كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

عهدة ما تنجز عليه قبل عروضه .

فإنه يقال : حيث أن فقد المكلف به ليس من حدود التكليف به وقيوده ، كان التكليف المتعلق به مطلقاً ، فإذا اشتغلت الذمة به ، كان قضية الاشتغال به يقيناً الفراغ عنه كذلك ، وهذا بخلاف الاضطرار إلى تركه ، فإنه من حدود التكليف به وقيوده ، ولا يكون الاشتغال به من الأول إلا مقيداً بعدم عروضه ، فلا يقين باشتغال الذمة بالتكليف به إلا إلى هذا الحد ، فلا يجب رعايته فيما بعده ، ولا يكون إلا من باب الاحتياط في الشبهة البدوية ، فافهم وتأمل فإنه دقيق جدّاً .

الثاني : إنه لما كان (١) النهي عن الشيء إنما هو لأجل أن يصير داعياً للمكلف نحو تركه ، لو لم يكن له داع آخر ـ ولا يكاد يكون ذلك إلا فيما يمكن عادة ابتلاؤه به ، وأما ما لا ابتلاء به بحسبها ، فليس للنهي عنه موقع أصلاً ، ضرورة أنه بلا فائدة ولا طائل ، بل يكون من قبيل طلب الحاصل ـ كان الابتلاء بجميع الأطراف مما لا بد منه في تأثير العلم ، فإنه بدونه لا علم بتكليف فعليّ ، لاحتمال تعلق الخطاب بما لا ابتلاء به .

ومنه قد انقدح أن الملاك في الابتلاء المصحح لفعلية الزجر وانقداح طلب تركه في نفس المولى فعلاً ، هو ما إذا صح انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطلاعه على ما هو عليه من الحال ، ولو شك في ذلك كان المرجع هو البراءة ، لعدم القطع بالاشتغال ، لا إطلاق الخطاب (٢) ، ضرورة أنه لا مجال للتشبث به إلا فيما إذا شك في التقييد بشيء بعد الفراغ عن صحة الإِطلاق بدونه ، لا فيما شك في اعتباره في صحته (٣) ، تأمل (٤) لعلك تعرف إن شاء الله تعالى .

____________________________

(١) كما أنه إذا كان فعل الشيء الذي كان متعلقاً لغرض المولى مما لا يكاد عادة أن يتركه العبد ، وأن لا يكون له داع إليه ، لم يكن للأمر به والبعث إليه موقع أصلاً ، كما لا يخفى ( منه قدس سره ) .

(٢) تعريض بما قد يظهر من الشيخ ، فرائد الأصول / ٢٥٢ .

(٣) هكذا صححه المصنف في « ب » ، وفي « أ » : به .

(٤) نعم لو كان الإِطلاق في مقام يقتضي بيان التقييد بالابتلاء ـ لو لم يكن هناك ابتلاء مصحح للتكليف ـ

٣٦١
 &

الثالث : إنه قد عرفت أنه مع فعلية التكليف المعلوم ، لا تفاوت بين أن تكون أطرافه محصورة وأن تكون غير محصورة .

نعم ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعية باجتناب كلها أو ارتكابه ، أو ضرر فيها أو غيرهما مما لا يكون معه التكليف فعليّاً بعثاً أو زجراً فعلاً ، وليس بموجبة لذلك في غيره ، كما أن نفسها ربما يكون موجبة لذلك ولو كانت قليلة في مورد آخر ، فلا بد من ملاحظة ذاك الموجب لرفع فعلية التكليف المعلوم بالإِجمال أنه يكون أو لا يكون في هذا المورد ، أو يكون مع كثرة أطرافه وملاحظة أنه مع أية مرتبة من كثرتها ، كما لا يخفى .

ولو شك في عروض الموجب ، فالمتبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان ، وإلا فالبراءة لأجل الشك في التكليف الفعليّ ، هذا هو حقّ القول في المقام ، وما قيل (١) في ضبط المحصور وغيره لا يخلو من الجزاف .

الرابع : إنه إنما يجب عقلاً رعاية الاحتياط في خصوص الأطراف ، مما يتوقف على اجتنابه أو ارتكابه حصول العلم بإتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين في البين دون غيرها ، وإن كان حاله حال بعضها في كونه محكوماً بحكمه واقعاً .

ومنه ينقدح الحال في المسألة ملاقاة شيء مع أحد أطراف النجس المعلوم بالإِجمال ، وأنه تارة يجب الاجتناب عن الملاقىٰ دون ملاقيه ، فيما كانت الملاقاة بعد العلم إجمالاً بالنجس بينها ، فإنه إذا اجتنب عنه وطرفه اجتنب عن النجس في البين قطعاً ، ولو لم يجتنب عما يلاقيه ، فإنه على تقدير نجاسته لنجاسته كان فرداً آخر من النجس ، قد شك في وجوده ، كشيء آخر شك في نجاسته بسبب آخر .

____________________________

كان الإِطلاق وعدم بيان التقييد دالّاً على فعليته ، ووجود الابتلاء المصحح لهما ، كما لا يخفى ، فافهم ( منه قدس سره ) .

(١) راجع فرائد الأصول / ٢٦٠ ـ ٢٦٢ .

٣٦٢
 &

ومنه ظهر أنه لا مجال لتوهم (١) أن قضية تنجز الاجتناب عن المعلوم هو الاجتناب عنه أيضاً ، ضرورة أن العلم به إنما يوجب تنجز الاجتناب عنه ، لا تنجز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه وإن احتمل .

