كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

القطع بصدور بعضها ، والانصاف أنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف ، وهذا مع استناد المشهور إليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها ، مع أن بعضها موثقة ، فلا مجال للإِشكال فيها من جهة سندها ، كما لا يخفى .

وأما دلالتها ، فالظاهر أن الضرر هو ما يقابل النفع ، من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال ، تقابل العدم والملكة ، كما أن الأظهر أن يكون الضرار معنى الضرر جيء به تأكيداً ، كما يشهد به إطلاق المُضارّ على سمرة ، وحكي عن النهاية (١) لا فعل الاثنين ، وإن كان هو الأصل في باب المفاعلة ، ولا الجزاء على الضرر لعدم تعاهده من باب المفاعلة ، وبالجملة لم يثبت له معنى آخر غير الضرر .

كما أن الظاهر أن يكون ( لا ) لنفي الحقيقة ، كما هو الأصل في هذا التركيب حقيقةً أو ادعاءً ، كنايةً عن نفي الآثار ، كما هو الظاهر من مثل : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) (٢) و ( يا أشباه الرجال ولا رجال ) (٣) فإن قضية البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاءً ، لا نفي الحكم أو الصفة ، كما لا يخفى .

ونفي الحقيقة ادعاءً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداءً مجازاً في التقدير أو في الكلمة ، مما لا يخفى على من له معرفة بالبلاغة .

وقد انقدح بذلك بُعد إرادة نفي الحكم الضرري (٤) ، أو الضرر الغير المتدارك (٥) ، أو إرادة النهي من النفي جداً (٦) ، ضرورة بشاعة استعمال الضرر

____________________________

(١) النهاية لابن الاثير ٣ : ٨١ مادة ضرر . وفيها « الضرار : فعل الاثنين .... وقيل هما بمعنى ، وتكرارهما للتأكيد » .

(٢) دعائم الإِسلام ١ : ١٤٨ في ذكر المساجد .

(٣) نهج البلاغة ، الخطبة ٢٧ .

(٤) التزم به الشيخ في فرائد الاصول / ٣١٤ في الشرط الثاني المحكي عن الفاضل التوني من شروط اصالة البراءة ، وكذا في رسالة قاعدة لا ضرر المطبوعة في المكاسب ٣٧٣ .

(٥) ذهب اليه الفاضل التوني ( ره ) ، الوافية / ٧٩ ، في شروط التمسك بأصالة البراءة .

(٦) اختاره السيد مير فتاح ، العناوين / ١٩٨ ، العنوان العاشر . ومال اليه شيخ الشريعة الاصفهاني ،

٣٨١
 &

وإرادة خصوص سبب من أسبابه ، أو خصوص الغير المتدارك منه ، ومثله لو أُريد ذاك بنحو التقييد ، فإنه وإن لم يكن ببعيد ، إلا أنه بلا دلالة عليه غير سديد ، وإرادة النهي من النفي وإن كان ليس بعزيز ، إلا أنه لم يعهد من مثل هذا التركيب ، وعدم إمكان إرادة نفي الحقيقة حقيقة لا يكاد يكون قرينة على إرادة واحد منها ، بعد إمكان حمله على نفيها ادعاءً ، بل كان هو الغالب في موارد استعماله .

ثم الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها ، أو المتوهّم ثبوته لها كذلك في حال الضرر لا الثابت له بعنوانه ، لوضوح أنه العلّة للنفي ، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه .

ومن هنا لا يلاحظ النسبة بين أدلّة نفيه وأدلّة الأحكام ، وتقدم أدلّته على أدلّتها ـ مع أنها عموم من وجه ـ حيث أنه يوفّق بينهما عرفاً ، بأن الثابت للعناوين الأوّلية اقتضائي ، يمنع عنه فعلاً ما عرض عليها من عنوان الضرر بأدلّته ، كما هو الحال في التوفيق بين سائر الأدلّة المثبتة أو النافية لحكم الأفعال بعناوينها الثانوية ، والأدلّة المتكفّلة لحكمها بعناوينها الأوّلية .

نعم ربما يعكس الأمر فيما أحرز بوجه معتبر أن الحكم في المورد ليس بنحو الاقتضاء ، بل بنحو العليّة التامة .

وبالجملة الحكم الثابت بعنوان أوّلي :

تارة يكون بنحو الفعلية مطلقاً ، أو بالإِضافة إلى عارض دون عارض ، بدلالة لا يجوز الإِغماض عنها بسبب دليل حكم العارض المخالف له ، فيقدّم دليل ذاك العنوان على دليله .

وأخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الإِغماض عنها بسببه عرفاً ، حيث كان اجتماعهما قرينة على أنه بمجرد المقتضي ، وأن العارض مانع فعلي ، هذا

____________________________

قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، ٤٤ .

٣٨٢
 &

ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله ، لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله ، كما قيل (١) .

ثم انقدح بذلك حال توارد دليلي العارضين ، كدليل نفي العسر ودليل نفي الضرر مثلاً ، فيعامل معهما معاملة المتعارضين لو لم يكن من باب تزاحم المقتضيين ، وإلا فيقدم ما كان مقتضيه أقوى وإن كان دليل الآخر أرجح وأولى ، ولا يبعد أن الغالب في توارد العارضين أن يكون من ذاك الباب ، بثبوت المقتضي فيهما مع تواردهما ، لا من باب التعارض ، لعدم ثبوته إلا في أحدهما ، كما لا يخفى ؛ هذا حال تعارض الضرر مع عنوان أولي أو ثانوي آخر .

