كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

التاسع

إنّه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه على أقوال ، وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقال ، وهو : أن الوضع التعييني ، كما يحصل بالتصريح بإنشائه ، كذلك يحصل بإستعمال اللفظ في غير ما وضع له ، كما إذا وضع له ، بأن يُقصد الحكاية عنه ، والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة ، وإن كان لا بد ـ حينئذ ـ من نصب قرينة ، إلا أنه للدلالة على ذلك ، لا على إرادة المعنى ، كما في المجاز ، فافهم .

وكون استعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له ، بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز ، فلا يكون بحقيقة ولا مجاز ، غير ضائر بعد ما كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره ، وقد عرفت سابقاً (١) ، أنه في الاستعمالات الشايعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز .

إذا عرفت هذا ، فدعوى الوضع التعييني في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبة جدّاً ، ومدعي القطع به غير مجازف قطعاً ، ويدل عليه تبادر المعاني الشرعية منها في محاوراته ، ويؤيد ذلك أنه ربما لا يكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعية واللغوية ، فأيّ علاقة بين الصلاة شرعاً والصلاة بمعنى الدعاء ، ومجرد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكل بينهما ، كما لا يخفى . هذا كله بناء على كون معانيها مستحدثة في شرعنا .

وأما بناء على كونها ثابتة في الشرائع السابقة ، كما هو قضية غير واحد من الآيات ، مثل قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن

____________________________

(١) راجع صفحة ١٤ الأمر الرابع .

٢١
 &

قَبْلِكُمْ ) (١) وقوله تعالى ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) (٢) وقوله تعالى ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) (٣) إلى غير ذلك ، فألفاظها حقائق لغوية ، لا شرعية ، واختلاف الشرائع فيها جزءاً وشرطاً ، لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية ؛ إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات ، كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا ، كما لا يخفى .

ثم لا يذهب عليك أنه مع هذا الاحتمال ، لا مجال لدعوى الوثوق ـ فضلاً عن القطع ـ بكونها حقائق شرعية ، ولا لتوهم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها ، لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه ، ومنه [ قد ] (٤) إنقدح حال دعوى الوضع التعيّني معه ، ومع الغض عنه ، فالإِنصاف أن منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة ، نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع ، فتأمل .

وأما الثمرة بين القولين ، فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت ، وعلى معانيها الشرعية على الثبوت ، فيما إذا عُلم تأخر الاستعمال ، وفيما إذا جهل التاريخ ، ففيه إشكال ، وأصالة تأخر الاستعمال مع معارضتها بأصالة تأخر الوضع ، لا دليل على اعتبارها تعبداً ، إلا على القول بالأصل المثبت ، ولم يثبت بناء من العقلاء على التأخر مع الشك ، وأصالة عدم النقل إنما كانت معتبرة في ما إذا شك في أصل النقل ، لا في تأخره ، فتأمل .

____________________________

(١) البقرة / ١٨٣ .

(٢) الحج / ٢٧ .

(٣) مريم / ٣١ .

(٤) أثبتناه من « أ » .

٢٢
 &

العاشر

أنه وقع الخلاف في أن ألفاظ العبادات ، أسامٍ لخصوص الصحيحة أو للاعم منها ؟

وقبل الخوض في ذكر أدلة القولين ، يذكر أمور :

منها : إنه لا شبهة في تأتّي الخلاف ، على القول بثبوت الحقيقة الشرعية ، وفي جريانه على القول بالعدم إشكال .

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره : إن النزاع وقع ـ على هذا ـ في أن الأصل في هذه الألفاظ المستعملة مجازاً في كلام الشارع ، هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الأعم ، بمعنى أن أيّهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغوية ابتداء ، وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته ، كي ينزل كلامه (١) عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغوية ، وعدم قرينة أخرى معينة للآخر .

وأنت خبير بأنه لا يكاد يصح هذا ، إلا إذا علم أن العلاقة إنما إعتبرت كذلك ، وأن بناء الشارع في محاوراته ، استقر عند عدم نصب قرينة أخرى على إرادته ، بحيث كان هذا قرينة عليه ، من غير حاجة إلى قرينة معينة أخرى ، وأنّى لهم بإثبات ذلك .

وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع ـ على ما نسب (٢) إلى الباقلّاني (٣) ـ

____________________________

(١) في « أ » : تقديم ( عليه ) على ( كلامه ) .

(٢) نسبه ابن الحاجب والعضدي ، راجع شرح العضدي على مختصر الأصول : ١ / ٥١ ـ ٥٢ .

(٣) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري البغدادي المالكي الأصولي المتكلم كان مشهوراً بالمناظرة وسرعة الجواب توفي سنة ٤٠٣ هـ ببغداد ، ( الكنى والألقاب : ٢ / ٥٥ والعِبر في خبر من غَبر : ٢ / ٢٠٧ ) .

٢٣
 &

وذلك بأن يكون النزاع ، في أن قضية القرينة المضبوطة التي لا يتعدى عنها إلا بالأخرى ـ الدالة على أجزاء المأمور به وشرائطه ـ هو تمام الأجزاء والشرائط ، أو هما في الجملة ، فلا تغفل .

