كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

القطع بعدم حجيته لدى الشارع ، وعدم كون المكلف معذوراً ـ إذا عمل به فيهما ـ فيما أخطأ ، بل كان مستحقاً للعقاب ـ ولو فيما أصاب ـ لو بنى على حجيته والاقتصار عليه لتجريه ، فافهم .

وثالثاً : سلمنا أن الظن بالواقع لا يستلزم الظن به ، لكن قضيته ليس إلا التنزل إلى الظن بأنه مؤدى طريق معتبر ، لا خصوص الظن بالطريق ، وقد عرفت أن الظن بالواقع لا يكاد ينفك عن الظن بأنه مؤدى الطريق غالباً .

فصل

لا يخفى عدم مساعدة مقدمات الانسداد على الدلالة على كون الظن طريقاً منصوباً شرعاً ؛ ضرورة أنه معها لا يجب عقلاً على الشارع أن ينصب طريقاً ، لجواز اجتزائه بما استقل به العقل في هذا الحال ، ولا مجال لاستكشاف نصب الشارع من حكم العقل ، لقاعدة الملازمة ، ضرورة أنها إنما تكون في مورد قابل للحكم الشرعي ، والمورد ها هنا غير قابل له ، فإن الإِطاعة الظنية التي يستقل العقل بكفايتها في حال الانسداد إنما هي بمعنى عدم جواز مؤاخذة الشارع بأزيد منها ، وعدم جواز اقتصار المكلف بدونها ، ومؤاخذة الشارع غير قابلة لحكمه ، وهو واضح .

واقتصار المكلف بما دونها ، لما كان بنفسه موجباً للعقاب مطلقاً ، أو فيما أصاب الظن ، كما أنها بنفسها موجبة للثواب أخطأ أو أصاب من دون حاجة إلى أمرٍ بها أو نهي عن مخالفتها ، كان حكم الشارع فيه مولوياً بلا ملاك يوجبه ، كما لا يخفى ، ولا بأس به إرشادياً ، كما هو شأنه في حكمه بوجوب الإِطاعة وحرمة المعصية .

وصحة نصبه الطريق وجعله في كل حال بملاك يوجب نصبه وحكمة داعية إليه ، لا تنافي استقلال العقل بلزوم الإِطاعة بنحو حال الانسداد ، كما يحكم بلزومها بنحو آخر حال الانفتاح ، من دون استكشاف حكم الشارع بلزومها

٣٢١
 &

مولوياً ، لما عرفت .

فانقدح بذلك عدم صحة تقرير المقدمات إلا على نحو الحكومة دون الكشف ، وعليها فلا إهمال في النتيجة أصلاً ، سبباً ومورداً ومرتبة ، لعدم تطرق الإِهمال والإِجمال في حكم العقل ، كما لا يخفى .

أما بحسب الأسباب فلا تفاوت بنظره فيها .

وأما بحسب الموارد ، فيمكن أن يقال بعدم استقلاله بكفاية الإِطاعة الظنية ، إلا فيما ليس للشارع مزيد اهتمام فيه بفعل الواجب وترك الحرام ، واستقلاله بوجوب الاحتياط فيما فيه مزيد الاهتمام ، كما في الفروج والدماء بل وسائر حقوق الناس مما لا يلزم من الاحتياط فيها العسر .

وأما بحسب المرتبة ، فكذلك لا يستقل إلا بلزوم التنزل إلى مرتبة الإِطمئنان من الظن بعدم التكليف (١) ، إلا على تقدير عدم كفايتها في دفع محذور العسر .

وأما على تقرير الكشف ، فلو قيل بكون النتيجة هو نصب الطريق الواصل بنفسه ، فلا إهمال فيها أيضاً بحسب الأسباب ، بل يستكشف حينئذ أن الكل حجة لو لم يكن بينها ما هو المتيقن ، وإلا فلا مجال لاستكشاف حجية (٢) غيره ، ولا بحسب الموارد ، بل يحكم بحجيته في جميعها ، وإلا لزم عدم وصول الحجة ، ولو لأجل التردد في مواردها ، كما لا يخفى .