وأما لو تعارض مع ضرر آخر ، فمجمل القول فيه أن الدوران إن كان بين ضرري شخص واحد أو اثنين ، فلا مسرح إلا لاختيار أقلهما لو كان ، وإلا فهو مختار .

وأما لو كان بين ضرر نفسه وضرر غيره ، فالأظهر عدم لزوم تحمله الضرر ، ولو كان ضرر الآخر أكثر ، فإن نفيه يكون للمنة على الأمة ، ولا منة على تحمل الضرر ، لدفعه عن الآخر وإن كان أكثر .

نعم لو كان الضرر متوجهاً إليه ، ليس له دفعه عن نفسه بإيراده على الآخر ، اللّهم إلا أن يقال : إن نفي الضرر وإن كان للمنة ، إلا أنه بلحاظ نوع الأمة ، واختيار الأقل بلحاظ النوع منّة ، فتأمل .

____________________________

(١) التزم الشيخ ( قده ) بحكومة دليل لا ضرر علىٰ أدلة العناوين الأولية ، فرائد الأصول ٣١٥ ، في الشرط الثاني مما ذكره عن الفاضل التوني من شروط البراءة .

٣٨٣
 &



فصل

في الاستصحاب : وفي حجيته إثباتاً ونفياً أقوال للأصحاب .

ولا يخفى أن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى ، إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد ومعنى فارد ، وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه :

إما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقاً ، أو في الجملة تعبداً ، أو للظن به الناشيء عن ملاحظة ثبوته سابقاً .

وإما من جهة دلالة النص أو دعوى الإِجماع عليه كذلك ، حسبما تأتي الإِشارة إلى ذلك مفصلاً .

ولا يخفى أن هذا المعنى هو القابل لأن يقع فيه النزاع والخلاف في نفيه وإثباته مطلقاً أو في الجملة ، وفي وجه ثبوته ، على أقوال .

ضرورة أنه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو الظن به الناشىء من العلم بثبوته ، لما تقابل فيه الأقوال ، ولما كان النفي والإِثبات واردين على مورد واحد بل موردين ، وتعريفه بما ينطبق على بعضها ، وإن كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه ، إلا أنه حيث لم يكن بحد ولا برسم بل من قبيل شرح الاسم ، كما هو الحال في التعريفات غالباً ، لم يكن له دلالة على أنه نفس

٣٨٤
 &

الوجه ، بل للإِشارة إليه من هذا الوجه ، ولذا لا وقع للإِشكال على ما ذكر في تعريفه بعدم الطرد أو العكس ، فإنه لم يكن به إذا لم يكن بالحد أو الرسم بأس .

فانقدح أن ذكر تعريفات القوم له ، وما ذكر فيها من الإِشكال ، بلا حاصل وطول بلا طائل .

ثم لا يخفى أن البحث في حجيّته (١) مسألة أصولية ، حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعية ، وليس مفادها حكم العمل بلا واسطة ، وإن كان ينتهي إليه ، كيف ؟ وربما لا يكون مجرى الاستصحاب إلا حكماً أصولياً كالحجية مثلاً ، هذا لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا .

وأما لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته ، أو الظن به الناشىء من ملاحظة ثبوته ، فلا إشكال في كونه مسألة أصولية .

وكيف كان ، فقد ظهر مما ذكرنا في تعريفه اعتبار أمرين في مورده : القطع بثبوت شيء ، والشك في بقائه ، ولا يكاد يكون الشك في البقاء إلا مع اتحاد القضية المشكوكة والمتيقنة بحسب الموضوع والمحمول ، وهذا مما لا غبار عليه في الموضوعات الخارجية في الجملة .

وأما الأحكام الشرعية سواء كان مدركها العقل أم النقل ، فيشكل حصوله فيها ، لأنه لا يكاد يشك في بقاء الحكم إلا من جهة الشك في بقاء موضوعه ، بسبب تغير بعض ما هو عليه مما احتمل دخله فيه حدوثاً أو بقاءً ، وإلا لما تخلف (٢) الحكم عن موضوعه إلا بنحو البداء بالمعنى المستحيل في حقه تعالى ، ولذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعاً لا رفعاً .

____________________________

(١) في « ب » : حجية .

(٢) في « ب » : لا يتخلف .

٣٨٥
 &

ويندفع هذا الإِشكال ، بأن الاتحاد في القضيتين بحسبهما ، وإن كان مما لا محيص عنه في جريانه ، إلا أنه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف كافياً في تحققه وفي صدق الحكم ببقاء ما شك في بقائه ، وكان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيات التي يقطع معها بثبوت الحكم له ، مما يعد بالنظر العرفي من حالاته ـ وإن كان واقعاً من قيوده ومقوماته ـ كان جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها عند الشك فيها ـ لأجل طروء انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها ، مما عد من حالاتها لا من مقوماتها ، بمكان من الإِمكان ، ضرورة [ صحة ] (١) إمكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبداً ، أو لكونه مظنوناً ولو نوعاً ، أو دعوى دلالة النص أو قيام الإِجماع عليه قطعاً ، بلا تفاوت (٢) في ذلك بين كون دليل الحكم نقلاً أو عقلاً .

