كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فإنه يقال : نعم ، ولكنه إذا كان بلحاظ إضافته إلى أجزاء الزمان ، والمفروض أنه بلحاظ إضافته إلى الآخر ، وأنه حدث في زمان حدوثه وثبوته أو قبله ، ولا شبهة أن زمان شكه بهذا اللحاظ إنما هو خصوص ساعة ثبوت الآخر وحدوثه لا الساعتين .

فانقدح أنه لا مورد ها هنا للاستصحاب لاختلال أركانه لا أنه مورده ، وعدم جريانه إنما هو بالمعارضة ، كي يختص بما كان الأثر لعدم كل في زمان الآخر ، وإلا كان الاستصحاب فيما له الأثر جارياً .

وأما لو علم بتاريخ أحدهما ، فلا يخلو أيضاً إما يكون الأثر المهم مترتباً على الوجود الخاص من المقدم أو المؤخر أو المقارن ، فلا إشكال في استصحاب عدمه ، لولا المعارضة باستصحاب العدم في طرف الآخر أو طرفه ، كما تقدم .

وإما يكون مترتباً على ما إذا كان متصفاً بكذا ، فلا مورد للاستصحاب أصلاً ، لا في مجهول التاريخ ولا في معلومه كما لا يخفى ، لعدم اليقين بالاتصاف به سابقاً فيهما .

وإما يكون مترتباً على عدمه الذي هو مفاد ليس التامة في زمان الآخر ، فاستصحاب العدم في مجهول التاريخ منهما كان جارياً ، لاتصال زمان شكه بزمان يقينه ، دون معلومه لانتفاء الشك فيه في زمان ، وإنما الشك فيه بإضافة زمانه إلى الآخر ، وقد عرفت جريانه فيهما تارة وعدم جريانه كذلك أخرى .

فانقدح أنه لا فرق بينهما ، كان الحادثان مجهولي التاريخ أو كانا مختلفين ، ولا بين مجهوله ومعلومه في المختلفين ، فيما اعتبر في الموضوع خصوصية ناشئة من إضافة أحدهما إلى الآخر بحسب الزمان من التقدم ، أو أحد ضديه وشك فيها ، كما لا يخفى .

كما انقدح أنه لا مورد للاستصحاب أيضاً فيما تعاقب حالتان متضادتان

٤٢١
 &

كالطهارة والنجاسة ، وشك في ثبوتهما وانتفائهما ، للشك في المقدم والمؤخر منهما ، وذلك لعدم إحراز الحالة السابقة المتيقنة المتصلة بزمان الشك في ثبوتهما ، وترددها بين الحالتين ، وأنه ليس من تعارض الاستصحابين ، فافهم وتأمل في المقام فإنه دقيق .

الثاني عشر : إنه قد عرفت (١) أن مورد الاستصحاب لا بد أن يكون حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم كذلك ، فلا إشكال فيما كان المستصحب من الأحكام الفرعية ، أو الموضوعات الصرفة الخارجية ، أو اللغوية إذا كانت ذات أحكام شرعية .

وأما الأمور الاعتقادية التي كان المهم فيها شرعاً هو الانقياد والتسليم والاعتقاد بمعنى عقد القلب عليها من الأعمال القلبية الاختيارية ، فكذا لا إشكال في الاستصحاب فيها حكماً وكذا موضوعاً ، فيما كان هناك يقين سابق وشك لاحق ، لصحة التنزيل وعموم الدليل ، وكونه أصلاً عملياً إنما هو بمعنى أنه وظيفة الشاك تعبّداً ، قبالاً للأمارات الحاكية عن الواقعيات ، فيَعم العمل بالجوانح كالجوارح ، وأما التي كان المهم فيها شرعاً وعقلاً هو القطع بها ومعرفتها ، فلا مجال له موضوعاً ويجري حكماً ، فلو كان متيقّناً بوجوب تحصيل القطع بشيء ـ كتفاصيل القيامة ـ في زمان وشك في بقاء وجوبه ، يستصحب .

وأما لو شك في حياة إمام زمانٍ مثلاً فلا يستصحب ، لأجل ترتيب لزوم معرفة إمام زمانه ، بل يجب تحصيل اليقين بموته أو حياته مع إمكانه ، ولا يكاد يجدي في مثل وجوب المعرفة عقلاً أو شرعاً ، إلا إذا كان حجة من باب إفادته الظن وكان المورد مما يكتفى به أيضاً ، فالاعتقاديات كسائر الموضوعات لا بد في جريانه فيها من أن يكون في المورد أثر شرعي ، يتمكن من موافقته مع بقاء الشك فيه ، كان ذاك متعلقاً بعمل الجوارح أو الجوانح .

____________________________

(١) في التنبيه السابع / ص ٤١٣ .

