كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الاقتران بها في تعريفه . وهو اشتباه ، ضرورة عدم دلالة الأمر ولا النهي عليه ، بل على إنشاء طلب الفعل أو الترك ، غاية الأمر نفس الإِنشاء بهما في الحال ، كما هو الحال في الإِخبار بالماضي أو المستقبل أو بغيرهما ، كما لا يخفى ، بل يمكن منع دلالة غيرهما من الأفعال على الزمان إلّا بالاطلاق والإِسناد إلى الزمانيات ، وإلّا لزم القول بالمجاز والتجريد ، عند الإِسناد إلى غيرها من نفس الزمان والمجردات .

نعم لا يبعد أن يكون لكل من الماضي والمضارع ـ بحسب المعنى ـ خصوصية أخرى موجبة للدلالة على وقوع النسبة ، في الزمان الماضي في الماضي ، وفي الحال أو الاستقبال في المضارع ، فيما كان الفاعل من الزمانيات ، ويؤيده أن المضارع يكون مشتركاً معنوياً بين الحال والاستقبال ، ولا معنى له إلا أن يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما ، لا أنه يدل على مفهوم زمان يعمهما ، كما أن الجملة الاسمية كـ ( زيد ضارب ) يكون لها معنى صح انطباقه على كل واحد من الأزمنة ، مع عدم دلالتها على واحد منها أصلاً ، فكانت الجملة الفعلية مثلها .

وربما يؤيد ذلك أن الزمان الماضي في فعله ، وزمان الحال أو الاستقبال في المضارع ، لا يكون ماضياً أو مستقبلاً حقيقة لا محالة ، بل ربما يكون في الماضي مستقبلاً حقيقة ، وفي المضارع ماضياً كذلك ، وإنما يكون ماضياً أو مستقبلاً في فعلهما بالإِضافة ، كما يظهر من مثل قوله : يجيئني زيد بعد عام ، وقد ضرب قبله بأيّام ، وقوله : جاء زيد في شهر كذا ، وهو يضرب في ذلك الوقت ، أو فيما بعده مما مضى ، فتأمل جيّداً .

ثم لا باس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما به يمتاز الحرف عما عداه ، بما يناسب المقام ؛ لأجل الاطراد في الاستطراد في تمام الأقسام .

فاعلم أنه وإن اشتهر بين الأعلام ، أن الحرف ما دل على معنى في

٤١
 &

غيره ، وقد بيناه في الفوائد (١) بما لا مزيد عليه ، إلا أنك عرفت فيما تقدم ، عدم الفرق بينه وبين الاسم بحسب المعنى ، وأنه فيهما ما لم يلحظ فيه الاستقلال بالمفهومية ، ولا عدم الاستقلال بها ، وإنما الفرق هو أنه وضع ليستعمل واُريد منه معناه حالة لغيره وبما هو في الغير ، ووضع غيره ليستعمل وأُريد منه معناه بما هو هو .

وعليه يكون كل من الاستقلال بالمفهومية ، وعدم الاستقلال بها ، إنما اعتبر في جانب الاستعمال ، لا في المستعمل فيه ، ليكون بينهما تفاوت بحسب المعنى ، فلفظ ( الابتداء ) لو استعمل في المعنى الآلي ، ولفظة ( من ) في المعنى الاستقلالي ، لما كان مجازاً واستعمالاً له في غير ما وضع له ، وإن كان بغير ما وضع له ، فالمعنى في كليهما في نفسه كلّي طبيعي يصدق على كثيرين ، ومقيداً باللحاظ الاستقلالي أو الآلي كلّي (٢) عقلي ، وإن كان بملاحظة أن لحاظه وجوده ذهناً كان جزئياً ذهنياً ، فإن الشيء ما لم يتشخص لم يوجد ، وإن كان بالوجود الذهني ، فافهم وتأمل فيما وقع في المقام من الأعلام ، من الخلط والاشتباه ، وتوهم كون الموضوع له أو المستعمل فيه في الحروف خاصاً ، بخلاف ما عداه فإنه عام .

وليت شعري إن كان قصد الآلية فيها موجباً لكون المعنى جزئياً ، فلم لا يكون قصد الاستقلالية فيه موجباً له ؟ وهل يكون ذلك إلا لكون هذا القصد ، ليس مما يعتبر في الموضوع له ، ولا المستعمل فيه بل في الاستعمال ، فلم لا يكون فيها كذلك ؟كيف ، وإلّا لزم أن يكون معاني المتعلقات غير منطبقة على الجزئيات الخارجية ؛ لكونها على هذا كليات

____________________________

(١) حاشية كتاب فرائد الأصول ، كتاب الفوائد / ٣٠٥ .

(٢) في (ا) : الآلي الكلي .

٤٢
 &

عقلية ، والكلّي العقلي لا موطن له إلا الذهن ، فالسير والبصرة والكوفة (١) ، في ( سرت من البصرة إلى الكوفة ) (٢) لا يكاد يصدق على السير والبصرة والكوفة (٣) ، لتقيّدها بما اعتبر فيه القصد فتصير عقلية ، فيستحيل انطباقها على الأمور الخارجية .

