباق من الإِطلاق ، فليحمل عليه ، وإن لم يعلم أنه حقيقة فيه

____________________________

(١) هود : ٦٦ ، ٨٢ .

(٢) الفصول / ٦٢ ، القول في الأمر .

(٣) الفصول / ٦٢ ـ ٦٣ ، القول في الأمر .

٦٢
 &

بالخصوص ، أو فيما يعمه ، كما لا يبعد أن يكون كذلك في المعنى الأول .

الجهة الثانية : الظاهر اعتبار العلو في معنى الأمر ، فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً ، ولو أطلق عليه كان بنحو من العناية ، كما أن الظاهر عدم اعتبار الاستعلاء ، فيكون الطلب من العالي أمراً ولو كان مستخفضاً لجناحه .

وأما احتمال اعتبار أحدهما فضعيف ، وتقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه ، وتوبيخه بمثل : إنك لِمَ تأمره ، إنما هو على استعلائه ، لا على أمره حقيقة بعد استعلائه ، وإنما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه ، وكيف كان ، ففي صحة سلب الأمر عن طلب السافل ، ولو كان مستعلياً كفاية .

الجهة الثالثة : لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب ، لانسباقه عنه عند إطلاقه ، ويؤيّده قوله تعالى ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه ) (١) وقوله صلى الله عليه وآله (٢) : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ) وقوله صلى الله عليه وآله (٣) ـ لبريرة بعد قولها : أتأمرني يا رسول الله ؟ ـ : ( لا ، بل إنما أنا شافع ) إلى غير ذلك ، وصحة الاحتجاج على العبد ومؤاخذته بمجرد مخالفة أمره ، وتوبيخه على مجرد مخالفته ، كما في قوله تعالى ( مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) (٤) .

وتقسيمه إلى الإِيجاب والاستحباب ، إنما يكون قرينة على إرادة المعنى الأعم منه في مقام تقسيمه ، وصحة الاستعمال في معنى أعم من كونه على نحو

____________________________

(١) النور : ٦٣ .

(٢) غوالي اللآلي : ٢ / ٢١ الحديث ٤٣ .

(٣) الكافي : ٥ / ٤٨٥ ، التهذيب : ٧ / ٣٤١ ، الخصال : ١ / ١٩٠ .

(٤) الأعراف : ١٢ .

٦٣
 &

الحقيقة ، كما لا يخفى ، وأما ما أُفيد (١) من : أن الاستعمال فيهما ثابت ، فلو لم يكن موضوعاً للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز ، فهو غير مفيد ، لما مرت الإِشارة إليه في الجهة الأولى ، وفي تعارض الأحوال (٢) ، فراجع .

والاستدلال بأن فعل المندوب طاعة ، وكل طاعة فهو فعل المأمور به ، فيه ما لا يخفى من منع الكبرى ، لو أُريد من المأمور به معناه الحقيقي ، وإلا لا يفيد المدعى .

الجهة الرابعة : الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الأمر ، ليس هو الطلب الحقيقي الذي يكون طلباً بالحمل الشائع الصناعي ، بل الطلب الإِنشائي الذي لا يكون بهذا الحمل طلباً مطلقاً ، بل طلباً إنشائياً ، سواء أُنشىء بصيغة إفعل ، أو بمادة الطلب ، أو بمادة الأمر ، أو بغيرها ، ولو أبيت إلا عن كونه موضوعاً للطلب فلا أقل من كونه منصرفاً إلى الإِنشائي منه عند إطلاقه كما هو الحال في لفظ الطلب أيضاً ، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإِنشائي ، كما أن الأمر في لفظ الإِرادة على عكس لفظ الطلب ، والمنصرف عنها عند إطلاقها هو الإِرادة الحقيقية (٣) واختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة ، من المغايرة بين الطلب والإِرادة ، خلافاً لقاطبة أهل الحق والمعتزلة ، من اتحادهما ، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحق في المقام ، وإن حققناه في بعض فوائدنا إلا أن الحوالة لما لم تكن عن المحذور خالية ، والإِعادة [ ليست ] بلا فائدة ولا إفادة ، كان المناسب هو التعرض ها هنا أيضاً .

فاعلم ، أن الحق كما عليه أهله ـ وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشاعرة ـ هو اتحاد الطلب والإِرادة ، بمعنى أن لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد وما بإزاء

____________________________

(١) أفاده العلامة ( ره ) نهاية الأصول / ٦٤ مخطوطة .

(٢) في الأمر الثامن من المقدّمة ص ٢٠ .

(٣) في « ب » : الحقيقة .

٦٤
 &

أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر ، والطلب المنشأ بلفظه أو بغيره عين الإِرادة الإِنشائية ، وبالجملة هما متحدان مفهوماً وإنشاءً وخارجاً ، لا أن الطلب الإِنشائي الذي هو المنصرف إليه إطلاقه ـ كما عرفت ـ متحد مع الإِرادة الحقيقية (١) التي ينصرف إليها إطلاقها أيضاً ، ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس . فإذا عرفت المراد من حديث العينية والاتحاد ، ففي مراجعة الوجدان عند طلب شيء والأمر به حقيقة كفاية ، فلا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان ، فإن الإِنسان لا يجد غير الإِرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها ، يكون هو الطلب غيرها ، سوى ما هو مقدمة تحققها ، عند خطور الشيء والميل وهيجان الرغبة إليه ، والتصديق لفائدته ، وهو الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلبه لأجلها .

