كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

استشهد الإِمام ( عليه السلام ) بمثل (١) هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق .

ثم لا يذهب عليك أن المرفوع فيما اضطر إليه وغيره ، مما أخذ بعنوانه الثانوي ، إنما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولي ، ضرورة أن الظاهر أن هذه العناوين صارت موجبة للرفع ، والموضوع للأثر مستدعٍ لوضعه ، فكيف يكون موجباً لرفعه ؟ .

لا يقال كيف ؟ وإيجاب الاحتياط فيما لا يعلم وإيجاب التحفظ في الخطأ والنسيان ، يكون أثراً لهذه العناوين بعينها وباقتضاء نفسها .

فإنه يقال : بل إنما تكون باقتضاء الواقع في موردها ، ضرورة أن الاهتمام به يوجب إيجابهما ، لئلا يفوت على المكلف ، كما لا يخفى .

ومنها : حديث الحجب (٢) ، وقد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا في حديث الرفع ، إلا أنه ربما يشكل (٣) بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف ، بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه ، لعدم أمر رسله بتبليغه ، حيث إنه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه تعالى .

ومنها : قوله ( عليه السلام ) (٤) ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه ) الحديث ، حيث دل على حليّة ما لم يعلم حرمته مطلقاً ، ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته ، وبعدم الفصل قطعاً بين إباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية ، يتم المطلوب .

____________________________

(١) المحاسن ٢ / ٣٣٩ ، الحديث ١٢٤ .

(٢) التوحيد للصدوق ( ره ) ٤١٣ ، باب التعريف والبيان والحجة ، الحديث ٩ . والوسائل ١٨ / ١٢ ، باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٨ .

(٣) أورده الشيخ ( ره ) على الاستدلال بهذا الحديث ، فرائد الأصول / ١٩٩ .

(٤) قريب من هذا المضمون روايات ، الوسائل : ١٢ / ٥٩ ، باب ٤ من أبواب ما يكتسب به الحديثان ١ و ٤ والوسائل : ١٧ / ٩٠ ، باب ٦١ من الأطعمة المباحة ، الأحاديث ، ١ و ٢ و ٧ .

٣٤١
 &

مع إمكان أن يقال : ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته ، فهو حلال ، تأمل .

ومنها : قوله ( عليه السلام ) (١) ( الناس في سعة ما لا يعلمون ) فهم في سعة ما لم يعلم ، أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته ، ومن الواضح أنه لو كان الاحتياط واجباً لما كانوا في سعة أصلاً ، فيعارض به ما دل على وجوبه ، كما لا يخفى .

لا يقال : قد علم به وجوب الاحتياط .

فإنه يقال : لم يعلم الوجوب أو الحرمة بعد ، فكيف يقع في ضيق الاحتياط من أجله ؟ نعم لو كان الاحتياط واجباً نفسياً كان وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه ، لكنه عرفت أن وجوبه كان طريقياً ، لأجل أن لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحياناً ، فافهم .

ومنها : قوله ( عليه السلام ) (٢) ( كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ) ودلالته يتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه ، بالنهي عنه وإن صدر عن الشارع ووصل إلى غير واحد ، مع أنه ممنوع لوضوح صدقه على صدوره عنه سيما بعد بلوغه إلى غير واحد ، وقد خفي على من لم يعلم بصدوره .

لا يقال : نعم ، ولكن بضميمة أصالة العدم صح الاستدلال به وتم .

فإنه يقال : وإن تم الاستدلال به بضميمتها ، ويحكم بإباحة مجهول الحرمة وإطلاقه ، إلا أنه لا بعنوان أنه مجهول الحرمة شرعاً ، بل بعنوان أنه مما لم يرد عنه النهي واقعاً .

لا يقال : نعم ، ولكنه لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالإِباحة في مجهول الحرمة ، كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان .

____________________________

(١) الوسائل : ٢ / ١٠٧٣ ، باب ٥ من أبواب النجاسات ، الحديث ١١ بتفاوت يسير في العبارة .

(٢) الوسائل : ١٨ / ١٢٧ ، باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٠ .

٣٤٢
 &

فإنه يقال : حيث أنه بذاك العنوان لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلاً ، ولا يكاد يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان ، وإباحته (١) في آخر ، واشتبها من حيث التقدم والتأخر .

لا يقال : هذا لولا عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته .

فإنه يقال : وإن لم يكن بينها الفصل ، إلا أنه إنما يجدي فيما كان المثبت للحكم بالإِباحة في بعضها الدليل ، لا الأصل ، فافهم .

وأما الإِجماع : فقد نقل (٢) على البراءة ، إلا أنه موهون ، ولو قيل باعتبار الإِجماع المنقول في الجملة ، فإن تحصيله في مثل هذه المسألة مما للعقل إليه سبيل ، ومن واضح النقل عليه دليل ، بعيد جدّاً .

وأما العقل : فإنه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول ، بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه ، فإنهما بدونها عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان ، وهما قبيحان بشهادة الوجدان .

