كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

يكن أحدهما معلوم الأهمية أو محتملها في الجملة ، حسبما فصلناه (١) في مسألة الضد ، وإلا فالتعيين ، وفيما لم يكن من باب التزاحم هو لزوم الأخذ بما دل على الحكم الالزامي ، لو لم يكن في الآخر مقتضياً لغير الالزامي ، وإلا فلا بأس بأخذه والعمل عليه ، لما أشرنا إليه من وجهه آنفاً ، فافهم .

هذا هو قضية القاعدة في تعارض الأمارات ، لا الجمع بينها بالتصرف في أحد المتعارضين أو في كليهما ، كما هو قضية ما يتراءى مما قيل من أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح ، إذ لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف مما كان المجموع أو أحدهما قرينة عرفية على التصرف في أحدهما بعينه أو فيهما ، كما عرفته في الصور السابقة ، مع أن في الجمع كذلك أيضاً طرحاً للأمارة أو الأمارتين ، ضرورة سقوط أصالة الظهور في أحدهما أو كليهما معه ، وقد عرفت أن التعارض بين الظهورين فيما كان سنداهما قطعيين ، وفي السندين إذا كانا ظنيين ، وقد عرفت أن قضية التعارض إنما هو سقوط المتعارضين في خصوص كل ما يؤديان إليه من الحكمين ، لا بقاؤهما على الحجية بما يتصرّف فيهما أو في أحدهما ، أو بقاء سنديهما عليها كذلك بلا دليل يساعد عليه من عقل أو نقل ، فلا يبعد أن يكون المراد من إمكان الجمع هو إمكانه عرفاً ، ولا ينافيه الحكم بأنه أولى مع لزومه حينئذ وتعينه ، فإن أولويته من قبيل الأولويّة في أُولي الأرحام ، وعليه لا إشكال فيه ولا كلام .

فصل

لا يخفى أن ما ذكر من قضية التعارض بين الأمارات ، إنما هو بملاحظة القاعدة في تعارضها ، وإلا فربما يدعى الإِجماع على عدم سقوط كلا المتعارضين في الأخبار ، كما اتفقت عليه كلمة غير واحد من الأخبار ، ولا يخفى أن اللازم فيما إذا لم

____________________________

(١) لم يتقدم منه ـ قدس سره ـ في مسألة الضد تفصيل ولا إجمال من هذه الحيثية ، نعم له تفصيل في تعليقته على الرسالة ، راجع حاشية فرائد الأصول / ٢٦٩ ، عند قوله : اعلم أنّ منشأ الأهمية تارة ... الخ .

٤٤١
 &

تنهض حجة على التعيين أو التخيير بينهما هو الاقتصار على الراجح منهما ، للقطع بحجيته تخييراً أو تعييناً ، بخلاف الآخر لعدم القطع بحجيته ، والأصل عدم حجية ما لم يقطع بحجيته ، بل ربما ادعي الاجماع (١) أيضاً على حجية خصوص الراجح ، واستدل عليه بوجوه أُخر أحسنها الأخبار ، وهي على طوائف :

منها : ما دل على التخيير على الإِطلاق ، كخبر (٢) الحسن بن الجهم ، عن الرضا ـ عليه السلام ـ : ( قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا يعلم أيهما الحق ، قال : فإذا لم يعلم فموسع عليك بأيهما أخذت ) . وخبر (٣) الحارث بن المغيرة ، عن أبي عبد الله عليه السلام : ( إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة ، فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه ) . ومكاتبة (٤) عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن عليه السلام ( اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله عليه السلام ، في ركعتي الفجر ، فروى بعضهم : صلِّ في المحمل ، وروى بعضهم : لا تصلها إلا في الأرض ، فوقع عليه السلام : موسع عليك بأية عملت ) ومكاتبة الحميري (٥) إلى الحجّة عليه السلام ـ إلى أن قال في الجواب عن ذلك حديثان ... إلى أن قال عليه السلام ـ ( وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً ) إلى غير ذلك من الإِطلاقات .

ومنها : ما (٦) دل على التوقف مطلقاً .

ومنها : ما (٧) دل على ما هو الحائط منها .

____________________________

(١) ادعاه الشيخ في فرائد الأصول ٤٤١ ، المقام الثاني في التراجيح من مبحث التعادل والتراجيح .

(٢) الاحتجاج ٣٥٧ ، في احتجاجات الامام الصادق ( عليه السلام ) .

(٣) المصدر السابق .

(٤) التهذيب ٣ ، الباب ٢٣ ، الصلاة في السفر ، الحديث ٩٢ ، مع اختلاف يسير .

(٥) الاحتجاج ٤٨٣ ، في توقيعات الناحية المقدسة .

(٦) الأصول من الكافي ١ / ٦٦ ، باب اختلاف الحديث ، الحديث ٧ . عوالي اللآلي ٤ / ١٣٣ ، الحديث ٢٣٠ .

(٧) وسائل الشيعة ١٨ / ١١١ ، الباب ١٢ من ابواب صفات القاضي .

٤٤٢
 &

ومنها : ما دل (١) على الترجيح بمزايا مخصوصة ومرجحات منصوصة ، من مخالفة القوم وموافقة الكتاب والسنة ، والأعدلية ، والأصدقية ، والأفقهية والأورعية ، والأوثقية ، والشهرة على اختلافها في الاقتصار على بعضها وفي الترتيب بينها .

ولأجل اختلاف الأخبار اختلفت الأنظار .

فمنهم من أوجب الترجيح بها ، مقيدين بأخباره إطلاقات التخيير ، وهم بين من اقتصر على الترجيح بها ، ومن تعدّى منها إلى سائر المزايا الموجبة لأقوائية ذي المزية وأقربيته ، كما صار إليه شيخنا العلامة أعلى الله مقامه (٢) ، أو المفيدة للظن ، كما ربما يظهر من غيره (٣) .

فالتحقيق أن يقال : إنّ أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الأخبار هو المقبولة (٤) والمرفوعة (٥) ، مع اختلافهما وضعف سند المرفوعة جداً ، والاحتجاج بهما على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال ، لقوة احتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة كما هو موردهما ، ولا وجه معه للتعدي منه إلى غيره ، كما لا يخفى .