وبالجملة : لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإِرادة هناك صفة أخرى قائمة بها يكون هو الطلب ، فلا محيص (٢) عن اتحاد الإِرادة والطلب ، وأن يكون ذاك الشوق المؤكد المستتبع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة ، أو المستتبع الأمر عبيده به فيما لو أراده لا كذلك ، مسمى بالطلب والإِرادة كما يعبر به تارة وبها أخرى ، كما لا يخفى . وكذا الحال في سائر الصيغ الإِنشائية ، والجمل الخبرية ، فإنه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس ، من الترجي والتمني والعلم إلى غير ذلك ، صفة أخرى كانت قائمة بالنفس ، وقد دل اللفظ عليها ، كما قيل :

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وقد انقدح بما حققناه ، ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة بالأمر مع عدم الإرادة ، كما في صورتي الاختبار والاعتذار من الخلل ، فإنه كما لا إرادة

____________________________

(١) في « ب » : الحقيقة .

(٢) في النسختين فلا محيص إلّا ، والظاهر « إلّا » هنا مقحمة في السياق .

٦٥
 &

حقيقة في الصورتين ، لا طلب كذلك فيهما ، والذي يكون فيهما إنما هو الطلب الإِنشائي الإِيقاعي ، الذي هو مدلول الصيغة أو المادة ، ولم يكن بيّناً ولا مبيّناً في الاستدلال مغايرته مع الإِرادة الإِنشائية .

وبالجملة : الذي يتكفله الدليل ، ليس إلا الانفكاك بين الإِرادة الحقيقية ، والطلب المنشأ بالصيغة الكاشف عن مغايرتهما . وهو مما لا محيص عن الالتزام به ، كما عرفت ، ولكنه لا يضر بدعوى الاتحاد أصلاً ، لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقي والإِنشائي ، كما لا يخفي .

ثم إنه يمكن ـ مما حققناه ـ أن يقع الصلح بين الطرفين ، ولم يكن نزاع في البين ، بأن يكون المراد بحديث الاتحاد ما عرفت من العينية مفهوماً ووجوداً حقيقياً وإنشائيّاً ، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينية هو اثنينية الإِنشائي من الطلب ، كما هو كثيراً ما يراد من إطلاق لفظه ، والحقيقي من الإِرادة ، كما هو المراد غالباً منها حين إطلاقها ، فيرجع النزاع لفظياً ، فافهم .

دفع وهم (١) : لا يخفي أنه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة ، من نفي غير الصّفات المشهورة ، وأنه ليس صفة أخرى قائمة بالنفس كانت كلاماً نفسياً مدلولاً للكلام اللفظي ، كما يقول به الأشاعرة ، إن هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام .

إن قلت : فماذا يكون مدلولاً عليه عند الأصحاب والمعتزلة ؟ .

قلت : أما الجمل الخبرية ، فهي دالّة على ثبوت النسبة بين طرفيها ، أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج ، كالإِنسان نوع أو كاتب .

وأما الصيغ الإِنشائية ، فهي ـ على ما حققناه في بعض فوائدنا (٢) ـ موجدة

____________________________

(١) المتوهم هو القوشجي ، راجع شرح تجريد العقائد للقوشجي / ٢٤٦ ، عند البحث عن المسموعات .

(٢) تعليقة المصنف على الفرائد ، كتاب الفوائد / ٢٨٥ .

٦٦
 &

لمعانيها في نفس الأمر ، أي قصد ثبوت معانيها وتحققها بها ، وهذا نحو من الوجود ، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبارٍ مترتب عليه شرعاً وعرفاً آثار ، كما هو الحال في صيغ العقود والإِيقاعات .

نعم لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجي والتمني ـ بالدلالة الالتزامية ـ على ثبوت هذه الصفات حقيقة ، إما لأجل وضعها لإِيقاعها ، فيما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات ، أو انصراف إطلاقها إلى هذه الصورة ، فلو لم تكن هناك قرينة ، كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها ، لأجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمة بالنفس ، وضعاً أو إطلاقاً .

إشكال ودفع : أما الإِشكال ، فهو إنه يلزم بناءً على اتحاد الطلب والإِرادة ، في تكليف الكفار بالإِيمان ، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان ، إما أن لا يكون هناك تكليف جدي ، إن لم يكن هناك إرادة ، حيث أنه لا يكون حينئذ طلب حقيقي ، واعتباره في الطلب الجدي ربما يكون من البديهي ، وإن كان هناك إرادة ، فكيف تتخلف عن المراد ؟ ولا يكاد تتخلف ، إذا أراد الله شيئاً يقول له : كن فيكون .

وأما الدفع ، فهو إن استحاله التخلف إنما تكون في الإِرادة التكوينية وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التام ، دون الإِرادة التشريعية ، وهي العلم بالمصلحة في فعل المكلف . وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإِرادة التشريعية لا التكوينية ، فإذا توافقتا فلا بد من الإِطاعة والإِيمان ، وإذا تخالفتا ، فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان .

إن قلت : إذا كان الكفر والعصيان والإِطاعة والإِيمان ، بإرادته تعالى التي لا يكاد تتخلف عن المراد ، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف ، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلاً .

٦٧
 &

قلت : إنما يخرج بذلك عن الاختيار ، لو لم يكن تعلق الإِرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية ، وإلا فلا بد من صدورها بالاختيار ، وإلا لَزِم تخلف إرادته عن مراده ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً .

إن قلت : إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين بإرادتهما ، إلا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار ، كيف ؟ وقد سبقهما الإِرادة الأزلية والمشيّة الإِلۤهية ، ومعه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار ؟ .

قلت : العقاب إنما بتبعة الكفر والعصيان التابعين للاختيار الناشىء عن مقدماته ، الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما ، فإن ( السعيد سعيد في بطن أمه ، والشقي شقي في بطن أمه ) (١) و ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ) (٢) ، كما في الخبر ، والذاتي لا يعلّل ، فانقطع سؤال : إنه لِمَ جعل السعيد سعيداً والشقي شقياً ؟ فإن السعيد سعيد بنفسه والشقي شقي كذلك ، وإنما أوجدهما الله تعالى ( قلم اينجا رسيد سر بشكست ) (٣) ، قد إنتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام ، ومن الله الرشد والهداية وبه الاعتصام .

وهم ودفع : لعلك تقول : إذا كانت الإِرادة التشريعية منه تعالى عين علمه بصلاح الفعل ، لزم ـ بناء على أن تكون عين الطلب ـ كون المنشأ بالصيغة في الخطابات الإِلهية هو العلم ، وهو بمكان من البطلان .

____________________________

(١) ورد بهذا المضمون في توحيد الصدوق / ٣٥٦ الباب ٥٨ الحديث ٣ .

(٢) الروضة من الكافي ٨ / ١٧٧ ، الحديث ١٩٧ .

مسند أحمد بن حنبل ٢ / ٥٣٩ وفيه تقديم الفضّة على الذهب . وقريب منه في هذا المصدر صفحة ٢٥٧ ، ٢٦٠ ، ٣٩١ ، ٤٣٨ ، ٤٨٥ ، ٤٩٨ ، ٥٢٥ والبخاري ٤ / ٢١٦ .

(٣) يريد المؤلف ( ره ) : وهنا يقف القلم ، لأن الكلام انتهى الى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام ، وما بين القوسين ، تعبير فارسي ترجمته : لما وصل القلم الى هنا انكسر رأسه .

٦٨
 &

لكنك غفلت عن أن اتحاد الإِرادة مع العلم بالصلاح ، إنما يكون خارجاً لا مفهوماً ، وقد عرفت (١) أن المنشأ ليس إلا المفهوم ، لا الطلب الخارجي ، ولا غرو أصلاً في اتحاد الإِرادة والعلم عيناً وخارجاً ، بل لا محيص عنه في جميع صفاته تعالى ؛ لرجوع الصفات إلى ذاته المقدسة ، قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه (٢) : ( وكمال توحيده الإِخلاص له ، وكمال الإِخلاص له نفي الصفات عنه ) .

الفصل الثاني

فيما يتعلق بصيغة الأمر وفيه مباحث :

الأول : إنه ربما يذكر للصيغة معان قد استعملت فيها ، وقد عد منها : الترجي ، والتمني ، والتهديد ، والإِنذار ، والإِهانة ، والاحتقار ، والتعجيز ، والتسخير ، إلى غير ذلك ، وهذا كما ترى ، ضرورة أن الصيغة ما استعملت في واحد منها ، بل لم يستعمل إلا في إنشاء الطلب ، إلا أن الداعي إلى ذلك ، كما يكون تارة هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي ، يكون أخرى أحد هذه الأمور ، كما لا يخفى .

[ و ] قصارى ما يمكن أن يدعى ، أن تكون الصيغة موضوعة لإِنشاء الطلب فيما إذا كان بداعي البعث والتحريك لا بداعٍ آخر منها ، فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقة ، وإنشاؤه بها تهديداً مجازاً ، وهذا غير كونها مستعملة في التهديد وغيره ، فلا تغفل .

إيقاظ : لا يخفى أن ما ذكرناه في صيغة الأمر ، جار في سائر الصيغ الإِنشائية ، فكما يكون الداعي إلى إنشاء التمني أو الترجي أو الاستفهام

____________________________

(١) مرّ في صفحة ٦٦ من هذا الكتاب عند قوله : وأما الصيغ الإِنشائية ... الخ .

(٢) نهج البلاغة / ٣٩ الخطبة الأولى .