٤٢٢
 &

وقد انقدح بذلك أنه لا مجال له في نفس النبوّة ، إذا كانت ناشئة من كمال النفس بمثابة يوحى إليها ، وكانت لازمة لبعض مراتب كمالها ، إما لعدم الشك فيها بعد اتصاف النفس بها ، أو لعدم كونها مجعولة بل من الصفات الخارجية التكوينية ، ولو فرض الشك في بقائها باحتمال انحطاط النفس عن تلك المرتبة وعدم بقائها بتلك المثابة ، كما هو الشأن في سائر الصفات والملكات الحسنة الحاصلة بالرياضات والمجاهدات ، وعدم أثر شرعي مهم لها يترتب عليها باستصحابها .

نعم لو كانت النبوّة من المناصب المجعولة وكانت كالولاية ، وإن كان لا بد في إعطائها من أهليّة وخصوصيّة يستحق بها لها ، لكانت مورداً للاستصحاب بنفسها ، فيترتب عليها آثارها ولو كانت عقلية بعد استصحابها ، لكنه يحتاج إلى دليل كان هناك غير منوط بها ، وإلا لدار ، كما لا يخفى .

وأما استصحابها بمعنى استصحاب بعض أحكام شريعة من اتّصف بها ، فلا إشكال فيها كما مر (١) .

ثم لا يخفى أن الاستصحاب لا يكاد يلزم به الخصم ، إلا إذا اعترف بأنه على يقين فشك ، فيما صح هناك التعبّد والتنزيل ودل عليه الدليل ، كما لا يصح أن يقنع به إلا مع اليقين والشك والدليل على التنزيل .

ومنه انقدح أنه لا موقع لتشبّث الكتابي باستصحاب نبوّة موسى أصلاً ، لا إلزاماً للمسلم ، لعدم الشك في بقائها قائمة بنفسه المقدسة ، واليقين بنسخ شريعته ، وإلا لم يكن بمسلم ، مع أنه لا يكاد يلزم به ما لم يعترف بأنه على يقين وشك ، ولا إقناعاً مع الشك ، للزوم معرفة النبي بالنظر إلى حالاته ومعجزاته عقلاً ، وعدم الدليل على التعبد بشريعته لا عقلاً ولا شرعاً ، والاتكال على قيامه في شريعتنا لا يكاد يجديه إلا على نحو محال ، ووجوب العمل بالاحتياط عقلاً في حال

____________________________

(١) في التنبيه السادس / ص ٤١١ .

٤٢٣
 &

عدم المعرفة بمراعاة الشريعتين ما لم يلزم منه الاختلال ، للعلم بثبوت إحداهما على الإِجمال ، إلا إذا علم بلزوم البناء على الشريعة السابقة ما لم يعلم الحال .

الثالث عشر : إنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب في مقام مع دلالة مثل العام ، لكنه ربما يقع الإِشكال والكلام فيما إذا خصّص في زمان في أن المورد بعد هذا الزمان مورد الاستصحاب أو التمسك بالعام .

والتحقيق أن يقال : إن مفاد العام ، تارة يكون ـ بملاحظة الزمان ـ ثبوت حكمه لموضوعه على نحو الاستمرار والدوام ، وأخرى على نحو جعل كل يوم من الأيام فرداً لموضوع ذاك العام . وكذلك مفاد مخصصه ، تارة يكون على نحو أخذ الزمان ظرف استمرار حكمه ودوامه ، وأخرى على نحو يكون مفرّداً ومأخوذاً في موضوعه .

فإن كان مفاد كل من العام والخاص على النحو الأوّل ، فلا محيص عن استصحاب حكم الخاص في غير مورد دلالته ، لعدم دلالة للعام على حكمه ، لعدم دخوله على حدة في موضوعه ، وانقطاع الاستمرار بالخاص الدالّ على ثبوت الحكم له في الزمان السابق ، من دون دلالته على ثبوته في الزمان اللاحق ، فلا مجال إلا لاستصحابه .

نعم لو كان الخاص غير قاطع لحكمه ، كما إذا كان مخصصاً له من الأول ، لما ضرَّ به في غير مورد دلالته ، فيكون أول زمان استمراد حكمه بعد زمان دلالته ، فيصحّ التمسك بـ ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (١) ولو خصّص بخيار المجلس ونحوه ، ولا يصح التمسك به فيما إذا خصص بخيار لا في أوّله ، فافهم .

وإن كان مفادهما على النحو الثاني ، فلا بد من التمسك بالعام بلا كلام ،

____________________________

(١) سورة المائدة : الآية ١ .

٤٢٤
 &

لكون موضوع الحكم بلحاظ هذا الزمان من أفراده ، فله الدلالة على حكمه ، والمفروض عدم دلالة الخاص على خلافه .