ولا وجه لدعوى تنقيح المناط ، مع ملاحظة أن رفع الخصومة بالحكومة في صورة تعارض الحكمين ، وتعارض ما استندا إليه من الروايتين لا يكاد يكون إلا بالترجيحْ ولذا أمر عليه السلام بإرجاء الواقعة إلى لقائه عليه السلام في صورة

____________________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ / ٧٥ الباب ٩ من ابواب صفات القاضي .

(٢) فرائد الاصول ٤٥٠ ، في المقام الثالث من مقام التراجيح .

(٣) مفاتيح الاصول / ٦٨٨ ، التنبيه الثاني من تنبيهات تعارض الدليلين .

(٤) التهذيب ٦ / ٣٠١ ، الباب ٩٢ ، الحديث ٥٢ . الكافي ١ / ٦٧ ، باب اختلاف الحديث ، الحديث ١٥

الفقيه ٣ / ٥ ، الباب ٩ ، الحديث ٢ .

(٥) عوالي اللآلي ٤ / ١٣٣ الحديث ٢٢٩ .

٤٤٣
 &

تساويهما فيما ذكر من المزايا ، بخلاف مقام الفتوى ومجرد مناسبة الترجيح لمقامها أيضاً لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه مطلقاً ولو في غير مورد الحكومة ، كما لا يخفى .

وإن أبيت إلا عن ظهورهما في الترجيح في كلا المقامين ، فلا مجال لتقييد إطلاقات التخيير في مثل زماننا مما لا يتمكن من لقاء الإِمام عليه السلام بهما ، لقصور المرفوعة سنداً وقصور المقبولة دلالةً ، لاختصاصها بزمان التمكن من لقائه عليه السلام ، ولذا ما أرجع إلى التخيير بعد فقد الترجيح ، مع أن تقييد الإِطلاقات الواردة في مقام الجواب عن سؤال حكم المتعارضين ـ بلا استفصال عن كونهما متعادلين او متفاضلين ، مع ندرة كونهما متساويين جداً ـ بعيد قطعاً ، بحيث لو لم يكن ظهور المقبولة في ذاك الاختصاص لوجب حملها عليه أو على ما لا ينافيها من الحمل على الاستحباب ، كما فعله بعض الأصحاب (١) ، ويشهد به الاختلاف الكثير بين ما دل على الترجيح من الأخبار .

ومنه قد انقدح حال سائر أخباره ، مع أن في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظراً ، وجههُ قوة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجة ، بشهادة ما (٢) ورد في أنه زخرف ، وباطل ، وليس بشيء ، أو أنه لم نقله ، أو أمر بطرحه على الجدار ، وكذا الخبر الموافق للقوم ، ضرورة أن أصالة عدم صدوره تقية ـ بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره لولا القطع به ـ غير جارية ، للوثوق حينئذ بصدوره كذلك ، وكذا الصدور أو

____________________________

(١) الظاهر هو السيد الصدر شارح الوافية ، لكنه ( رحمه الله ) حمل جميع أخبار الترجيح على الاستحباب ، شرح الوافية ، ص مخطوط .

(٢) الوسائل ١٨ / ٧٨ ، الباب ٩ من ابواب صفات القاضي ، الأحاديث : ١٠ ، ١١ ، ١٢ ، ١٤ ، ١٥ ، ٢٩ ، ٣٥ ، ٣٧ ، ٤٠ ، ٤٧ ، ٤٨ .

والمحاسن : ١ / ٢٢٠ ، الباب ١١ ، الاحاديث ١٢٨ الىٰ ١٣١ وص ٢٢٥ ، الباب ١٢ ، الحديث ١٤٥ وص ٢٢٦ ، الباب ١٤ ، الحديث ١٥٠ .

٤٤٤
 &

الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون موهوناً بحيث لا يعمه أدلة اعتبار السند ولا الظهور ، كما لا يخفى ، فتكون هذه الأخبار في مقام تمييز الحجة عن اللا حجة لا ترجيح الحجة على الحجة ، فافهم .

وإن أبيت عن ذلك ، فلا محيص عن حملها توفيقاً بينها وبين الإِطلاقات ، إما على ذلك أو على الاستحباب كما أشرنا إليه آنفاً ، هذا ثم إنه لولا التوفيق بذلك للزم التقييد أيضاً في أخبار المرجحات ، وهي آبية عنه ، كيف يمكن تقييد مثل : ( ما خالف قول ربنا لم أقله ، أو زخرف ، أو باطل ) ؟ كما لا يخفى .

فتلخص ـ مما ذكرنا ـ أن اطلاقات التخيير محكمة ، وليس في الأخبار ما يصلح لتقييدها .

نعم قد استدل على تقييدها ، ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أُخر :

منها : دعوى (١) الاجماع على الأخذ بأقوى الدليلين .

وفيه أن دعوى الإِجماع ـ مع مصير مثل الكليني إلى التخيير ، وهو في عهد الغيبة الصغرى ويخالط النواب والسفراء ، قال في ديباجة الكافي : ولا نجد شيئاً أوسع ولا أحوط من التخيير ـ مجازفة .

ومنها (٢) : أنه لو لم يجب ترجيح ذي المزية ، لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلاً ، بل ممتنع قطعاً .

وفيه إنه إنما يجب الترجيح لو كانت المزية موجبة لتأكد ملاك الحجية في نظر الشارع ، ضرورة إمكان أن تكون تلك المزية بالإِضافة إلى ملاكها من قبيل الحجر في جنب الإِنسان ، و [ معه ] كان الترجيح بها بلا مرجح ، وهو قبيح كما هو واضح ، هذا مضافاً إلى ما هو في الإِضراب من الحكم بالقبح إلى الامتناع ،

____________________________

(١) حكاه الشيخ ( ره ) عن كلام جماعة / فرائد الأصول ٤٦٩ ، المرجحات الخارجية ، من الخاتمة في التعادل والتراجيح .