وبما حققناه (٤) يوفق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمي ، والصدق على الكثيرين (٥) ، وإن الجزئية باعتبار تقيّد المعنى باللحاظ في موارد الاستعمالات آلياً أو استقلالياً ، وكليته بلحاظ نفس المعنى ، ومنه ظهر عدم اختصاص الإِشكال والدفع بالحرف ، بل يعم غيره ، فتأمل في المقام فإنه دقيق ومزالّ الأقدام للأعلام ، وقد سبق في بعض الأمور بعض الكلام ، والإِعادة مع ذلك لما فيها من الفائدة والإِفادة . فافهم .

رابعها : إن اختلاف المشتقات في المبادىء ، وكون المبدأ في بعضها حرفة وصناعة ، وفي بعضها قوة وملكة ، وفي بعضها فعليّاً ، لا يوجب اختلافاً في دلالتها بحسب الهيئة أصلاً ، ولا تفاوتاً في الجهة المبحوث عنها ، كما لا يخفى ، غاية الأمر إنه يختلف التلبس به في المضي أو الحال ، فيكون التلبس به فعلاً ، لو أخذ حرفة أو ملكة ، ولو لم يتلبس به إلى الحال ، أو انقضى عنه ، ويكون مما مضى أو يأتي لو أخذ فعلياً ، فلا يتفاوت فيها أنحاء التلبسات وأنواع التعلقات ، كما أشرنا اليه (٦) .

خامسها : إن المراد بالحال في عنوان المسألة ، هو حال التلبس

____________________________

(١ و ٢ و ٣) في ( ا ) : تقديم الكوفة على البصرة .

(٤) في هامش (ب) : ثم إنه قد انقدح بما ذكرنا أن المعنى بما هو معنى اسمي ، وملحوظ استقلالي ، أو بما هو معنى حرفي وملحوظ آلي ، كلِّي عقلي في غير الأعلام الشخصية ، وفيها جزئي كذلك ، وبما هو هو أي بلا أحد اللحاظين ، كلّي طبيعي أو جزئي خارجي ، وبه ... ( نسخة بدل ) .

(٥) في (ا) : على كثيرين .

(٦) اشار اليه في الامر الاول / ٣٩ .

٤٣
 &

لا حال النطق ضرورة أن مثل ( كان زيد ضارباً أمس ) أو ( سيكون غداً ضارباً ) حقيقة إذا كان متلبساً بالضرب في الأمس ، في المثال الأول ، ومتلبساً به في الغد في الثاني ، فجري المشتق حيث كان بلحاظ حال التلبس ، وإن مضى زمانه في أحدهما ، ولم يأت بعد في آخر ، كان حقيقة بلا خلاف ، ولا ينافيه الاتفاق على أن مثل ( زيد ضارب غداً ) مجاز ، فإن الظاهر أنه فيما إذا كان الجري في الحال ، كما هو قضية الإِطلاق ، والغد إنما يكون لبيان زمان التلبس ، فيكون الجري والاتصاف في الحال ، والتلبس في الاستقبال .

ومن هنا ظهر الحال في مثل ( زيد ضارب أمس ) وأنه داخل في محل الخلاف والاشكال . ولو كانت لفظة ( أمس ) أو ( غد ) قرينة على تعيين زمان النسبة والجري أيضاً ، كان المثالان حقيقة .

وبالجملة : لا ينبغي الإِشكال في كون المشتق حقيقة ، فيما إذا جرى على الذات ، بلحاظ حال التلبس ، ولو كان في المضي أو الاستقبال ، وإنما الخلاف في كونه حقيقة في خصوصه ، أو فيما يعم ما إذا جرى عليها في الحال بعد ما انقضى عنه التلبس ، بعد الفراغ عن كونه مجازاً فيما إذا جرى عليها فعلاً بلحاظ [ حال ] التلبس في الاستقبال ، ويؤيد ذلك اتفاق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان ، ومنه الصفات الجارية على الذوات ، ولا ينافيه اشتراط العمل في بعضها بكونه بمعنى الحال ، أو الاستقبال ؛ ضرورة أن المراد الدلالة على أحدهما بقرينة ، كيف لا ؟ وقد اتفقوا على كونه مجازاً في الاستقبال .

لا يقال : يمكن أن يكون المراد بالحال في العنوان زمانه ، كما هو الظاهر منه عند إطلاقه ، وادعي أنه الظاهر في المشتقات ، إما لدعوى الانسباق من الإِطلاق ، أو بمعونة قرينة الحكمة .

لأنا نقول : هذا الانسباق ، وإن كان مما لا ينكر ، إلا أنهم في هذا العنوان بصدد تعيين ما وضع له المشتق ، لا تعيين ما يراد بالقرينة منه .

٤٤
 &

سادسها : إنه لا أصل في نفس هذه المسألة يعوّل عليه عند الشك ، وأصالة عدم ملاحظة الخصوصية ، مع معارضتها بأصالة عدم ملاحظة العموم ، لا دليل على اعتبارها في تعيين الموضوع له ، وأما ترجيح الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز ، إذا دار الأمر بينهما لأجل الغلبة ، فممنوع ؛ لمنع الغلبة أولاً ، ومنع نهوض حجة على الترجيح بها ثانياً .

وأما الأصل العملي فيختلف في الموارد ، فأصالة البراءة في مثل ( أكرم كل عالم ) يقتضي عدم وجوب إكرام ما (١) انقضى عنه المبدأ قبل الإِيجاب ، كما أن قضية الاستصحاب وجوبه لو كان الإِيجاب قبل الانقضاء .