٦٩
 &

بصيغها ، تارة هو ثبوت هذه الصفات حقيقة ، يكون الداعي غيرها أخرى ، فلا وجه للالتزام بانسلاخ صيغها عنها ، واستعمالها في غيرها ، إذا وقعت في كلامه تعالى ، لاستحالة مثل هذه المعاني في حقه تبارك وتعالى ، مما لازمه العجز أو الجهل ، وأنه لا وجه له ، فإن المستحيل إنما هو الحقيقي منها لا الإِنشائي الإِيقاعي ، الذي يكون بمجرد قصد حصوله بالصيغة ، كما عرفت ، ففي كلامه تعالى قد استعملت في معانيها الإِيقاعية الإِنشائية أيضاً ، لا لإِظهار ثبوتها حقيقة ، بل لأمر آخر حسب ما يقتضيه الحال من إظهار المحبة أو الإِنكار أو التقرير إلى غير ذلك ، ومنه ظهر أن ما ذكر من المعاني الكثيرة لصيغة الاستفهام ليس كما ينبغي أيضاً .

المبحث الثاني : في أن الصيغة حقيقة في الوجوب ، أو في الندب ، أو فيهما ، أو في المشترك بينهما ، وجوه بل أقوال ، لا يبعد تبادر الوجوب عند استعمالها بلا قرينة ، ويؤيده عدم صحة الاعتذار عن المخالفة باحتمال إرادة الندب ، مع الاعتراف بعدم دلالته عليه بحال أو مقال ، وكثرة الاستعمال فيه في الكتاب والسنة وغيرهما لا يوجب نقله إليه أو حمله عليه (١) ، لكثرة استعماله في الوجوب أيضاً ، مع أن الاستعمال وإن كثر فيه ، إلا أنه كان مع القرينة المصحوبة ، وكثرة الاستعمال كذلك في المعنى المجازي لا توجب صيرورته مشهوراً فيه ، ليرجح أو يتوقف ، على الخلاف في المجاز المشهور ، كيف ؟ وقد كثر استعمال العام في الخاص ، حتى قيل : ( ما من عام إلا وقد خص ) ولم ينثلم به ظهوره في العموم ، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة بالخصوص على إرادة الخصوص .

المبحث الثالث : هل الجمل الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب والبعث ـ مثل : يغتسل ، ويتوضأ ، ويعيد ـ ظاهرة في الوجوب أو لا ؟ لتعدد

____________________________

(١) هذا تعريض بصاحب المعالم ( قدس سره ) ، معالم الدين / ٤٨ ، فصل في الأوامر : فائدة .

٧٠
 &

المجازات فيها ، وليس الوجوب بأقواها ، بعد تعذر حملها على معناها من الأخبار ، بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها .

الظاهر الأول ، بل تكون أظهر من الصيغة ، ولكنه لا يخفى أنه ليست الجمل الخبرية الواقعة في ذلك المقام ـ أي الطلب ـ مستعملة في غير معناها ، بل تكون مستعملة فيه ، إلا أنه ليس بداعي الإِعلام ، بل بداعي البعث بنحو آكد ، حيث أنه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه ، إظهاراً بأنه لا يرضى إلا بوقوعه ، فيكون آكد في البعث من الصيغة ، كما هو الحال في الصيغ الإِنشائية ، على ما عرفت من أنها أبداً تستعمل في معانيها الإِيقاعية لكن بدواعٍ أخر ، كما مر (١) .

لا يقال : كيف ؟ ويلزم الكذب كثيراً ، لكثرة عدم وقوع المطلوب كذلك في الخارج ، تعالى الله وأولياؤه عن ذلك علواً كبيراً .

فإنه يقال : إنما يلزم الكذب ، إذا أتى بها بداعي الإِخبار والإِعلام ، لا لداعي البعث ، كيف ؟ وإلا يلزم الكذب في غالب الكنايات ، فمثل ( زيد كثير الرماد ) أو ( مهزول الفصيل ) لا يكون كذباً ، إذا قيل كناية عن جوده ، ولو لم يكن له رماد أو فصيل أصلاً ، وإنما يكون كذباً إذا لم يكن بجواد ، فيكون الطلب بالخبر في مقام التأكيد أبلغ ، فإنه مقال بمقتضى الحال . هذا مع أنه إذا أتى بها في مقام البيان ، فمقدمات الحكمة مقتضية لحملها على الوجوب ، فإن تلك النكتة إن لم تكن موجبة لظهورها فيه ، فلا أقل من كونها موجبة لتعينه من بين محتملات ما هو بصدده ، فإن شدة مناسبة الإخبار بالوقوع مع الوجوب ، موجبة لتعيّن إرادته إذا كان بصدد البيان ، مع عدم نصب قرينة خاصة على غيره ، فافهم .

____________________________

(١) في المبحث الأول من هذا الفصل ، عند قوله ( قدس سره ) : إيقاظ / ٦٩ .

٧١
 &

المبحث الرابع : إنه إذا سلم أن الصيغة لا تكون حقيقة في الوجوب ، هل لا تكون ظاهرة فيه أيضاً أو تكون ؟ قيل بظهورها فيه ، إما لغلبة الاستعمال فيه ، أو لغلبة وجوده أو أكمليته ، والكل كما ترى ، ضرورة أن الاستعمال في الندب وكذا وجوده ، ليس بأقل لو لم يكن بأكثر . وأما الأكملية فغير موجبة للظهور ، إذ الظهور لا يكاد يكون إلا لشدة أنس اللفظ بالمعنى ، بحيث يصير وجهاً له ، ومجرد الأكملية لا يوجبه ، كما لا يخفى ، نعم فيما كان الأمر بصدد البيان ، فقضية مقدمات الحكمة هو الحمل على الوجوب ، فإن الندب كأنه يحتاج إلى مؤونة بيان التحديد والتقييد ، بعدم المنع من الترك ، بخلاف الوجوب ، فإنه لا تحديد فيه للطلب ولا تقييد ، فإطلاق اللفظ وعدم تقييده مع كون المطلق في مقام البيان ، كاف في بيانه ، فافهم .