ودعوى الاجماع (٣) على التعميم بحسبها في مثل هذه المسألة المستحدثة مجازفة جدّاً .

____________________________

(١) كذا صححه في « ب » ، وفي « أ » : فكذلك لا يستقل إلا بكفاية مرتبة الاطمئنان من الظن إلا على ... إلخ .

(٢) في « ب » : حجة .

(٣) ادعاه الشيخ ( قده ) فرائد الأصول / ١٣٩ .

٣٢٢
 &

وأما بحسب المرتبة ، ففيها إهمال ، لأجل احتمال حجية خصوص الاطمئناني منه إذا كان وافياً ، فلا بد من الاقتصار عليه . ولو قيل بأن النتيجة هو نصب الطريق الواصل ولو بطريقه ، فلا إهمال فيها بحسب الأسباب ، لو لم يكن فيها تفاوت أصلاً ، أو لم يكن بينها إلا واحد ، و إلا فلا بد من الاقتصار على متيقن الاعتبار منها أو مظنونه ، بإجراء مقدمات دليل الانسداد حينئذ مرة أو مرات في تعيين الطريق المنصوب ، حتى ينتهي إلى ظن واحد أو إلى ظنون متعددة لا تفاوت بينها ، فيحكم بحجية كلها ، أو متفاوتة يكون بعضها الوافي متيقن الاعتبار ، فيقتصر عليه .

وأما بحسب الموارد والمرتبة ، فكما إذا كانت النتيجة هي الطريق الواصل بنفسه ، فتدبر جيداً .

ولو قيل : بأن النتيجة هو الطريق ولو لم يصل أصلاً ، فالإِهمال فيها يكون من الجهات ، ولا محيص حينئذ إلا من الاحتياط في الطريق بمراعاة أطراف الاحتمال لو لم يكن بينها متيقن الاعتبار ، لو لم يلزم منه محذور ، وإلا لزم التنزل إلى حكومة العقل بالاستقلال ، فتأمل فإن المقام من مزال الأقدام .

وهم ودفع : لعلك تقول : إن القدر المتيقن الوافي لو كان في البين لما كان مجال لدليل الانسداد ، ضرورة أنه من مقدماته انسداد باب العلمي أيضاً .

لكنك غفلت عن أن المراد ما إذا كان اليقين بالاعتبار من قبله ، لأجل اليقين بأنه لو كان شيء حجة شرعاً كان هذا الشيء حجة قطعاً ، بداهة أن الدليل على أحد المتلازمين إنما هو الدليل على الآخر ، لا الدليل على الملازمة .

ثم لا يخفى أن الظن باعتبار ظن (١) بالخصوص ، يوجب اليقين باعتباره من باب دليل الانسداد على تقرير الكشف بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل

____________________________

(١) في « ب » : الظن .

٣٢٣
 &

بنفسه ، فإنه حينئذ يقطع بكونه حجة ، كان غيره حجة أو لا ، واحتمال عدم حجيته بالخصوص لا ينافي القطع بحجيته بملاحظة الانسداد ، ضرورة أنه على الفرض لا يحتمل أن يكون غيره حجة بلا نصب قرينة ، ولكنه من المحتمل أن يكون هو الحجة دون غيره ، لما فيه من خصوصية الظن بالاعتبار ، وبالجملة الأمر يدور بين حجية الكل وحجيته ، فيكون مقطوع الاعتبار .

ومن هنا ظهر حال القوة ، ولعل نظر من رجح بها إلى هذا الفرض ، وكان منع شيخنا العلامة (١) ـ أعلى الله مقامه ـ عن الترجيح بهما (٢) ، بناء على كون النتيجة هو الطريق الواصل ولو بطريقه ، أو الطريق ولو لم يصل أصلاً ، وبذلك ربما يوفق بين كلمات الأعلام في المقام ، وعليك بالتأمل التام .