فإذا عرفت ما تلونا عليك ، فاعلم أن الأقوال في المسألة وإن كثرت ، إلّا أنها حدثت بين المتأخرين ، بعد ما كانت ذات قولين بين المتقدمين ، لأجل توهم اختلاف المشتق باختلاف مبادئه في المعنى ، أو بتفاوت ما يعتريه من الأحوال ، وقد مرت الإِشارة (٢) إلى أنه لا يوجب التفاوت فيما نحن بصدده ، ويأتي له مزيد بيان في أثناء الاستدلال على ما هو المختار ، وهو اعتبار التلبس في الحال ، وفاقاً لمتأخري الأصحاب والأشاعرة ، وخلافاً لمتقدميهم والمعتزلة ، ويدل عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال ، وصحة السلب مطلقاً عما انقضى عنه ، كالمتلبس به في الاستقبال ، وذلك لوضوح أن مثل : القائم والضارب والعالم ، وما يرادفها من سائر اللغات ، لا يصدق على من لم يكن متلبساً بالمبادىء ، وإن كان متلبساً بها قبل الجري والانتساب ، ويصح سلبها عنه ، كيف ؟ وما يضادها بحسب ما ارتكز من معناها في الأذهان يصدق عليه ، ضرورة صدق القاعد عليه في حال تلبسه بالقعود ، بعد انقضاء تلبسه بالقيام ، مع وضوح التضاد بين القاعد والقائم بحسب ما ارتكز لهما من المعنى ، كما لا يخفى .

____________________________

(١) في « أ » : من انقضى .

(٢) تقدم في الأمر الرابع ، صفحة ٤٣ .

٤٥
 &

وقد يقرر هذا وجهاً على حدة ، ويقال (١) : لا ريب في مضادة الصفات المتقابلة المأخوذة من المبادىء المتضادة ، على ما ارتكز لها من المعاني ، فلو كان المشتق حقيقة في الأعم ، لما كان بينها مضادة بل مخالفة ، لتصادقها فيما انقضى عنه المبدأ وتلبس بالمبدأ الآخر .

ولا يرد على هذا التقرير ما أورده بعض الأجلّة (٢) من المعاصرين ، من عدم التضاد على القول بعدم الاشتراط ، لما عرفت من ارتكازه بينها ، كما في مبادئها .

إن قلت : لعل ارتكازها لأجل الانسباق من الإِطلاق ، لا الاشتراط .

قلت : لا يكاد يكون لذلك ، لكثرة استعمال المشتق في موارد الانقضاء ، لو لم يكن بأكثر .

إن قلت : على هذا يلزم أن يكون في الغالب أو الأغلب مجازاً ، وهذا بعيد ، ربما لا يلائمه حكمة الوضع .

لا يقال : كيف ؟ وقد قيل : بأن أكثر المحاورات مجازات . فإن ذلك لو سلم ، فإنما هو لأجل تعدد المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي الواحد . نعم ربما يتفق ذلك بالنسبة إلى معنى مجازي ، لكثرة الحاجة إلى التعبير عنه . لكن أين هذا مما إذا كان دائماً كذلك ؟ فافهم .

____________________________

(١) البدائع / ١٨١ ، في المشتق .

(٢) المراد من بعض الأجلّة ، هو صاحب البدائع ، البدائع / ١٨١ .

الشيخ الميرزا حبيب الله بن الميرزا محمد علي خان القوجاني الرشتي ، ولد عام ١٢٣٤ هـ ، حضر بحث صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري ، كان من أكابر علماء عصره ، أعرض عن الرئاسة ولم يرض أن يقلّده أحد لشدّة تورّعه في الفتوى ، ولم يتصدّ للوجوه ، له تصانيف كثيرة منها « بدائع الأصول » و « شرح الشرائع » و « كاشف الظلام في علم الكلام » وغيرها ، توفي ليلة الخميس ١٤ / ج ٢ عام ١٣١٢ هـ ودفن في النجف الأشرف .

( طبقات أعلام الشيعة ، نقباء البشر ١ / ٣٥٧ رقم ٧١٩ )

٤٦
 &

قلت : مضافاً إلى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر بالمراد ، بعد مساعدة الوجوه المتقدمة عليه ، إن ذلك إنما يلزم لو لم يكن استعماله فيما انقضى بلحاظ حال التلبس ، مع أنه بمكان من الإِمكان ، فيراد من جاء الضارب أو الشارب ـ وقد انقضى عنه الضرب والشرب ـ جاء الذي كان ضارباً وشارباً قبل مجيئه حال التلبس بالمبدأ ، لا حينه بعد الانقضاء ، كي يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال ، وجعله معنوناً بهذا العنوان فعلاً بمجرد تلبسه قبل مجيئه ، ضرورة أنه لو كان للأعم لصح استعماله بلحاظ كلا الحالين .

وبالجملة : كثرة الاستعمال في حال الانقضاء تمنع عن دعوى انسباق خصوص حال التلبس من الإِطلاق ، إذ مع عموم المعنى وقابلية كونه حقيقة في المورد ـ ولو بالانطباق ـ لا وجه لملاحظة حالة أخرى ، كما لا يخفى ، بخلاف ما إذا لم يكن له العموم ، فإن استعماله ـ حينئذ ـ مجازاً بلحاظ حال الانقضاء وإن كان ممكناً ، إلا أنه لما كان بلحاظ حال التلبس على نحو الحقيقة بمكان من الإِمكان ، فلا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازاً وبالعناية وملاحظة العلاقة ، وهذا غير استعمال اللفظ فيما لا يصح استعماله فيه حقيقة ، كما لا يخفى ، فافهم .