ومنها : أن الظاهر أن الصحة عند الكل بمعنى واحد ، وهو التمامية ، وتفسيرها بإسقاط القضاء ـ كما عن الفقهاء ـ أو بموافقة الشريعة ـ كما عن المتكلمين ـ أو غير ذلك ، إنما هو بالمهم من لوازمها ؛ لوضوح اختلافه بحسب اختلاف الأنظار ، وهذا لا يوجب تعدد المعنى ، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر ، والحضر ، والاختيار ، والاضطرار إلى غير ذلك ، كما لا يخفى .

ومنه ينقدح أن الصحة والفساد أمران إضافيان ، فيختلف شيء واحد صحة وفساداً بحسب الحالات ، فيكون تاماً بحسب حالة ، وفاسداً بحسب أُخرى ، فتدبر جيّداً .

ومنها : أنه لا بد ـ على كلا القولين ـ من قدر جامع في البين ، كان هو المسمى بلفظ كذا ، ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة ، وإمكان الإِشارة إليه بخواصه وآثاره ، فإن الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد ، يؤثر الكل فيه بذاك الجامع ، فيصح تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً : بالناهية عن الفحشاء ، وما هو معراج المؤمن ، ونحوهما .

والإشكال فيه (١) ـ بأن الجامع لا يكاد يكون أمراً مركباً ؛ إذ كل ما فرض جامعاً ، يمكن أن يكون صحيحاً وفاسداً ؛ لما عرفت ، ولا أمراً بسيطاً ، لأنه لا يخلو : إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب ، أو ملزوماً مساوياً له ، والأول غير معقول ؛ لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى إلا من قبل الطلب في متعلقه ،

____________________________

(١) الاشكال من صاحب التقريرات ، مطارح الأنظار / ٦ .

٢٤
 &

مع لزوم الترادف بين لفظة الصلاة والمطلوب ، وعدم جريان البراءة مع الشك في أجزاء العبادات وشرائطها ؛ لعدم الإِجمال ـ حينئذ ـ في المأمور به فيها ، وإنما الإِجمال فيما يتحقق به ، وفي مثله لا مجال لها ، كما حقق في محله ، مع أن المشهور القائلين بالصحيح ، قائلون بها في الشك فيها ، وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضاً ـ مدفوع ، بأن الجامع إنما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة . بحسب اختلاف الحالات ، متحد معها نحو اتحاد ، وفي مثله تجري البراءة ، وإنما لا تجري فيما إذا كان المأمور به أمراً واحداً خارجياً ، مسبباً عن مركب مردد بين الأقل والأكثر ، كالطهارة المسببة عن الغسل والوضوء فيما إذا شك في أجزائهما ، هذا على الصحيح .

وأما على الأعم ، فتصوير الجامع في غاية الإِشكال ، فما قيل في تصويره أو يقال ، وجوه (١) :

أحدها (٢) : أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة ، كالأركان في الصلاة مثلاً ، وكان الزائد عليها معتبراً في المأمور به لا في المسمّى .

وفيه ما لا يخفى ، فإن التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ، ضرورة صدق الصلاة مع الإِخلال ببعض الأركان ، بل وعدم الصدق عليها مع الإِخلال بسائر الأجزاء والشرائط عند الأعميّ ، مع أنه يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به ـ بأجزائه وشرائطه ـ مجازاً عنده ، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل ، لا من باب إطلاق الكلّي على الفرد والجزئي ، كما هو واضح ، ولا يلتزم به القائل بالأعم ، فافهم .

____________________________

(١) راجع القوانين / ٤٠ في الصحيح والأعمّ ، ومطارح الأنظار / ٧ في الصحيح والأعمّ ، والفصول / ٤٦ .

(٢) هذا ما يظهر من صاحب القوانين ، القوانين ١ / ٤٤ في الصحيح والأعمّ .

٢٥
 &

ثانيها : أن تكون موضوعة لمعظم الأجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفاً ، فصدق الإسم كذلك يكشف عن وجود المسمى ، وعدم صدقه عن عدمه .

وفيه ـ مضافاً الى ما أورد على الأول أخيراً ـ أنه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمى ، فكان شيء واحد داخلاً فيه تارة ، وخارجاً عنه أُخرى ، بل مردداً بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء ، وهو كما ترى ، سيمّا إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات .

ثالثها : أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصية كـ ( زيد ) فكما لا يضر في التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصغر والكبر ، ونقص بعض الأجزاء وزيادته ، كذلك فيها .

وفيه : إن الأعلام إنما تكون موضوعة للأشخاص ، والتشخص إنما يكون بالوجود الخاص ، ويكون الشخص حقيقة باقياً ما دام وجوده باقياً ، وإن تغيرت عوارضه من الزيادة والنقصان ، وغيرهما من الحالات والكيفيات ، فكما لا يضرّ اختلافها في التشخص ، لا يضرّ اختلافها في التسمية ، وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات مما كانت موضوعة للمركبات والمقيدات ، ولا يكاد يكون موضوعاً له ، إلا ما كان جامعاً لشتاتها وحاوياً لمتفرقاتها ، كما عرفت في الصحيح منها .