المبحث الخامس : إن إطلاق الصيغة هل يقتضي كون الوجوب توصليّاً ، فيجزي إتيانه مطلقاً ، ولو بدون قصد القربة ، أو لا ؟ فلا بد من الرجوع فيما شك في تعبديته وتوصليته إلى الأصل .

لا بد في تحقيق ذلك من تمهيد مقدمات :

إحداها : الوجوب التوصلي ، هو ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصول الواجب ، ويسقط بمجرد وجوده ، بخلاف التعبدي ، فإن الغرض منه لا يكاد يحصل بذلك ، بل لا بد ـ في سقوطه وحصول غرضه ـ من الإِتيان به متقرباً به منه تعالى .

ثانيتها : إن التقرب المعتبر في التعبدي ، إن كان بمعنى قصد الامتثال والإِتيان بالواجب بداعي أمره ، كان مما يعتبر في الطاعة عقلاً ، لا مما أخذ في نفس العبادة شرعاً ، وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يتأتى إلا من قبل الأمر بشيء في متعلق ذاك الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً ، فما لم تكن نفس الصلاة متعلقة للأمر ، لا يكاد يمكن إتيانها بقصد امتثال أمرها .

٧٢
 &

وتوهم إمكان تعلق الأمر بفعل الصلاة بداعي الأمر ، وإمكان الاتيان بها بهذا الداعي ، ضرورة إمكان تصور الأمر بها مقيدة ، والتمكن من إتيانها كذلك ، بعد تعلق الأمر بها ، والمعتبر من القدرة المعتبرة عقلاً في صحة الأمر إنما هو في حال الامتثال لا حال الأمر ، واضح الفساد ؛ ضرورة أنه وإن كان تصورها كذلك بمكان من الإِمكان ، إلا أنه لا يكاد يمكن الإِتيان بها بداعي أمرها ؛ لعدم الأمر بها ، فإن الأمر حسب الفرض تعلق بها مقيدة بداعي الأمر ، ولا يكاد يدعو الأمر إلا إلى ما تعلق به ، لا إلى غيره .

إن قلت : نعم ، ولكن نفس الصلاة أيضاً صارت مأمورة بها بالأمر بها مقيدة .

قلت : كلّا ؛ لأن ذات المقيد لا تكون مأموراً بها ، فإن الجزء التحليلي العقلي لا يتصف بالوجوب أصلاً ، فإنه ليس إلا وجود واحد واجب بالوجوب النفسي ، كما ربما يأتي في باب المقدمة .

إن قلت : نعم ، لكنه إذا أخذ قصد الامتثال شرطاً ، وأما إذا أخذ شطراً ، فلا محالة نفس الفعل الذي تعلق الوجوب به مع هذا القصد ، يكون متعلقاً للوجوب ، إذ المركب ليس إلا نفس الأجزاء بالأسر ، ويكون تعلقه بكل بعين تعلقه بالكل ، ويصح أن يؤتى به بداعي ذاك الوجوب ؛ ضرورة صحة الإِتيان بأجزاء الواجب بداعي وجوبه .

قلت : مع امتناع اعتباره كذلك ، فإنه يوجب تعلق الوجوب بأمر غير اختياري ، فإن الفعل وإن كان بالإِرادة اختيارياً ، إلا أن إرادته ـ حيث لا تكون بإرادة أخرى ، وإلا لتسلسلت ـ ليست باختيارية ، كما لا يخفى . إنما يصح الإِتيان بجزء الواجب بداعي وجوبه في ضمن إتيانه بهذا الداعي ، ولا يكاد يمكن الإِتيان بالمركب عن قصد الامتثال ، بداعي امتثال أمره .

٧٣
 &

إن قلت : نعم (١) ، لكن هذا كله إذا كان إعتباره في المأمور به بأمر واحد ، وأما إذا كان بأمرين : تعلق أحدهما بذات الفعل ، وثانيهما بإتيانه بداعي أمره ، فلا محذور أصلاً ، كما لا يخفى . فللآمر أن يتوسل بذلك في الوصلة إلى تمام غرضه ومقصده ، بلا منعة .

قلت : ـ مضافاً إلى القطع بأنه ليس في العبادات إلا أمر واحد ، كغيرها من الواجبات والمستحبات ، غاية الأمر يدور مدار الامتثال وجوداً وعدماً فيها المثوبات والعقوبات ، بخلاف ما عداها ، فيدور فيه خصوص المثوبات ، وأما العقوبة فمترتبة على ترك الطاعة ومطلق الموافقة ـ أن الأمر الأول إن كان يسقط بمجرد موافقته ، ولو لم يقصد به الامتثال ، كما هو قضية الأمر الثاني ، فلا يبقى مجال لموافقة الثاني مع موافقة الأول بدون قصد امتثاله ، فلا يتوسل الآمر إلى غرضه بهذه الحيلة والوسيلة ، وإن لم يكد يسقط بذلك ، فلا يكاد يكون له وجه ، إلا عدم حصول غرضه بذلك من أمره ؛ لاستحالة سقوطه مع عدم حصوله ، وإلا لما كان موجباً لحدوثه ، وعليه فلا حاجة في الوصول إلى غرضه إلى وسيلة تعدد الأمر ، لاستقلال العقل ، مع عدم حصول غرض الآمر بمجرد موافقة الأمر بوجوب الموافقة على نحو يحصل به غرضه ، فيسقط أمره .