وأخرى يجب الاجتناب عما لاقاه دونه ، فيما لو علم إجمالاً نجاسته أو نجاسة شيء آخر ثم حدث [ العلم بـ ] (٢) الملاقاة والعلم بنجاسة الملاقىٰ أو ذاك الشيء أيضاً ، فإن حال (٣) الملاقىٰ في هذه الصورة بعينها حال ما لاقاه في الصورة السابقة في عدم كونه طرفاً للعلم الإِجمالي ، وأنه فرد آخر على تقدير نجاسته واقعاً غير معلوم النجاسة أصلاً ، لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، وكذا لو علم بالملاقاة ثم حدث العلم الإِجمالي ، ولكن كان الملاقىٰ خارجاً عن محل الابتلاء في حال حدوثه وصار مبتلى به بعده .

وثالثة يجب الاجتناب عنهما ، فيما لو حصل العلم الإِجمالي بعد العلم بالملاقاة ؛ ضرورة أنه حينئذ نعلم إجمالاً : إما بنجاسة الملاقي والملاقى أو بنجاسة الآخر كما لا يخفى ، فيتنجز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين ، وهو الواحد أو الإِثنان (٤) .

المقام الثاني : ( في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ) .

والحق أن العلم الإِجمالي بثبوت التكليف بينهما ـ أيضاً ـ يوجب الاحتياط عقلاً بإتيان الأكثر ، لتنجزه به حيث تعلق بثبوته فعلاً .

____________________________

(١) جعل الشيخ هذا التوهم أحد الاحتمالين في المسألة ، مستشهداً له بكلام السيد أبي المكارم في الغنية ولم نعثر عليه في الغنية ، نعم استدل أبو المكارم بايتي تحريم الخبائت وتحريم الميتة ، ولكن يظهر ما ذكره الشيخ من كلام السيد المرتضىٰ في الناصريات ، للمزيد راجع فرائد الأصول ٢٥٢ والغنية ( الجوامع الفقهية ٤٨٩ ) والناصريات ( الجوامع الفقهية ٢١٤ ) .

(٢) أثبتناها من « ب » .

(٣) وإن لم يكن احتمال نجاسة ما لاقاه إلّا من قبل ملاقاته ، ( منه قدس سره ) .

(٤) في نسختي « أ وب » الاثنين .

٣٦٣
 &

وتوهم (١) انحلاله إلى العلم بوجوب الأقل تفصيلاً والشك في وجوب الأكثر بدواً ـ ضرورة لزوم الإِتيان بالأقل لنفسه شرعاً ، أو لغيره كذلك أو عقلاً ، ومعه لا يوجب تنجزه لو كان متعلقاً بالأكثر ـ فاسد قطعاً ، لاستلزام الانحلال المحال ، بداهة توقف لزوم الأقل فعلاً إما لنفسه أو لغيره على تنجز التكليف مطلقاً ، ولو كان متعلقاً بالأكثر ، فلو كان لزومه كذلك مستلزماً لعدم تنجزه إلا إذا كان متعلقاً بالأقل كان خلفاً ، مع أنه يلزم من وجوده عدمه ؛ لاستلزامه عدم تنجز التكليف على كل حال المستلزم لعدم لزوم الأقل مطلقاً ، المستلزم لعدم الانحلال ، وما يلزم من وجوده عدمه محال .

نعم إنما ينحل إذا كان الأقل ذا مصلحة ملزمة ، فإن وجوبه حينئذ يكون معلوماً له ، وإنما كان الترديد لاحتمال أن يكون الأكثر ذا مصلحتين ، أو مصلحة أقوى من مصلحة الأقل ، فالعقل في مثله وإن استقل بالبراءة بلا كلام ، إلا أنه خارج عما هو محل النقض والإِبرام في المقام .

هذا مع أن الغرض الداعي إلى الأمر لا يكاد يحرز إلا بالأكثر ، بناءً على ما ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد في المأمور به والمنهي عنه ، وكون الواجبات الشرعية ألطافاً في الواجبات العقلية ، وقد مرّ (٢) اعتبار موافقة الغرض وحصوله عقلاً في إطاعة الأمر وسقوطه ، فلا بد من إحرازه في إحرازها ، كما لا يخفى .

ولا وجه للتفصي عنه (٣) : تارة بعدم ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على ما ذهب إليه مشهور العدلية ، وجريانها على ما ذهب إليه الأشاعرة المنكرين لذلك ، أو

____________________________

(١) تعريض بالشيخ ( قدس سره ) ، راجع فرائد الأصول / ٢٧٤ .

(٢) في المبحث الخامس من الفصل الثاني من المقصد الأول في الأوامر حيث قال : وإن لم يكد يسقط بذلك فلا يكاد له وجه إلّا عدم حصول غرضه .. إلخ .

(٣) ردّ على الشيخ ، أنظر فرائد الأصول / ٢٧٣ .

٣٦٤
 &

بعض العدلية المكتفين بكون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به .

وأخرى بأن حصول المصلحة واللطف في العبادات لا يكاد يكون إلا بإتيانها على وجه الامتثال ، وحينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة أجزائها تفصيلاً ـ ليؤتى بها مع قصد الوجه ـ مجال ، ومعه لا يكاد يقطع بحصول اللطف والمصلحة الداعية إلى الأمر ، فلم يبق إلا التخلص عن تبعة مخالفته بإتيان ما علم تعلقه به ، فإنه واجب عقلاً وإن لم يكن في المأمور به مصلحة ولطف رأساً ، لتنجزه بالعلم به إجمالاً .

وأما الزائد عليه لو كان فلا تبعة على مخالفته من جهته ، فإن العقوبة عليه بلا بيان .

وذلك ضرورة أن حكم العقل بالبراءة ـ على مذهب الأشعري ـ لا يجدي من ذهب إلى ما عليه المشهور من العدلية ، بل من ذهب إلى ما عليه غير المشهور ؛ لاحتمال أن يكون الداعي إلى الأمر ومصلحته ـ على هذا المذهب أيضاً ـ هو ما في الواجبات من المصلحة وكونها ألطافاً ، فافهم .