رابعها : إن ما وضعت له الألفاظ إبتداءً هو الصحيح التام الواجد لتمام الأجزاء والشرائط ، إلا أن العرف يتسامحون ـ كما هو ديدنهم ـ ويطلقون تلك الألفاظ على الفاقد للبعض ، تنزيلاً له منزلة الواجد ، فلا يكون مجازاً في الكلمة ـ على ما ذهب إليه السكاكي (١) في الاستعارة ـ بل يمكن دعوى

____________________________

(١) مفتاح العلوم / ١٥٦ ، الفصل الثالث في الاستعارة .

٢٦
 &

صيرورته حقيقة فيه ، بعد الاستعمال فيه كذلك دفعة أو دفعات ، من دون حاجة إلى الكثرة والشهرة ، للأنس الحاصل من جهة المشابهة في الصورة ، أو المشاركة في التأثير ، كما في أسامي المعاجين الموضوعة ابتداءً لخصوص مركبات واجدة لأجزاء خاصة ، حيث يصح إطلاقها على الفاقد لبعض الأجزاء المشابه له صورة ، والمشارك في المهم أثراً ، تنزيلاً أو حقيقة .

وفيه : إنه إنما يتم في مثل أسامي المعاجين ، وسائر المركبات الخارجية مما يكون الموضوع له (١) فيها ابتداءً مركباً ، خاصاً ، ولا يكاد يتم في مثل العبادات ، التي عرفت أن الصحيح منها يختلف حسب اختلاف الحالات ، وكون الصحيح بحسب حالة فاسداً (٢) بحسب حالة أخرى ، كما لا يخفى ، فتأمل جيداً .

خامسها : أن يكون حالها حال أسامي المقادير والأوزان ، مثل المثقال ، والحقة ، والوزنة إلى غير ذلك ، مما لا شبهة في كونها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة ، فإن الواضع وإن لاحظ مقداراً خاصاً ، إلا أنه لم يضع له بخصوصه ، بل للأعم منه ومن الزائد والناقص ، أو أنه وإن خص به أولاً ، إلا أنه بالاستعمال كثيراً فيهما بعناية أنهما منه ، قد صار حقيقة في الأعم ثانياً .

وفيه : إن الصحيح ـ كما عرفت في الوجه السابق ـ يختلف زيادة ونقيصة ، فلا يكون هناك ما يلحظ الزائد والناقص بالقياس عليه ، كي يوضع اللفظ لما هو الأعم ، فتدبر جيداً .

ومنها : إن الظاهر أن يكون الوضع والموضوع له ـ في ألفاظ العبادات ـ عامين ، واحتمال كون الموضوع له خاصاً بعيد جدّاً ؛ لاستلزامه كون

____________________________

(١) في « ب » : الموضوع فيها .

(٢) في « أ وب » : فاسد .

٢٧
 &

استعمالها في الجامع ، في مثل : ( الصلاة تنهى عن الفحشاء ) و ( الصلاة معراج المؤمن ) و [ ( عمود الدين ) ] (١) و ( الصوم جنّة من النار ) مجازاً ، أو منع استعمالها فيه في مثلها ، وكل منهما بعيد إلى الغاية ، كما لا يخفى على أولي النهىٰ (٢) .

ومنها : أن ثمرة النزاع إجمال الخطاب على القول الصحيحي ، وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه ، في رفع ما إذا شك في جزئية شيء للمأمور به أو شرطيته أصلاً ، لاحتمال دخوله في المسمى ، كما لا يخفى ، وجواز الرجوع إليه في ذلك على القول الأعمّي ، في غير ما إحتمل دخوله فيه ، مما شك في جزئيته أو شرطيته ، نعم لا بد في الرجوع إليه فيما ذكر من كونه وارداً مورد البيان ، كما لا بد منه في الرجوع إلى سائر المطلقات ، وبدونه لا مرجع أيضاً إلا البراءة أو الاشتغال ، على الخلاف في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين .

وقد انقدح بذلك : إن الرجوع إلى البراءة أو الاشتغال في موارد إجمال الخطاب أو إهماله على القولين ، فلا وجه لجعل الثمرة هو الرجوع إلى البراءة على الأعم ، والاشتغال على الصحيح (٣) ، ولذا ذهب المشهور إلى البراءة ، مع ذهابهم إلى الصحيح .

وربما قيل (٤) بظهور الثمرة في النذر أيضاً .

قلت : وإن كان تظهر فيما لو نذر لمن صلّى إعطاء درهم في البرء فيما لو أعطاه لمن صلّى ، ولو علم بفساد صلاته ، لإِخلاله بما لا يعتبر في الاسم على الأعم ، وعدم البرء على الصحيح ، إلا أنه ليس بثمرة لمثل هذه

____________________________

(١) أثبتناها من (ب) .

(٢) في « أ وب » : النهاية .

(٣) القوانين ١ / ٤٠ ، مبحث الصحيح والأعم .

(٤) القوانين ١ / ٤٣ ، مبحث الصحيح والأعمّ .

٢٨
 &

المسألة ، لما عرفت من أن ثمرة المسألة الأصولية ، هي أن تكون نتيجتها واقعة في طريق استنباط الأحكام الفرعية ، فافهم .