(٢) استدل به المحقق القمي ( ره ) قوانين الأصول ٢ / ٢٧٨ ، في قانون الترجيح من الخاتمة .

٤٤٥
 &

من أن الترجيح بلا مرجح في الأفعال الاختيارية ومنها الأحكام الشرعية ، لا يكون إلا قبيحاً ، ولا يستحيل وقوعه إلا على الحكيم تعالى ، وإلا فهو بمكان من الإِمكان ، لكفاية إرادة المختار علة لفعله ، وإنما الممتنع هو وجود الممكن بلا علة ، فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح ، إلا من باب امتناع صدوره منه تعالى ، وأما غيره فلا استحالة في ترجيحه لما هو المرجوح مما باختياره .

وبالجملة : الترجيح بلا مرجح بمعنى بلا علة محال ، وبمعنى بلا داعٍ عقلائي قبيح ليس بمحال ، فلا تشتبه .

ومنها : غير ذلك (١) مما لا يكاد يفيد الظن ، فالصفح عنه أولى وأحسن .

ثم إنه لا إشكال في الافتاء بما اختاره من الخبرين ، في عمل نفسه وعمل مقلديه ، ولا وجه للافتاء بالتخيير في المسألة الفرعية ، لعدم الدليل عليه فيها .

نعم له الافتاء به في المسألة الأصولية ، فلا بأس حينئذ باختيار المقلد غير ما اختاره المفتي ، فيعمل بما يفهم منه بصريحه أو بظهوره الذي لا شبهة فيه .

وهل التخيير بدوي أم استمراري ؟ قضية الاستصحاب لو لم نقل بأنه قضية الاطلاقات أيضاً كونه استمرارياً . وتوهم (٢) أن المتحيّر كان محكوماً بالتخيير ، ولا تحيّر له بعد الاختيار ، فلا يكون الإِطلاق ولا الاستصحاب مقتضياً للاستمرار ، لاختلاف الموضوع فيهما ، فاسد ، فإن التحير بمعنى تعارض الخبرين باق على حاله ، وبمعنى آخر لم يقع في خطاب موضوعاً للتخيير أصلاً ، كما لا يخفى .

فصل

هل على القول بالترجيح ، يقتصر فيه على المرجحات المخصوصة المنصوصة ، أو يتعدى إلى غيرها ؟ قيل (٣) بالتعدي ، لما في الترجيح بمثل الاصدقية

____________________________

(١) راجع فرائد الأصول ٤٤٢ ـ ٤٤٤ ، المقام الثاني من مقام التراجيح .

(٢) يظهر ذلك من الشيخ ( ره ) في فرائد الأصول ٤٤٠ ، المقام الأول في المتكافئين .

(٣) القائل هو الشيخ ( قده ) ونسبه إلى جمهور المجتهدين ، فرائد الأصول / ٤٥٠ .

٤٤٦
 &

والأوثقية ونحوهما ، مما فيه من الدلالة على أن المناط في الترجيح بها هو كونها موجبة للأقربية إلى الواقع ، ولما في التعليل بأن المشهور مما لا ريب فيه ، من استظهار أن العلة هو عدم الريب فيه بالإِضافة إلى الخبر الآخر ولو كان فيه ألف ريب ، ولما في التعليل بأن الرشد في خلافهم .

ولا يخفى ما في الاستدلال بها :

أما الأول : فإن جعل خصوص شيء فيه جهة الإِراءة والطريقية حجة أو مرجحاً لا دلالة فيه على أن الملاك فيه بتمامه جهة إراءته ، بل لا إشعار فيه كما لا يخفى ، لاحتمال دخل خصوصيته في مرجحيته أو حجيته ، لا سيما قد ذكر فيها ما لا يحتمل الترجيح به إلا تعبداً ، فافهم .

وأما الثاني : فلتوقفه على عدم كون الرواية المشهورة في نفسها مما لا ريب فيها ، مع أن الشهرة في الصدر الأول بين الرواة وأصحاب الائمة ـ عليهم السلام ـ موجبة لكون الرواية مما يطمأن بصدورها ، بحيث يصح أن يقال عرفاً : إنها مما لا ريب فيها ، كما لا يخفى . ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله مما يوجب الوثوق والاطمئنان بالصدور ، لا إلى كل مزية ولو لم يوجب إلّا أقربية ذي المزية إلى الواقع ، من المعارض الفاقد لها .

وأما الثالث : فلاحتمال أن يكون الرشد في نفس المخالفة ، لحسنها ، ولو سلم أنه لغلبة الحق في طرف الخبر المخالف ، فلا شبهة في حصول الوثوق بأن الخبر الموافق المعارض بالمخالف لا يخلو من الخلل صدوراً أو جهة ، ولا بأس بالتعدي منه إلى مثله ، كما مر آنفاً .

ومنه انقدح حال ما إذا كان التعليل لأجل انفتاح باب التقية فيه ، ضرورة كمال الوثوق بصدوره كذلك ، مع الوثوق بصدورهما ، لولا القطع به في الصدر الأول ، لقلة الوسائط ومعرفتها ، هذا مع ما في عدم بيان الامام ـ عليه السلام ـ للكلية كي لا يحتاج السائل إلى إعادة السؤال مراراً ، وما في أمره ـ عليه السلام ـ

٤٤٧
 &

بالإِرجاء بعد فرض التساوي فيما ذكره من المزايا المنصوصة ، من الظهور في أن المدار في الترجيح على المزايا المخصوصة ، كما لا يخفى .

ثم إنه بناء على التعدي حيث كان في المزايا المنصوصة ما لا يوجب الظن بذي المزية ولا أقربيته ، كبعض صفات الراوي مثل الأورعية أو الأفقهية ، إذا كان موجبهما مما لا يوجب الظن أو الأقربية ، كالتورع من الشبهات ، والجهد في العبادات ، وكثرة التتبع في المسائل الفقهية أو المهارة في القواعد الأصولية ، فلا وجه للاقتصار على التعدي إلى خصوص ما يوجب الظن أو الأقربية ، بل إلى كل مزية ، ولو لم تكن بموجبة (١) لأحدهما ، كما لا يخفى .