أما الأول فواضح ، وأما الثاني ، فلأن الحكم الشرعي المستكشف به عند طروء انتفاء ما احتمل دخله في موضوعه ، مما لا يرى مقوماً له ، كان مشكوك البقاء عرفاً ، لاحتمال عدم دخله فيه واقعاً ، وإن كان لا حكم للعقل بدونه قطعاً .

إن قلت : كيف هذا ؟ مع الملازمة بين الحكمين .

قلت : ذلك لأن الملازمة إنما تكون في مقام الإِثبات والاستكشاف لا في مقام الثبوت ، فعدم استقلال العقل إلا في حال غير ملازم لعدم حكم الشرع في غير تلك الحال ، وذلك لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو المفسدة التي هي ملاك حكم العقل ، كان على حاله في كلتا الحالتين ، وإن لم يدركه إلا في إحداهما ؛ لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه ، أو احتمال أن يكون معه ملاك آخر بلا دخل لها فيه أصلاً ، وإن كان لها دخل فيما اطلع عليه من الملاك .

وبالجملة : حكم الشرع إنما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعاً ، لا ما هو

____________________________

(١) أثبتناها من « ب » وشطب عليها المصنّف في « أ » .

(٢) إشارة الى تضعيف تفصيل الشيخ ( قده ) ، فرائد الأصول / ٣٢٥ .

٣٨٦
 &

مناط حكمه فعلاً ، وموضوع حكمه كذلك مما لا يكاد يتطرق إليه الإِهمال والإِجمال ، مع تطرقه إلى ما هو موضوع حكمه شأناً ، وهو ما قام به ملاك حكمه واقعاً ، فرب خصوصية لها دخل في استقلاله مع احتمال عدم دخله ، فبدونها لا استقلال له بشيء قطعاً ، مع احتمال بقاء ملاكه واقعاً . ومعه يحتمل بقاء حكم الشرع جداً لدورانه معه وجوداً وعدماً ، فافهم وتأمل جيداً .

ثم إنه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجية الاستصحاب مطلقاً ، وعدم حجيته كذلك ، والتفصيل بين الموضوعات والأحكام ، أو بين ما كان الشك في الرافع وما كان في المقتضي ، إلى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة ، على أقوال شتّى لا يهمنا نقلها ونقل ما ذكر من الاستدلال عليها ، وإنما المهم الاستدلال على ما هو المختار منها ، وهو الحجية مطلقاً ، على نحو يظهر بطلان سائرها ، فقد استدل عليه بوجوه :

الوجه الأول : استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة ، وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضياً .

وفيه : أولاً منع استقرار بنائهم على ذلك تعبداً ، بل إما رجاءً واحتياطاً ، أو اطمئناناً بالبقاء ، أو ظناً ولو نوعاً ، أو غفلةً كما هو الحال في سائر الحيوانات دائماً وفي الإِنسان أحياناً .

وثانياً : سلمنا ذلك ، لكنه لم يعلم أن الشارع به راضٍ وهو عنده ماضٍ ، ويكفي في الردع عن مثله ما دل من الكتاب والسنة على النهي عن اتباع غير العلم ، وما دل على البراءة أو الاحتياط في الشبهات ، فلا وجه لاتباع هذا البناء فيما لا بد في اتباعه من الدلالة على إمضائه ، فتأمل جيداً .

٣٨٧
 &

الوجه الثاني (١) : إن الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق .

وفيه : منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلاً ولا نوعاً ، فإنه لا وجه له أصلاً إلا كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع إمكان أن لا يدوم ، وهو غير معلوم ، ولو سلم ، فلا دليل على اعتباره بالخصوص ، مع نهوض الحجة على عدم اعتباره بالعموم .

الوجه الثالث : دعوى الإِجماع عليه ، كما عن المبادىء (٢) حيث قال :

الاستصحاب حجة ، لإِجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم ، ثم وقع الشك في أنه طرأ ما يزيله أم لا ؟ وجب الحكم ببقائه على ما كان أولاً ، ولولا القول بأن الاستصحاب حجة ، لكان ترجيحاً لأحد طرفي الممكن من غير مرجح ، انتهى . وقد نقل عن غيره (٣) أيضاً .

وفيه : إن تحصيل الإِجماع في مثل هذه المسألة مما له مبانٍ مختلفة في غاية الإِشكال ، ولو مع الاتفاق ، فضلاً عما إذا لم يكن وكان مع الخلاف من المعظم ، حيث ذهبوا إلى عدم حجيته مطلقاً أو في الجملة ، ونقله موهون جداً لذلك ، ولو قيل بحجيته لولا ذلك .

الوجه الرابع : وهو العمدة في الباب ، الأخبار المستفيضة .

منها : صحيحة زرارة (٤) ( قال : قلت له : الرجل ينام وهو على وضوء ،

____________________________

(١) راجع شرح مختصر الاصول / ٤٥٣ .

(٢) مبادىء الأصول / ٢٥٠ ، ونظير هذا ما عن النهاية على ما حكاه الشيخ ـ قدس سره ـ فرائد الأصول / ٣٢٩ .

(٣) راجع معالم الأصول / ٢٣١ ، الدليل الرابع .

(٤) التهذيب ١ / ٨ الباب ١ ح ١١ ، باختلاف يسير في اللفظ .

٣٨٨
 &

أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ قال : يا زرارة ، قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن ، وإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء ، قلت : فإن حُرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم ، قال : لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبداً بالشك ، ولكنه ينقضه بيقين آخر ) .