وكيف كان ، فقد استدل للصحيحي بوجوهٍ :

أحدها : التبادر ، ودعوى أن المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح ، ولا منافاة بين دعوى ذلك ، وبين كون الألفاظ على هذا القول مجملات ، فإن المنافاة إنما تكون فيما إذا لم تكن معانيها على هذا مبينة بوجه ، وقد عرفت كونها مبينة بغير وجه .

ثانيها : صحة السلب عن الفاسد ، بسبب الإِخلال ببعض أجزائه ، أو شرائطه بالمداقّة ، وإن صح الإِطلاق عليه بالعناية .

ثالثها : الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار للمسمّيات مثل ( الصلاة عمود الدين ) (١) أو ( معراج المؤمن ) (٢) و ( الصوم جنة من النار ) (٣) إلى غير ذلك ، أو نفي ماهيّتها وطبائعها ، مثل ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) (٤) ونحوه ، مما كان ظاهراً في نفي الحقيقة ، بمجرد فقد ما يعتبر في الصحة شطراً أو شرطاً ، وإرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأولى ، ونفي الصحة من الثانية ؛ لشيوع استعمال هذا التركيب في نفي مثل الصحة أو الكمال خلاف الظاهر ، لا يصار إليه مع عدم نصب قرينة عليه ، واستعمال هذا التركيب في نفي الصفة ممكن المنع ، حتى في مثل ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) (٥) مما يعلم أن المراد نفي الكمال ، بدعوى استعماله

____________________________

(١) دعائم الاسلام ١ : ١٣٣ ، جامع الأخبار / ٨٥ ، الكافي ٣ / ٩٩ باب النفساء الحديث ٤ غوالي اللآلي ١ / ٣٢٢ الحديث ٥٥ .

(٢) لم نجده في كتب الحديث ، ولكن أورده في جواهر الكلام ٧ / ٢ .

(٣) الفقيه ٢ / ٤٤ باب فضل الصيام ، الحديث ١ و ٥ ، الكافي ٤ / ٦٢ باب ما جاء في فضل الصوم والصائم الحديث ١ .

(٤) غوالي اللآلي ١ : ١٩٦ ، الحديث ٢ وغوالي اللآلي ٢ : ٢١٨ الحديث ١٣ .

(٥) دعائم الاسلام ١ : ١٤٨ ، التهذيب ٣ : ٢٦١ باب ٢٥ فضل المساجد والصلاة فيها ،

٢٩
 &

في نفي الحقيقة ، في مثله أيضاً بنحو من العناية ، لا على الحقيقة ، وإلا لما دل على المبالغة ، فافهم (١) .

رابعها : دعوى القطع بأن طريقة الواضعين وديدنهم ، وضع الألفاظ للمركبات التامة ، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه ، والحاجة وإن دعت أحياناً إلى إستعمالها في الناقص أيضاً ، إلا أنه لا يقتضي أن يكون بنحو الحقيقة ، بل ولو كان مسامحة ، تنزيلاً للفاقد منزلة الواجد .

والظاهر أن الشارع غير متخط عن هذه الطريقة .

ولا يخفى أن هذه الدعوى وإن كانت غير بعيدة ، إلا أنها قابلة للمنع ، فتأمل .

وقد إستدل للأعمّي أيضاً ، بوجوه :

منها : تبادر الأعم ، وفيه : أنه قد عرفت الإِشكال في تصوير الجامع الذي لا بد منه ، فكيف يصح معه دعوى التبادر .

ومنها : عدم صحة السلب عن الفاسد ، وفيه منع ، لما عرفت .

ومنها : صحة التقسيم إلى الصحيح والسقيم .

وفيه أنه إنما يشهد على أنها للأعم ، لو لم تكن هناك دلالة على كونها موضوعة للصحيح ، وقد عرفتها ، فلا بد أن يكون التقسيم بملاحظة ما يستعمل فيه اللفظ ، ولو بالعناية .

____________________________

الحديث ٥٥ وسائل الشيعة ٣ / ٤٧٨ الباب ٢ من أبواب أحكام المساجد ، الحديث ١ .

(١) إشارة الى أن الأخبار المثبتة للآثار وإن كانت ظاهرة في ذلك ـ لمكان أصالة الحقيقة ، ولازم ذلك كون الموضوع له للأسماء هو الصحيح ، ضرورة اختصاص تلك الآثار به ـ إلّا أنه لا يثبت بأصالتها كما لا يخفى ، لاجرائها العقلاء في إثبات المراد ، لا في أنه على نحو الحقيقة لا المجاز ، فتأمّل جيداً ، منه قدس سره .

٣٠
 &

ومنها : استعمال الصلاة وغيرها في غير واحد من الأخبار في الفاسدة ، كقوله عليه الصلاة والسلام ( بني الإِسلام على خمس : الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، والولاية ، ولم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية ، فأخذ الناس بأربع ، وتركوا هذه ، فلو أن أحداً صام نهاره وقام ليله ، ومات بغير ولاية ، لم يقبل له صوم ولا صلاة ) (١) ، فإن الأخذ بالأربع ، لا يكون بناء على بطلان عبادات تاركي الولاية ، إلا إذا كانت أسامي للأعم . وقوله عليه السلام : ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) (٢) ضرورة أنه لو لم يكن المراد منها الفاسدة ، لزم عدم صحة النهي عنها ، لعدم قدرة الحائض على الصحيحة منها .