هذا كله إذا كان التقرب المعتبر في العبادة بمعنى قصد الامتثال .

وأما إذا كان بمعنى الإِتيان بالفعل بداعي حسنه ، أو كونه ذا مصلحة [ أو له تعالى ] (٢) ، فاعتباره في متعلق الأمر وإن كان بمكان من الإِمكان ، إلا أنه غير معتبر فيه قطعاً ، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال ، الذي عرفت

____________________________

(١) إشارة الى ما أفاده صاحب التقريرات في مطارح الأنظار / ٦٠ ، السطر الأخير ، في التعبدي والتوصلي .

(٢) سقطت من « أ » .

٧٤
 &

عدم إمكان أخذه فيه بديهة .

تأمل فيما ذكرناه في المقام ، تعرف حقيقة المرام ، كي لا تقع فيما وقع فيه من الاشتباه بعض الأعلام .

ثالثتها : إنه إذا عرفت بما لا مزيد عليه ، عدم إمكان أخذ قصد الامتثال في المأمور به أصلاً ، فلا مجال للاستدلال بإطلاقه ـ ولو كان مسوقاً في مقام البيان ـ على عدم اعتباره ، كما هو أوضح من أن يخفى ، فلا يكاد يصح التمسك به إلا في ما يمكن اعتباره فيه .

فانقدح بذلك أنه لا وجه لاستظهار التوصلية من إطلاق الصيغة بمادتها ، ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل الوجه مما هو ناشىء من قبل الأمر ، من إطلاق المادة في العبادة لو شك في اعتباره فيها ، نعم إذا كان الآمر في مقام بصدد بيان تمام ما له دخل في حصول غرضه ، وإن لم يكن له دخل في متعلق أمره ، ومعه سكت في المقام ، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله ، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه ، وإلا لكان سكوته نقضاً له وخلاف الحكمة ، فلا بد عند الشك وعدم إحراز هذا المقام ، من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل ويستقل به العقل .

فاعلم : أنه لا مجال ـ ها هنا ـ إلا لأصالة الاشتغال ، ولو قيل بأصالة البراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، وذلك لأن الشك ها هنا في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم ، مع استقلال العقل بلزوم الخروج عنها ، فلا يكون العقاب ـ مع الشك وعدم إحراز الخروج ـ عقاباً بلا بيان ، والمؤاخذة عليه بلا برهان ، ضرورة أنه بالعلم بالتكليف تصح المؤاخذة على المخالفة ، وعدم الخروج عن العهدة ، لو اتفق عدم الخروج عنها بمجرد الموافقة بلا قصد القربة ، وهكذا الحال في كل ما شك دخله في الطاعة ، والخروج به عن العهدة ، مما لا يمكن اعتباره في المأمور به كالوجه والتمييز .

نعم : يمكن أن يقال : إن كلّ ما ربما يحتمل بدواً دخله في الامتثال ،

٧٥
 &

أمراً كان مما يغفل عنه غالباً العامة (١) ، كان على الآمر بيانه ، ونصب قرينة على دخله واقعاً ، وإلّا لأخل بما هو همّه وغرضه ، [ و ] أما إذا لم ينصب دلالة على دخله ؛ كشف عن عدم دخله ، وبذلك يمكن القطع بعدم دخل الوجه والتمييز في الطاعة بالعبادة ، حيث ليس منهما عين ولا أثر في الأخبار والآثار ، وكانا مما يغفل عنه العامة ، وإن احتمل اعتباره بعض الخاصة ، فتدبر جيّداً .

ثم إنه لا أظنك أن تتوهم وتقول : إن أدلة البراءة الشرعية مقتضية لعدم الاعتبار ، وإن كان قضية الاشتغال عقلاً هو الاعتبار ، لوضوح أنه لا بد في عمومها من شيء قابل للرفع والوضع شرعاً ، وليس ها هنا ، فإن دخل قصد القربة ونحوها في الغرض ليس بشرعي ، بل واقعي . ودخل الجزء والشرط فيه وإن كان كذلك ، إلا أنهما قابلان للوضع والرفع شرعاً ، فبدليل الرفع ـ ولو كان أصلاً ـ يكشف أنه ليس هناك أمر فعلي بما يعتبر فيه المشكوك ، يجب الخروج عن عهدته عقلاً ، بخلاف المقام ، فإنه علم بثبوت الأمر الفعلي ، كما عرفت ، فافهم .