وهذه الرواية وإن كانت مضمرة إلا أن إضمارها لا يضر باعتبارها ، حيث كان مضمرها مثل زرارة ، وهو ممن لا يكاد يستفتي من غير الإِمام ـ عليه السلام ـ لا سيما مع هذا الاهتمام .

وتقريب الاستدلال بها أنه لا ريب في ظهور قوله عليه السلام : ( وإلا فإنه على يقين .. إلى آخره ) عرفاً في النهي عن نقض اليقين بشيء بالشك فيه ، وأنه عليه السلام بصدد بيان ما هو علة الجزاء المستفاد من قوله عليه السلام : ( لا ) في جواب : ( فإن حرك في جنبه ... إلى آخره ) ، وهو اندراج اليقين والشك في مورد السؤال في القضية الكلية الارتكازية الغير المختصة بباب دون باب ، واحتمال أن يكون الجزاء هو قوله : ( فإنه على يقين ... إلى آخره ) غير سديد ، فإنه لا يصح إلا بارادة لزوم العمل على طبق يقينه ، وهو إلى الغاية بعيد ، وأبعد منه كون الجزاء قوله : ( لا ينقض .. إلى آخره ) وقد ذكر : ( فإنه على يقين ) للتمهيد .

وقد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية : ( لا تنقض ... إلىٰ آخره ) باليقين والشك بباب الوضوء جداً ، فإنه ينافيه ظهور التعليل في أنه بأمر ارتكازي لا تعبدي قطعاً ، ويؤيده تعليل الحكم بالمضي مع الشك في غير الوضوء في غير هذه الرواية بهذه القضية أو ما يرادفها ، فتأمل جيداً .

هذا مع أنه لا موجب لاحتماله إلا احتمال كون اللام في اليقين للعهد ، إشارة إلى اليقين في ( فإنه على يقين من وضوئه ) مع أن الظاهر أنه للجنس ، كما هو

٣٨٩
 &

الأصل فيه ، وسبق : ( فإنه على يقين ... إلى آخره ) لا يكون قرينة عليه ، مع كمال الملاءمة مع الجنس أيضاً ، فافهم .

مع أنه غير ظاهر في اليقين بالوضوء ، لقوة احتمال أن يكون ( من وضوئه ) متعلقاً بالظرف لا بـ ( يقين ) ، وكان المعنى : فإنه كان من طرف وضوئه على يقين ، وعليه لا يكون الأوسط (١) إلا اليقين ، لا اليقين بالوضوء ، كما لا يخفى على المتأمل .

وبالجملة : لا يكاد يشك في ظهور القضية في عموم اليقين والشك ، خصوصاً بعد ملاحظة تطبيقها في الأخبار على غير الوضوء أيضاً .

ثم لا يخفى حسن اسناد النقض ـ وهو ضد الإِبرام ـ إلى اليقين ، ولو كان متعلقاً بما ليس فيه اقتضاء للبقاء والاستمرار ، لما يتخيل فيه من الاستحكام بخلاف الظن ، فإنه يظن أنه ليس فيه إبرام واستحكام وإن كان متعلقاً بما فيه اقتضاء ذلك ، وإلا لصح أن يسند إلى نفس ما فيه المقتضي له ، مع ركاكة مثل ( نقضت الحجر من مكانه ) ولما صح أن يقال : ( انتقض اليقين باشتعال السراج ) فيما إذا شك في بقائه للشك في استعداده ، مع بداهة صحته وحسنه .

وبالجملة : لا يكاد يشك في أن اليقين كالبيعة والعهد إنما يكون حسن إسناد النقض إليه بملاحظته لا بملاحظة متعلقة ، فلا موجب لإِرادة ما هو أقرب إلى الأمر المبرم ، أو أشبه بالمتين المستحكم مما فيه اقتضاء البقاء لقاعدة ( إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات ) بعد تعذر إرادة مثل ذاك الأمر مما يصح إسناد النقض إليه حقيقة .

فإن قلت : نعم ، ولكنه حيث لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة ، فلو لم يكن هناك اقتضاء البقاء في المتيقن لما صح إسناد الانتقاض إليه بوجهٍ

____________________________

(١) كذا صححه في « ب » وفي « أ » : الأصغر .

٣٩٠
 &

ولو مجازاً ، بخلاف ما إذا كان هناك ، فإنه وإن لم يكن معه أيضاً انتقاض حقيقة إلا أنه صح إسناده إليه مجازاً ، فإن اليقين معه كأنه تعلق بأمر مستمرّ مستحكم قد انحلَّ وانفصم بسبب الشك فيه ، من جهة الشك في رافعه .

قلت : الظاهر أن وجه الإِسناد هو لحاظ اتّحاد متعلقي اليقين والشك ذاتاً ، وعدم ملاحظة تعددهما زماناً ، وهو كافٍ عرفاً في صحة إسناد النقض إليه واستعارته له ، بلا تفاوت في ذلك أصلاً في نظر أهل العرف ، بين ما كان هناك اقتضاء البقاء وما لم يكن ، وكونه مع المقتضي أقرب بالانتقاض وأشبه لا يقتضي تعيينه لأجل قاعدة ( إذا تعذرت الحقيقة ) ، فإن الاعتبار في الأقربية إنما هو بنظر العرف لا الاعتبار ، وقد عرفت عدم التفاوت بحسب نظر أهله ، هذا كله في المادة .