وتوهم أن ما يوجب الظن بصدق أحد الخبرين لا يكون بمرجح ، بل موجب لسقوط الآخر عن الحجية للظن بكذبه حينئذ ، فاسد . فإن الظن بالكذب لا يضر بحجية ما اعتبر من باب الظن نوعاً ، وإنما يضر فيما أُخذ في اعتباره عدم الظن بخلافه ، ولم يؤخذ في اعتبار الأخبار صدوراً ولا ظهوراً ولا جهةً ذلك ، هذا مضافاً إلى اختصاص حصول الظن بالكذب بما إذا علم بكذب أحدهما صدوراً ، وإلا فلا يوجبه الظن بصدور أحدهما لإِمكان صدورهما مع عدم إرادة الظهور في أحدهما أو فيهما ، أو إرادته تقية ، كما لا يخفى .

نعم لو كان وجه التعدي اندراج ذي المزية في أقوى الدليلين لوجب الاقتصار على ما يوجب القوة في دليليته وفي جهة إثباته وطريقيته ، من دون التعدي إلى ما لا يوجب ذلك ، وإن كان موجباً لقوة مضمون ذيه ثبوتاً ، كالشهرة الفتوائية أو الأولوية الظنية ونحوهما ، فإن المنساق من قاعدة أقوى الدليلين أو المتيقن منها ، إنما هو الأقوى دلالة ، كما لا يخفى ، فافهم (٢) .

____________________________

(١) في « أ » و « ب » بموجبه .

(٢) اثبتنا الأمر بالفهم من « أ » .

٤٤٨
 &

فصل

قد عرفت سابقاً أنه لا تعارض في موارد الجمع والتوفيق العرفي ، ولا يعمها ما يقتضيه الأصل في المتعارضين ، من سقوط أحدهما رأساً وسقوط كل منهما في خصوص مضمونه ، كما إذا لم يكونا في البين ، فهل التخيير أو الترجيح يختص أيضاً بغير مواردها أو يعمها ؟ قولان : أولهما المشهور ، وقصارى ما يقال في وجهه : إن الظاهر من الأخبار العلاجية ـ سؤالاً وجواباً ـ هو التخيير أو الترجيح في موارد التحيّر ، مما لا يكاد يستفاد المراد هناك عرفاً ، لا فيما يستفاد ولو بالتوفيق ، فإنه من أنحاء طرق الاستفادة عند أبناء المحاورة .

ويشكل بأن مساعدة العرف على الجمع والتوفيق وارتكازه في أذهانهم على وجه وثيق ، لا يوجب اختصاص السؤالات بغير موارد الجمع ، لصحّة السؤال بملاحظة التحيّر في الحال لأجل ما يتراءى من المعارضة وإن كان يزول عرفاً بحسب المآل ، أو للتحيّر في الحكم واقعاً وإن لم يتحير فيه ظاهراً ، وهو كاف في صحته قطعاً ، مع إمكان أن يكون لاحتمال الردع شرعاً عن هذه الطريقة المتعارفة بين أبناء المحاورة ، وجلّ العناوين المأخوذة في الأسئلة لولا كلها يعمها ، كما لا يخفي .

ودعوى أن المتيقن منها غيرها مجازفة ، غايته أنه كان كذلك خارجاً لا بحسب مقام التخاطب ، وبذلك ينقدح وجه القول الثاني ، اللهم إلا أن يقال : إن التوفيق في مثل الخاص والعام والمقيد والمطلق ، كان عليه السيرة القطعية من لدن زمان الأئمة عليهم السلام ، وهي كاشفة إجمالاً عما يوجب تخصيص أخبار العلاج بغير موارد التوفيق العرفي ، لولا دعوى اختصاصها به ، وأنها سؤالاً وجواباً بصدد الاستعلاج والعلاج في موارد التحير والاحتياج ، أو دعوى الإِجمال وتساوي احتمال العموم مع احتمال الاختصاص ، ولا ينافيها مجرد صحة السؤال لما لا ينافي العموم ما لم يكن هناك ظهور أنه لذلك ، فلم يثبت بأخبار العلاج ردع عما هو عليه بناء

٤٤٩
 &

العقلاء وسيرة العلماء ، من التوفيق وحمل الظاهر على الأظهر ، والتصرف فيما يكون صدورهما قرينة عليه ، فتأمل .

فصل

قد عرفت حكم تعارض الظاهر والأظهر وحمل الأول على الآخر ، فلا إشكال فيما إذا ظهر أن أيّهما ظاهر وأيهما أظهر ، وقد ذكر فيما أشتبه الحال لتمييز ذلك ما لا عبرة به أصلاً ، فلا بأس بالإِشارة إلى جملة منها وبيان ضعفها :

منها : ما قيل (١) في ترجيح ظهور العموم على الإِطلاق ، وتقديم التقييد على التخصيص فيما دار الأمر بينهما ، من كون ظهور العام في العموم تنجيزياً ، بخلاف ظهور المطلق في الإِطلاق ، فإنه معلق على عدم البيان ، والعام يصلح بياناً ، فتقديم العام حينئذ لعدم تمامية مقتضي الإِطلاق معه ، بخلاف العكس ، فإنه موجب لتخصيصه بلا وجه إلا على نحو دائر . ومن أن التقييد أغلب من التخصيص .

وفيه : أن عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة ، إنما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد ، وأغلبية التقييد مع كثرة التخصيص بمثابة قد قيل : ما من عام إلا وقد خص ، غير مفيد ، فلا بد (٢) في كل قضية من ملاحظة خصوصياتها الموجبة لأظهرية أحدهما من الآخر ، فتدبر .

ومنها : ما قيل فيما إذا دار بين التخصيص والنسخ ـ كما إذا ورد عام بعد حضور وقت العمل بالخاص ، حيث يدور بين أن يكون الخاص مخصصاً أو يكون العام ناسخاً ، أو ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام ، حيث يدور بين أن يكون الخاص مخصصاً للعام ، أو ناسخاً له ورافعاً لاستمراره ودوامه ـ في وجه تقديم التخصيص على النسخ ، من غلبة التخصيص وندرة النسخ .