وإن كان مفاد العام على النحو الأول والخاص على النحو الثاني ، فلا مورد للاستصحاب ، فإنه وإن لم يكن هناك دلالة أصلاً ، إلا أن انسحاب الحكم الخاص إلى غير مورد دلالته من إسراء حكم موضوع إلى آخر ، لا استصحاب حكم الموضوع ، ولا مجال أيضاً للتمسك بالعام لما مر آنفاً ، فلا بد من الرجوع إلى سائر الأصول .

وإن كان مفادهما على العكس كان المرجع هو العام ، للاقتصار في تخصيصه بمقدار دلالة الخاص ، ولكنه لولا دلالته لكان الاستصحاب مرجعاً ، لما عرفت من أن الحكم في طرف الخاص قد أخذ على نحو صح استصحابه ، فتأمّل تعرف أن إطلاق كلام (١) شيخنا العلامة ( أعلى الله مقامه ) في المقام نفياً وإثباتاً في غير محله .

الرابع عشر : الظاهر أن الشك في أخبار الباب وكلمات الأصحاب هو خلاف اليقين ، فمع الظن بالخلاف فضلاً عن الظن بالوفاق يجري الاستصحاب ، ويدل عليه ـ مضافاً إلى أنه كذلك لغة كما في الصحاح ، وتعارف استعماله فيه في الأخبار في غير باب ـ قوله عليه السلام في أخبار الباب : ( ولكن تنقصه بيقين آخر ) حيث أن ظاهره أنه في بيان تحديد ما ينقض به اليقين وأنه ليس الا اليقين ، وقوله أيضاً : ( لا حتى يستيقن أنه قد نام ) بعد السؤال عنه عليه السلام عمَّا ( إذا حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم ) حيث دل بإطلاقه مع ترك الاستفصال بين ما إذا أفادت هذه الأمارة الظن ، وما إذا لم تفد ، بداهة أنها لو لم تكن مفيدة له دائماً لكانت مفيدة له أحياناً ، على عموم النفي لصورة الإِفادة ، وقوله عليه السلام بعده : ( ولا تنقض اليقين بالشك ) أن الحكم في المغيّا مطلقاً هو عدم نقض اليقين بالشك ، كما لا

____________________________

(١) راجع الأمر العاشر من تنبيهات الاستصحاب ، فرائد الأصول / ٣٩٥ .

٤٢٥
 &

يخفى .

وقد استدل عليه أيضاً بوجهين آخرين :

الأول (١) : الإِجماع القطعي على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف على تقدير اعتباره من باب الاخبار .

وفيه : إنه لا وجه لدعواه ولو سلم اتفاق الاصحاب على الاعتبار ، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الأخبار عليه .

الثاني (٢) : إن الظن الغير المعتبر ، إن علم بعدم اعتباره بالدليل ، فمعناه أن وجوده كعدمه عند الشارع ، وأن كلما يترتب شرعاً على تقدير عدمه فهو المترتب على تقدير وجوده ، وإن كان مما شك في اعتباره ، فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه إلى نقض اليقين بالشك ، فتأمل جيداً .

وفيه : إن قضية عدم اعتباره لالغائه أو لعدم الدليل على اعتباره لا يكاد يكون إلا عدم إثبات مظنونه به تعبداً ، ليترتب عليه آثاره شرعاً ، لا ترتيب آثار الشك مع عدمه ، بل لا بد حينئذ في تعيين أن الوظيفة أيّ أصل من الأصول العملية من الدليل ، فلو فرض عدم دلالة الاخبار معه على اعتبار الاستصحاب فلا بد من الانتهاء إلى سائر الأصول بلا شبهة ولا ارتياب ، ولعله أُشير إليه بالأمر بالتأمل (٣) ، فتأمل جيداً .

تتمة : لا يذهب عليك أنه لا بد في الاستصحاب من بقاء الموضوع ، وعدم

____________________________

(١) هذا هو الوجه الأول في استدلال الشيخ ( ره ) على تعميم الشك ، في الأمر الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب ، فرائد الأصول / ٣٩٨ .

(٢) هذا هو الوجه الثالث في استدلال الشيخ ( ره ) على تعميم الشك ، في الأمر الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب ، فرائد الأصول / ٣٩٨ .

(٣) راجع فرائد الأصول ، الأمر الثاني عشر من تنبيهات الاستصحاب / ٣٩٨ .

٤٢٦
 &

أمارة معتبرة هناك ولو على وفاقه ، فها هنا مقامان :

المقام الأول : إنه لا إشكال في اعتبار بقاء الموضوع بمعنى اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعاً ، كاتحادهما حكماً ، ضرورة أنه بدونه لا يكون الشك في البقاء بل في الحدوث ، ولا رفع اليد عن اليقين في محل الشك نقض اليقين بالشك ، فاعتبار البقاء بهذا المعنى لا يحتاج إلى زيادة بيان وإقامة برهان ، والاستدلال (١) عليه باستحالة انتقال العرض إلى موضوع آخر لتقوّمه بالموضوع وتشخصه به غريب ، بداهة أن استحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته تعبداً ، والالتزام بآثاره شرعاً .