ولا يخفى أنه مع استقلاله بذلك ، لا احتمال لضرر العقوبة في مخالفته ، فلا يكون مجال ها هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ، كي يتوهم أنها تكون بياناً ، كما أنه مع احتماله لا حاجة إلى القاعدة ، بل في صورة المصادفة استحق العقوبة على المخالفة ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل .

وأما ضرر غير العقوبة ، فهو وإن كان محتملاً ، إلا أن المتيقن منه فضلاً عن محتمله ليس بواجب الدفع شرعاً ولا عقلاً ، ضرورة عدم القبح في تحمل بعض المضار ببعض الدواعي عقلاً وجوازه شرعاً ، مع أن احتمال الحرمة أو الوجوب لا

____________________________

(١) في « ب » : إباحة .

(٢) راجع الوجه الثاني من وجوه التقرير الثاني للإِجماع على حجية البراءة في كلام الشيخ ( قده ) فرائد الأصول / ٢٠٢ .

٣٤٣
 &

يلازم احتمال المضرة ، وإن كان ملازماً لاحتمال المفسدة أو ترك المصلحة ، لوضوح أن المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الأحكام ، وقد استقل العقل بحسن الأفعال التي تكون ذات المصالح وقبح ماكان ذات المفاسد ، ليست براجعة إلى المنافع والمضار ، وكثيراً ما يكون محتمل التكليف مأمون الضرر ، نعم ربما تكون المنفعة أو المضرة مناطاً للحكم شرعاً وعقلاً .

إن قلت : نعم ، ولكن العقل يستقل بقبح الإِقدام على ما لا تؤمن مفسدته ، وأنه كالإِقدام على ما علم مفسدته ، كما استدل به شيخ الطائفة (١) ( قدس سره ) ، على أن الأشياء على الحظر أو الوقف .

قلت : استقلاله بذلك ممنوع ، والسند شهادة الوجدان ومراجعة ديدن العقلاء من أهل الملل والأديان ، حيث إنهم لا يحترزون مما لا تؤمن مفسدته ، ولا يعاملون معه معاملة ما علم مفسدته ، كيف ؟ وقد أذن الشارع بالإِقدام عليه ، ولا يكاد يأذن بارتكاب القبيح ، فتأمل .

واحتج للقول بوجوب الاحتياط فيما لم تقم فيه حجة ، بالأدلة الثلاثة :

أما الكتاب : فبالآيات الناهية عن القول بغير العلم (٢) ، وعن الإِلقاء في التهلكة (٣) ، والآمرة بالتقوى (٤) .

والجواب : إن القول بالإِباحة شرعاً وبالأمن من العقوبة عقلاً ، ليس قولاً بغير علم ، لما دلّ على الإِباحة من النقل وعلى البراءة من حكم العقل ، ومعهما لا مهلكة في اقتحام الشبهة أصلاً ، ولا فيه مخالفة التقوى ، كما لا يخفى .

____________________________

(١) عدة الأصول ٢ / ١١٧ ولكن المتراءىٰ منه غير هذا .

(٢) الأعراف : ٣٣ ، الإِسراء : ٣٦ ، النّور : ١٥ .

(٣) البقرة : ١٩٥ .

(٤) البقرة : ١٠٢ ، التغابن : ١٦ .

٣٤٤
 &

وأما الأخبار : فبما (١) دل على وجوب التوقف عند الشبهة ، معللاً في بعضها بأن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة ، من الأخبار الكثيرة الدالّة عليه مطابقة أو التزاماً ، وبما (٢) دل على وجوب الاحتياط من الأخبار الواردة بألسنة مختلفة .

والجواب : إنه لا مهلكة في الشبهة البدوية ، مع دلالة النقل على [ الإِباحة ] (٣) وحكم العقل بالبراءة كما عرفت .

وما دل على وجوب الاحتياط لو سلم ، وإن كان وارداً على حكم العقل ، فإنه كفى بياناً على العقوبة على مخالفة التكليف المجهول .

ولا يصغى إلى ما قيل (٤) : من أن إيجاب الاحتياط إن كان مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول فهو قبيح ، وإن كان نفسياً فالعقاب على مخالفته لا على مخالفة الواقع ؛ وذلك لما عرفت من أن إيجابه يكون طريقيّاً ، وهو عقلاً مما يصح أن يحتج به على المؤاخذة في مخالفة الشبهة ، كما هو الحال في أوامر الطرق والأمارات والأصول العملية .

إلا أنها تعارض بما هو أخص أو أظهر ؛ ضرورة أن ما دل على حلّيّة المشتبه أخص ، بل هو في الدلالة على الحلّية نص ، وما دل على الاحتياط غايته أنه ظاهر في وجوب الاحتياط ، مع أن هناك قرائن دالة على أنه للإِرشاد ، فيختلف إيجاباً واستحباباً حسب اختلاف ما يرشد إليه .

____________________________

(١) الوسائل : ١٨ / ٧٥ الباب ٩ من أبواب صفات القاضي / الحديث ١ ـ الوسائل ١٤ / ١٩٣ ، الباب ١٥٧ من أبواب مقدمات النكاح الحديث ٢ .