____________________________

(١) راجع فرائد الأصول ٤٥٧ ، المقام الرابع من مقام التراجيح .

(٢) في « ب » : ولا بد .

٤٥٠
 &

ولا يخفى أن دلالة الخاص أو العام على الاستمرار والدوام إنما هو بالإِطلاق لا بالوضع ، فعلى الوجه العقلي في تقديم التقييد على التخصيص كان اللازم في هذا الدوران تقديم النسخ على التخصيص أيضاً ، وإن غلبة التخصيص إنما توجب أقوائية ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العام في العموم إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعد من القرائن المكتنفة بالكلام ، وإلّا فهي وإن كانت مفيدة للظن بالتخصيص ، إلا أنها غير موجبة لها ، كما لا يخفى .

ثم إنه بناء على اعتبار عدم حضور وقت العمل في التخصيص ، لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، يشكل الأمر في تخصيص الكتاب أو السنة بالخصوصات الصادرة عن الأئمة عليهم السلام ، فإنها صادرة بعد حضور وقت العمل بعموماتهما ، والتزام نسخهما بها ولو قيل بجواز نسخهما بالرواية عنهم عليهم السلام كما ترى ، فلا محيص في حله من أن يقال : إن اعتبار ذلك حيث كان لأجل قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وكان من الواضح أن ذلك فيما إذا لم يكن هناك مصلحة في إخفاء الخصوصات أو مفسدة في إبدائها ، كإخفاء غير واحد من التكاليف في الصدر الأول ، لم يكن باس بتخصيص عموماتهما بها ، واستكشاف أن موردها كان خارجاً عن حكم العام واقعاً وإن كان داخلاً فيه ظاهراً ، ولأجله لا بأس بالالتزام بالنسخ بمعنى رفع اليد بها عن ظهور تلك العمومات بإطلاقها في الاستمرار والدوام أيضاً ، فتفطن .

فصل

لا إشكال في تعيين الأظهر لو كان في البين إذا كان التعارض بين الإِثنين ، وأما إذا كان بين الزائد عليهما فتعينه ربما لا يخلو عن خفاء ، ولذا وقع بعض (١) الأعلام في اشتباه وخطأ ، حيث توهم أنه إذا كان هناك عام وخصوصات وقد خصص ببعضها ، كان اللازم ملاحظة النسبة بينه وبين سائر الخصوصات بعد

____________________________

(١) هو المولى النراقي ( ره ) العوائد / ١١٩ ـ ١٢٠ ، العائدة ٤٠ .

٤٥١
 &

تخصيصه به ، فربما تنقلب النسبة إلى عموم وخصوص من وجه ، فلا بد من رعاية هذه النسبة وتقديم الراجح منه ومنها ، أو التخيير بينه وبينها لو لم يكن هناك راجح ، لا تقديمها عليه ، إلا إذا كانت النسبة بعده على حالها .

وفيه : إن النسبة إنما هي بملاحظة الظهورات ، وتخصيص العام بمخصص منفصل ولو كان قطعياً لا ينثلم به ظهوره ، وإن انثلم به حجيته ، ولذلك يكون بعد التخصيص حجة في الباقي ، لأصالة عمومه بالنسبة إليه .

لا يقال : إن العام بعد تخصيصه بالقطعي لا يكون مستعملاً في العموم قطعاً ، فكيف يكون ظاهراً فيه ؟

فإنه يقال : إن المعلوم عدم إرادة العموم ، لا عدم استعماله فيه لإِفادة القاعدة الكلية ، فيعمل بعمومها ما لم يعلم بتخصيصها ، وإلا لم يكن وجه في حجيته في تمام الباقي ، لجواز استعماله حينئذ فيه وفي غيره من المراتب التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص ، وأصالة عدم مخصص آخر لا يوجب انعقاد ظهور له ، لا فيه ولا في غيره من المراتب ، لعدم الوضع ولا القرينة المعينة لمرتبة منها ، كما لا يخفى ، لجواز إرادتها وعدم نصب قرينة عليها .

نعم ربما يكون عدم نصب قرينة مع كون العام في مقام البيان قرينة على إرادة التمام ، وهو غير ظهور العام فيه في كل مقام .

فانقدح بذلك أنه لا بد من تخصيص العام بكل واحد من الخصوصات مطلقاً ، ولو كان بعضها مقدماً أو قطعياً ، ما لم يلزم منه محذور انتهائه إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه عرفاً ، ولو لم يكن مستوعبة لأفراده ، فضلاً عما إذا كانت مستوعبة لها ، فلا بد حينئذ من معاملة التباين بينه وبين مجموعها ومن ملاحظة الترجيح بينهما وعدمه ، فلو رجح جانبها أو اختير فيما لم يكن هناك ترجيح فلا مجال للعمل به أصلاً ، بخلاف ما لو رجح طرفه أو قدم تخييراً ، فلا يطرح منها إلا خصوص ما لا يلزم مع طرحة المحذور من التخصيص بغيره ، فإن التباين إنما كان بينه وبين

٤٥٢
 &

مجموعها لا جميعها ، وحينئذ فربما يقع التعارض بين الخصوصات فيخصص ببعضها ترجيحاً أو تخييراً ، فلا تغفل .

هذا فيما كانت النسبة بين المتعارضات متحدة ، وقد ظهر منه حالها فيما كانت النسبة بينها متعددة ، كما إذا ورد هناك عامّان من وجه مع ما هو أخص مطلقاً من أحدهما ، وأنه لا بد من تقديم الخاص على العام ومعاملة العموم من وجه بين العامين من الترجيح والتخيير بينهما ، وإن انقلبت النسبة بينهما إلى العموم المطلق بعد تخصيص أحدهما ، لما عرفت من أنه لا وجه إلا لملاحظة النسبة قبل العلاج .

نعم لو لم يكن الباقي تحته بعد تخصيصه إلا ما لا يجوّز أن يجوز عنه التخصيص أو كان بعيداً جداً ، لقدم على العامّ الآخر ، لا لانقلاب النسبة بينهما ، بل لكونه كالنص فيه ، فيقدم على الآخر الظاهر فيه بعمومه ، كما لا يخفي .