وفيه : إن الاستعمال أعم من الحقيقة ، مع أن المراد في الرواية الأولى ، هو خصوص الصحيح بقرينة أنها مما بني عليها الإِسلام ، ولا ينافي ذلك بطلان عبادة منكري الولاية ، إذ لعل أخذهم بها إنما كان بحسب اعتقادهم لا حقيقة ، وذلك لا يقتضي استعمالها في الفاسد أو الأعم ، والاستعمال في قوله : ( فلو أن أحداً صام نهاره ) [ إلى آخره ] (٣) ، كان كذلك ـ أي بحسب اعتقادهم ـ أو للمشابهة والمشاكلة .

وفي الرواية الثانية ، الإِرشاد (٤) إلى عدم القدرة على الصلاة ، وإلا كان الإِتيان بالأركان ، وسائر ما يعتبر في الصلاة ، بل بما يسمى في العرف بها ،

____________________________

(١) الكافي ٢ / ١٥ باب ١٣ دعائم الاسلام ـ الخصال / ٢٧٧ باب الخمسة ، الحديث ٢١ غوالي اللآلي ١ / ٨٢ ، الفصل الخامس ، الحديث ٤ .

(٢) التهذيب ١ / ٣٨٤ باب ١٩ الحيض والاستحاضة والنفاس ، الحديث ٦ ـ الكافي ٣ / ٨٨ باب جامع في الحائض والمستحاضة الحديث ١ . غوالي اللآلي ٢ / ٢٠٧ باب الطهارة الحديث ١٢٤ .

(٣) أثبتنا هذه العبارة من « ب » .

(٤) وفي بعض النسخ المطبوعة ( النهي للإِرشاد ) .

٣١
 &

ولو أخلّ بما لا يضر الإِخلال به بالتسمية عرفاً ، محرماً على الحائض ذاتاً ، وإن لم تقصد به القربة .

ولا أظن أن يلتزم به المستدل بالرواية ، فتأمل جيداً .

ومنها : أنه لا شبهة (١) في صحة تعلق النذر وشبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه ، وحصول الحنث بفعلها ، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة ، لا يكاد يحصل به الحنث أصلاً ، لفساد الصلاة المأتي بها لحرمتها ، كما لا يخفى ، بل يلزم المحال ، فإن النذر حسب الفرض قد تعلق بالصحيح منها ، ولا يكاد يكون معه صحيحة ، وما يلزم من فرض وجوده عدمه محال .

قلت : لا يخفى أنه لو صح ذلك ، لا يقتضي إلا عدم صحة تعلق النذر بالصحيح ، لا عدم وضع اللفظ له شرعاً ، مع أن الفساد من قبل النذر لا ينافي صحة متعلقة ، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها .

ومن هنا انقدح أن حصول الحنث إنما يكون لأجل الصحة ، لولا تعلقه ، نعم لو فرض تعلقه بترك الصلاة المطلوبة بالفعل (٢) ، لكان منع حصول الحنث بفعلها بمكان من الإِمكان .

بقي أمور :

الاول : إن أسامي المعاملات ، إن كانت موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها موضوعة للصحيحة أو للأعم ، لعدم إتصافها بهما ، كما لا يخفى ، بل بالوجود تارة وبالعدم أخرى ، وأما إن كانت موضوعة للأسباب ،

____________________________

(١) في نسخة ( ا ) : لا إشكال .

(٢) ولو مع النذر ، ولكن صحته كذلك مشكل ، لعدم كون الصلاة معه صحيحة مطلوبة ، فتأمل جيداً . « منه قدس سره » .

٣٢
 &

فللنزاع فيه مجال ، لكنه لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة أيضاً ، وأن الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً . والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد ، لا يوجب الإِختلاف بينهما في المعنى ، بل الاختلاف في المحققات والمصاديق ، وتخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره في تأثيره ، محققاً لما هو المؤثر ، كما لا يخفى فافهم .

الثاني : إن كون ألفاظ المعاملات أسامي للصحيحة ، لا يوجب إجمالها ، كألفاظ العبادات ، كي لا يصح التمسك بإطلاقها عند الشك في اعتبار شيء في تأثيرها شرعاً ، وذلك لأن إطلاقها ـ لو كان مسوقاً في مقام البيان ـ ينزّل على أن المؤثر عند الشارع ، هو المؤثر عند أهل العرف ، ولم يعتبر في تأثيره عنده . غير ما اعتبر فيه عندهم ، كما ينزل عليه إطلاق كلام غيره ، حيث أنه منهم ، ولو اعتبر في تأثيره ما شك في اعتباره ، كان عليه البيان ونصب القرينة عليه ، وحيث لم ينصب ، بانَ عدم اعتباره عنده أيضاً . ولذا يتمسكون بالإِطلاق في أبواب المعاملات ، مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح .

نعم لو شك في اعتبار شيء فيها عرفاً ، فلا مجال للتمسك بإطلاقها في عدم اعتباره ، بل لا بد من اعتباره ، لأصالة عدم الأثر بدونه ، فتأمل جيداً .