وأما بمعنى إحراز وجود الموضوع خارجاً ، فلا يعتبر قطعاً في جريانه لتحقق أركانه بدونه ، نعم ربما يكون مما لا بد منه في ترتيب بعض الآثار ، ففي استصحاب عدالة زيد لا يحتاج إلى إحراز حياته لجواز تقليده ، وإن كان محتاجاً إليه في جواز الاقتداء به أو وجوب إكرامه أو الانفاق عليه .

وإنما الإِشكال كله في أن هذا الاتحاد هل هو بنظر العرف ؟ أو بحسب دليل الحكم ؟ أو بنظر العقل ؟ فلو كان مناط الاتحاد هو نظر العقل فلا مجال للاستصحاب في الأحكام ، لقيام احتمال تغيّر الموضوع في كل مقام شك في الحكم بزوال بعض خصوصيات موضوعه ، لاحتمال دخله فيه ، ويختص بالموضوعات ، بداهة أنه إذا شك في حياة زيد شك في نفس ما كان على يقين منه حقيقة ، بخلاف ما لو كان بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل ، ضرورة أن انتفاء بعض الخصوصيات وإن كان موجباً للشك في بقاء الحكم لاحتمال دخله في موضوعه ، إلا أنه ربما لا يكون بنظر العرف ولا في لسان الدليل من مقوماته .

كما أنه ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه موضوعاً ، مثلاً

____________________________

(١) استدل به الشيخ ( ره ) في خاتمة الاستصحاب ، في شروط جريان الاستصحاب ، فرائد الأصول / ٤٠٠ .

٤٢٧
 &

إذا ورد ( العنب إذا غلى يحرم ) كان العنب بحسب ما هو المفهوم عرفاً هو خصوص العنب ، ولكن العرف بحسب ما يرتكز في أذهانهم ويتخيلونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه ، يجعلون الموضوع للحرمة ما يعم الزبيب ويرون العنبية والزبيبية من حالاته المتبادلة ، بحيث لو لم يكن الزبيب محكوماً بما حكم به العنب ، كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه ، ولو كان محكوماً به كان من بقائه ، ولا ضير في أن يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في أذهانهم بسبب ما تخيلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم تكن بمثابة تصلح قرينة على صرفه عما هو ظاهر فيه .

ولا يخفى أن النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع ، فيكون نقضاً بلحاظ موضوع ، ولا يكون بلحاظ موضوع آخر ، فلا بد في تعيين أن المناط في الاتحاد هو الموضوع العرفي أو غيره ، من بيان أن خطاب ( لا تنقض ) قد سيق بأي لحاظ ؟ .

فالتحقيق أن يقال : إن قضية إطلاق خطاب ( لا تنقض ) هو أن يكون بلحاظ الموضوع العرفي ، لأنه المنساق من الإِطلاق في المحاورات العرفية ومنها الخطابات الشرعية ، فما لم يكن هناك دلالة على أن النهي فيه بنظر آخر غير ما هو الملحوظ في محاوراتهم ، لا محيص عن الحمل على أنه بذاك اللحاظ ، فيكون المناط في بقاء الموضوع هو الاتحاد بحسب نظر العرف ، وإن لم يحرز بحسب العقل أو لم يساعده النقل ، فيستصحب مثلاً ما ثبت بالدليل للعنب إذا صار زبيباً ، لبقاء الموضوع واتحاد القضيتين عرفاً ، ولا يستصحب فيما لا اتحاد كذلك وإن كان هناك اتحاد عقلاً ، كما مرت الإِشارة إليه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي (١) ، فراجع .

المقام الثاني : إنه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الأمارة المعتبرة

____________________________

(١) في نهاية التنبيه الثالث / ص ٤٠٦ .

٤٢٨
 &

في مورده ، وإنما الكلام في أنه للورود أو الحكومة أو التوفيق بين دليل اعتبارها وخطابه .

والتحقيق أنه للورود ، فإن رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين بالشك بل باليقين ، وعدم رفع اليد عنه مع الأمارة على وفقه ليس لأجل أن لا يلزم نقضه به ، بل من جهة لزوم العمل بالحجة .

لا يقال : نعم ، هذا لو أُخذ بدليل الأمارة في مورده ، ولكنه لِمَ لا يؤخذ بدليله ويلزم الأخذ بدليلها ؟

فإنه يقال : ذلك إنما هو لأجل أنه لا محذور في الأخذ بدليلها بخلاف الأخذ بدليله ، فإنه يستلزم تخصيص دليلها بلا مخصص إلا على وجه دائر ، إذ التخصيص به يتوقف على اعتباره معها ، واعتباره كذلك يتوقف على التخصيص به ، إذ لولاه لا مورد له معها ، كما عرفت آنفاً .