الوسائل : ١٨ / ١١١ الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي / أحاديث : ٣ ، ٤ ، ١٠ ، ٣١ ، ٣٥ .

(٢) الوسائل : ١٨ / ١١١ الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي / أحاديث : ١ ، ٣٧ ، ٤١ ، ٥٤ .

(٣) أثبتناها من « ب » .

(٤) القائل هو الشيخ الأعظم ، فرائد الأصول / ٢٠٨ .

٣٤٥
 &

ويؤيده أنه لو لم يكن للإِرشاد لوجب تخصيصه لا محالة ببعض الشبهات إجماعاً ، مع أنه آبٍ عن التخصيص قطعاً ، كيف لا يكون قوله : ( قف عند الشبهة فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ) للإِرشاد ؟ مع أن المهلكة ظاهرة في العقوبة ، ولا عقوبة في الشبهة البدوية قبل إيجاب الوقوف والاحتياط ، فكيف يعلل إيجابه بأنه خير من الاقتحام في الهلكة ؟ .

لا يقال : نعم ، ولكنه يستكشف منه (١) على نحو الإِنّ إيجاب الاحتياط من قبل ، ليصح به العقوبة على المخالفة .

فإنه يقال : إن مجرد إيجابه واقعاً ما لم يعلم لا يصحح العقوبة ، ولا يخرجها عن أنها بلا بيان ولا برهان ، فلا محيص عن اختصاص مثله بما يتنجز فيه المشتبه لو كان كالشبهة قبل الفحص مطلقاً ، أو الشبهة المقرونة بالعلم الإِجمالي ، فتأمل جيّداً .

وأما العقل : فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته ، حيث علم إجمالاً بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته ، مما لم يكن هناك حجة على حكمه ، تفريغاً للذمة بعد اشتغالها ، ولا خلاف في لزوم الاحتياط في أطراف العلم الاجمالي إلا من بعض الأصحاب .

والجواب : إن العقل وإن استقل بذلك ، إلا أنه إذا لم ينحل العلم الإِجمالي إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي ، وقد انحل ها هنا ، فإنه كما علم بوجود تكاليف إجمالاً ، كذلك علم إجمالاً بثبوت طرق وأصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد ، وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية في الموارد (٢) المثبتة من الطرق والأصول العملية .

____________________________

(١) في « ب » : عنه .

(٢) في « ب » : موارد .

٣٤٦
 &

إن قلت : نعم ، لكنه إذا لم يكن العلم بها مسبوقاً بالعلم بالتكاليف (١) .

قلت : إنما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثاً ، وأما إذا لم يكن كذلك بل مما ينطبق عليه ما علم أولاً ، فلا محالة قد انحل العلم الإِجمالي إلى التفصيلي والشك البدوي .

إن قلت : إنما يوجب العلم بقيام الطرق المثبتة له بمقدار المعلوم بالإِجمال ذلك إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجباً لثبوته فعلاً ، وأما بناءً على أن قضية حجيته واعتباره شرعاً ليس إلا ترتيب ما للطريق المعتبر عقلاً ، وهو تنجز ما أصابه والعذر عما أخطأ عنه ، فلا انحلال لما علم بالإِجمال أولاً ، كما لا يخفى .

قلت : قضية الاعتبار شرعاً ـ على اختلاف ألسنة أدلته ـ وإن كان ذلك على ما قوينا في البحث ، إلا أن نهوض الحجة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإِجمال في بعض الأطراف ، يكون عقلاً بحكم الانحلال ، وصَرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف ، والعذر عما إذا كان في سائر الأطراف ، مثلاً إذا علم إجمالاً بحرمة إناء زيد بين الإِناءين ، وقامت البينة على أن هذا إناؤه ، فلا ينبغي الشك في أنه كما إذا علم أنه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر ، ولولا ذلك لما كان يجدي القول بأن قضية اعتبار الأمارات هو كون المؤديات أحكاماً شرعية فعلية ، ضرورة أنها تكون كذلك بسبب حادث ، وهو كونها مؤديات الأمارات الشرعية .

هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية في موارد الطرق المثبتة بمقدار المعلوم بالإِجمال ، وإلا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار أطرافه بموارد تلك الطرق بلا إشكال . كما لا يخفى .

وربما استدل بما قيل (٢) : من استقلال العقل بالحظر في الأفعال الغير الضرورية قبل الشرع ، ولا أقل من الوقف وعدم استقلاله ، لا به ولا بالإِباحة ،

____________________________

(١) في « أ » : بالواجبات .

(٢) قرر الشيخ ( قده ) هذا الوجه العقلي بقوله : « الوجه الثاني » ، فرائد الأصول / ٢١٤ .

٣٤٧
 &

ولم يثبت شرعاً إباحة ما اشتبه حرمته ، فإن ما دل على الإِباحة معارض بما دل على وجوب التوقف أو الاحتياط .

وفيه أولاً : إنه لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف والإِشكال ، وإلا لصح الاستدلال على البراءة بما قيل من كون تلك الأفعال على الإِباحة .

وثانياً : إنه ثبت الإِباحة شرعاً ، لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط ، للمعارضة لما دل عليها .