ثم إنه ربما أورد (١) على الاستدلال بصحة السلب ، بما حاصله : إنه إن أريد بصحة السلب صحته مطلقاً ، فغير سديد ، وإن أريد مقيداً ، فغير مفيد ، لأن علامة المجاز هي صحة السلب المطلق .

وفيه : إنه إن أريد بالتقييد ، تقييد المسلوب الذي يكون سلبه أعم من سلب المطلق ـ كما هو واضح ـ فصحة سلبه وإن لم تكن علامة على كون المطلق مجازاً فيه ، إلا أن تقييده ممنوع ، وإن أريد تقييد السلب ، فغير ضائر بكونها علامة ، ضرورة صدق المطلق على أفراده على كل حال ، مع إمكان

____________________________

(١) البدائع / ١٨٠ ، في المشتق .

٤٧
 &

منع تقييده أيضاً ، بأن يلحظ حال الانقضاء في طرف الذات الجاري عليها المشتق ، فيصح سلبه مطلقاً بلحاظ هذا الحال ، كما لا يصح سلبه بلحاظ حال التلبس ، فتدبر جيّداً .

ثم لا يخفى أنه لا يتفاوت (١) في صحة السلب عما انقضى عنه المبدأ ، بين كون المشتق لازماً وكونه متعدياً ، لصحة سلب الضارب عمن يكون فعلاً غير متلبس بالضرب ، وكان متلبساً به سابقاً ، وأما إطلاقه عليه في الحال ، فان كان بلحاظ حال التلبس ، فلا إشكال كما عرفت ، وإن كان بلحاظ الحال ، فهو وإن كان صحيحاً إلا أنه لا دلالة على كونه بنحو الحقيقة ، لكون الاستعمال أعم منها كما لا يخفى ، كما لا يتفاوت في صحة السلب عنه ، بين تلبسه بضد المبدأ وعدم تلبسه ، لما عرفت من وضوح صحته مع عدم التلبس ـ أيضاً ـ وإن كان معه أوضح ، ومما ذكرنا ظهر حال كثير من التفاصيل ، فلا نطيل بذكرها على التفصيل .

حجة القول بعدم الاشتراط وجوه :

الأول : التبادر ، وقد عرفت أن المتبادر هو خصوص حال التلبس .

الثاني : عدم صحة السلب في مضروب ومقتول ، عمن انقضى عنه المبدأ .

وفيه : إن عدم صحته في مثلهما ، إنما هو لأجل أنه أريد من المبدأ معنى يكون التلبس به باقياً في الحال ، ولو مجازاً .

وقد انقدح من بعض المقدمات أنه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم في محل البحث والكلام ومورد النقض والإِبرام ، اختلاف ما يراد من المبدأ في كونه حقيقة أو مجازاً ، وأما لو أريد منه نفس ما وقع على الذات ، مما صدر

____________________________

(١) التفصيل لصاحب الفصول ، الفصول / ٦٠ ، فصل حول إطلاق المشتق .

٤٨
 &

عن الفاعل ، فإنما لا يصح السلب فيما لو كان بلحاظ حال التلبس والوقوع ـ كما عرفت ـ لا بلحاظ الحال أيضاً ، لوضوح صحة أن يقال : إنه ليس بمضروب الآن بل كان .

الثالث : استدلال الإِمام ـ عليه السلام ـ تأسياً بالنبي ـ صلوات الله عليه ـ كما عن غير واحد من الأخبار بقوله تعالي : ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) على عدم لياقة من عبد صنماً أو وثناً لمنصب الإِمامة والخلافة ، تعريضاً بمن تصدى لها ممن عبد الصنم مدة مديدة ، ومن الواضح توقف ذلك على كون المشتق موضوعاً للأعم ، وإلا لما صح التعريض ، لانقضاء تلبسهم بالظلم وعبادتهم للصنم حين التصدي للخلافة ، والجواب منع التوقف على ذلك ، بل يتم الاستدلال ولو كان موضوعاً لخصوص المتلبس .

وتوضيح ذلك يتوقف على تمهيد مقدمة ، وهي : إن الأوصاف العنوانية التي تؤخذ في موضوعات الأحكام ، تكون على أقسام :

أحدها : أن يكون أخذ العنوان لمجرد الإِشارة إلى ما هو في الحقيقة موضوعٌ (٢) للحكم ، لمعهوديته بهذا العنوان ، من دون دخل لاتصافه به في الحكم أصلاً .

ثانيها : أن يكون لأجل الإِشارة إلى علّية المبدأ للحكم ، مع كفاية مجرد صحة جري المشتق عليه ، ولو فيما مضى .

ثالثها : أن يكون لذلك مع عدم الكفاية ، بل كان الحكم دائراً مدار صحة الجري عليه ، واتصافه به حدوثاً وبقاء .

إذا عرفت هذا فنقول : إن الاستدلال بهذا الوجه إنما يتم ، لو كان أخذ العنوان في الآية الشريفة على النحو الأخير ، ضرورة أنه لو لم يكن المشتق

____________________________

(١) البقرة / ١٢٤ .

(٢) في « أ وب » موضوعاً .