الثالث : إنّ دخل شيء وجودي أو عدمي في المأمور به :

تارة : بأن يكون داخلاً فيما يأتلف منه ومن غيره ، وجعل جملته متعلقاً للأمر ، فيكون جزءاً له وداخلاً في قوامه .

وأخرى : بأن يكون خارجاً عنه ، لكنه كان مما لا يحصل الخصوصية

٣٣
 &

المأخوذة فيه بدونه ، كما إذا أخذ شيء مسبوقاً أو ملحوقاً به أو مقارناً له ، متعلقاً للأمر ، فيكون من مقدماته لا مقوماته .

وثالثة : بأن يكون مما يتشخص به المأمور به ، بحيث يصدق على المتشخص به عنوانه ، وربما يحصل له بسببه مزية أو نقيصة ، ودخل هذا فيه أيضاً ، طوراً بنحو الشطريّة وآخر بنحو الشرطية ، فيكون الإِخلال بما له دخل بأحد النحوين في حقيقة المأمور به وماهيته ، موجباً لفساده لا محالة ، بخلاف ما له الدخل في تشخصه وتحققه مطلقاً . شطراً كان أو شرطاً . حيث لا يكون الإِخلال به إلّا إخلالاً بتلك الخصوصية ، مع تحقق الماهية بخصوصية أخرى ، غير موجبة بتلك المزية ، بل كانت موجبة لنقصانها ، كما أشرنا إليه ، كالصلاة في الحمام .

ثم إنه ربما يكون الشيء مما يندب إليه فيه ، بلا دخل له أصلاً ـ لا شطراً ولا شرطاً ـ في حقيقته ، ولا في خصوصيته وتشخصه ، بل له دخل ظرفاً في مطلوبيته ، بحيث لا يكون مطلوباً إلا إذا وقع في أثنائه ، فيكون مطلوباً نفسياً في واجب أو مستحب ، كما إذا كان مطلوباً كذلك ، قبل أحدهما أو بعده ، فلا يكون الإِخلال به موجباً للإِخلال به ماهية ولا تشخصاً وخصوصية أصلاً .

إذا عرفت هذا كله ، فلا شبهة في عدم دخل ما ندب إليه في العبادات نفسياً في التسمية بأساميها ، وكذا فيما له دخل في تشخصها مطلقاً ، وأما ما له الدخل شرطاً في أصل ماهيتها ، فيمكن الذهاب أيضاً إلى عدم دخله في التسمية بها ، مع الذهاب إلى دخل ما له الدخل جزءاً فيها ، فيكون الإِخلال بالجزء مخلاً بها ، دون الإِخلال بالشرط ، لكنك عرفت أن الصحيح اعتبارهما فيها .

*  *  *

٣٤
 &

الحادي عشر

الحق وقوع الاشتراك ، للنقل ، والتبادر ، وعدم صحة السلب ، بالنسبة إلى معنيين أو أكثر للفظ واحد ، وإن أحاله بعض ، لإِخلاله بالتفهم المقصود من الوضع لخفاء القرائن ، لمنع الإِخلال أولاً ، لإِمكان الاتكال على القرائن الواضحة ، ومنع كونه مخلاً بالحكمة ثانياً ، لتعلق الغرض بالإِجمال أحياناً ، كما أن استعمال المشترك في القرآن ليس بمحال كما توهم ، لأجل لزوم التطويل بلا طائل ، مع الاتكال على القرائن والإِجمال في المقال ، لولا الاتكال عليها . وكلاهما غير لائق بكلامه تعالى جل شأنه ، كما لا يخفى ، وذلك لعدم لزوم التطويل ، فيما كان الاتكال على حال أو مقال أتي به لغرض آخر ، ومنع كون الإِجمال غير لائق بكلامه تعالى ، مع كونه مما يتعلق به الغرض ، وإلا لما وقع المشتبه في كلامه ، وقد أخبر في كتابه الكريم (١) ، بوقوعه فيه قال الله تعالى ( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) (٢) .

وربما توهم وجوب وقوع الاشتراك في اللغات ، لأجل عدم تناهي المعاني ، وتناهي الألفاظ المركبات ، فلا بد من الاشتراك فيها ، وهو فاسد لوضوح (٣) امتناع الاشتراك في هذه المعاني ، لاستدعائه الأوضاع غير (٤) المتناهية ، ولو سلم لم يكد يجدي إلا في مقدار متناهٍ ، مضافاً إلى تناهي المعاني الكلية ، وجزئياتها وإن كانت غير متناهية ، إلا أن وضع الألفاظ بإزاء كلياتها ، يغني عن وضع لفظ بإزائها ، كما لا يخفى ، مع أن المجاز باب واسع ، فافهم .

____________________________

(١) لا توجد كلمة « الكريم » في نسخة ( ا ) .

(٢) آل عمران / ٧ .

(٣) في « ب » : بوضوح .

(٤) في « أ وب » : الغير .

٣٥
 &

الثاني عشر

إنه قد اختلفوا في جواز استعمال اللفظ ، في أكثر من معنى على سبيل الانفراد والاستقلال ، بأن يراد منه كل واحد ، كما إذا لم يستعمل إلّا فيه ، على أقوال (١) :

أظهرها عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلاً .

وبيانه : إن حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لارادة المعنى ، بل جعله وجهاً وعنواناً له ، بل بوجه نفسه كأنه الملقى ، ولذا يسري إليه قبحه وحسنه كما لا يخفى ، ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك ، إلّا لمعنى واحد ، ضرورة أن لحاظه هكذا في إرادة معنى ، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر ، حيث أن لحاظه كذلك ، لا يكاد يكون إلا بتبع لحاظ المعنى فانياً فيه ، فناء الوجه في ذي الوجه ، والعنوان في المعنون ، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد ؟ ومع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال .

وبالجملة (٢) : لا يكاد يمكن في حال استعمال واحد ، لحاظه وجهاً لمعنيين وفانياً في الاثنين ، إلا أن يكون اللاحظ أحول العينين .

فانقدح بذلك امتناع استعمال اللفظ مطلقاً ـ مفرداً كان أو غيره ـ في أكثر من معنى بنحو الحقيقة أو المجاز ، ولولا امتناعه فلا وجه لعدم جوازه فإن اعتبار الوحدة في الموضوع له واضح المنع ، وكون (٣) الوضع في حال وحدة المعنى ، وتوقيفيته لا يقتضي عدم الجواز ، بعد ما لم تكن الوحدة قيداً

____________________________

(١) القوانين ١ / ٦٧ ، في بيان الاشتراك ، معالم الدين في الأصول / ٣٢ .

(٢) في « أ » : وفي الجملة .

(٣) هذا ردٌّ على المحقق القمّي ، القوانين ١ / ٦٧ .

٣٦
 &

للوضع ، ولا للموضوع له ، كما لا يخفى .

ثم لو تنزلنا عن ذلك ، فلا وجه للتفصيل (١) بالجواز على نحو الحقيقة في التثنية والجمع ، وعلى نحو المجاز في المفرد ، مستدلاً على كونه بنحو الحقيقة فيهما ، لكونهما بمنزلة تكرار اللفظ وبنحو المجاز فيه ، لكونه موضوعاً للمعنى بقيد الوحدة ، فاذا استعمل في الأكثر لزم إلغاء قيد الوحدة ، فيكون مستعملاً في جزء المعنى ، بعلاقة الكلّ والجزء ، فيكون مجازاً ، وذلك لوضوح أن الألفاظ لا تكون موضوعة إلا لنفس المعاني ، بلا ملاحظة قيد الوحدة ، وإلّا لما جاز الاستعمال في الأكثر ؛ لأن الأكثر ليس جزء المقيد بالوحدة ، بل يباينه مباينة الشيء بشرط شيء ، والشيء بشرط لا ، كما لا يخفى ، والتثنية والجمع وإن كانا بمنزلة التكرار في اللفظ ، إلّا أن الظاهر أن اللفظ فيهما كأنه كُرّر وأُريد من كل لفظ فرد من أفراد معناه ، لا أنه أُريد منه معنى من معانيه ، فاذا قيل مثلاً : ( جئني بعينين ) أريد فردان من العين الجارية ، لا العين الجارية والعين الباكية ، والتثنية والجمع في الأعلام ، إنما هو بتأويل المفرد إلى المسمى بها ، مع أنه لو قيل بعدم التأويل ، وكفاية الاتحاد في اللفظ ، في استعمالهما حقيقة ، بحيث جاز إرادة عين جارية وعين باكية من تثنية العين حقيقة ، لما كان هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر ، لأن هيئتهما إنما تدل على إرادة المتعدد مما يراد من مفردهما ، فيكون استعمالهما وإرادة المتعدد من معانيه ، استعمالهما في معنى واحد ، كما إذا استعملا وأريد المتعدد من معنى واحد منهما ، كما لا يخفى .

نعم لو أريد مثلاً من عينين ، فردان من الجارية ، وفردان من الباكية ، كان من استعمال العينين في المعنيين ، إلا أن حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك أصلاً ، فإن فيه إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضاً ، ضرورة أن التثنية

____________________________

(١) المفصِّل هو صاحب المعالم ، معالم الدين / ٣٢ .

٣٧
 &

عنده إنما يكون لمعنيين ، أو لفردين بقيد الوحدة ، والفرق بينهما وبين المفرد إنما يكون في أنه موضوع للطبيعة ، وهي موضوعة لفردين منها أو معنيين ، كما هو أوضح من أن يخفى .

وهم ودفع :

لعلك تتوهم أن الأخبار الدالّة على أن للقرآن بطوناً ـ سبعة أو سبعين ـ تدلّ على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، فضلاً عن جوازه ، ولكنك غفلت عن أنه لا دلالة لها أصلاً على أن إرادتها كان من باب إرادة المعنى من اللفظ ، فلعله كان بارادتها في أنفسها حال الاستعمال في المعنى ، لا من اللفظ ، كما إذا استعمل فيها ، أو كان المراد من البطون لوازم معناه المستعمل فيه اللفظ ، وإن كان أفهامنا قاصرة عن إدراكها .