وثالثاً : أنه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة ، للقول بالاحتياط في هذه المسألة ، لاحتمال أن يقال معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وما قيل (١) ـ من أن الإِقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه كالإِقدام على ما يعلم فيه المفسدة ـ ممنوع ، ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل ، فإن المفسدة المحتملة في المشتبه ليس بضرر غالباً ، ضرورة أن المصالح والمفاسد التي هي مناطات الأحكام ليست براجعة إلى المنافع والمضار ، بل ربما يكون المصلحة فيما فيه الضرر ، والمفسدة فيما فيه المنفعة ، واحتمال أن يكون في المشتبه ضرر ضعيف غالباً لا يعتنى به قطعاً ، مع أن الضرر ليس دائماً مما يجب التحرز عنه عقلاً ، بل يجب ارتكابه أحياناً فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره ، مع القطع به فضلاً عن احتماله .

بقي أمور مهمة لا بأس بالإِشارة إليها :

الأول : إنه إنما تجري أصالة البراءة شرعاً وعقلاً فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقاً ولو كان موافقاً لها ، فإنه معه لا مجال لها أصلاً ، لوروده عليها كما يأتي تحقيقه (٢) فلا تجري ـ مثلاً ـ أصالة الإِباحة في حيوان شك في حلّيته مع الشك في

____________________________

(١) القائل هو شيخ الطائفة ، عدة الأصول / ١١٧ .

(٢) يأتي تحقيق الورود في خاتمة الاستصحاب ـ حقائق ـ ٢ / ٢٥٦ .

٣٤٨
 &

قبوله التذكية ، فإنه إذا ذبح مع سائر الشرائط المعتبرة في التذكية ، فأصالة عدم التذكية تدرجه (١) فيما لم يذك وهو حرام إجماعاً ، كما إذا مات حتف أنفه ، فلا حاجة إلى إثبات أن الميتة تعم غير المذكى شرعاً ؛ ضرورة كفاية كونه مثله حكماً ، وذلك بأن التذكية إنما هي عبارة عن فري الأوداج [ الأربعة ] (٢) مع سائر شرائطها ، عن خصوصية في الحيوان التي بها يؤثر فيه الطهارة وحدها أو مع الحلّية ، ومع الشك في تلك الخصوصية فالأصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري بسائر شرائطها ، كما لا يخفى .

نعم لو علم بقبوله التذكية وشك في الحلّية ، فأصالة الإِباحة فيه محكمة ، فإنه حينئذ إنما يشك في أن هذا الحيوان المذكّى حلال أو حرام ، ولا أصل فيه إلا أصالة الإِباحة ، كسائر ما شك في أنه من الحلال أو الحرام .

هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية ، كما إذا شك ـ مثلاً ـ في أن الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها ، أم لا ؟ فأصالة قبوله لها معه محكمة ، ومعها لا مجال لأصالة عدم تحققها ، فهو قبل الجلل كان يطهر ويحل بالفري بسائر شرائطها ، فالأصل أنه كذلك بعده .

ومما ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حليته وحرمته بالشبهة الموضوعية من الحيوان ، وأن أصالة عدم التذكية محكمة فيما شك فيها لأجل الشك في تحقق ما اعتبر في التذكية شرعاً ، كما أن أصالة قبول التذكية محكمة إذا شك في طروء ما يمنع عنه ، فيحكم بها فيما أحرز الفري بسائر شرائطها عداه ، كما لا يخفى ، فتأمل جيّداً .

الثاني : إنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعاً وعقلاً في الشبهة الوجوبية أو (٣) التحريمية في العبادات وغيرها ، كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما

____________________________

(١) في « أ » : تدرجها .

(٢) أثبتناها من « ب » .

(٣) في « أ » : و .

٣٤٩
 &

إذا احتاط وأتى أو ترك بداعي احتمال الأمر أو النهي .

وربما يشكل (١) في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب ، من جهة أن العبادة لا بد فيها من نية القربة المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلاً أو إجمالاً .

وحسن الاحتياط عقلاً لا يكاد يجدي في رفع الإِشكال ، ولو قيل بكونه موجباً لتعلق الأمر به شرعاً ، بداهة توقفه على ثبوته توقف العارض على معروضه ، فكيف يعقل أن يكون من مبادىء ثبوته ؟ .

وانقدح بذلك أنه لا يكاد يجدي في رفعه أيضاً القول بتعلق الأمر به من جهة ترتب الثواب عليه ، ضرورة أنه فرع إمكانه ، فكيف يكون من مبادىء جريانه ؟ .

هذا مع أن حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلق الأمر به بنحو اللّم ، ولا ترتب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الإِنّ ، بل يكون حاله في ذلك حال الإِطاعة ، فإنه نحو من الانقياد والطاعة .

وما قيل (٢) في دفعه : من كون المراد بالاحتياط في العبادات هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نية القربة .

فيه : مضافاً إلى عدم مساعدة دليل حينئذ على حسنه بهذا المعنى فيها ، بداهة أنه ليس باحتياط حقيقة ، بل هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوباً مولوياً نفسياً عبادياً ، والعقل لا يستقل إلا بحسن الاحتياط ، والنقل لا يكاد يرشد إلا إليه .