٤٩
 &

للأعم ، لما تم بعد عدم التلبس بالمبدأ ظاهراً حين التصدي ، فلا بد أن يكون للأعم ، ليكون حين التصدي حقيقة من الظالمين ، ولو انقضى عنهم التلبس بالظلم .

وأما إذا كان على النحو الثاني ، فلا ، كما لا يخفى ، ولا قرينة على أنه على النحو الأول ، لو لم نقل بنهوضها على النحو الثاني ، فإن الآية الشريفة في مقام بيان جلالة قدر الإِمامة والخلافة وعظم خطرها ، ورفعة محلها ، وإن لها خصوصية من بين المناصب الإِلهية ، ومن المعلوم أن المناسب لذلك ، هو أن لا يكون المتقمص بها متلبساً بالظلم أصلاً ، كما لا يخفى .

إن قلت : نعم ، ولكن الظاهر أن الإِمام ـ عليه السلام ـ إنما استدل بما هو قضية ظاهر العنوان وضعاً ، لا بقرينة المقام مجازاً ، فلا بد أن يكون للأعم ، وإلّا لما تم .

قلت : لو سلم ، لم يكن يستلزم جري المشتق على النحو الثاني كونه مجازاً ، بل يكون حقيقة لو كان بلحاظ حال التلبس ـ كما عرفت ـ فيكون معنى الآية ، والله العالم : من كان ظالماً ولو آناً في زمان سابق (١) لا ينال عهدي أبداً ، ومن الواضح أن إرادة هذا المعنى لا تستلزم الاستعمال ، لا بلحاظ حال التلبس .

ومنه قد انقدح ما في الاستدلال على التفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به ، باختيار عدم الاشتراط في الأول ، بآية حد السارق والسارقة ، والزاني والزانية ، وذلك حيث ظهر أنه لا ينافي إرادة خصوص حال التلبس دلالتها على ثبوت القطع والجلد مطلقاً ، ولو بعد انقضاء المبدأ ، مضافاً إلى

____________________________

(١) في « ب » : السابق .

٥٠
 &

وضوح بطلان تعدد الوضع ، حسب وقوعه محكوماً عليه أو به ، كما لا يخفى .

ومن مطاوي ما ذكرنا ـ ها هنا وفي المقدمات ـ ظهر حال سائر الأقوال ، وما ذكر لها من الاستدلال ، ولا يسع المجال لتفصيلها ، ومن أراد الاطلاع عليها فعليه بالمطولات .

بقي أمور :

الأوّل : إن مفهوم المشتق ـ على ما حققه المحقق الشريف (١) في بعض حواشيه (٢) ـ : بسيط منتزع عن الذات ـ باعتبار تلبسها بالمبدأ واتصافها به ـ غير مركب . وقد أفاد في وجه ذلك : أن مفهوم الشيء لا يعتبر في مفهوم الناطق مثلاً ، وإلّا لكان العرض العام داخلاً في الفصل ، ولو اعتبر فيه ما صدق عليه الشيء ، انقلبت مادة الإِمكان الخاص ضرورة ، فإن الشيء الذي له الضحك هو الإِنسان ، وثبوت الشيء لنفسه ضروري . هذا ملخص ما أفاده الشريف ، على ما لخصه بعض الأعاظم (٣) .

وقد أورد عليه في الفصول (٤) ، بأنه يمكن أن يختار الشق الأول ، ويدفع الإِشكال بأن كون الناطق ـ مثلاً ـ فصلاً ، مبني على عرف المنطقيين ،

____________________________

(١) المير سيد علي بن محمد بن علي الحسيني الاسترابادي ، ولد المحقق الشريف سنة ٧٤٠ هـ بجرجان وكان متكلماً بارعاً ، باهراً في الحكمة والعربية ، روى عن جماعة منهم العلامة قطب الدين الرازي ، واخذ منه العلامة المذكور ، له شرح المطالع وشرح على مواقف القاضي عضد الايجي في علم أصول الكلام ، عدّه القاضي نور الله من حكماء الشيعة وعلمائها . وتوفي في شيراز سنة ٨١٦ هـ . ( الكنىٰ والالقاب ٢ / ٣٥٨ ) .

(٢) في حاشيته على شرح المطالع عند قول الشارح : الا أن معناه شيء له المشتق منه ... الخ ، شرح المطالع / ١١ .

(٣) الفصول / ٦١ ، التنبيهات .

(٤) الفصول / ٦١ ، التنبيهات .

٥١
 &

حيث اعتبروه مجرداً عن مفهوم الذات ، وذلك لا يوجب وضعه لغة كذلك .

وفيه : إنه من المقطوع أن مثل الناطق قد اعتبر فصلاً بلا تصرف في معناه أصلاً ، بل بما له من المعنى ، كما لا يخفى .

والتحقيق أن يقال : إن مثل الناطق ليس بفصل حقيقي ، بل لازم ما هو الفصل وأظهر خواصه ، وإنما يكون فصلاً مشهورياً منطقياً يوضع مكانه إذا لم يعلم نفسه ، بل لا يكاد يعلم ، كما حقق في محله ، ولذا ربما يجعل لازمان مكانه إذا كانا متساويي النسبة إليه ، كالحساس والمتحرك بالإِرادة في الحيوان ، وعليه فلا بأس بأخذ مفهوم الشيء في مثل الناطق ، فإنه وإن كان عرضاً عاماً ، لا فصلاً مقوماً للإِنسان ، إلا أنه بعد تقييده بالنطق واتصافه به كان من أظهر خواصه .