وأما حديث الحكومة (١) فلا أصل له أصلاً ، فإنه لا نظر لدليلها إلى مدلول دليله إثباتاً وبما هو مدلول الدليل ، وإن كان دالّا على إلغائه معها ثبوتاً وواقعاً ، لمنافاة لزوم العمل بها مع العمل به لو كان على خلافها ، كما أن قضية دليله إلغائها كذلك ، فإن كلاً من الدليلين بصدد بيان ما هو الوظيفة للجاهل ، فيطرد كل منهما الآخر مع المخالفة ، هذا مع لزوم اعتباره معها في صورة الموافقة ، ولا أظن أن يلتزم به القائل بالحكومة ، فافهم فإن المقام لا يخلو من دقة .

وأما التوفيق ، فإن كان بما ذكرنا فنعم الاتفاق ، وإن كان بتخصيص دليله بدليلها فلا وجه له ؛ لما عرفت من أنه لا يكون مع الأخذ به نقض يقين بشك ، لا أنه غير منهي عنه مع كونه من نقض اليقين بالشك .

____________________________

(١) القائل بها هو الشيخ الأعظم ( ره ) ، راجع فرائد الأصول ، في خاتمة الاستصحاب ، الشرط الثالث في جريان الاستصحاب / ٤٠٧ .

٤٢٩
 &



خاتمة

لا بأس ببيان النسبة بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية ، وبيان التعارض بين الاستصحابين .

أما الأوّل : فالنسبة بينه وبينها هي بعينها النسبة بين الأمارة وبينه ، فيقدم عليها ولا مورد معه لها ، للزوم محذور التخصيص إلا بوجه دائر في العكس وعدم محذور فيه أصلاً ، هذا في النقلية منها .

وأما العقلية فلا يكاد يشتبه وجه تقديمه عليها ، بداهة عدم الموضوع معه لها ، ضرورة أنه إتمام حجّة وبيان ومؤمّن من العقوبة وبه الأمان ، ولا شبهة في أن الترجيح به عقلاً صحيح .

وأما الثاني : فالتعارض بين الاستصحابين ، إن كان لعدم إمكان العمل بهما بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما ، كاستصحاب وجوب أمرين حدث بينهما التضاد في زمان الاستصحاب ، فهو من باب تزاحم (١) الواجبين .

____________________________

(١) فيتخير بينهما إن لم يكن أحد المستصحبين أهم ، وإلا فيتعين الأخذ بالأهم ، ولا مجال لتوهم أنه لا يكاد يكون هناك أهم ، لأجل أن إيجابهما إنّما يكون من باب واحد وهو استصحابهما من دون مزية في أحدهما أصلاً ، كما لا يخفى ، وذلك لأن الاستصحاب إنما يثبت المستصحب ، فكما يثبت به الوجوب والاستحباب ، يثبت به كل مرتبة منهما ، فيستصحب ، فلا تغفل ( منه قدس سره ) .

٤٣٠
 &

وإن كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما ، فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعية لمستصحب الآخر ، فيكون الشك فيه مسبباً عن الشك فيه ، كالشك في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهراً ، وأخرى لا يكون كذلك .

فإن كان أحدهما أثراً للآخر ، فلا مورد إلا للاستصحاب في طرف السبب ، فإن الاستصحاب في طرف المسبب موجب لتخصيص الخطاب ، وجواز نقض اليقين بالشك في طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعي ، فإن من آثار طهارة الماء طهارة الثوب المغسول به ورفع نجاسته ، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته ، بخلاف استصحاب طهارته ، إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الثوب بالشك ، بل باليقين بما هو رافع لنجاسته ، وهو غسله بالماء المحكوم شرعاً بطهارته .

وبالجملة فكل من السبب والمسبب وإن كان مورداً للاستصحاب ، إلا أن الاستصحاب في الأوّل بلا محذور (١) ، بخلافه في الثاني ففيه محذور التخصيص بلا وجه إلا بنحو محال ، فاللازم الأخذ بالاستصحاب السببي ، نعم لو لم يجر هذا