نعم ، لو كان هناك دليل على الترغيب في الاحتياط في خصوص العبادة ، لما

____________________________

(١) ذكر الشيخ هذا الإِشكال في التنبيه الثاني من مسألة دوران الحكم بين الوجوب وغير الحرمة من جهة عدم النص ، فرائد الأصول / ٢٢٨ .

(٢) ذكره الشيخ في التنبيه الثاني من مسألة دوران الحكم بين الوجوب وغير الحرمة ، فرائد الأصول / ٢٢٩ .

٣٥٠
 &

كان محيص عن دلالته اقتضاءً على أن المراد به ذاك المعنى ، بناء على عدم إمكانه فيها بمعناه حقيقة ، كما لا يخفى أنه التزام بالإِشكال وعدم جريانه فيها ، وهو كما ترى .

قلت : لا يخفى أن منشأ الإِشكال هو تخيل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها ، مما يتعلق بها الأمر المتعلق بها ، فيشكل جريانه حينئذ ، لعدم التمكن من قصد القربة المعتبر فيها (١) ، وقد عرفت أنه فاسد (٢) ، وإنما اعتبر قصد القربة فيها عقلاً لأجل أن الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه .

وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإِمكان ، ضرورة التمكن من الإِتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله ، غاية الأمر أنه لا بد أن يؤتى به على نحو لو كان مأموراً به لكان مقرّباً ، بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر أو احتمال كونه محبوباً له تعالى ، فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالاً لأمره تعالى ، وعلى تقدير عدمه انقياداً لجنابه تبارك وتعالى ، ويستحق الثواب على كل حال إما على الطاعة أو الانقياد .

وقد انقدح بذلك أنه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلق أمر بها (٣) ،

____________________________

(١) هكذا صححه في « ب » ، وفي « أ » : لعدم التمكن من إتيان جميع ما اعتبر فيها ... إلخ .

(٢) هذا مع أنه لو أغمض عن فساده ، لما كان في الاحتياط في العبادات إشكال غير الإِشكال فيها ، فكما يلتزم في دفعه بتعدد الأمر فيها ، ليتعلق أحدهما بنفس الفعل والآخر بإتيانه بداعي أمره ، كذلك فيما احتمل وجوبه منها ، كان على هذا احتمال أمرين كذلك ، أي أحدهما كان متعلقاً بنفسه والآخر بإتيانه بداعي ذاك الأمر ، فيتمكن من الاحتياط فيها بإتيان ما احتمل وجوبه بداعي رجاء أمره واحتماله ، فيقع عبادة وإطاعة لو كان واجباً ، وانقياداً لو لم يكن كذلك .

نعم كان بين الاحتياط ها هنا وفي التوصليات فرق ، وهو أن المأتي به فيها قطعاً كان موافقاً لما احتمل وجوبه مطلقاً ، بخلافه ها هنا ، فإنه لا يوافق إلا على تقدير وجوبه واقعاً ؛ لما عرفت من عدم كونه عبادة إلا على هذا التقدير ، ولكنه ليس بفارق لكونه عبادة على تقدير الحاجة إليه ، وكونه واجباً .

ودعوى عدم كفاية الإِتيان برجاء الأمر في صيرورته عبادة أصلاً ـ ولو على هذا التقدير ـ مجازفة ، ضرورة استقلال العقل بكونه امتثالاً لأمره على نحو العبادة لو كان ، وهو الحاكم في باب الإِطاعة والعصيان ، فتأمل جيداً ( منه قدس سره ) .

(٣) خلافاً لما يظهر من الشيخ في بداية كلامه ، فرائد الأصول / ٢٢٨ .

٣٥١
 &

بل لو فرض تعلقه بها لما كان من الاحتياط بشيء ، بل كسائر ما علم وجوبه أو استحبابه منها ، كما لا يخفى .

فظهر أنه لو قيل (١) بدلالة أخبار (٢) ( من بلغه ثواب ) على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب ولو بخبر ضعيف ، لما كان يجدي في جريانه في خصوص ما دل على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف ، بل كان عليه مستحباً كسائر ما دل الدليل على استحبابه .

لا يقال : هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الذي بلغ عليه الثواب بعنوانه ، وأما لو دل على استحبابه لا بهذا العنوان ، بل بعنوان أنه محتمل الثواب ، لكانت دالّة على استحباب الإِتيان به بعنوان الاحتياط ، كأوامر الاحتياط ، لو قيل بأنها للطلب المولوي لا الإِرشادي .

فإنه يقال : إن الأمر بعنوان الاحتياط ولو كان مولوياً لكان توصلياً ، مع أنه لو كان عبادياً لما كان مصححاً للاحتياط ، ومجدياً في جريانه في العبادات كما أشرنا إليه آنفاً .