فصل

لا يخفي أن المزايا المرجحة لأحد المتعارضين الموجبة للأخذ به وطرح الآخر ـ بناءً على وجوب الترجيح ـ وإن كانت على أنحاء مختلفة ومواردها متعددة ، من راوي الخبر ونفسه ووجه صدوره ومتنه ومضمونه مثل : الوثاقة والفقاهة والشهرة ومخالفة العامة والفصاحة وموافقة الكتاب والموافقة لفتوى الأصحاب ، إلى غير ذلك مما يوجب مزية في طرف من أطرافه ، خصوصاً لو قيل بالتعدي من المزايا المنصوصة ، إلا أنها موجبة لتقديم أحد السندين وترجيحه وطرح الآخر ، فإن أخبار العلاج دلّت على تقديم رواية ذات مزية في أحد أطرافها ونواحيها فجميع هذه من مرجحات السند حتى موافقة الخبر للتقية ، فإنها أيضاً مما يوجب ترجيح أحد السندين وحجيته فعلاً وطرح الآخر راساً ، وكونها في مقطوعي الصدور متمحضة في ترجيح الجهة لا يوجب كونها كذلك في غيرهما ، ضرورة أنه لا معنى للتعبد بسند ما يتعين حمله على التقية ، فكيف يقاس على ما لا تعبد فيه للقطع بصدوره ؟ .

ثم انه لا وجه لمراعاة الترتيب بين المرجحات لو قيل بالتعدي وإناطة الترجيح

٤٥٣
 &

بالظن أو بالأقربية إلى الواقع ، ضرورة أن قضية ذلك تقديم الخبر الذي ظن صدقه أو كان أقرب إلى الواقع منهما ، والتخيير بينهما إذا تساويا ، فلا وجه لإِتعاب النفس في بيان أن أيّها يقدم أو يؤخر إلا تعيين أن أيها يكون فيه المناط في صورة مزاحمة بعضها مع الآخر .

وأما لو قيل بالاقتصار على المزايا المنصوصة فله وجه لما يتراءى من ذكرها مرتباً في المقبولة (١) والمرفوعة (٢) ، مع إمكان أن يقال : إن الظاهر كونهما كسائر أخبار الترجيح بصدد بيان أن هذا مرجح وذاك مرجح ، ولذا اقتصر في غير واحد منها على ذكر مرجح واحد ، وإلا لزم تقييد جميعها على كثرتها بما في المقبولة ، وهو بعيد جداً ، وعليه فمتى وجد في أحدهما مرجح وفي الآخر آخر منها ، كان المرجع هو إطلاقات التخيير ، ولا كذلك على الأول بل لا بد من ملاحظة الترتيب ، إلا إذا كانا في عرض واحد .

وانقدح بذلك أن حال المرجح الجهتي حال سائر المرجحات ، في أنه لا بد في صورة مزاحمته مع بعضها من ملاحظة أن أيهما فعلاً موجب للظن بصدق ذيه بمضمونه ، أو الأقربية كذلك إلى الواقع ، فيوجب ترجيحه وطرح الآخر ، أو أنه لا مزية لأحدهما على الآخر ، كما إذا كان الخبر الموافق للتقية بما له من المزية مساوياً للخبر المخالف لها بحسب المناطين ، فلا بد حينئذ من التخيير بين الخبرين ، فلا وجه لتقديمه على غيره ، كما عن الوحيد البهبهاني (٣) ـ قدس سره ـ وبالغ فيه

____________________________

(١) التهذيب ٦ / ٣٠١ ، الباب ٩٢ ، الحديث ٥٢ .

(٢) الكافي ١ / ٦٧ ، باب اختلاف الحديث ، الحديث ١٠ .

(٣) راجع ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد ( ره ) / ١٢٠ في الفائدة ٢١ .

المولىٰ محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني مروج المذهب رأس الماة الثالثة تولد سنة ١١١٨ في اصفهان وقطن برهة في بهبهان ، ثم انتقل الى كربلا ونشر العلم هناك ، صنف ما يقرب من ستين كتاباً . منها شرحه على المفاتيح وحواشيه على المدارك وعلى المعالم وغير ذلك توفي في الحائر الشريف سنة ١٢٠٨ هـ ( الكنى والالقاب ٢ / ٩٧ ) .

٤٥٤
 &

بعض (١) أعاظم المعاصرين ـ أعلى الله درجته ـ ولا لتقديم غيره عليه ، كما يظهر من شيخنا العلامة (٢) ـ أعلى الله مقامه ـ قال :

أما لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور ، بأن كان الأرجح صدوراً موافقاً للعامة ، فالظاهر تقديمه على غيره وإن كان مخالفاً للعامة ، بناءً على تعليل الترجيح بخالفة العامة بإحتمال التقية في الموافق ، لأن هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعاً كما في المتواترين ، أو تعبداً كما في الخبرين بعد عدم إمكان التعبد بصدور أحدهما وترك التعبد بصدور الآخر ، وفيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلة الترجيح من حيث الصدور .

إن قلت : إن الأصل في الخبرين الصدور ، فإذا تعبدنا بصدورهما إقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقية ، كما يقتضي ذلك الحكم بإرادة خلاف الظاهر في أضعفهما ، فيكون هذا المرجح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدماً على الترجيح بحسب الصدور .

قلت : لا معنى للتعبد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعين على التقية ، لأنه إلغاء لأحدهما في الحقيقة .

وقال بعد جملة من الكلام :

فمورد هذا الترجيح تساوي الخبرين من حيث الصدور ، إما علماً كما في المتواترين ، أو تعبداً كما في المتكافئين من الأخبار ، وأما ما وجب فيه التعبد بصدور أحدهما المعين دون الآخر فلا وجه لإِعمال هذا المرجح فيه ، لأن جهة الصدور متفرع على أصل الصدور إنتهى موضع الحاجة من كلامه ، زيد في علو مقامه .

وفيه ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ أن حديث فرعية جهة الصدور على أصله إنما يفيد

____________________________

(١) هو صاحب البدائع في البدائع / ٤٥٥ و ٤٥٧ ، المقام الرابع في ترتيب المرجحات .