ثم لا يذهب عليك أن الترجيح بهما (٣) إنما هو على تقدير كفاية الراجح ، وإلا فلا بد من التعدي إلى غيره بمقدار الكفاية ، فيختلف الحال باختلاف الأنظار بل الأحوال .

وأما تعميم النتيجة (٤) بأن قضية العلم الإِجمالي بالطريق هو الاحتياط في أطرافه ، فهو لا يكاد يتم إلا على تقدير كون النتيجة هو نصب الطريق ولو لم يصل أصلاً ، مع أن التعميم بذلك لا يوجب العمل إلا على وفق المثبتات من الأطراف دون النافيات ، إلا فيما إذا كان هناك نافٍ من جميع الأصناف ، ضرورة أن الاحتياط فيها لا يقتضي رفع اليد عن الاحتياط في المسألة الفرعية إذا لزم ، حيث لا ينافيه ، كيف ؟ ويجوز الاحتياط فيها مع قيام الحجة النافية ، كما لا يخفى ، فما ظنك بما لا يجب الأخذ بموجبه إلا من باب الاحتياط ؟ فافهم .

____________________________

(١) فرائد الأصول / ١٤٢ ، وأمّا المرجح الثاني .

(٢) في « ب » : بها .

(٣) في « ب » : بها .

(٤) هذا ثالث طرق « تعميم النتيجة » الذي نقله الشيخ ( قده ) عن شيخه المحقق شريف العلماء ( قده ) ، واستشكل عليه ، فرائد الأصول / ١٥٠ .

٣٢٤
 &

فصل

قد اشتهر الإِشكال بالقطع بخروج القياس عن عموم نتيجة دليل الانسداد بتقرير الحكومة ، وتقريره على ما في الرسائل (١) أنه :

( كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطاً للإِطاعة والمعصية ، ويقبح على الأمر والمأمور التعدي عنه ، ومع ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من القياس ، ولا يجوّز الشارع العمل به ؟ فإن المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن ، أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكناً ، جرى في غير القياس ، فلا يكون العقل مستقلاً ، إذ لعله نهى عن أمارة مثل ما نهى عن القياس [ بل وأزيد ] (٢) واختفى علينا ، ولا دافع لهذا الاحتمال إلا قبح ذلك على الشارع ، إذ احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلا بقبحه ، وهذا من أفراد ما اشتهر من أن الدليل العقلي لا يقبل التخصيص ) . انتهى موضع الحاجة من كلامه ، زيد في علو مقامه .

وأنت خبير بأنه لا وقع لهذا الإِشكال ، بعد وضوح كون حكم العقل بذلك معلقاً على عدم نصب الشارع طريقاً واصلاً ، وعدم حكمه به فيما كان هناك منصوب ولو كان أصلاً ، بداهة أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم ولا علمي ، فلا موضوع لحكمه مع أحدهما ، والنهي عن ظن حاصل من سبب ليس إلا كنصب شيء ، بل هو يستلزمه فيما كان في مورده أصل شرعي ، فلا يكون نهيه عنه رفعاً لحكمه عن موضوعه ، بل به يرتفع موضوعه ، وليس حال النهي عن سبب مفيد للظن إلا كالأمر بما لا يفيده ، وكما لا حكومة معه للعقل لا حكومة له معه ، وكما لا يصح بلحاظ حكمه الإِشكال فيه ، لا يصح الإِشكال فيه بلحاظه .

____________________________

(١) فرائد الأصول / ١٥٦ .

(٢) أثبتناها من فرائد الأصول .

٣٢٥
 &

نعم لا بأس بالإشكال فيه في نفسه ، كما أشكل فيه برأسه بملاحظة توهم استلزام النصب لمحاذير ، تقدم الكلام في تقريرها وما هو التحقيق في جوابها في جعل الطرق .