وأما الهيئة ، فلا محالة يكون المراد منها النهي عن الانتقاض بحسب البناء والعمل لا الحقيقة ، لعدم كون الانتقاض بحسبها تحت الاختيار ، سواء [ أ ] كان متعلقاً باليقين ـ كما هو ظاهر القضية ـ أو بالمتيقن ، أو بآثار اليقين بناء على التصرف فيها بالتجوز أو الاضمار ، بداهة أنّه كما لا يتعلق النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه بنفس اليقين ، كذلك لا يتعلق بما كان على يقين منه أو أحكام اليقين ، فلا يكاد (١) يجدي التصرف بذلك في بقاء الصيغة على حقيقتها ، فلا مجوّز له فضلاً عن الملزِم ، كما توهّم .

لا يقال : لا محيص عنه ، فإن النهي عن النقض بحسب العمل لا يكاد يراد بالنسبة إلى اليقين وآثاره ، لمنافاته مع المورد .

فإنه يقال : إنما يلزم لو كان اليقين ملحوظاً بنفسه وبالنظر الاستقلالي ،

____________________________

(١) فيه تعريض بالشيخ ( قدس سره ) فرائد الأصول / ٣٣٦ ، عند قوله : ثم لا يتوهم الاحتياج ... الخ .

٣٩١
 &

لا ما إذا كان ملحوظاً بنحو المرآتية بالنظر الآلي ، كما هو الظاهر في مثل قضية ( لا تنقض اليقين ) حيث تكون ظاهرة عرفاً في أنها كناية عن لزوم البناء والعمل ، بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبداً إذا كان حكماً ، ولحكمه إذا كان موضوعاً ، لا عبارة عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام بحكم مماثل لحكمه شرعاً ، وذلك لسراية الآلية والمرآتيّة من اليقين الخارجي إلى مفهومه الكلّي ، فيؤخذ في موضوع الحكم في مقام بيان حكمه ، مع عدم دخله فيه أصلاً ، كما ربما يؤخذ فيما له دخل فيه ، أو تمام الدخل ، فافهم .

ثم إنه حيث كان كلّ من الحكم الشّرعي وموضوعه مع الشك قابلاً للتنزيل بلا تصرّف وتأويل ، غاية الأمر تنزيل الموضوع بجعل مماثل حكمه ، وتنزيل الحكم بجعل مثله ـ كما أشير إليه آنفاً ـ كان قضيّة ( لا تنقض ) ظاهرة في اعتبار الاستصحاب في الشبهات الحكمية والموضوعية ، واختصاص المورد بالأخيرة لا يوجب تخصيصها بها ، خصوصاً بعد ملاحظة أنها قضية كلّية ارتكازية ، قد أتي بها في غير مورد لأجل الاستدلال بها على حكم المورد ، فتأمّل .

ومنها : صحيحة أُخرى لزرارة (١) : ( قال : قلت له : أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني ، فعلَّمت أثره إلى أن أصيب له الماء ، فحضرت الصلاة ، ونسيت أن بثوبي شيئاً وصلَّيت ، ثم إني ذكرت بعد ذلك ، قال : تعيد الصلاة وتغسله ، قلت : فان لم أكن رأيت موضعه ، وعلمت أنه قد أصابه ، فطلبته ولم أقدر عليه ، فلما صليت وجدته ، قال عليه السلام : تغسله وتعيد ، قلت : فإن ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك ، فنظرت فلم أر شيئاً فصليت ، فرأيت فيه ، قال : تغسله ولا تعيد الصلاة ، قلت : لم ذلك ؟

____________________________

(١) تهذيب الاحكام ١ : ٤٢١ الباب ٢٢ ، الحديث ٨ .

٣٩٢
 &

قال : لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً ، قلتُ : فإنّي قد علمت أنّه قد أصابه ، ولم أدر أين هو ، فأغسله ؟ قال : تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها ، حتى تكون على يقين من طهارتك ، قلت : فهل عليّ إن شككت في أنه أصابه شيىء أن أنظر فيه ؟ قال : لا ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك ، قلت : إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة ، قال : تنقض الصلاة وتعيد ، إذا شككت في موضع منه ثم رأيته ، وإن لم تشك ثم رأيته رطباً ، قطعت الصلاة وغسلته ، ثم بنيت على الصلاة ؛ لأنك لا تدري لعله شيىء أوقع عليك ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ) .

وقد ظهر مما ذكرنا في الصحيحة الأولى تقريب الاستدلال بقوله : ( فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشك ) في كلا الموردين ، ولا نُعيد .

نعم دلالته في المورد الأوّل على الاستصحاب مبني على أن يكون المراد من اليقين في قوله عليه السلام : ( لأنك كنت على يقين من طهارتك ) اليقين بالطهارة قبل ظن الإِصابة كما هو الظاهر ، فإنه لو كان المراد منه اليقين الحاصل بالنظر والفحص بعده الزائل بالرؤية بعد الصلاة ، كان مفاده قاعدة اليقين ، كما لا يخفى .

ثم إنه أشكل على الرواية ، بأن الإِعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة [ في النجاسة ] (١) ليست نقضاً لليقين بالطهارة بالشك فيها ، بل باليقين بارتفاعها ، فكيف يصح أن يعلل عدم الإِعادة بأنها نقض اليقين بالشك ؟

نعم إنما يصح أن يعلل به جواز الدخول في الصلاة ، كما لا يخفى ، ولا يكاد يمكن التفصي عن هذا الإِشكال إلا بأن يقال : إن الشرط في الصلاة فعلاً

____________________________

(١) اثبتنا الزيادة من « ب » .