(٢) فرائد الأصول / ٤٦٨ .

٤٥٥
 &

إذا لم يكن المرجح الجهتي من مرجحات أصل الصدور بل من مرجحاتها ، وأما إذا كان من مرجحاته بأحد المناطين ، فأي فرق بينه وبين سائر المرجحات ؟ ولم يقم دليل بعد في الخبرين المتعارضين على وجوب التعبد بصدور الراجح منهما من حيث غير الجهة ، مع كون الآخر راجحاً بحسبها ، بل هو أول الكلام ، كما لا يخفى ، فلا محيص من ملاحظة الراجح من المرجحين بحسب أحد المناطين ، أو من دلالة أخبار العلاج ، على الترجيح بينهما مع المزاحمة ، ومع عدم الدلالة ولو لعدم التعرض لهذه الصورة فالمحكم هو إطلاق التخيير ، فلا تغفل .

وقد أورد بعض أعاظم تلاميذه (١) عليه بإنتقاضه بالمتكافئين من حيث الصدور ، فإنه لو لم يعقل التعبد بصدور المتخالفين من حيث الصدور ، مع حمل أحدهما على التقية ، لم يعقل التعبد بصدورهما مع حمل أحدهما عليها ، لأنه إلغاء لأحدهما أيضاً في الحقيقة .

وفيه ما لا يخفى من الغفلة ، وحسبان أنه التزم ـ قدس سره ـ في مورد الترجيح بحسب الجهة باعتبار تساويهما من حيث الصدور ، إما للعلم بصدورهما ، وإما للتعبد به فعلاً ، مع بداهة أن غرضه من التساوي من حيث الصدور تعبداً تساويهما بحسب دليل التعبد بالصدور قطعاً ، ضرورة أن دليل حجية الخبر لا يقتضي التعبد فعلاً بالمتعارضين ، بل ولا بأحدهما ، وقضية دليل العلاج ليس إلا التعبد بأحدهما تخييراً أو ترجيحاً .

والعجب كل العجب أنه ـ رحمه الله ـ لم يكتف بما أورده من النقض ، حتى ادعى استحالة تقديم الترجيح بغير هذا المرجح على الترجيح به ، وبرهن عليه بما حاصله امتناع التعبد بصدور الموافق ، لدوران أمره بين عدم صدوره من أصله ، وبين صدوره تقية ، ولا يعقل التعبد به على التقديرين بداهةً ، كما أنه لا يعقل التعبد بالقطعي الصدور الموافق ، بل الأمر في الظني الصدور أهون ، لاحتمال عدم

____________________________

(١) وهو الشيخ المحقق الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي ( طاب ثراه ) . راجع بدائع الأفكار / ٤٥٧ .

٤٥٦
 &

صدوره ، بخلافه .

ثم قال : فاحتمال تقديم المرجحات السندية على مخالفة العامة ، مع نص الإِمام ـ عليه السلام ـ على طرح موافقهم ، من العجائب والغرائب التي لم يعهد صدورها من ذي مسكة ، فضلاً عمن هو تالي العصمة علماً وعملاً .

ثم قال : وليت شعري ، إن هذه الغفلة الواضحة كيف صدرت منه ؟ مع أنه في جودة النظر يأتي بما يقرب من شق القمر .

وأنت خبير بوضوح فساد برهانه ، ضرورة عدم دوران أمر الموافق بين الصدور تقية وعدم الصدور رأساً ، لاحتمال صدوره لبيان حكم الله واقعاً ، وعدم صدور المخالف المعارض له أصلاً ، ولا يكاد يحتاج في التعبد إلى أزيد من احتمال صدور الخبر لبيان ذلك بداهة ، وإنما دار احتمال الموافق بين الإِثنين إذا كان المخالف قطعياً صدوراً وجهةً ودلالةً ، ضرورة دوران معارضه حينئذ بين عدم صدوره وصدوره تقية ، وفي غير هذه الصورة كان دوران أمره بين الثلاثة لا محالة ، لاحتمال صدوره لبيان الحكم الواقعي حينئذ أيضاً .

ومنه قد انقدح إمكان التعبد بصدور الموافق القطعي لبيان الحكم الواقعي أيضاً ، وإنما لم يكن التعبد بصدوره لذلك إذا كان معارضه المخالف قطعياً بحسب السند والدلالة ، لتعيين حمله على التقية حينئذ لا محالة ؛ ولعمري إن ما ذكرنا أوضح من أن يخفى على مثله ، إلا أن الخطأ والنسيان كالطبيعة الثانية للإِنسان ، عصمنا الله من زلل الأقدام والأقلام في كل ورطة ومقام .

ثم إن هذا كله إنما هو بملاحظة أن هذا المرجح مرجح من حيث الجهة ، وأما بما هو موجب لأقوائية دلالة ذيه من معارضه ، لاحتمال التورية في المعارض المحتمل فيه التقية دونه ، فهو مقدم على جميع مرجحات الصدور ، بناءً على ما هو المشهور من تقدم التوفيق ـ بحمل الظاهر على الأظهر ـ على الترجيح بها ، اللهم إلا أن يقال : أن باب احتمال التورية وإن كان مفتوحاً فيما احتمل فيه التقية ، إلا أنه

٤٥٧
 &

حيث كان بالتأمل والنظر لم يوجب أن يكون معارضه أظهر ، بحيث يكون قرينة على التصرف عرفاً في الآخر ، فتدبر .