ثم إنه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب ، فإن صحيحة (٣) هشام بن سالم المحكية عن المحاسن ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ( من بلغه عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ شيء من الثواب فعمله ، كان أجر ذلك له ، وإن كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لم يقله ) ظاهرة في أن الأجر كان مترتباً على نفس العمل الذي بلغه عنه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أنه ذو ثواب ، وكون العمل متفرعاً على البلوغ ، وكونه الداعي إلى

____________________________

(١) هذا ردّ للشيخ في التنبيه الثاني من مسألة دوران الحكم بين الوجوب وغيره ، فرائد الأصول / ٢٢٩ .

(٢) الوسائل : ١ / ٥٩ ب ١٨ من أبواب مقدمة العبادات ، أحاديث الباب .

(٣) المحاسن / ٢٥ ، وكتاب ثواب الأعمال الباب ١ ، الحديث ٢ .

٣٥٢
 &

العمل غير موجب (١) لأن يكون الثواب إنما يكون مترتباً عليه ، فيما إذا أتى برجاء أنه مأمور به وبعنوان الاحتياط ، بداهة أن الداعي إلى العمل لا يوجب له وجهاً وعنواناً يؤتى به بذاك الوجه والعنوان .

وإتيان (٢) العمل بداعي طلب قول النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) كما قيد به في بعض الأخبار (٣) ، وإن كان انقياداً ، إلا أن الثواب في الصحيحة إنما رتب على نفس العمل ، ولا موجب لتقييدها به ، لعدم المنافاة بينهما ، بل لو أتى به كذلك أو إلتماساً للثواب الموعود ، كما قيد به في بعضها الآخر (٤) ، لأوتي الأجر والثواب على نفس العمل ، لا بما هو احتياط وانقياد ، فيكشف عن كونه بنفسه مطلوباً وإطاعة ، فيكون وزانه وزان ( من سرح لحيته ) (٥) أو ( من صلى أو صام فله كذا ) ولعله لذلك أفتى المشهور بالاستحباب ، فافهم وتأمل .

الثالث : إنه لا يخفى أن النهي عن شيء ، إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان ، بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ولو دفعة لما امتثل أصلاً ، كان اللازم على المكلف إحراز أنه تركه بالمرة ولو بالأصل ، فلا يجوز الإِتيان بشيء يشك معه في تركه ، إلا إذا كان مسبوقاً به ليستصحب مع الإِتيان به .

نعم ، لو كان بمعنى طلب تركه كل فرد منه على حدة ، لما وجب إلا ترك ما علم أنه فرد ، وحيث لم يعلم تعلق النهي إلا بما علم أنه مصداقه ، فأصالة البراءة في المصاديق المشتبهة محكمة .

فانقدح بذلك أن مجرد العلم بتحريم شيء لا يوجب لزوم الاجتناب عن أفراده المشتبهة ، فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حدة ، أو كان

____________________________

(١ و ٢) تعريض بالشيخ في أخبار من بلغ ، فرائد الأصول / ٢٣٠ .

(٣) الوسائل : ١ / ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدمة العبادات ، الحديث ٤ .

(٤) المصدر السابق ، الحديث ٧ .

(٥) الوسائل : ١ / ٤٢٩ ، الباب ٧٦ من أبواب آداب الحمام .

٣٥٣
 &

الشيء مسبوقاً بالترك ، وإلا لوجب الاجتناب عنها عقلاً لتحصيل الفراغ قطعاً ، فكما يجب فيما علم وجوب شيء إحراز إتيانه إطاعة لأمره ، فكذلك يجب فيما علم حرمته إحراز تركه وعدم إتيانه امتثالاً لنهيه .

غاية الأمر كما يحرز وجود الواجب بالأصل ، كذلك يحرز ترك الحرام به ، والفرد المشتبه وإن كان مقتضى أصالة البراءة جواز الاقتحام فيه ، إلا أن قضية لزوم إحراز الترك اللازم وجوب التحرز عنه ، ولا يكاد يحرز إلا بترك المشتبه أيضاً ، فتفطن .

الرابع : إنه قد عرفت حسن الاحتياط عقلاً ونقلاً ، ولا يخفى أنه مطلقاً كذلك ، حتى فيما كان هناك حجة على عدم الوجوب أو الحرمة ، أو أمارة معتبرة على أنه ليس فرداً للواجب أو الحرام ، ما لم يخل بالنظام فعلاً ، فالاحتياط قبل ذلك مطلقاً يقع حسناً ، كان في الأمور المهمة كالدماء والفروج أو غيرها ، وكان احتمال التكليف قوياً أو ضعيفاً ، كانت الحجة على خلافه أو لا ، كما أن الاحتياط الموجب لذلك لا يكون حسناً كذلك ، وإن كان الراجح لمن التفت إلى ذلك من أول الأمر ترجيح بعض الاحتياطات احتمالاً أو محتملاً ، فافهم .

٣٥٤
 &



فصل

إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته ، لعدم نهوض حجة على أحدهما تفصيلاً بعد نهوضها عليه إجمالاً ، ففيه وجوه :

الحكم بالبراءة عقلاً ونقلاً لعموم النقل ، وحكم العقل بقبح المؤاخذة على خصوص الوجوب أو الحرمة للجهل به ، ووجوب الأخذ بأحدهما تعييناً أو تخييراً ، والتخيير بين الترك والفعل عقلاً ، مع التوقف عن الحكم به رأساً ، أو مع الحكم عليه بالإِباحة شرعاً ، أوجهها الأخير ؛ لعدم الترجيح بين الفعل والترك ، وشمول مثل ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) له ، ولا مانع عنه عقلاً ولا نقلاً .