وحصول اللطف والمصلحة في العبادة ، وإن كان يتوقف على الإِتيان بها على وجه الامتثال ، إلا أنه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الأجزاء وإتيانها على وجهها ، كيف ؟ ولا إشكال في إمكان الاحتياط ها هنا كما في المتباينين ، ولا يكاد يمكن مع اعتباره . هذا مع وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك ، والمراد بالوجه في كلام من صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب اقترانه به ، هو وجه نفسه من وجوبه النفسي ، لا وجه أجزائه من وجوبها الغيري أو وجوبها العرضي ، وإتيان الواجب مقترناً بوجهه غاية ووصفاً بإتيان الأكثر بمكان من الإِمكان ؛ لانطباق الواجب عليه ولو كان هو الأقل ، فيتأتّى من المكلف معه قصد الوجه ، واحتمال اشتماله على ما ليس من أجزائه ليس بضائر ، إذا قصد وجوب المأتي على إجماله ، بلا تمييز ما له دخل في الواجب من أجزائه ، لا سيما إذا دار الزائد بين كونه جزءاً لماهيته وجزءاً لفرده ، حيث ينطبق الواجب على المأتي حينئذ بتمامه وكماله ، لأن الطبيعي

٣٦٥
 &

يصدق على الفرد بمشخصاته .

نعم ، لو دار بين كونه جزءاً أو مقارناً لما كان منطبقاً عليه بتمامه لو لم يكن جزءاً ، لكنه غير ضائر لانطباقه عليه أيضاً فيما لم يكن ذاك الزائد جزءاً غايته ، لا بتمامه بل بسائر أجزائه .

هذا مضافاً إلى أن اعتبار قصد الوجه من رأس مما يقطع بخلافه ، مع أن الكلام في هذه المسألة لا يختص بما لا بد أن يؤتى به على وجه الامتثال من العبادات ، مع أنه لو قيل باعتبار قصد الوجه في الامتثال فيها على وجه ينافيه التردد والاحتمال ، فلا وجه معه للزوم مراعاة الأمر المعلوم أصلاً ، ولو بإتيان الأقل لو لم يحصل الغرض ، وللزم الاحتياط بإتيان الأكثر مع حصوله ، ليحصل القطع بالفراغ بعد القطع بالاشتغال ، لاحتمال بقائه مع الأقل بسبب بقاء غرضه ، فافهم .

هذا بحسب حكم العقل .

وأما النقل (١) فالظاهر أن عموم مثل حديث الرفع قاضٍ برفع جزئية ما شك في جزئيته ، فبمثله يرتفع الإِجمال والتردد عما تردد أمره بين الأقل والأكثر ، ويعيّنه في الأول .

لا يقال (٢) : إن جزئية السورة المجهولة (٣) ـ مثلاً ـ ليست بمجعولة وليس لها أثر مجعول ، والمرفوع بحديث رافع إنما هو المجعول بنفسه أو أثره ، ووجوب الإِعادة

____________________________

(١) لكنه لا يخفى أنه لا مجال للنقل فيما هو مورد حكم العقل بالاحتياط ، وهو ما إذا علم إجمالاً بالتكليف الفعلي ، ضرورة أنه ينافيه دفع الجزئية المجهولة ، وإنما يكون مورده ما إذا لم يعلم به كذلك ، بل علم مجرد ثبوته واقعاً ، وبالجملة الشك في الجزئية والشرطية وإن كان جامعاً بين الموردين ، إلا أن مورد حكم العقل مع القطع بالفعلية ، ومورد النقل هو مجرد الخطاب بالإِيجاب ، فافهم ( منه قدس سره ) .

(٢) القائل هو الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) ، فرائد الأصول / ٢٧٨ .

(٣) هكذا صححه في « ب » وفي « أ » : المنسية .

٣٦٦
 &

إنما هو أثر بقاء الأمر الأول بعد العلم (١) مع أنه عقلي ، وليس إلا من باب وجوب الإِطاعة عقلاً .

لأنه يقال : إن الجزئية وإن كانت غير مجعولة بنفسها ، إلا أنها مجعولة بمنشأ انتزاعها ، وهذا كاف في صحة رفعها .

لا يقال : إنما يكون ارتفاع الأمر الانتزاعي برفع منشأ انتزاعه ، وهو الأمر الأول ، ولا دليل آخر على أمر آخر بالخالي عنه .

لأنه يقال : نعم ، وإن كان ارتفاعه بارتفاع منشأ انتزاعه ، إلا أن نسبة حديث الرفع ـ الناظر إلى الأدلة الدالة على بيان الأجزاء ـ إليها نسبة الاستثناء ، وهو معها يكون دالة على جزئيتها إلا مع [ الجهل بها ] (٢) ، كما لا يخفى ، فتدبر جيّداً .

وينبغي التنبيه على أمور :

الأول : إنه ظهر مما مرّ حال دوران الأمر بين المشروط بشيء ومطلقه ، وبين الخاص كالإِنسان وعامّه كالحيوان ، وأنه لا مجال ها هنا للبراءة عقلاً ، بل كان الأمر فيهما أظهر ، فإن الانحلال المتوهم في الأقل والأكثر لا يكاد يتوهم ها هنا ، بداهة أن الأجزاء التحليلية لا يكاد يتصف باللزوم من باب المقدمة عقلاً ، فالصلاة ـ مثلاً ـ في ضمن الصلاة المشروطة أو الخاصة موجودة بعين وجودها ، وفي ضمن صلاة أخرى فاقدة لشرطها وخصوصيتها تكون متبائنة للمأمور بها ، كما لا يخفى .