فصل

موافقة الخبر لما يوجب الظن بمضمونه ولو نوعاً من المرجحات في الجملة ـ بناء على لزوم الترجيح ـ لو قيل بالتعدي من المرجحات المنصوصة ، أو قيل بدخوله في القاعدة المجمع عليها كما ادعي (١) ، وهي لزوم العمل بأقوى الدليلين ، وقد عرفت أن التعدي محل نظر بل منع ، وأن الظاهر من القاعدة هو ما كان الأقوائية من حيث الدليلية والكشفية ، ومضمون أحدهما مظنوناً ، لأجل مساعدة أمارة ظنية عليه ، لا يوجب قوة فيه من هذه الحيثية ، بل هو على ما هو عليه من القوة لولا مساعدتها ، كما لا يخفى ، ومطابقة أحد الخبرين لها لا يكون لازمه الظن بوجود خلل في الآخر ، إما من حيث الصدور ، أو من حيث جهته ، كيف ؟ وقد اجتمع مع القطع بوجود جميع ما اعتبر في حجية المخالف لولا معارضة الموافق ، والصدق واقعاً لا يكاد يعتبر في الحجيّة ، كما لا يكاد يضرّ بها الكذب كذلك ، فافهم . هذا حال الأمارة الغير المعتبرة لعدم الدليل على اعتبارها .

أما ما ليس بمعتبر بالخصوص لأجل الدليل على عدم اعتباره بالخصوص كالقياس ، فهو وإن كان كالغير المعتبر لعدم الدليل ، بحسب ما يقتضي الترجيح به من الأخبار بناءً على التعدي ، والقاعدة بناءً على دخول مظنون المضمون في أقوى الدليلين ، إلا أن الأخبار الناهية عن القياس (٢) وأن السنة إذا قيست محق الدين (٣) ، مانعة عن الترجيح به ، ضرورة أن استعماله في ترجيح أحد الخبرين

____________________________

(١) راجع فرائد الاُصول / ٤٦٩ .

(٢) الكافي ١ : ٤٦ باب البدع والرأي والمقاييس . الأحاديث ١٣ و ١٦ .

(٣) المصدر المتقدم ، الحديث ١٥ والكافي ٧: ٢٩٩ ، كتاب الديات ، باب الرجل يقتل المرأة و ... الخ ، الحديث ٦ .

وللمزيد راجع جامع أحاديث الشيعة ١ : ٢٦٩ ، الباب ٧ عدم حجية القياس والرأي و .. الخ .

٤٥٨
 &

استعمال له في المسألة الشرعية الأصولية ، وخطره ليس بأقل من استعماله في المسألة الفرعية .

وتوهم أن حال القياس هاهنا ليس في تحقق الأقوائية به إلا كحاله فيما ينقح به موضوع آخر ذو حكم ، من دون اعتماد عليه في مسألة لا أُصولية (١) ولا فرعية ، قياس مع الفارق ، لوضوح الفرق بين المقام والقياس في الموضوعات الخارجية الصرفة ، فإن القياس المعمول فيها ليس في الدين ، فيكون إفساده أكثر من إصلاحه ، وهذا بخلاف المعمول في المقام ، فإنه نحو إعمال له في الدين ؛ ضرورة أنّه لولاه لما تعيّن الخبر الموافق له للحجية بعد سقوطه عن الحجيّة بمقتضى أدلة الاعتبار ، والتخيير بينه وبين معارضه بمقتضى أدلّة العلاج ، فتأمّل جيداً .

وأمّا ما إذا اعتضد بما كان دليلاً مستقلاً في نفسه ، كالكتاب والسنة القطعية ، فالمعارض المخالف لأحدهما إن كانت مخالفته بالمباينة الكلية ، فهذه الصورة خارجة عن مورد الترجيح ، لعدم حجية الخبر المخالف كذلك من أصله ، ولو مع عدم المعارض ، فإنه المتيقن من الأخبار الدالة على أنه زخرف أو باطل ، أو أنّه : لم نقله ، أو غير ذلك (٢) .

وإن كانت مخالفته بالعموم والخصوص المطلق ، فقضية القاعدة فيها ، وإن كانت ملاحظة المرجحات بينه وبين الموافق وتخصيص الكتاب به تعييناً أو تخييراً ، لو لم يكن الترجيح في الموافق ، بناءً على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد ، إلا أن الأخبار الدالة على أخذ الموافق من المتعارضين غير قاصرة عن العموم لهذه الصورة ، لو قيل بأنها في مقام ترجيح أحدهما لا تعيين الحجة عن اللا حجة ، كما نزلناها عليه ، ويؤيده أخبار (٣) العرض على الكتاب الدالة على عدم حجية المخالف من

____________________________

(١) في « ب » : في مسألة الأصولية ولا فرعية .

(٢) راجع ص ٤٤٤ ، هامش ٢ .

(٣) وسائل الشيعة ١٨ : ٧٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي / الأحاديث ١٠ ، ١١ ، ١٢ ، ١٤ ،

٤٥٩
 &

أصله ، فإنهما تفرغان عن لسان واحد ، فلا وجه لحمل المخالفة في إحدهما على خلاف المخالفة في الأخرى ، كما لا يخفى .

اللهمّ إلا أن يقال : نعم ، إلا أن دعوى اختصاص هذه الطائفة بما إذا كانت المخالفة بالمباينة ـ بقرينة القطع بصدور المخالف الغير المباين عنهم عليهم السلام كثيراً ، وإباءِ مثل : ما خالف قول ربنا لم أقله ، أو زخرف أو باطل عن التخصيص ـ غير بعيدة ، وإن كانت المخالفة بالعموم والخصوص من وجه ، فالظاهر أنها كالمخالفة في الصورة الأُولى كما لا يخفى ، وأما الترجيح بمثل الاستصحاب ، كما وقع في كلام غير واحد من الأصحاب ، فالظاهر أنه لأجل اعتباره من باب الظنّ والطريقية عندهم ، وأما بناءً على اعتباره تعبداً من باب الأخبار وظيفةً للشاك ، كما هو المختار ، كسائر الأُصول العملية التي تكون كذلك عقلاً أو نقلاً ، فلا وجه للترجيح به أصلاً ، لعدم تقوية مضمون الخبر بموافقته ، ولو بملاحظة دليل اعتباره كما لا يخفىٰ .

____________________________

١٥ ، ١٨ .

والمحاسن ١: ٢٢٠ ، كتاب مصابيح الظلم ، الباب ١١ ، الأحاديث ١٢٨ الى ١٣١ . وص ٢٢٥ ، الباب ١٢ . الحديث ١٤٥ وص ٢٢٦ ، الباب ١٤ ، الحديث ١٥٠ .

٤٦٠