غاية الأمر تلك المحاذير ـ التي تكون فيما إذا أخطأ الطريق المنصوب ـ كانت في الطريق المنهي عنه في مورد الإِصابة ، ولكن من الواضح أنه لا دخل لذلك في الإِشكال على دليل الانسداد بخروج القياس ، ضرورة أنه بعد الفراغ عن صحة النهي عنه في الجملة ، قد أشكل في عموم النهي لحال الانسداد بملاحظة حكم العقل ، وقد عرفت أنه بمكان من الفساد .

واستلزام إمكان المنع عنه ، لاحتمال المنع عن أمارة أخرى وقد اختفى علينا ، وإن كان موجباً لعدم استقلال العقل ، إلا أنه إنما يكون بالإِضافة إلى تلك الأمارة ، لو كان غيرها مما لا يحتمل فيه المنع بمقدار الكفاية ، وإلا فلا مجال لاحتمال المنع فيها مع فرض استقلال العقل ؛ ضرورة عدم استقلاله بحكم مع احتمال وجود مانعه ، على ما يأتي تحقيقه في الظن المانع والممنوع (١) .

وقياس حكم العقل (٢) بكون الظن مناطاً للإِطاعة في هذا الحال على حكمه بكون العلم مناطاً لها في حال الانفتاح ، لا يكاد يخفى على أحد فساده ، لوضوح أنه مع الفارق ؛ ضرورة أن حكمه في العلم على نحو التنجز ، وفيه على نحو التعليق .

ثم لا يكاد ينقضي تعجبي لم خصصوا الإِشكال بالنهي عن القياس ، مع جريانه في الأمر بطريق غير مفيد للظن ، بداهة انتفاء حكمه في مورد الطريق قطعاً ، مع أنه لا يظن بأحد أن يستشكل بذلك ، وليس إلا لأجل أن حكمه به معلق على عدم النصب ، ومعه لا حكم له ، كما هو كذلك مع النهي عن بعض أفراد الظن ، فتدبر جيّداً .

____________________________

(١) سيأتي تحقيقه في الفصل الآتي .

(٢) ذكره الشيخ ( قده ) في فرائد الأصول / ١٥٦ .

٣٢٦
 &

وقد انقدح بذلك أنه لا وقع للجواب عن الإِشكال : تارة (١) بأن المنع عن القياس لأجل كونه غالب المخالفة ، وأخرى (٢) بأن العمل به يكون ذا مفسدة غالبة على مصلحة الواقع الثابتة عند الإِصابة ، وذلك لبداهة أنه إنما يشكل بخروجه بعد الفراغ عن صحة المنع عنه في نفسه ، بملاحظة حكم العقل بحجية الظن ، ولا يكاد يجدي صحته كذلك في ذب الإِشكال في صحته بهذا اللحاظ ، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة .

وأما ما قيل في جوابه (٣) ، من منع عموم المنع عنه بحال الانسداد ، أو منع حصول الظن منه بعد انكشاف حاله ، وأن ما يفسده أكثر مما يصلحه ، ففي غاية الفساد ، فإنه مضافاً إلى كون كل واحد من المنعين غير سديد ـ لدعوى الإِجماع على عموم المنع مع إطلاق أدلته وعموم علته ، وشهادة الوجدان بحصول الظن منه في بعض الأحيان ـ لا يكاد يكون في دفع الإِشكال بالقطع بخروج الظن الناشىء منه بمفيد ، غاية الأمر أنه لا إشكال مع فرض أحد المنعين ، لكنه غير فرض الإِشكال ، فتدبر جيداً .

فصل

إذا قام ظن على عدم حجية ظن بالخصوص ، فالتحقيق أن يقال بعد تصور المنع عن بعض الظنون في حال الانسداد : إنه لا استقلال للعقل بحجية ظن احتمل المنع عنه ، فضلاً عما إذا ظن ، كما أشرنا إليه في الفصل السابق ، فلا بد من الاقتصار على ظن قطع بعدم المنع عنه بالخصوص ، فإن كفى ، وإلا فبضميمة ما لم يظن المنع عنه وإن احتمل ، مع قطع النظر عن مقدمات الانسداد ، وإن انسد باب هذا الاحتمال معها ، كما لا يخفى ، وذلك ضرورة أنه لا احتمال مع الاستقلال

____________________________

(١) هذا سابع الوجوه التي ذكرها الشيخ ( قده ) في الجواب عن الإِشكال ، فرائد الأصول / ١٦١ .