نعم لا بأس بجريان البراءة النقلية في خصوص دوران الأمر بين المشروط وغيره ، دون دوران الأمر (٣) بين الخاص وغيره ، لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطية ما شك في شرطيته ، وليس كذلك خصوصية الخاص ، فإنها إنما تكون منتزعة عن نفس الخاص ، فيكون الدوران بينه و [ بين ] غيره من قبيل الدوران بين

____________________________

(١) في « أ » : التذكر .

(٢) في « أ » : نسيانها .

(٣) في « أ » : دون الدوران بين ... إلخ .

٣٦٧
 &

المتباينين ، فتأمل جيّداً .

الثاني : إنه لا يخفى أن الأصل فيما إذا شك في جزئية شيء أو شرطيته في حال نسيانه عقلاً ونقلاً ، ما ذكر في الشك في أصل الجزئية أو الشرطية ، فلولا مثل حديث الرفع (١) مطلقاً ولا تعاد (٢) في الصلاة لحكم (٣) عقلاً بلزوم إعادة ما أخل بجزئه أو شرطه نسياناً ، كما هو الحال فيما ثبت شرعاً جزئيته أو شرطيته مطلقاً نصاً أو إجماعاً .

ثم لا يذهب عليك أنه كما يمكن رفع الجزئية أو الشرطية في هذا الحال بمثل حديث الرفع ، كذلك يمكن تخصيصهما (٤) بهذا الحال بحسب الأدلة الاجتهادية ، كما إذا وجه الخطاب على نحو يعم الذاكر والناسي بالخالي عما شك في دخله مطلقاً ، وقد دل دليل آخر على دخله في حق الذاكر ، أو وجّه إلى الناسي خطاب يخصه بوجوب الخالي بعنوان آخر عام أو خاص ، لا بعنوان الناسي كي يلزم استحالة إيجاب ذلك عليه بهذا العنوان ؛ لخروجه عنه بتوجيه الخطاب إليه لا محالة ، كما توهم (٥) لذلك استحالة تخصيص الجزئية أو الشرطية بحال الذكر وإيجاب العمل الخالي عن المنسي على الناسي ، فلا تغفل .

الثالث : إنه ظهر ـ ممّا مر ـ حال زيادة الجزء إذا شك في اعتبار عدمها شرطاً أو شطراً في الواجب ـ مع عدم اعتباره في جزئيته ، وإلا لم يكن من زيادته بل من نقصانه ـ وذلك لاندراجه في الشك في دخل شيء فيه جزءاً أو شرطاً ، فيصح لو أتى به مع الزيادة عمداً تشريعاً أو جهلاً قصوراً أو تقصيراً أو سهواً ، وإن استقل العقل

____________________________

(١) الخصال ٢ / ٤١٧ ، الحديث ٩ والفقيه ١ / ٣٦ الحديث ٤ .

(٢) الفقيه ١ / ٢٢٥ ، أحكام السهو الحديث ٨ ، الفقيه ١ / ١٨١ ، في القبلة / الحديث ١٧ ، والتهذيب ٢ / ٥٢ ، ب ٩ / الحديث ٥٥ .

(٣) في « ب » : يحكم .

(٤) في « ب » : تخصيصها .

(٥) المتوهم هو الشيخ ( قدس سره ) ، فرائد الأصول / ٢٨٦ .

٣٦٨
 &

لولا النقل بلزوم الاحتياط ؛ لقاعدة الاشتغال .

نعم لو كان عبادة وأتى به كذلك ، على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه لما يدعو إليه وجوبه ، لكان باطلاً مطلقاً أو في صورة عدم دخله فيه ، لعدم قصد الامتثال في هذه الصورة ، مع استقلال العقل بلزوم الإِعادة مع اشتباه الحال لقاعدة الاشتغال .

وأما لو أتى به على نحو يدعوه إليه على أي حال كان صحيحاً ، ولو كان مشرّعاً في دخله الزائد فيه بنحو ، مع عدم علمه بدخله ، فإن تشريعه في تطبيق المأتي مع المأمور به ، وهو لا ينافي قصده الامتثال والتقرب به على كل حال .

ثم إنه ربما تمسك لصحة ما أتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة ، وهو لا يخلو من كلام ونقض وإبرام خارج عما هو المهم في المقام ، ويأتي (١) تحقيقه في مبحث الاستصحاب ، إن شاء الله تعالى .

الرابع : إنه لو علم بجزئية شيء أو شرطيته في الجملة ، ودار [ الأمر ] بين أن يكون جزءاً أو شرطاً مطلقاً ولو في حال العجز عنه ، وبين أن يكون جزءاً أو شرطاً في خصوص حال التمكن منه ، فيسقط الأمر بالعجز عنه على الأول ، لعدم القدرة حينئذ على المأمور به ، لا على الثاني فيبقى متعلقاً بالباقي ، ولم يكن هناك ما يعين أحد الأمرين ، من إطلاق دليل اعتباره جزءاً أو شرطاً ، أو إطلاق دليل المأمور به مع إجمال دليل اعتباره أو إهماله ، لاستقل العقل بالبراءة عن الباقي ، فإن العقاب على تركه بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان .

لا يقال : نعم ولكن قضية مثل حديث الرفع عدم الجزئية أو الشرطية إلا في حال التمكن منه .

فإنه يقال : إنه لا مجال ها هنا لمثله ، بداهة أنه ورد في مقام الامتنان ،

____________________________

(١) الظاهر انه ( قدس سره ) لم يف بوعده ، وللمزيد راجع نهاية الدراية ٢ / ٢٨٨ .

٣٦٩
 &

فيختص بما يوجب نفي التكليف لا إثباته .