____________________________

(١) وسرّ ذلك أن رفع اليد عن اليقين في مورد السبب يكون فرداً لخطاب : لا تنقض اليقين ، ونقضاً لليقين بالشك مطلقاً بلا شك ، بخلاف رفع اليد عن اليقين في مورد المسبب ، فإنه إنما يكون فرداً له إذا لم يكن حكم حرمة النقض يعمّ النقض في مورد السبب ، وإلا لم يكن بفرد له ، إذ حينئذ يكون من نقض اليقين باليقين ، ضرورة أنه يكون رفع اليد عن نجاسة الثوب المغسول بماء محكوم بالطهارة شرعاً ، باستصحاب طهارته لليقين بأن كل ثوب نجس يغسل بماء كذلك يصير طاهراً شرعاً . وبالجملة من الواضح لمن له أدنى تأمل ، أن اللازم ـ في كل مقام كان للعام فرد مطلق ، وفرد كان فرديته له معلقة على عدم شمول حكمه لذلك الفرد المطلق كما في المقام ، أو كان هناك عامان كان لأحدهما فرد مطلق وللآخر فرد كانت فرديته معلقة على عدم شمول حكم ذاك العام لفرده المطلق ، كما هو الحال في الطرق في مورد الاستصحاب ـ هو الالتزام بشمول حكم العام لفرده المطلق حيث لا مخصص له ، ومعه لا يكون فرد آخر يعمّه أو لا يعمّه ، ولا مجال لأن يلتزم بعدم شمول حكم العام للفرد المطلق ليشمل حكمه لهذا الفرد ، فإنه يستلزم التخصيص بلا وجه ، أو بوجه دائر كما لا يخفى على ذوي البصائر ( منه قدس سره ) .

٤٣١
 &

الاستصحاب بوجه لكان الاستصحاب المسببي جارياً ، فإنه لا محذور فيه حينئذ مع وجود أركانه وعموم خطابه .

وإن لم يكن المستصحب في أحدهما من الآثار للآخر ، فالأظهر جريانهما فيما لم يلزم منه محذور المخالفة القطعية للتكليف الفعلي المعلوم إجمالاً ، لوجود المقتضي إثباتاً وفقد المانع عقلاً .

أما وجود المقتضي ، فلإِطلاق الخطاب وشموله للاستصحاب في أطراف المعلوم بالإِجمال ، فإن قوله عليه السلام في ذيل بعض أخبار الباب : ( ولكن تنقض اليقين باليقين ) (١) لو سلم أنه يمنع (٢) عن شمول قوله عليه السلام في صدره : ( لا تنقض اليقين بالشك ) لليقين والشك في أطرافه ، للزوم المناقضة في مدلوله ، ضرورة المناقضة بين السلب الكلّي والإِيجاب الجزئي ، إلا أنه لا يمنع عن عموم النهي في سائر الأخبار مما ليس فيه الذيل ، وشموله لما في أطرافه ، فإن إجمال ذاك الخطاب لذلك لا يكاد يسري إلى غيره مما ليس فيه ذلك .

وأما فقد المانع ، فلأجل أن جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلا المخالفة الالتزامية ، وهو ليس بمحذور لا شرعاً ولا عقلاً .

ومنه قد انقدح عدم جريانه في أطراف العلم بالتكليف فعلا أصلاً ولو في بعضها ، لوجوب الموافقة القطعية له عقلاً ، ففي جريانه لا محالة يكون محذور المخالفة القطعية أو الاحتمالية ، كما لا يخفى .

تذنيب

لا يخفى أن مثل قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل ، وقاعدة الفراغ

____________________________

(١) التهذيب ١ / ٨ الحديث ١١ .

(٢) هذا ردّ لوجه منع الشيخ عن جريان الاستصحابين ، راجع فرائد الأصول ٤٢٩ ، خاتمة الاستصحاب ، القسم الثاني من تعارض الاستصحابين عند قوله : بل لأن العلم الإِجمالي هنا .. الخ .

٤٣٢
 &

بعد الفراغ عنه ، وأصالة صحة عمل الغير إلى غير ذلك من القواعد المقررة في الشبهات الموضوعية إلا القرعة تكون مقدمة على استصحاباتها المقتضية لفساد ما شك فيه من الموضوعات ، لتخصيص دليلها بأدلتها ، وكون النسبة بينه وبين بعضها عموماً من وجه لا يمنع عن تخصيصه بها بعد الإِجماع على عدم التفصيل بين مواردها ، مع لزوم قلة المورد لها جداً لو قيل بتخصيصها بدليلها ، إذ قلّ مورد منها لم يكن هناك استصحاب على خلافها ، كما لا يخفى .

وأما القرعة فالاستصحاب في موردها يقدم عليها ، لأخصيّة دليله من دليلها ، لاعتبار سبق الحالة السابقة فيه دونها ، واختصاصها بغير الأحكام إجماعاً لا يوجب الخصوصية في دليلها بعد عموم لفظها لها ، هذا مضافاً إلى وهن دليلها بكثرة تخصيصه ، حتى صار العمل به في مورد محتاجاً إلى الجبر بعمل المعظم ، كما قيل ، وقوّة دليله بقلة تخصيصه بخصوص دليل .

لا يقال : كيف يجوز تخصيص دليلها بدليله ؟ وقد كان دليلها رافعاً لموضوع دليله لا لحكمه ، وموجباً لكون نقض اليقين باليقين بالحجة على خلافه ، كما هو الحال بينه وبين أدلة سائر الأمارات ، فيكون ـ ها هنا أيضاً ـ من دوران الأمر بين التخصيص بلا وجه غير دائر والتخصّص .