٣٩٣
 &

حين الالتفات إلى الطهارة هو إحرازها ، ولو بأصل أو قاعدة لا نفسها ، فيكون قضية استصحاب الطهارة حال الصلاة عدم إعادتها ولو انكشف وقوعها في النجاسة بعدها ، كما أن إعادتها بعد الكشف يكشف عن جواز النقض وعدم حجية الاستصحاب حالها ، كما لا يخفى ، فتأمل جيداً .

لا يقال : لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة فإنها إذا لم تكن شرطاً لم تكن موضوعة لحكم مع أنها ليست بحكم (١) ، ولا محيص في الاستصحاب عن كون المستصحب حكماً أو موضوعاً لحكم .

فإنه يقال : إن الطهارة وإن لم تكن شرطاً فعلاً ، إلا أنها غير منعزلة عن الشرطية رأساً ، بل هي شرط واقعي اقتضائي ، كما هو قضية التوفيق بين بعض الإِطلاقات ومثل هذا الخطاب ، هذا مع كفاية كونها من قيود الشرط ، حيث أنه كان إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطاً .

لا يقال : سلمنا ذلك ، لكن قضيته أن يكون علة عدم الاعادة حينئذ ، بعد انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة ، هو إحراز الطهارة حالها باستصحابها ، لا الطهارة المحرزة بالاستصحاب ، مع أن قضية التعليل أن تكون العلة له هي نفسها لا إحرازها ، ضرورة أن نتيجة قوله : ( لأنك كنت على يقين ... إلى آخره ) ، أنه على الطهارة لا أنه مستصحبها ، كما لا يخفى .

فإنه يقال : نعم ، ولكن التعليل إنما هو بلحاظ حال قبل انكشاف الحال ، لنكتة التنبيه على حجية الاستصحاب ، وأنه كان هناك استصحاب مع وضوح استلزام ذلك لأن يكون المجدي بعد الانكشاف ، هو ذاك الاستصحاب لا الطهارة ، وإلا لما كانت الإِعادة نقضاً ، كما عرفت في الإِشكال .

____________________________

(١) هذا ما أثبتاه من « ب » المصححة ، وفي « أ » : الضمائر كلها مذكرة .

٣٩٤
 &

ثم إنه لا يكاد يصح التعليل ، لو قيل باقتضاء الأمر الظاهري للإِجزاء ، كما قيل (١) ، ضرورة أن العلة عليه إنما هو اقتضاء ذاك الخطاب الظاهري حال الصلاة للإِجزاء وعدم إعادتها ، لا لزوم النقض من الإِعادة كما لا يخفى ، اللهم إلا أن يقال : إن التعليل به إنما هو بملاحظة ضميمة اقتضاء الأمر الظاهري للإِجزاء ، بتقريب أن الإِعادة لو قيل بوجوبها كانت موجبة لنقض اليقين بالشك في الطهارة قبل الانكشاف وعدم حرمته شرعاً ، وإلا للزم عدم اقتضاء ذاك الأمر له ، كما لا يخفى ، مع اقتضائه شرعاً أو عقلاً ، فتأمل (٢) .

ولعل ذلك مراد من قال (٣) بدلالة الرواية على إجزاء الأمر الظاهري .

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التعليل ، مع أنه لا يكاد يوجب الإِشكالُ فيه ـ والعجزُ عن التفصّي عنه ـ إشكالاً في دلالة الرواية على الاستصحاب ، فإنه لازم على كلّ حال ، كان مفاده قاعدته أو قاعدة اليقين ، مع بداهة عدم خروجه منهما ، فتأمّل جيداً .

ومنها : صحيحة ثالثة لزرارة (٤) : ( وإذا لم يدر في ثلاثٍ هو أو في أربع ، وقد أحرز الثلاث ، قام فأضاف إليها أخرى ولا شيء عليه ، ولا ينقض اليقين بالشك ، ولا يدخل الشك في اليقين ، ولا يخلط أحدهما بالآخر ، ولكنه ينقض الشك باليقين ، ويتمّ على اليقين فيبنى عليه ، ولا يعتدّ بالشك في حال من الحالات ) .

والاستدلال بها على الاستصحاب مبنيٌّ على إرادة اليقين بعدم الإِتيان

____________________________

(١) راجع فرائد الأصول / ٣٣١ .

(٢) وجه التأمل أن اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء ليس بذاك الوضوح ، كي يحسن بملاحظته التعليل بلزوم النقض من الاعادة ، كما لا يخفى ، ( منه قدس سره ) ، أثبتنا هذه التعليقة من « أ وب » .

(٣) كما عن بعض مشايخ الشيخ الانصاري .

(٤) الكافي : ٣ / ٣٥٢ ، الحديث ٣ .

٣٩٥
 &

بالركعة الرابعة سابقاً والشك في إتيانها .

وقد أشكل (١) بعدم إمكان إرادة ذلك على مذهب الخاصة ، ضرورة أنّ قضيّته إضافة ركعة أخرى موصولة ، والمذهب قد استقرّ على إضافة ركعة بعد التسليم مفصولة ، وعلى هذا يكون المراد باليقين اليقين بالفراغ ، بما علّمه الإِمام عليه السلام من الاحتياط بالبناء على الأكثر ، والإِتيان بالمشكوك بعد التسليم مفصولة .