نعم ربما يقال (١) : بأن قضية الاستصحاب في بعض الصور وجوب الباقي في حال التعذر أيضاً .

ولكنه لا يكاد يصح إلا بناءً على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلّي ، أو على المسامحة في تعيين الموضوع في الاستصحاب ، وكان ما تعذر مما يسامح به عرفاً ، بحيث يصدق مع تعذره بقاء الوجوب لو قيل بوجوب الباقي ، وارتفاعه لو قيل بعدم وجوبه ، ويأتي تحقيق الكلام فيه في غير المقام (٢) .

كما أن وجوب الباقي في الجملة ربما قيل (٣) بكونه مقتضى ما يستفاد من قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) (٤) وقوله : ( الميسور لا يسقط بالمعسور ) (٥) وقوله : ( ما لا يدرك كله لا يترك كله ) (٦) ودلالة الأول مبنية على كون كلمة ( من ) تبعيضية ، لا بيانية ، ولا بمعنى الباء ، وظهورها في التبعيض وإن كان مما لا يكاد يخفى ، إلا أن كونه بحسب الأجزاء غير واضح ، لاحتمال أن يكون بلحاظ الأفراد ، ولو سلم فلا محيص عن أنه ـ ها هنا ـ بهذا اللحاظ يراد ، حيث ورد جواباً عن السؤال عن تكرار الحج بعد أمره به ، فقد روي أنه خطب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (٧) ، فقال : ( إن الله كتب

____________________________

(١) راجع فرائد الأصول / ٢٩٤ .

(٢) سيأتي في مبحث الاستصحاب / ٤٢٥ .

(٣) راجع فرائد الأصول / ٢٩٤ .

(٤) عوالي اللآلي ٤ / ٥٨ ، مع اختلاف يسير .

(٥) عوالي اللآلي ٤ / ٥٨ ، باختلاف يسير .

(٦) عوالي اللآلي ٤ / ٥٨ ، باختلاف يسير .

(٧) راجع مجمع البيان ٢ : ٢٥٠ ، في ذيل الآية ١٠١ من سورة المائدة والتفسير الكبير للفخر الرازي ١٢ : ١٠٦ وأنوار التنزيل للبيضاوي ١ : ٢٩٤ ، وفي الأخير فقام سراقة بن مالك .

٣٧٠
 &

عليكم الحج ، فقام عكاشة (١) ـ ويروى سراقة بن مالك (٢) ـ فقال : في كل عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً ، فقال : ويحك ، وما يؤمنك أن أقول : نعم ، والله لو قلت : نعم ، لوجب ، ولو وجب ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ، فاتركوني ما تُركتم ، وإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم إلى أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ) .

ومن ذلك ظهر الإِشكال في دلالة الثاني أيضاً ، حيث لم يظهر في عدم سقوط الميسور من الأجزاء بمعسورها ، لاحتمال إرادة عدم سقوط الميسور من أفراد العام بالمعسور منها .

هذا مضافاً إلى عدم دلالته على عدم السقوط لزوماً ، لعدم اختصاصه بالواجب ، ولا مجال معه لتوهم دلالته على أنه بنحو اللزوم ، إلا أن يكون المراد عدم سقوطه بما له من الحكم وجوباً كان أو ندباً ، بسبب سقوطه عن المعسور ، بأن يكون قضية الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه ، حيث إن الظاهر من مثله هو ذلك ، كما أن الظاهر من مثل ( لا ضرر ولا ضرار ) (٣) هو نفي ما له من تكليف أو وضع ، لأنها عبارة عن عدم سقوطه بنفسه وبقائه على عهدة المكلف كي لا يكون له دلالة

____________________________

(١) عكاشة بن مِحصن بن حُرثان ، شهد بدراً مع النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) ، ثم لم يزل عنده يشهد المشاهد مع رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) حتى قتل في قتال أهل الردة ، كان عمره عند وفاة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) أربعاً وأربعين سنة . ( تهذيب الأسماء ١ : ٣٣٨ . رقم ٤١٨ )

(٢) سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي ، كنيته أبو سفيان ، له صحبة ، كان يسكن قديد ، مات بعد عثمان ، روىٰ عنه سعيد بن المسيّب وأبو رشدين وعبد الرحمن بن مالك . ( الجرح والتعديل ٤ : ٣٠٨ رقم ١٣٤٢ ) .

(٣) الكافي ٥ / ٢٩٣ ، كتاب المعيشة باب الضرار ، الحديث ٦ .

و : الكافي ٥ / ٢٨٠ ، كتاب المعيشة باب الشفعة ، الحديث ٤ .

و : التهذيب ٧ / ١٦٤ ، باب الشفعة ، الحديث ٤ .

٣٧١
 &

على جريان القاعدة في المستحبات على وجه ، أو لا يكون له دلالة على وجوب الميسور في الواجبات على آخر ، فافهم .

وأما الثالث ، فبعد تسليم ظهور كون الكل في المجموعي لا الأفرادي ، لا دلالة له إلا على رجحان الإِتيان بباقي الفعل المأمور به ـ واجباً كان أو مستحباً ـ عند تعذر بعض أجزائه ؛ لظهور الموصول فيما يعمهما ، وليس ظهور ( لا يترك ) في الوجوب ـ لو سلم ـ موجباً لتخصيصه بالواجب ، لو لم يكن ظهوره في الأعم قرينة على إرادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي ، وكيف كان فليس ظاهراً في اللزوم ها هنا ، ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام .

ثم إنه حيث كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفاً ، كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط أيضاً ؛ لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفاً ، كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة ، وإن كان فاقد الشرط مبايناً للواجد عقلاً ، ولأجل ذلك ربما لا يكون الباقي ـ الفاقد لمعظم الأجزاء أو لركنها ـ مورداً لها فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفاً ، وإن كان غير مباين للواجد عقلاً .