المبحث السادس : قضية إطلاق الصيغة ، كون الوجوب نفسياً تعينيّاً عينياً ، لكون كل واحد مما يقابلها يكون فيه تقييد الوجوب وتضيق دائرته ، فإذا كان في مقام البيان ، ولم ينصب قرينة عليه ، فالحكمة تقتضي كونه مطلقاً ، وجب هناك شيء آخر أو لا ، أتى بشيء آخر أو لا ، أتى به آخر أو لا ، كما هو واضح لا يخفى .

المبحث السابع : أنه اختلف القائلون بظهور صيغة الأمر في الوجوب وضعاً أو إطلاقاً فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهمه على أقوال :

____________________________

(١) هذا ما أثبتناه من « أ وب » ، وفي بعض النسخ المطبوعة هكذا ( إن كل ما يحتمل بدواً دخله في الامتثال وكان مما يغفل عنه غالباً العامة ) .

٧٦
 &

نسب (١) إلى المشهور ظهورها في الإِباحة ، وإلى بعض العامّة (٢) ظهورها في الوجوب ، وإلى بعضٍ (٣) تبعيتها لما قبل النهي ، إن علق الأمر بزوال علّة النهي ، إلى غير ذلك .

والتحقيق : إنّه لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال ، فإنّه قلّ مورد منها يكون خالياً عن قرينة على الوجوب ، أو الإِباحة ، أو التبعية ، ومع فرض التجريد عنها ، لم يظهر بعدُ كون عقيب الحظر موجباً لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه .

غاية الأمر يكون موجباً لإِجمالها ، غير ظاهرة في واحد منها إلّا بقرينة أخرى ، كما أشرنا .

المبحث الثامن : الحق أن صيغة الأمر مطلقاً ، لا دلالة لها على المرة ولا التكرار ، فإن المنصرف عنها ، ليس إلا طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها ، فلا دلالة لها على أحدهما ، لا بهيئتها ولا بمادتها ، والاكتفاء بالمرّة ، فإنّما هو لحصول الامتثال بها في الأمر بالطبيعة ، كما لا يخفى .

ثم لا يذهب عليك : إن الإتفاق على أن المصدر المجرّد عن اللام والتنوين ، لا يدلّ إلّا على الماهية ـ على ما حكاه السكاكي (٤) ـ لا يوجب كون النزاع ها هنا في الهيئة ـ كما في الفصول (٥) ـ فإنه غفلة وذهول عن [ أنّ ] كون المصدر كذلك لا يوجب الاتفاق على أن مادة الصيغة لا تدلّ إلا على

____________________________

(١) راجع الفصول / ٧٠ ، وبدائع الأفكار في النسخة الثانية من نسختي الأوامر / ٢٩٤ .

(٢) البصري في المعتمد / ٧٥ ، باب في صيغة الأمر الواردة بعد حظر ، والبيضاوي وغيره راجع الإِبهاج في شرح المنهاج للسبكي : ٢ / ٤٣ .

(٣) كالعضدي ، شرح مختصر الأصول / ٢٠٥ ، في مسألة وقوع صيغة الأمر بعد الحظر .

(٤) مفتاح العلوم

(٥) الفصول / ٧١ ، فصل : الحق أن هيئة ... الخ .

٧٧
 &

الماهية ، ضرورة أن المصدر ليس (١) مادة لسائر المشتقات ، بل هو صيغة مثلها ، كيف ؟ وقد عرفت في باب المشتق مباينة المصدر وسائر المشتقات بحسب المعنى ، فكيف بمعناه يكون مادة لها ؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في مادتها ، كما لا يخفى .

إن قلت : فما معنى ما اشتهر من كون المصدر أصلاً في الكلام .

قلت : مع أنّه محلّ الخلاف ، معناه أن الذي وضع أولاً بالوضع الشخصي ، ثم بملاحظته وضع نوعيّاً أو شخصياً سائر الصيغ التي تناسبه ، مما جمعه معه مادة لفظ متصورة في كل منها ومنه ، بصورة ومعنى كذلك ، هو المصدر أو الفعل ، فافهم .

ثم المراد بالمرة والتكرار ، هل هو الدفعة والدفعات ؟ أو الفرد والأفراد ؟

والتحقيق : أن يقعا بكلا المعنيين محل النزاع ، وإن كان لفظهما ظاهراً في المعنى الأول ، وتوهم (٢) أنّه لو أُريد بالمرة الفرد ، لكان الأنسب ، بل اللازم أن يجعل هذا المبحث تتمة للمبحث الآتي ، من أن الأمر هل يتعلق بالطبيعة أو بالفرد ؟ فيقال عند ذلك وعلى تقدير تعلقه بالفرد ، هل يقتضي التعلق بالفرد الواحد أو المتعدد ؟ أو لا يقتضي شيئاً منهما ؟ ولم يحتج إلى إفراد كل منهما بالبحث كما فعلوه ، وأما لو أُريد بها الدفعة ، فلا علقة بين المسألتين ، كما لا يخفى ، فاسد ، لعدم العلقة بينهما لو أريد بها الفرد أيضاً ، فإن الطلب على القول بالطبيعة إنما يتعلق بها باعتبار وجودها في الخارج ، ضرورة أن الطبيعة من حيث هي ليست إلا هي ، لا مطلوبة ولا غير مطلوبة ، وبهذا الاعتبار كانت مرددة بين المرة والتكرار بكلا المعنيين ، فيصحّ النزاع في دلالة الصيغة على المرة والتكرار بالمعنيين وعدمها .