وبالجملة لا يلزم من أخذ مفهوم الشيء في معنى المشتق ، إلا دخول العرض في الخاصة التي هي من العرضي ، لا في الفصل الحقيقي الذي هو من الذاتي ، فتدبر جيداً .

ثم قال :

( إنه يمكن أن يختار الوجه الثاني أيضاً ، ويجاب بأن المحمول ليس مصداق الشيء والذات مطلقاً ، بل مقيداً بالوصف ، وليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة ، لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضرورياً ) انتهى .

ويمكن أن يقال (١) : إن عدم كون ثبوت القيد ضرورياً لا يضر بدعوى الانقلاب ، فإن المحمول إن كان ذات المقيد وكان القيد خارجاً ، وإن كان التقيّد داخلاً بما هو معنى حرفي ، فالقضية لا محالة تكون ضرورية ، ضرورة ضرورية ثبوت الإِنسان الذي يكون مقيداً بالنطق للإِنسان وان كان المقيد به بما هو مقيد على أن يكون القيد داخلاً ، فقضية ( الإِنسان ناطق ) تنحل في الحقيقة الى قضيتين إحداهما قضية ( الإِنسان إنسان ) وهي

____________________________

(١) تعليق السبزواري على الأسفار ١ / ٤٢ .

٥٢
 &

ضرورية ، والأخرى قضية ( الإِنسان له النطق ) وهي ممكنة ، وذلك لأن الأوصاف قبل العلم بها أخبار ، كما أن الأخبار بعد العلم تكون أوصافاً ، فعقد الحمل ينحل إلى القضية ، كما أن عقد الوضع ينحل إلى قضية مطلقة عامة عند الشيخ ، وقضية ممكنة عند الفارابي (١) ، فتأمل .

لكنه ( قدس سره ) تنظر فيما أفاده بقوله : وفيه نظر لأن الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلاً ، إن كانت مقيدة به واقعاً صدق الإِيجاب بالضرورة وإلا صدق السلب بالضرورة ، مثلاً : لا يصدق زيد كاتب بالضرورة لكن يصدق زيد الكاتب بالقوة أو بالفعل [ كاتب ] (٢) بالضرورة . انتهى .

ولا يذهب عليك أن صدق الإِيجاب بالضرورة ، بشرط كونه مقيداً به واقعاً لا يصحح دعوى الانقلاب إلى الضرورية ، ضرورة صدق الإِيجاب بالضرورة بشرط المحمول في كل قضية ولو كانت ممكنة ، كما لا يكاد يضر بها صدق السلب كذلك ، بشرط عدم كونه مقيداً به واقعاً ، لضرورة السلب بهذا الشرط ، وذلك لوضوح أن المناط في الجهات ومواد القضايا ، إنما هو بملاحظة أن نسبة هذا المحمول إلى ذلك الموضوع موجهة بأي جهة منها ، ومع أية منها في نفسها صادقة ، لا بملاحظة ثبوتها له واقعاً أو عدم ثبوتها له كذلك ، وإلّا كانت الجهة منحصرة بالضرورة ، ضرورة صيرورة الإِيجاب أو السلب ـ بلحاظ الثبوت وعدمه ـ واقعاً ضرورياً ، ويكون من باب الضرورة

____________________________

(١) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الحكيم المشهور ، صاحب التصانيف في الفلسفة والمنطق والموسيقى وغيرها من العلوم ، أقام ببغداد برهة ثم ارتحل الى مدينة حرَّان ثم رجع الى بغداد ثم سافر إلى دمشق ثم الى مصر ، ثم عاد الى دمشق وأقام بها وسلطانها يومئذٍ سيف الدولة بن حمدان ، ويحكى أن الآلة المسماة « القانون » من وضعه ، وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس ، أكثر تصانيفه فصول وتعاليق ، توفي عام ٣٣٩ بدمشق وقد ناهز ثمانين سنة وصلّى عليه سيف الدولة ودفن بظاهر دمشق . ( وفيات الأعيان ٥ / ١٥٣ رقم ٧٠١ ) .

(٢) أثبتناها من (ب)

٥٣
 &

بشرط المحمول .

وبالجملة : الدعوى هو انقلاب مادة الإِمكان بالضرورة ، فيما ليست مادته واقعاً في نفسه وبلا شرط غير الامكان .

وقد انقدح بذلك عدم نهوض ما أفاده ( رحمه الله ) بإبطال الوجه الأول ، كما زعمه ( قدس سره ) ، فإن لحوق مفهوم الشيء والذات لمصاديقهما ، إنما يكون ضرورياً مع إطلاقهما ، لا مطلقاً ، ولو مع التقيد إلا بشرط تقيد المصاديق به أيضاً ، وقد عرفت حال الشرط ، فافهم .

ثم إنه لو جعل التالي في الشرطية الثانية لزوم أخذ النوع في الفصل ؛ ضرورة أن مصداق الشيء الذي له النطق هو الإِنسان ، كان أليق بالشرطية الأُولى ، بل كان أَولى (١) لفساده مطلقاً ، ولو لم يكن مثل الناطق بفصل حقيقي ، ضرورة بطلان أخذ الشيء في لازمه وخاصته ، فتأمل جيداً .