فإنه يقال : ليس الأمر كذلك ، فإن المشكوك مما كانت له حالة سابقة وإن كان من المشكل والمجهول والمشتبه بعنوانه الواقعي ، إلا أنه ليس منها بعنوان ما طرأ عليه من نقض اليقين بالشك ، والظاهر من دليل القرعة أن يكون منها بقول مطلق لا في الجملة ، فدليل الاستصحاب الدالّ على حرمة النقض الصادق عليه حقيقة ، رافع لموضوعه أيضاً ، فافهم .

فلا بأس برفع اليد عن دليلها عند دوران الأمر بينه وبين رفع اليد عن دليله ، لوهن عمومها وقوة عمومه ، كما أشرنا إليه آنفاً ، والحمد لله أولاً وآخراً ، وصلى الله على محمد وآله باطناً وظاهراً .

٤٣٣
 &
٤٣٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0435.png

٤٣٥
 &

٤٣٦
 &



المقصد الثامن

في تعارض الأدلة والأمارات

فصل

التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الإِثبات على وجه التناقض أو التضاد حقيقة أو عرضاً ، بأن علم بكذب أحدهما إجمالاً مع عدم امتناع اجتماعهما أصلاً ، وعليه فلا تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما ، إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض والخصومة ، بأن يكون أحدهما قد سيق ناظراً إلى بيان كمية ما أُريد من الآخر ، مقدماً (١) كان أو مؤخراً ، أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفق بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما ، كما هو مطرد في مثل الأدلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأولية ، مع مثل الأدلة النافية للعسر والحرج والضرر والإِكراه والاضطرار ، مما يتكفل لأحكامها بعناوينها الثانوية ، حيث يقدم في مثلهما الأدلة النافية ، ولا تلاحظ النسبة بينهما أصلاً ويتفق في غيرهما ، كما لا يخفى .

____________________________

(١) خلافاً لما يظهر في عبارة الشيخ من اعتبار تقدم المحكوم ، راجع فرائد الاصول ٤٣٢ ، التعادل والترجيح ، عند قوله وضابط الحكومة .. الخ .

٤٣٧
 &

أو بالتصرف فيهما ، فيكون مجموعهما قرينة على التصرف فيهما ، أو في أحدهما المعين ولو كان الآخر أظهر ، ولذلك تقدم الأمارات المعتبرة على الأصول الشرعية ، فإنه لا يكاد يتحير أهل العرف في تقديمها عليه بعد ملاحظتهما ، حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلاً ، بخلاف العكس فإنه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر ، كما أشرنا إليه (١) في أواخر الاستصحاب .

وليس (٢) وجه تقديمها حكومتها على أدلتها لعدم كونها ناظرة إلى أدلتها بوجه ، وتعرضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلتها وشارحة لها ، وإلا كانت أدلتها أيضاً دالّة ـ ولو بالالتزام ـ على أن حكم مورد الاجتماع فعلاً هو مقتضى الأصل لا الأمارة ، وهو مستلزم عقلاً نفي ما هو قضية الأمارة ، بل ليس مقتضى حجيتها إلا نفي ما قضيته عقلاً من دون دلالة عليه لفظاً ، ضرورة أن نفس الأمارة لا دلالة له إلا على الحكم الواقعي ، وقضية حجيتها ليست إلا لزوم العمل على وفقها شرعاً المنافي عقلاً للزوم العمل على خلافه وهو قضية الأصل ، هذا مع احتمال أن يقال : إنه ليس قضية الحجية شرعاً إلا لزوم العمل على وفق الحجة عقلاً وتنجز الواقع مع المصادفة ، وعدم تنجزه في صورة المخالفة .

وكيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبداً ، كي يختلف الحال ويكون مفاده في الأمارة نفي حكم الأصل ، حيث أنه حكم الاحتمال بخلاف مفاده فيه ، لأجل أن الحكم الواقعي ليس حكم احتمال خلافه ، كيف ؟ وهو حكم الشك فيه واحتماله ، فافهم وتأمل جيداً .

فانقدح بذلك أنه لا يكاد ترتفع غائلة المطاردة والمعارضة بين الأصل والأمارة ، إلا بما أشرنا سابقاً وآنفاً ، فلا تغفل ، هذا ولا تعارض أيضاً إذا كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر ، كما في الظاهر مع النص أو الأظهر ، مثل

____________________________

(١) في خاتمة الاستصحاب / ص ٤٣٠ .

(٢) القائل بالحكومة هو الشيخ في فرائد الأصول ٤٣٢ ، أوّل مبحث التعادل والترجيح .