نعم ربما يلحق به شرعاً ما لا يعد بميسور عرفاً بتخطئته للعرف ، وإن عدم العد كان لعدم الاطلاع على ما هو عليه الفاقد ، من قيامه في هذا الحال بتمام ما قام عليه الواجد ، أو بمعظمه في غير الحال ، وإلا عدّ أنه ميسوره ، كما ربما يقوم الدليل على سقوط ميسور عرفي لذلك ـ أي للتخطئة ـ وأنه لا يقوم بشيء من ذلك .

وبالجملة : ما لم يكن دليل على الإِخراج أو الإِلحاق كان المرجع هو الإِطلاق ، ويستكشف منه أن الباقي قائم بما يكون المأمور به قائماً بتمامه ، أو بمقدار يوجب إيجابه في الواجب واستحبابه في المستحب ، وإذا قام دليل على أحدهما فيخرج أو يدرج تخطئة أو تخصيصاً في الأول ، وتشريكاً في الحكم ، من دون الاندراج في الموضوع في الثاني ، فافهم .

تذنيب : لا يخفى أنه إذا دار الأمر بين جزئية شيء أو شرطيته ، وبين مانعيته

٣٧٢
 &

أو قاطعيته ، لكان من قبيل المتباينين ، ولا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين ، لإِمكان الاحتياط بإتيان العمل مرتين ، مع ذاك الشيء مرة وبدونه أخرى ، كما هو أوضح من أن يخفى .

٣٧٣
 &



خاتمة : في شرائط الأصول

أما الاحتياط : فلا يعتبر في حسنه شيء أصلاً ، بل يحسن على كل حال ، إلا إذا كان موجباً لاختلال النظام ، ولا تفاوت فيه بين المعاملات والعبادات مطلقاً ولو كان موجباً للتكرار فيها ، وتوهم (١) كون التكرار عبثاً ولعباً بأمر المولى ـ وهو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة ـ فاسد ؛ لوضوح أن التكرار ربما يكون بداعٍ صحيح عقلائي ، مع أنه لو لم يكن بهذا الداعي وكان أصل إتيانه بداعي أمر مولاه بلا داعٍ له سواه لما ينافي قصد الامتثال ، وإن كان لاغياً في كيفية امتثاله ، فافهم .

بل يحسن أيضاً فيما قامت الحجة على البراءة عن التكليف لئلا يقع فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته ، من المفسدة وفوت المصلحة .

وأما البراءة العقلية : فلا يجوز إجراؤها إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجة على التكليف ، لما مرت (٢) الإِشارة إليه من عدم استقلال العقل بها إلا بعدهما .

وأما البراءة النقلية : فقضية إطلاق أدلتها وإن كان هو عدم اعتبار

____________________________

(١) المتوهم هو الشيخ ( قده ) راجع فرائد الأصول ، ص ٢٩٩ .

(٢) في الاستدلال على البراءة بالدليل العقلي ، ص ٣٤٣ .

٣٧٤
 &

الفحص في جريانها ، كما هو حالها في الشبهات الموضوعية ، إلا أنه استدل (١) على اعتباره بالإِجماع وبالعقل ، فإنه لا مجال لها بدونه ، حيث يعلم إجمالاً بثبوت التكليف بين موارد الشبهات ، بحيث لو تفحص عنه لظفر به .

ولا يخفى أن الإِجماع ها هنا غير حاصل ، ونقله لوهنه بلا طائل ، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل صعب لو لم يكن عادة بمستحيل ، لقوة احتمال أن يكون المستند للجل ـ لولا الكل ـ هو ما ذكر من حكم العقل ، وأن الكلام في البراءة فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجز ، إما لانحلال العلم الإِجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالإِجمال ، أو لعدم الابتلاء إلا بما لا يكون بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات ، ولو لعدم الالتفات إليها .

فالأولى الاستدلال للوجوب بما دل من الآيات (٢) والأخبار (٣) على وجوب التفقه والتعلم ، والمؤاخذة على ترك التعلم في مقام الاعتذار عن عدم العمل بعدم العلم ، بقوله تعالى كما في الخبر (٤) : ( هلا تعلمت ) فيقيد بها أخبار البراءة ، لقوة ظهورها في أن المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلم فيما لم يعلم ، لا بترك العمل فيما علم وجوبه ولو إجمالاً ، فلا مجال للتوفيق بحمل هذه الأخبار على ما إذا علم إجمالاً ، فافهم .

ولا يخفى اعتبار الفحص في التخيير العقلي أيضا بعين ما ذكر في البراءة ، فلا تغفل .

ولا بأس بصرف الكلام في بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص من

____________________________

(١) راجع فرائد الأصول / ٣٠٠ و ٣٠١ .

(٢) التوبة : ١٢٢ والنحل :٤٣ .

(٣) الفقيه ٦ / ٢٧٧ ، الباب ١٧٦ ذيل الحديث ١٠ ـ الكافي ١ / كتاب ٢ / احاديث الباب ١ .

(٤) الأمالي للشيخ / ٩ ـ الصافي / ٥٥٥ .

٣٧٥
 &

التبعة والأحكام .

أما التبعة ، فلا شبهة في استحقاق العقوبة على المخالفة فيما إذا كان ترك التعلم والفحص مؤدياً إليها ، فإنها وإن كانت مغفولة حينها وبلا اختيار ، إلا أنها منتهية إلى الاختيار ، وهو كافٍ في صحة العقوبة ، بل مجرد تركهما كاف في صحتها ، وإن لم يكن مؤدياً إلى المخالفة ، مع احتماله ، لأجل التجري وعدم المبالاة بها .