الثالث عشر

إنه اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ في الحال ، أو فيما يعمه وما انقضى عنه على أقوال ، بعد الاتفاق على كونه مجازاً فيما يتلبس به في الاستقبال ، وقبل الخوض في المسألة ، وتفصيل الأقوال فيها ، وبيان الاستدلال عليها ، ينبغي تقديم أمور :

أحدها : إن المراد بالمشتق هاهنا ليس مطلق المشتقات ، بل خصوص ما يجري منها على الذوات ، مما يكون مفهومه منتزعاً عن الذات ، بملاحظة اتصافها بالمبدأ ، واتحادها معه بنحو من الاتحاد ، كان بنحو الحلول أو الانتزاع أو الصدور والإِيجاد (١) ، كأسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات ، بل وصيغ المبالغة ، وأسماء الأزمنة والأمكنة والآلات ، كما هو ظاهر العنوانات ، وصريح بعض المحققين ، مع عدم صلاحية ما يوجب

____________________________

(١) وفي بعض النسخ المطبوعة : أو الإِيجاد .

٣٨
 &

اختصاص النزاع بالبعض إلا التمثيل به ، وهو غير صالح ، كما هو واضح .

فلا وجه لما زعمه بعض الأجلّة (١) ، من الاختصاص باسم الفاعل وما بمعناه من الصفات المشبهة وما يلحق بها ، وخروج سائر الصفات ، ولعل منشأه توهم كون ما ذكره لكل منها من المعنى ، مما اتفق عليه الكل ، وهو كما ترى ، واختلاف أنحاء التلبسات حسب تفاوت مبادىء المشتقات ، بحسب الفعلية والشأنية والصناعة والملكة ـ حسبما نشير إليه (٢) ـ لا يوجب تفاوتاً في المهم من محل النزاع ها هنا ، كما لا يخفى .

ثم إنه لا يبعد أن يراد بالمشتق في محل النزاع ، مطلق ما كان مفهومه ومعناه جارياً على الذات ومنتزعاً عنها ، بملاحظة اتصافها بعرض أو عرضي ولو كان جامداً ، كالزوج والزوجة والرقّ والحرّ ، وإن (٣) أبيت إلا عن اختصاص النزاع المعروف بالمشتق ، كما هو قضية الجمود على ظاهر لفظه ، فهذا القسم من الجوامد أيضاً محل النزاع .

كما يشهد به ما عن الإِيضاح (٤) في باب الرضاع ، في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان ، أرضعتا زوجته الصغيرة ، ما هذا لفظه : « تحرم المرضعة الأولى والصغيرة مع الدخول [ باحدىٰ ] (٥) بالكبيرتين ، وأما المرضعة الأخرى ، ففي تحريمها خلاف ، فاختار والدي المصنف ( رحمه الله ) وابن ادريس تحريمها لأن هذه يصدق عليها اُم زوجته ، لأنه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه هكذا ها هنا » ، وما عن المسالك (٦) في هذه المسألة ، من ابتناء الحكم فيها

____________________________

(١) صاحب الفصول ، الفصول / ٦٠ ، في المشتق .

(٢) إشارة الى ما سيأتي من تفصيل الكلام في الأمر الرابع صفحة ٤٣ .

(٣) في « ب » : فإن أبيت .

(٤) إيضاح الفوائد ٣: ٥٢ ، أحكام الرضاع .

(٥) هذه الزيادة وردت في المصدر .

(٦) المسالك ١ / ٣٧٩ ، كتاب النكاح .

٣٩
 &

على الخلاف في مسألة المشتق .

فعليه كلما كان مفهومه منتزعاً من الذات ، بملاحظة اتصافها بالصفات الخارجة عن الذاتيات ـ كانت عرضاً أو عرضياً ـ كالزوجية والرقّيّة والحرية وغيرها من الاعتبارات والإِضافات ، كان محل النزاع وإن كان جامداً ، وهذا بخلاف ما كان مفهومه منتزعاً عن مقام الذات والذاتيات ، فإنه لا نزاع في كونه حقيقة في خصوص ما إذا كانت الذات باقية بذاتياتها .

ثانيها : قد عرفت أنه لا وجه لتخصيص النزاع ببعض المشتقات الجارية على الذوات ، إلا أنه ربما يشكل بعدم إمكان جريانه في إسم الزمان ، لأن الذات فيه وهي الزمان بنفسه ينقضي وينصرم ، فكيف يمكن أن يقع النزاع في أن الوصف الجاري عليه حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال ، أو فيما يعم المتلبس به في المضي ؟

ويمكن حل الإِشكال بأن انحصار مفهوم عام بفرد ـ كما في المقام ـ لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام ، وإلا لما وقع الخلاف في ما وضع له لفظ الجلالة ، مع أن الواجب موضوع للمفهوم العام ، مع انحصاره فيه تبارك وتعالى .

ثالثها : إنه من الواضح خروج الأفعال والمصادر المزيد فيها عن حريم النزاع ؛ لكونها غير جارية على الذوات ، ضرورة أن المصادر المزيد فيها كالمجردة ، في الدلالة على ما يتصف به الذوات ويقوم بها ـ كما لا يخفى ـ وإن الأفعال إنما تدل على قيام المبادىء بها قيام صدور أو حلول أو طلب فعلها أو تركها منها ، على اختلافها .

إزاحة شبهة :

قد اشتهر في ألسنة النحاة دلالة الفعل على الزمان ، حتى أخذوا

٤٠