____________________________

(١) في « أ وب » ليست .

(٢) المتوهم هو صاحب الفصول ، الفصول / ٧١ .

٧٨
 &

أمّا بالمعنى الأول فواضح ، وأما بالمعنى الثاني فلوضوح أن المراد من الفرد أو الأفراد وجود واحد أو وجودات ، وإنّما عبر بالفرد لأن وجود الطبيعة في الخارج هو الفرد ، غاية الأمر خصوصيته وتشخصه على القول بتعلق الأمر بالطبائع يلازم المطلوب وخارج عنه ، بخلاف القول بتعلقه بالأفراد ، فإنه مما يقوّمه .

تنبيه : لا إشكال بناءً على القول بالمرة في الامتثال ، وأنه لا مجال للاتيان بالمأمور به ثانياً ، على أن يكون أيضاً به الامتثال ، فإنه من الامتثال بعد الامتثال . وأما على المختار من دلالته على طلب الطبيعة من دون دلالة على المرة ولا على التكرار ، فلا يخلو الحال : إما أن لا يكون هناك إطلاق الصيغة في مقام البيان ، بل في مقام الإِهمال أو الإِجمال ، فالمرجع هو الأصل . وإما أن يكون إطلاقها في ذلك المقام ، فلا إشكال في الاكتفاء بالمرة في الامتثال ، وإنما الإِشكال في جواز أن لا يقتصر عليها ، فإن لازم إطلاق الطبيعة المأمور بها ، هو الإِتيان بها مرة أو مراراً ، لا لزوم الإقتصار على المرة ، كما لا يخفى .

والتحقيق : إن قضية الإِطلاق إنما هو جواز الإِتيان بها مرة في ضمن فرد أو أفراد ، فيكون إيجادها في ضمنها نحواً من الامتثال ، كإيجادها في ضمن الواحد ، لا جواز الإِتيان بها مرة ومرات ، فإنه مع الإِتيان بها مرة لا محالة يحصل الامتثال ويسقط به الأمر ، فيما إذا كان امتثال الأمر علة تامة لحصول الغرض الأقصى ، بحيث يحصل بمجرده ، فلا يبقى معه مجال لإِتيانه ثانياً بداعي امتثال آخر ، أو بداعي أن يكون الإِتيانان امتثالاً واحداً ؛ لما عرفت من حصول الموافقة بإتيانها ، وسقوط الغرض معها ، وسقوط الأمر بسقوطه ، فلا يبقى مجال لامتثاله أصلاً ، وأما إذا لم يكن الامتثال علة تامة لحصول الغرض ، كما إذا أمر بالماء ليشرب أو يتوضأ فأتي به ، ولم يشرب أو لم يتوضأ فعلاً ، فلا يبعد صحة تبديل الامتثال بإتيان فرد آخر أحسن منه ، بل

٧٩
 &

مطلقاً ، كما كان له ذلك قبله ، على ما يأتي بيانه في الإِجزاء .

المبحث التاسع : الحق أنه لا دلالة للصيغة ، لا على الفور ولا على التراخي ، نعم قضية إطلاقها جواز التراخي ، والدليل عليه تبادر طلب إيجاد الطبيعة منها ، بلا دلالة على تقييدها بأحدهما ، فلا بدّ في التقييد من دلالة أخرى ، كما ادعي دلالة غير واحد من الآيات على الفورية .

وفيه منع ، ضرورة أن سياق آية ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) (١) وكذا آية ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) (٢) إنّما هو البعث نحو المسارعة إلى المغفرة والاستباق الى الخير ، من دون استتباع تركهما للغضب والشرّ ، ضرورة أن تركهما لو كان مستتبعاً للغضب والشر ، كان البعث بالتحذير عنهما أنسب ، كما لا يخفى ، فافهم .

مع لزوم كثرة تخصيصه في المستحبات ، وكثير من الواجبات بل أكثرها ، فلا بدّ من حمل الصيغة فيهما على خصوص الندب أو مطلق الطلب ، ولا يبعد دعوى استقلال العقل بحسن المسارعة والاستباق ، وكان ما ورد من الآيات والروايات في مقام البعث نحوه إرشاداً إلى ذلك ، كالآيات والروايات الواردة في الحثِّ على أصل الإِطاعة ، فيكون الأمر فيها لما يترتّب على المادة بنفسها ، ولو لم يكن هناك أمر بها ، كما هو الشأن في الأوامر الإِرشادية ، فافهم .

تتمة : بناء على القول بالفور ، فهل قضية الأمر الإِتيان فوراً ففوراً بحيث لو عصى لوجب عليه الإِتيان به فوراً أيضاً ، في الزمان الثاني ، أو لا ؟ وجهان : مبنيان على أن مفاد الصيغة على هذا القول ، هو وحدة المطلوب أو تعدده ، ولا يخفى أنه لو قيل بدلالتها على الفورية ، لما كان لها دلالة على نحو

____________________________

(١) آل عمران : ١٣٣ .

(٢) البقرة : ١٤٨ ، المائدة : ٤٨ .

٨٠