٤٣٨
 &

العام والخاص والمطلق والمقيد ، أو مثلهما مما كان أحدهما نصاً أو أظهر ، حيث أن بناء العرف على كون النص أو الأظهر قرينة على التصرف في الآخر .

وبالجملة : الأدلة في هذه الصور وإن كانت متنافية بحسب مدلولاتها ، إلا أنها غير متعارضة ، لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الإِثبات ، بحيث تبقى أبناء المحاورة متحيرة ، بل بملاحظة المجموع أو خصوص بعضها يتصرف في الجميع أو في البعض عرفاً ، بما ترتفع به المنافاة التي تكون في البين ، ولا فرق فيها بين أن يكون السند فيها قطعياً أو ظنياً أو مختلفاً ، فيقدم النص أو الأظهر ـ وإن كان بحسب السند ظنياً ـ على الظاهر ولو كان بحسبه قطعياً . وإنما يكون التعارض في غير هذه الصور مما كان التنافي فيه بين الأدلة بحسب الدلالة ومرحلة الإِثبات ، وإنما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كل واحد منها قطعياً دلالةً وجهةً ، أو ظنياً فيما إذا لم يكن التوفيق بينها بالتصرف في البعض أو الكلّ ، فإنه حينئذ لا معنى للتعبد بالسند في الكل ، إما للعلم بكذب أحدهما ، أو لأجل أنه لا معنى للتعبد بصدورها مع إجمالها ، فيقع التعارض بين أدلة السند حينئذ ، كما لا يخفى .

فصل

التعارض وإن كان لا يوجب إلا سقوط أحد المتعارضين عن الحجية رأساً ، حيث لا يوجب إلا العلم بكذب أحدهما ، فلا يكون هناك مانع عن حجية الآخر ، إلا أنه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعاً ـ فإنه لم يعلم كذبه إلا كذلك ، واحتمال كون كل منهما كاذباً ـ لم يكن واحد منهما بحجة في خصوص مؤدّاه ، لعدم التعيين (١) في الحجة أصلاً ، كما لا يخفى .

نعم يكون نفي الثالث بأحدهما لبقائه على الحجية ، وصلاحيته على ما هو عليه من عدم التعين لذلك لا بهما ، هذا بناء على حجية الأمارات من باب

____________________________

(١) في « أ وب » التعيّن .

٤٣٩
 &

الطريقية ، كما هو كذلك حيث لا يكاد يكون حجة طريقاً إلا ما احتمل إصابته ، فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما مانعاً عن حجيته ، وأما بناء على حجيتها من باب السببية فكذلك لو كان الحجة هو خصوص ما لم يعلم كذبه ، بأن لا يكون المقتضي للسببية فيها إلا فيه ، كما هو المتيقن من دليل اعتبار غير السند منها ، وهو بناء العقلاء على أصالتي الظهور والصدور ، لا للتقية ونحوها ، وكذا السند لو كان دليل اعتباره هو بناؤهم أيضاً ، وظهوره فيه لو كان هو الآيات والأخبار ، ضرورة ظهورها فيه ، لو لم نقل بظهورها في خصوص ما إذا حصل الظن منه أو الاطمئنان .

وأما لو كان المقتضي للحجية في كل واحد من المتعارضين لكان التعارض بينهما من تزاحم الواجبين ، فيما إذا كانا مؤديين إلى وجوب الضدين أو لزوم المتناقضين ، لا فيما إذا كان مؤدى أحدهما حكماً غير إلزامي ، فإنه حينئذ لا يزاحم الآخر ، ضرورة عدم صلاحية ما لا اقتضاء فيه أن يزاحم به ما فيه الاقتضاء ، إلا أن يقال بأن قضية اعتبار دليل الغير الإِلزامي أن يكون عن اقتضاء ، فيزاحم به حينئذ ما يقتضي الإِلزامي ، ويحكم فعلاً بغير الإِلزامي ، ولا يزاحم بمقتضاه ما يقتضي الغير الإِلزامي ، لكفاية عدم تمامية علة الإِلزامي في الحكم بغيره .

نعم يكون باب التعارض من باب التزاحم مطلقاً لو كان قضية الاعتبار هو لزوم البناء والالتزام بما يؤدي إليه من الأحكام ، لا مجرد العمل على وفقه بلا لزوم الالتزام به ، وكونهما من تزاحم الواجبين حينئذ وإن كان واضحاً ، ضرورة عدم إمكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد من الأحكام ، إلا أنه لا دليل نقلاً ولا عقلاً على الموافقة الإِلتزامية للأحكام الواقعية فضلاً عن الظاهرية ، كما مر تحقيقه (١) .

وحكم التعارض بناء على السببية فيما كان من باب التزاحم هو التخيير لو لم

____________________________

(١) في مبحث القطع ، الأمر الخامس ، ص ٢٦٨ .

٤٤٠