ثم إنه يمكن أن يستدل (٢) على البساطة ، بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل زيد الكاتب ، ولزومه من التركب ، وأخذ الشيء مصداقاً أو مفهوماً في مفهومه .

إرشاد :

لا يخفى أن معنى البساطة ـ بحسب المفهوم ـ وحدته إدراكاً وتصوراً ، بحيث لا يتصور عند تصوره إلّا شيء واحد لا شيئان ، وإن انحل بتعمّل من العقل إلى شيئين ، كانحلال مفهوم الشجر والحجر إلى شيء له الحجرية أو الشجرية ، مع وضوح بساطة مفهومهما .

وبالجملة : لا ينثلم بالانحلال إلى الاثنينية ـ بالتعمّل العقلي ـ وحدة المعنى

____________________________

(١) في « ب » : الأولى .

(٢) راجع .

٥٤
 &

وبساطة المفهوم ، كما لا يخفى ، وإلى ذلك يرجع الإِجمال والتفصيل الفارقان (١) بين المحدود والحد ، مع ما هما عليه من الاتحاد ذاتاً ، فالعقل بالتعمّل يحلل النوع ، ويفصله إلى جنس وفصل ، بعد ما كان أمراً واحداً إدراكاً ، وشيئاً فارداً تصوراً ، فالتحليل يوجب فتق ما هو عليه من الجمع والرتق .

الثاني : الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوماً ، أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدأ ، ولا يعصي عن الجري عليه ، لما هما عليه من نحو من الاتحاد ، بخلاف المبدأ ، فإنه بمعناه يأبى عن ذلك ، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره ، لا هو هو ، وملاك الحمل والجري إنما هو نحو من الاتحاد والهوهوية ، وإلى هذا يرجع ما ذكره أهل المعقول في الفرق بينهما ، من أن المشتق يكون لا بشرط والمبدأ يكون بشرط لا ، أي يكون مفهوم المشتق غير آبٍ عن الحمل ، ومفهوم المبدأ يكون آبياً عنه ، وصاحب الفصول (٢) ( رحمه الله ) ـ حيث توهم أن مرادهم إنما هو بيان التفرقة بهذين الاعتبارين ، بلحاظ الطوارىء والعوارض الخارجية مع حفظ مفهوم واحد ـ أورد عليهم بعدم استقامة الفرق بذلك ، لأجل امتناع حمل العلم والحركة على الذات ، وإن اعتبرا لا بشرط ، وغفل عن أن المراد ما ذكرنا ، كما يظهر منهم من بيان الفرق بين الجنس والفصل ، وبين المادة والصورة ، فراجع .

الثالث : ملاك الحمل ـ كما أشرنا إليه ـ هو الهوهوية والاتحاد من وجه ،

____________________________

(١) في « أ وب » : الفارقين .

(٢) الفصول / ٦٢ ، التنبيه الثاني من تنبيهات المشتق .

هو الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم الطهراني الحائري ، ولد في « إيوان كيف » ، أخذ مقدمات العلوم في طهران ، ثم اكتسب من شقيقه الحجة الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب « هداية المسترشدين » في اصفهان ، ثم هاجر الى العراق فسكن كربلاء ، كان مرجعاً عاماً في التدريس والتقليد ، وقد تخرّج من معهده جمع من كبار العلماء ، أجاب داعي ربه سنة ١٢٥٤ هـ وله آثار أشهرها « الفصول الغروية » في الأصول ( طبقات اعلام الشيعة الكرام البررة ١ / ٣٩٠ رقم ٧٩٥ ) .

٥٥
 &

والمغايرة من وجه آخر ، كما يكون بين المشتقات والذوات ، ولا يعتبر معه (١) ملاحظة التركيب بين المتغايرين ، واعتبار كون مجموعهما ـ بما هو كذلك ـ واحداً ، بل يكون لحاظ ذلك مخلا ؛ لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلية .

ومن الواضح أن ملاك الحمل لحاظ نحو اتحاد بين الموضوع والمحمول ، مع وضوح عدم لحاظ ذلك في التحديدات وسائر القضايا في طرف الموضوعات ، بل لا يلحظ في طرفها إلّا نفس معانيها ، كما هو الحال في طرف المحمولات ، ولا يكون حملها عليها إلا بملاحظة ما هما عليه من نحو من الاتحاد ، مع ما هما عليه من المغايرة ولو بنحو من الاعتبار .

فانقدح بذلك فساد ما جعله في الفصول تحقيقاً للمقام . وفي كلامه موارد للنظر ، تظهر بالتأمل وإمعان النظر .

الرابع : لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري المشتق عليه مفهوماً ، وإن اتحدا عيناً وخارجاً ، فصدق الصفات ـ مثل : العالم ، والقادر ، والرحيم ، والكريم ، إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال ـ عليه تعالى ، على ما ذهب إليه أهل الحق من عينية صفاته ، يكون على الحقيقة ، فإن المبدأ فيها وإن كان عين ذاته تعالى خارجاً ، إلا أنه غير ذاته تعالى مفهوماً .

ومنه قد انقدح ما في الفصول ، من الالتزام بالنقل (٢) أو التجوز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى ، بناء على الحق من العينية ، لعدم المغايرة المعتبرة بالاتفاق (٣) ، وذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوماً ، ولا اتفاق على اعتبار غيرها ، إن لم نقل بحصول الاتفاق على عدم اعتباره ، كما لا يخفى ، وقد عرفت ثبوت المغايرة كذلك بين الذات ومبادىٔ الصفات .