وقد عرفت أنه لا يجب موافقة الأحكام التزاماً ، ولو وجب لكان الالتزام إجمالاً بما هو الواقع معه ممكناً ، والالتزام التفصيلي بأحدهما لو لم يكن تشريعاً محرماً لما نهض على وجوبه دليل قطعاً ، وقياسه بتعارض الخبرين ـ الدالّ أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب ـ باطل ، فإن التخيير بينهما على تقدير كون الأخبار حجة من باب السببية يكون على القاعدة ، ومن جهة التخيير بين الواجبين المتزاحمين ، وعلى تقدير أنها من باب الطريقية ، فإنه وإن كان على خلاف القاعدة ، إلا أن أحدهما ـ تعييناً أو تخييراً ـ حيث كان واجداً لما هو المناط للطريقية من احتمال الإِصابة مع

٣٥٥
 &

اجتماع سائر الشرائط ، صار (١) حجة في هذه الصورة بأدلة الترجيح تعييناً ، أو التخيير تخييراً ، وأين ذلك مما إذا لم يكن المطلوب إلا الأخذ بخصوص ما صدر واقعاً ؟ وهو حاصل ، والأخذ بخصوص أحدهما ربما لا يكون إليه بموصل .

نعم ، لو كان التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة ، وإحداثهما الترديد بينهما ، لكان القياس في محلّه ، لدلالة الدليل على التخيير بينهما على التخيير ها هنا ، فتأمل جيّداً .

ولا مجال ـ ها هنا ـ لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فإنه لا قصور فيه ـ ها هنا ـ وإنما يكون عدم تنجز التكليف لعدم التمكن من الموافقة القطعية كمخالفتها ، والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة ، كما لا يخفى .

ثم إن مورد هذه الوجوه ، وإن كان ما [ إذا ] (٢) لم يكن واحدٌ من الوجوب والحرمة على التعيين تعبدياً ، إذ لو كانا تعبديين أو كان أحدهما المعين كذلك ، لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما والرجوع إلى الإِباحة ، لأنها مخالفة عملية قطعية على ما أفاد شيخنا الأستاذ (٣) ( قدس سره ) ، إلا أن الحكم أيضاً فيهما إذا كانا كذلك هو التخيير عقلاً بين إتيانه على وجه قربي ، بأن يؤتى به بداعي احتمال طلبه ، وتركه كذلك ، لعدم الترجيح وقبحه بلا مرجح .

فانقدح أنه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصليين بالنسبة إلى ما هو المهم في المقام ، وإن اختص بعض الوجوه بهما ، كما لا يخفى .

ولا يذهب عليك أن استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين ، ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعيينه (٤) كما هو الحال

____________________________

(١) كذا صححه في « ب » ، وفي « أ » : جعل .

(٢) أثبتناها من « ب » .

(٣) راجع فرائد الأصول / ٢٣٦ .

(٤) في « ب » : بتبعيَّته .

٣٥٦
 &

في دوران الأمر بين التخيير والتعيين في غير المقام ، ولكن الترجيح إنما يكون لشدة الطلب في أحدهما ، وزيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز الإِخلال بها في صورة المزاحمة ، ووجب الترجيح بها ، وكذا وجب ترجيح احتمال ذي المزية في صورة الدوران .

ولا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقاً ، لأجل أن دفع المفسدة أولى من ترك المصلحة ، ضرورة أنه رب واجب يكون مقدماً على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام ، فكيف يقدم على احتماله احتماله في صورة الدوران بين مثليهما ؟ فافهم .

٣٥٧
 &



فصل

لو شك في المكلف به مع العلم بالتكليف من الإِيجاب أو التحريم ، فتارة لتردده بين المتباينين ، وأخرى بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، فيقع الكلام في مقامين :

المقام الأوّل : في دوران الأمر بين المتباينين .

لا يخفى أن التكليف المعلوم بينهما مطلقاً ـ ولو كانا فعل أمر وترك آخر ـ إن كان فعليّاً من جميع الجهات ، بأن يكون واجداً لما هو العلة التامة للبعث أو الزجر الفعلي ، مع ما هو [ عليه ] (١) من الإِجمال والتردد والاحتمال ، فلا محيص عن تنجزه وصحة العقوبة على مخالفته ، وحينئذ لا محالة يكون ما دلّ بعمومه على الرفع أو الوضع أو السعة أو الإِباحة مما يعم أطراف العلم مخصصاً عقلاً ، لأجل مناقضتها معه .

وإن لم يكن فعلياً كذلك ، ولو كان بحيث لو علم تفصيلاً لوجب امتثاله وصح العقاب على مخالفته ، لم يكن هناك مانع عقلاً ولا شرعاً عن شمول أدلة البراءة الشرعية للأطراف .