نعم يشكل في الواجب المشروط والمؤقت ، لو أدى تركهما قبل الشرط والوقت إلى المخالفة بعدهما ، فضلاً عما إذا لم يؤد إليها ، حيث لا يكون حينئذ تكليف فعلي أصلاً ، لا قبلهما وهو واضح ، ولا بعدهما وهو كذلك ، لعدم (١) التمكن منه بسبب الغفلة ، ولذا التجأ المحقق الأردبيلي (٢) وصاحب المدارك (٣) ( قدس سرهما ) إلى الالتزام بوجوب التفقه والتعلم نفسياً تهيئياً ، فتكون العقوبة على ترك التعلم نفسه لا على ما أدى اليه من المخالفة .

فلا إشكال حينئذ في المشروط والمؤقت ، ويسهل بذلك الأمر في غيرهما لو صعب على أحد ، ولم تصدق كفاية الانتهاء إلى الاختيار في استحقاق العقوبة على ما كان فعلاً مغفولاً عنه وليس بالاختيار ، ولا يخفى أنه لا يكاد ينحل هذا الإِشكال إلا بذلك ، أو الالتزام بكون المشروط أو المؤقت مطلقاً معلقاً ، لكنه قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلاً بالوجوب قبل الشرط أو الوقت غير التعلم ،

____________________________

(١) إلا أن يقال بصحة المؤاخذة على ترك المشروط أو الموقت عند العقلاء إذا تمكن منهما في الجملة ، ولو بأن تعلّم وتفحّص إذا التفت ، وعدم لزوم التمكن منهما بعد حصول الشرط ودخول الوقت مطلقاً ، كما يظهر ذلك من مراجعة العقلاء ومؤاخذتهم العبيد على ترك الواجبات المشروطة أو المؤقتة ، بترك تعلمها قبل الشرط أو الوقت المؤدي إلى تركها بعد حصوله أو دخوله ، فتأمل ( منه قدس سره ) .

(٢) راجع كلامه ( قدس سره ) في مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان ٢ / ١١٠ ، عند قوله : واعلم أيضاً أنّ سبب بطلان الصلاة ... الخ .

(٣) راجع مدارك الأحكام / ١٢٣ ، في مسألة إخلال المصلي بإزالة النجاسة عن بدنه أو ثوبه .

٣٧٦
 &

فيكون الإِيجاب حاليّاً ، وإن كان الواجب استقبالياً قد أُخذ على نحو لا يكاد يتصف بالوجوب شرطه ، ولا غير التعلم من مقدماته قبل شرطه أو وقته .

وأما لو قيل بعدم الإِيجاب إلا بعد الشرط والوقت ، كما هو ظاهر الأدلة وفتاوى المشهور ، فلا محيص عن الالتزام بكون وجوب التعلم نفسيّاً ، لتكون العقوبة ـ لو قيل بها ـ على تركه لا على ما أدى إليه من المخالفة ، ولا بأس به كما لا يخفى ، ولا ينافيه ما يظهر من الأخبار من كون وجوب التعلم إنما هو لغيره لا لنفسه ، حيث أن وجوبه لغيره لا يوجب كونه واجباً غيرياً يترشح وجوبه من وجوب غيره فيكون مقدميّاً ، بل للتهيّؤ لإِيجابه ، فافهم .

وأما الأحكام ، فلا إشكال في وجوب الإِعادة في صورة المخالفة ، بل في صورة الموافقة أيضاً في العبادة ، فيما لا يتأتّى منه قصد القربة وذلك لعدم الإِتيان بالمأمور به مع عدم دليل على الصحة والإِجزاء ، إلّا في الإِتمام في موضع القصر أو الاجهار أو الاخفات في موضع الآخر ، فورد في الصحيح (١) ـ وقد أفتى به المشهور ـ صحة الصلاة وتماميتها في الموضعين مع الجهل مطلقاً ، ولو كان عن تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها ؛ لأن ما أتى بها وإن صحت وتمت إلا أنها ليست بمأمور بها .

إن قلت : كيف يحكم بصحتها مع عدم الأمر بها ؟ وكيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها ، حتى فيما إذا تمكن مما أمر بها ؟ كما هو ظاهر إطلاقاتهم ، بأن علم بوجوب القصر أو الجهر بعد الإِتمام والإِخفات وقد بقي من الوقت مقدار إعادتها قصراً أو جهراً ، ضرورة أنه لا تقصير ها هنا يوجب

____________________________

(١) التهذيب ٣ / ٢٢٦ ، الباب ٢٣ الصلاة في السفر ، الحديث / ٨٠ ، ووسائل الشيعة ٥ / ٥٣١ الباب : ١٧ من أبواب صلاة المسافر الحديث ٤ .

التهذيب ٢ / ١٦٢ الباب ٩ تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون ، الحديث٩٣ .

ووسائل الشيعة ٤ / ٧٦٦ الباب ٢٦ من أبواب القراءة في الصلاة ، الحديث ١ .

٣٧٧
 &

استحقاق العقوبة ، وبالجملة كيف يحكم بالصحة بدون الأمر ؟ وكيف يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإِعادة ؟ لولا الحكم شرعاً بسقوطها وصحة ما أتى بها .

قلت : إنما حكم بالصحة لأجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في نفسها مهمة في حد ذاتها ، وإن كانت دون مصلحة الجهر والقصر ، وإنما لم يؤمر بها لأجل أنه أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل والأتم .

وأما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الإِعادة فإنها بلا فائدة ، إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في المأمور بها ، ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلاً ـ مع تمكنه من التعلم ـ فقد قصر ، ولو علم بعده وقد وسع الوقت .