____________________________

(١) اشارة الىٰ ما افاده صاحب الفصول ، الفصول ، ٦٢ التنبيه الثاني .

(٢) الفصول / ٦٢ ، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق .

(٣) وهو الاتفاق الذي ادّعاه صاحب الفصول ( قدس سرّه ) الفصول / ٦٢ .

٥٦
 &

الخامس : إنه وقع الخلاف بعد الاتفاق على اعتبار المغايرة ـ كما عرفت ـ بين المبدأ وما يجري عليه المشتق ، في اعتبار قيام المبدأ به ، في صدقه على نحو الحقيقة ، وقد استدل من قال (١) بعدم الاعتبار ، بصدق الضارب والمؤلم ، مع قيام الضرب والألم بالمضروب والمؤلَم ـ بالفتح ـ .

والتحقيق : إنه لا ينبغي أن يرتاب من كان من أولي الألباب ، في أنه يعتبر في صدق المشتق على الذات وجريه عليها ، من التلبس بالمبدأ بنحو خاص ، على اختلاف أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة ، واختلاف الهيئات أخرى ، من القيام صدوراً أو حلولاً أو وقوعاً عليه أو فيه ، أو انتزاعه عنه مفهوماً مع اتحاده معه خارجاً ، كما في صفاته تعالى ، على ما أشرنا إليه آنفاً ، أو مع عدم تحققٍ إلا للمنتزع عنه ، كما في الإِضافات والاعتبارات التي لا تحقق لها ، ولا يكون بحذائها في الخارج شيء ، وتكون من الخارج المحمول ، لا المحمول بالضميمة ، ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً ، وقائماً به عيناً ، لكنه بنحو من القيام ، لا بأن يكون هناك اثنينية ، وكان ما بحذائه غير الذات ، بل بنحو الاتحاد والعينية ، وكان ما بحذائه عين الذات ، وعدم اطلاع العرف على مثل هذا التلبس من الأمور الخفية لا يضر بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة ، إذا كان لها مفهوم صادق عليه تعالى حقيقة ، ولو بتأمل وتعمّل من العقل . والعرف إنما يكون مرجعاً في تعيين المفاهيم ، لا في تطبيقها على مصاديقها .

وبالجملة : يكون مثل العالم ، والعادل ، وغيرهما ـ من الصفات الجارية عليه تعالى وعلى غيره ـ جارية عليهما بمفهوم واحد ومعنى فارد ، وإن اختلفا فيما يعتبر في الجري من الاتحاد ، وكيفية التلبس بالمبدأ ، حيث أنه بنحو العينية فيه تعالى ، وبنحو الحلول أو الصدور في غيره ، فلا وجه لما التزم به في

____________________________

(١) الفصول / ٦٢ ، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق .

٥٧
 &

الفصول (١) ، من نقل الصفات الجارية عليه تعالى عما هي عليها من المعنى ، كما لا يخفى ؛ كيف ؟ ولو كانت بغير معانيها العامة جارية عليه تعالى كانت صرف لقلقة اللسان وألفاظ بلا معنى ، فإن غير تلك المفاهيم العامة الجارية على غيره تعالى غير مفهوم ولا معلوم إلا بما يقابلها ، ففي مثل ما إذا قلنا : إنه تعالى عالم ، إما أن نعني أنه من ينكشف لديه الشيء فهو ذاك المعنى العام ، أو أنه مصداق لما يقابل ذاك المعنى ، فتعالى عن ذلك علوا كبيراً ، وإما أن لا نعني شيئاً ، فتكون كما قلناه من كونها صرف اللقلقة ، وكونها بلا معنى ، كما لا يخفى .

والعجب أنه جعل ذلك علة لعدم صدقها في حق غيره ، وهو كما ترى ، وبالتأمل فيما ذكرنا ، ظهر الخلل فيما استدل من الجانبين والمحاكمة بين الطرفين ، فتأمل .

السادس : الظاهر أنه لا يعتبر في صدق المشتق وجريه على الذات حقيقة ، التلبس بالمبدأ حقيقة وبلا واسطة في العروض ، كما في الماء الجاري ، بل يكفي التلبس به ولو مجازاً ، ومع هذه الواسطة ، كما في الميزاب الجاري ، فاسناد الجريان إلى الميزاب ، وإن كان إسناداً إلى غير ما هو له وبالمجاز ، إلا أنه في الإِسناد ، لا في الكلمة ، فالمشتق في مثل المثال ، بما هو مشتق قد استعمل في معناه الحقيقي ، وإن كان مبدؤه مسنداً إلى الميزاب بالإِسناد المجازي ، ولا منافاة بينهما أصلاً ، كما لا يخفى ، ولكن ظاهر الفصول (٢) بل صريحه ، اعتبار الإِسناد الحقيقي في صدق المشتق حقيقة ، وكأنه من باب الخلط بين المجاز في الإِسناد والمجاز في الكلمة ، وهذا ـ ها هنا ـ محل الكلام بين الأعلام ، والحمد لله ، وهو خير ختام .

____________________________

(١) الفصول / ٦٢ ، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق .

(٢) الفصول / ٦٢ ، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق .

٥٨
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0059.png

٥٩
 &

٦٠