ويمكن ذبه (٢) بأنَّ الاحتياط كذلك لا يأبى عن إرادة اليقين بعدم الركعة المشكوكة ، بل كان أصل الإِتيان بها باقتضائه ، غاية الأمر إتيانها مفصولة ينافي إطلاق النقض ، وقد قام الدليل على التقييد في الشك في الرابعة وغيره ، وأن المشكوكة لا بد أن يؤتى بها مفصولةً ، فافهم .

وربّما أشكل أيضاً ، بأنه لو سلّم دلالتها على الاستصحاب كانت من الأخبار الخاصة الدالّة عليه في خصوص المورد ، لا العامة لغير مورد ، ضرورة ظهور الفقرات في كونها مبنيّة للفاعل ، ومرجع الضمير فيها هو المصلّي الشاك .

وإلغاء خصوصية المورد ليس بذاك الوضوح ، وإن كان يؤيّده تطبيق قضيّة ( لا تنقض اليقين ) وما يقاربها على غير مورد .

بل دعوى أن الظاهر من نفس القضية هو أنّ مناط حرمة النقض إنما يكون لأجل ما في اليقين والشك ، لا لما في المورد من الخصوصيّة ، وإن مثل اليقين لا ينقض بمثل الشك ، غير بعيدة .

ومنها قوله (٣) : ( من كان على يقين فأصابه شك فليمض على

____________________________

(١) المستشكل هو الشيخ الانصاري ( قدس سره ) فرائد الأصول ٣٣١ .

(٢) الصحيح ما اثبتناه خلافاً لما في النسخ .

(٣) الخصال ، ٦١٩ .

٣٩٦
 &

يقينه ، فإن الشك لا ينقض اليقين ) أو ( فإن اليقين لا يدفع بالشك ) (١) وهو وإن كان يحتمل قاعدة اليقين لظهوره في اختلاف زمان الوصفين ، وإنما يكون ذلك في القاعدة دون الاستصحاب ضرورة إمكان اتّحاد زمانهما ، إلا أن المتداول في التعبير عن مورده هو مثل هذه العبارة ، ولعله بملاحظة اختلاف زمان الموصوفين وسرايته إلى الوصفين ، لما بين اليقين والمتيقن من نحوٍ من الاتّحاد ، فافهم .

هذا مع وضوح أن قوله : ( فإن الشك لا ينقض ... إلى آخره ) . هي القضية المرتكزة الواردة مورد الاستصحاب في غير واحدٍ من أخبار الباب (٢) .

ومنها : خبر الصفار (٣) ، عن علي بن محمد القاساني ، ( قال : كتبت إليه ـ وأنا بالمدينة ـ عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان ، هل يصام أم لا ؟ فكتب : اليقين لا يدخل فيه الشك ، صم للرؤية وأفطر للرؤية ) حيث دل على أن اليقين بـ ( شعبان ) (٤) لا يكون مدخولاً بالشك في بقائه وزواله بدخول شهر رمضان ، ويتفرع [ عليه ] (٥) عدم وجوب الصوم إلا بدخول شهر رمضان .

وربما يقال : إن مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشك يشرف القطع بأن المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان ، وأنه لا بد في وجوب الصوم ووجوب الافطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه ، وأين هذا من الاستصحاب ؟ فراجع ما عقد في الوسائل (٦) لذلك من الباب تجده شاهداً

____________________________

(١) الإِرشاد ، ١٥٩ .

(٢) جامع أحاديث الشيعة ٢ / ٣٨٤ ، الباب ١٢ من أبواب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض .

(٣) تهذيب الأحكام ٤ / ١٥٩ ، الباب ٤١ علامة اول شهر رمضان وآخره .

(٤) في نسختي « أ » و « ب » بالشعبان .

(٥) زيادة تقتضيها العبارة .

(٦) وسائل الشيعة ٧ / ١٨٢ الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان .

٣٩٧
 &

عليه .

ومنها : قوله عليه السلام : ( كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر ) (١) وقوله عليه السلام : ( الماء كله طاهر حتى تعلم أنه نجس ) (٢) وقوله عليه السلام : ( كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام ) (٣) وتقريب دلالة مثل هذه الأخبار على الاستصحاب أن يقال : إنّ الغاية فيها إنما هو لبيان استمرار ما حكم على الموضوع واقعاً من الطهارة والحلية ظاهراً ، ما لم يعلم بطروء ضدّه أو نقيضه ، لا لتحديد الموضوع ، كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شك في طهارته أو حلّيته ، وذلك لظهور المغيّا فيها في بيان الحكم للأشياء بعناوينها ، لا بما هي مشكوكة الحكم ، كما لا يخفى .

فهو وإن لم يكن له بنفسه مساسٌ بذيل القاعدة ولا الاستصحاب إلا أنه بغايته دل على الاستصحاب ، حيث أنها ظاهرة في استمرار ذاك الحكم الواقعي ظاهراً ما لم يعلم (٤) بطروء ضده أو نقيضه ، كما أنه لو صار مغيَّاً لغاية ، مثل الملاقاة بالنجاسة أو ما يوجب الحرمة ، لدلّ على استمرار ذاك الحكم واقعاً ، ولم يكن له حينئذٍ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب ، ولا يخفى أنه لا يلزم على ذلك استعمال اللفظ في معنيين اصلاً ، وإنما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع وقيوده غاية لاستمرار حكمه ، ليدلّ على القاعدة والاستصحاب من غير تعرض لبيان الحكم الواقعي للاشياء أصلاً ، مع وضوح ظهور مثل ( كلّ شيء حلال ، أو طاهرٌ ) في أنه لبيان حكم الأشياء بعناوينها الأوّلية ، وهكذا ( الماء كله طاهر ) ، وظهور الغاية في كونها حداً للحكم لا لموضوعه ، كما لا يخفى ، فتأمل جيّداً .