فانقدح أنه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام ، ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلاة الإِخفات ، وإن كان الوقت باقياً .

إن قلت : على هذا يكون كل منهما في موضع الآخر سبباً لتفويت الواجب فعلاً ، وما هو [ الـ ]سبب لتفويت الواجب كذلك حرام ، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام .

قلت : ليس سبباً لذلك ، غايته أنه يكون مضاداً له ، وقد حققنا في محله (١) أن الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلاً .

لا يقال : على هذا فلو صلى تماماً أو صلى إخفاتاً ـ في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبهما في موضعهما ـ لكانت صلاته صحيحة ، وإن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر .

فإنه يقال : لا بأس بالقول به لو دل دليل على أنها تكون مشتملة على المصلحة

____________________________

(١) مبحث الضد ، في الأمر الثاني ، عند دفع توهم المقدمية بين الضدين ص ١٣٠ .

٣٧٨
 &

ولو مع العلم ، لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل ، ولا بعد أصلاً في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شيء والجهل به ، كما لا يخفى . وقد صار بعض الفحول (١) بصدد بيان إمكان كون المأتي به في غير موضعه مأموراً به بنحو الترتب ، وقد حققناه في محبث الضد امتناع الأمر بالضدين مطلقاً ، ولو بنحو الترتب ، بما لا مزيد عليه فلا نعيد .

ثم إنه ذكر (٢) لأصل البراءة شرطان آخران :

أحدهما : أن لا يكون موجباً لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى .

ثانيهما : أن لا يكون موجباً للضرر على آخر .

ولا يخفى أن أصالة البراءة عقلاً ونقلاً في الشبهة البدوية بعد الفحص لا محالة تكون جارية ، وعدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية والإِباحة أو رفع التكليف الثابت بالبراءة النقلية ، لو كان موضوعاً لحكم شرعي أو ملازماً له ، فلا محيص عن ترتبه عليه بعد إحرازه ، فإن لم يكن مترتباً عليه بل على نفي التكليف واقعاً ، فهي وإن كانت جارية إلا أن ذاك الحكم لا يترتب ، لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها ، وهذا ليس بالاشتراط .

وأما اعتبار أن لا يكون موجباً للضرر ، فكل مقام تعمه قاعدة نفي الضرر وإن لم يكن مجال فيه لأصالة البراءة ، كما هو حالها مع سائر القواعد الثابتة بالأدلة الاجتهادية ، إلا أنه حقيقةً لا يبقى لها مورد ، بداهة أن الدليل الاجتهادي يكون بياناً وموجباً للعلم بالتكليف ولو ظاهراً ، فإن كان المراد من الاشتراط ذلك ، فلا بد من اشتراط أن لا يكون على خلافها دليل اجتهادي ، لا خصوص قاعدة الضرر ، فتدبر ، والحمد لله على كل حال .

____________________________

(١) وهو كاشف الغطاء ( قدس سره ) كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء / ٢٧ في البحث الثامن عشر .

(٢) ذكرهما الفاضل التوني ( قده ) في الوافية / ٧٩ ، في شروط التمسّك بأصالة البراءة .

٣٧٩
 &

ثم إنه لا بأس بصرف الكلام إلى بيان قاعدة الضرر والضرار على نحو الاقتصار ، وتوضيح مدركها وشرح مفادها ، وإيضاح نسبتها مع الأدلة المثبتة للأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأوّلية أو الثانوية ، وإن كانت أجنبية من مقاصد الرسالة ، إجابةً لالتماس بعض الأحبّة ، فأقول وبه أستعين :

إنه قد استدل عليها بأخبار كثيرة :

منها : موثقة زرارة (١) ، عن أبي جعفر عليه السلام : ( إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار ، وكان منزل الأنصاري بباب البستان ، وكان سمرة يمرّ إلى نخلته ولا يستأذن ، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى ، سمرة ، فجاء الأنصاري إلى النبي صلّى الله عليه وآله فشكى إليه ، فأخبر بالخبر ، فأرسل رسول الله وأخبره بقول الأنصاري وما شكاه ، فقال : إذا أردت الدخول فاستأذن ، فأبى ، فلما أبى فساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء الله ، فأبى أن يبيعه ، فقال : لك بها عذق في الجنة ، فأبى أن يقبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصاري : اذهب فاقلعها وارم بها إليه ، فإنه لا ضرر ولا ضرار ) .

وفي رواية الحذّاء (٢) عن أبي جعفر عليه السلام مثل ذلك ، إلا أنه فيها بعد الإِباء ( ما أراك يا سمرة إلا مضاراً ، اذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه ) إلى غير ذلك من الروايات الواردة في قصة سمرة وغيرها (٣) . وهي كثيرة وقد ادّعي (٤) تواترها ، مع اختلافها لفظاً ومورداً ، فليكن المراد به تواترها إجمالاً ، بمعنى

____________________________

(١) التهذيب ٧ : ١٤٦ ، الحديث ٣٦ من باب بيع الماء ، مع اختلاف لا يخل بالمقصود .

الكافي ٥ : ٢٩٢ ، الحديث ٢ من باب الضرار .

الفقيه ٣ : ١٤٧ الحديث ١٨ من باب المضاربة .

(٢) الفقيه ٣ : ٥٩ الحديث ٩ الباب ٤٤ حكم الحريم .

(٣) الفقيه ٣ : ٤٥ الحديث ٢ الباب ٣٦ الشفعة .

الكافي ٥ : ٢٨٠ الحديث ٤ باب الشفعة .

التهذيب ٧ : ١٦٤ ، ٧٢٧ .

(٤) ايضاح الفوائد : فخر المحققين ٢ : ٤٨ كتاب الدين ، فصل التنازع .

٣٨٠