ومن هنا انقدح أنه لا فرق بين العلم التفصيلي والإِجمالي ، إلا أنه لا مجال

____________________________

(١) زيادة يقتضيها السياق .

٣٥٨
 &

للحكم الظاهري مع التفصيلي ، فإذا كان الحكم الواقعي فعلياً من سائر الجهات ، لا محالة يصير فعلياً معه من جميع الجهات ، وله مجال مع الإِجمالي ، فيمكن أن لا يصير فعليّاً معه ، لإِمكان جعل الظاهري في أطرافه ، وإن كان فعليّاً من غير هذه الجهة ، فافهم .

ثم إن الظاهر أنه لو فرض أن المعلوم بالإِجمال كان فعلياً من جميع الجهات لوجب عقلاً موافقته مطلقاً ولو كانت أطرافه غير محصورة ، وإنما التفاوت بين المحصورة وغيرها هو أن عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع عن فعلية المعلوم ، مع كونه فعليّاً لولاه من سائر الجهات .

وبالجملة لا يكاد يرى العقل تفاوتاً بين المحصورة وغيرها ، في التنجز وعدمه ، فيما كان المعلوم إجمالاً فعليّاً ، يبعث المولى نحوه فعلاً أو يزجر عنه كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه .

والحاصل أن اختلاف الأطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتاً في ناحية العلم ، ولو أوجب تفاوتاً فإنما هو في ناحية المعلوم في فعلية البعث أو الزجر مع الحصر ، وعدمها مع عدمه ، فلا يكاد يختلف العلم الإِجمالي باختلاف الأطراف قلة وكثرة في التنجيز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعلية وعدمها بذلك ، وقد عرفت آنفاً أنه لا تفاوت بين التفصيلي والإِجمالي في ذلك ، ما لم يكن تفاوت في طرف المعلوم أيضاً ، فتأمل تعرف .

وقد انقدح أنه لا وجه لاحتمال عدم وجوب الموافقة القطعية مع حرمة مخالفتها ، ضرروة أن التكليف المعلوم إجمالاً لو كان فعلياً لوجب موافقته قطعاً ، وإلا لم يحرم مخالفته كذلك أيضاً .

ومنه ظهر أنه لو لم يعلم فعلية التكليف مع العلم به إجمالاً ، إما من جهة عدم الابتلاء ببعض أطرافه ، أو من جهة الاضطرار إلى بعضها معيناً أو مردداً ، أو من جهة تعلقه بموضوع يقطع بتحققه إجمالاً في هذا الشهر ، كأيام حيض المستحاضة

٣٥٩
 &

مثلاً ، لما وجب موافقته بل جاز مخالفته ، وأنه لو علم فعليته ولو كان بين أطراف تدريجية ، لكان منجزاً ووجب موافقته . فإن التدرج لا يمنع عن الفعلية ، ضرورة أنه كما يصح التكليف بأمر حالي كذلك يصح بأمر استقبالي ، كالحج في الموسم للمستطيع ، فافهم .

تنبيهات

الأول : إن الاضطرار كما يكون مانعاً عن العلم بفعلية التكليف لو كان إلى واحد معين ، كذلك يكون مانعاً لو كان إلى غير معين ، ضرورة أنه مطلقاً موجب لجواز ارتكاب أحد الأطراف أو تركه ، تعييناً أو تخييراً ، وهو ينافي العلم بحرمة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلاً ، وكذلك لا فرق بين أن يكون الاضطرار كذلك سابقاً على حدوث العلم أو لاحقاً ؛ وذلك لأن (١) التكليف المعلوم بينها من أول الأمر كان محدوداً بعدم عروض الاضطرار إلى متعلقة ، فلو عرض على بعض أطرافه لما كان التكليف به معلوماً ، لاحتمال أن يكون هو المضطر إليه فيما كان الاضطرار إلى المعين ، أو يكون هو المختار فيما كان إلى بعض الأطراف بلا تعيين .

لا يقال : الاضطرار إلى بعض الأطراف ليس إلا كفقد بعضها ، فكما لا إشكال في لزوم رعاية الاحتياط في الباقي مع الفقدان ، كذلك لا ينبغي الإِشكال في لزوم رعايته مع الاضطرار ، فيجب الاجتناب عن الباقي أو ارتكابه خروجاً عن

____________________________

(١) لا يخفى أن ذلك إنما يتم فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ، وأما لو كان إلى أحدهما المعين ، فلا يكون بمانع عن تأثير العلم للتنجز ، لعدم منعه عن العلم بفعلية التكليف المعلوم إجمالاً ، المردد بين أن يكون التكليف المحدود في ذلك الطرف أو المطلق في الطرف الآخر ؛ ضرورة عدم ما يوجب عدم فعلية مثل هذا المعلوم أصلاً ، وعروض الاضطرار إنما يمنع عن فعلية التكليف لو كان في طرف معروضه بعد عروضه ، لا عن فعلية المعلوم بالإِجمال المردد بين التكليف المحدود في طرف المعروض ، والمطلق في الآخر بعد العروض ، وهذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ، فإنه يمنع عن فعلية التكليف في البين مطلقاً ، فافهم وتأمل ( منه قدس سره ) .

٣٦٠