____________________________

(١) المقنع / ٥ ، الهداية ، ١٣ ، الباب ١١ . مع اختلاف في الالفاظ .

(٢) الكافي ٣ / ص ١ وفيه الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر .

(٣) الكافي : ٥ / ٣١٣ الحديث ٤٠ باب النوادر من كتاب المعيشة مع اختلاف يسير .

(٤) في « أ » : ما لم يعلم بارتفاعه لطروء ضده .

٣٩٨
 &

ولا يذهب عليك انه بضميمة عدم القول بالفصل قطعاً بين الحلّية والطهارة وبين سائر الأحكام ، لعمّ الدليل وتمّ .

ثم لا يخفى أن ذيل موثقة عمار (١) : ( فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك ) يؤيد ما استظهرنا منها ، من كون الحكم المغيّا واقعياً ثابتاً للشيء بعنوانه ، لا ظاهرياً ثابتاً له بما هو مشتبه ، لظهوره في أنه متفرع على الغاية وحدها ، وأنه بيان لها وحدها ، منطوقها ومفهومها ، لا لها مع المغيّا ، كما لا يخفى على المتأمل .

ثم إنك إذا حقّقت ما تلونا عليك مما هو مفاد الأخبار ، فلا حاجة في إطالة الكلام في بيان سائر الأقوال ، والنقض والإِبرام فيما ذكر لها من الاستدلال .

ولا بأس بصرفه إلى تحقيق حال الوضع ، وأنه حكم مستقل بالجعل كالتكليف ، أو منتزع عنه وتابع له في الجعل ، أو فيه تفصيل ، حتى يظهر حال ما ذكر ها هنا بين التكليف والوضع من التفصيل .

فنقول وبالله الاستعانة :

لا خلاف كما لا إشكال في اختلاف التكليف والوضع مفهوماً ، واختلافهما في الجملة مورداً ؛ لبداهة ما بين مفهوم السببية أو الشرطية ومفهوم مثل الإِيجاب أو الاستحباب من المخالفة والمباينة .

كما لا ينبغي النزاع في صحة تقسيم الحكم الشرعي إلى التكليفي والوضعي ، بداهة أن الحكم وإن لم يصح تقسيمه إليهما ببعض معانيه ولم يكد يصح إطلاقه على الوضع ، إلا أن صحة تقسيمه بالبعض الآخر إليهما وصحة إطلاقه عليه بهذا المعنى ، مما (٢) لا يكاد ينكر ، كما لا يخفى ، ويشهد به كثرة

____________________________

(١) التهذيب ١ / ٢٨٥ : الباب ١٢ ، الحديث ١١٩ .

(٢) في « أ » : كان مما لا يكاد ينكر .

٣٩٩
 &

إطلاق الحكم عليه في كلماتهم ، والالتزام بالتجوز فيه ، كما ترى .

وكذا لا وقع للنزاع في أنه محصور في أمور مخصوصة ، كالشرطية والسببية والمانعية ـ كما هو المحكي عن العلامة ـ أو مع زيادة العلية والعلامية ، أو مع زيادة الصحة والبطلان ، والعزيمة والرخصة ، أو زيادة غير ذلك ـ كما هو المحكي عن غيره (١) ـ أو ليس بمحصور ، بل كلّ ما ليس بتكليف مما له دخل فيه أو في متعلقه وموضوعه ، أو لم يكن له دخل مما أطلق عليه الحكم في كلماتهم ؛ ضرورة أنه لا وجه للتخصيص بها بعد كثرة إطلاق الحكم في الكلمات على غيرها ، مع أنه لا تكاد تظهر ثمرة مهمة علمية أو عملية للنزاع في ذلك ، وإنما المهم في النزاع هو أن الوضع كالتكليف في أنه مجعول تشريعاً بحيث يصح انتزاعه بمجرد إنشائه ، أو غير مجعول كذلك ، بل إنما هو منتزع عن التكليف ومجعول بتبعه وبجعله .

والتحقيق أن ما عُدّ من الوضع على أنحاء .

منها : ما لا يكاد يتطرّق إليه الجعل تشريعاً أصلاً ، لا استقلالاً ولا تبعاً ، وإن كان مجعولاً تكويناً عرضاً بعين جعل موضوعه كذلك .

ومنها : ما لا يكاد يتطرّق إليه الجعل التشريعي إلّا تبعاً للتكليف .

ومنها : ما يمكن فيه الجعل استقلالاً بإنشائه ، وتبعاً للتكليف بكونه منشأً لانتزاعه ، وإن كان الصحيح انتزاعه من إنشائه وجعله ، وكون التكليف من آثاره وأحكامه ، على ما يأتي الإِشارة إليه .

أما النحو الأوّل : فهو كالسببيّة والشرطيّة والمانعيّة والرافعية لما هو

____________________________

(١) الآمدي ، الإِحكام في أصول الأحكام / ٨٥ ، في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه .

٤٠٠