(٢) هو الوجه السادس الذي أفاده الشيخ ( قده ) واستشكل عليه ، فرائد الأصول / ١٦٠ .

(٣) راجع الوجهين الأولين من الوجوه السبعة التي ذكره الشيخ ( قده ) فرائد الأصول / ١٥٧ .

٣٢٧
 &

حسب الفرض ، ومنه قد انقدح أنه لا تتفاوت الحال لو قيل بكون النتيجة هي حجية الظن في الأصول أو في الفروع أو فيهما ، فافهم .

فصل

لا فرق في نتيجة دليل الانسداد ، بين الظن بالحكم من أمارة عليه ، وبين الظن به من أمارة متعلقة بألفاظ الآية أو الرواية ، كقول اللغوي فيما يورث الظن بمراد الشارع من لفظه ، وهو واضح ، ولا يخفى أن اعتبار ما يورثه[ لا محيص عنه فيما ] (١) إذا كان مما ينسد فيه باب العلم ، فقول أهل اللغة حجة فيما يورث الظن بالحكم مع الانسداد ، ولو انفتح باب العلم باللغة في غير المورد .

نعم لا يكاد يترتب عليه أثر آخر من تعيين المراد في وصية أو إقرار أو غيرهما من الموضوعات الخارجية ، إلا فيما يثبت فيه حجية مطلق الظن بالخصوص ، أو ذاك المخصوص ، ومثله الظن الحاصل بحكم شرعي كلي من الظن بموضوع خارجي ، كالظن بأن راوي الخبر هو زرارة بن أعين مثلاً ، لا آخر .

فانقدح أن الظنون الرجالية مجدية في حال الانسداد ، ولو لم يقم دليل على اعتبار قول الرجالي ، لا من باب الشهادة ولا من باب الرواية .

تنبيه : لا يبعد استقلال العقل بلزوم تقليل الاحتمالات المتطرقة إلى مثل السند أو الدلالة أو جهة الصدور ، مهما أمكن في الرواية ، وعدم الاقتصار على (٢) الظن الحاصل منها بلا سد بابه فيه بالحجة من علم أو علمي ، وذلك لعدم جواز التنزل في صورة الانسداد إلى الضعيف مع التمكن من القوي أو ما بحكمه عقلاً ، فتأمل جيداً .

فصل

إنما الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الأحكام هو حجية الظن فيها ،

____________________________

(١) وفي « ب » : يختص بما .

(٢) في « أ » : بالظن .

٣٢٨
 &

لا حجيته في تطبيق المأتي به في الخارج معها ، فيتبع مثلاً في وجوب صلاة الجمعة يومها ، لا في إتيانها ، بل لا بد من علم أو علمي بإتيانها ، كما لا يخفى .

نعم ربما يجري نظير مقدمات الانسداد في الأحكام في بعض الموضوعات الخارجية ، من انسداد باب العلم به غالباً ، واهتمام الشارع به بحيث علم بعدم الرضا بمخالفة (١) الواقع بإجراء الأصول فيه مهما أمكن ، وعدم وجوب الاحتياط شرعاً أو عدم إمكانه عقلاً ، كما في موارد الضرر المردد أمره بين الوجوب والحرمة مثلاً ، فلا محيص عن اتباع الظن حينئذ أيضاً ، فافهم .

خاتمة : يذكر فيها أمران استطراداً :

الأول : هل الظن كما يتبع عند الانسداد عقلاً في الفروع العملية ، المطلوب فيها أولاً العمل بالجوارح ، يتبع في الأصول الاعتقادية المطلوب فيها عمل الجوانح من الاعتقاد به وعقد القلب عليه وتحمله والانقياد له ، أو لا ؟ .

الظاهر لا ، فإن الأمر الاعتقادي وإن انسد باب القطع به ، إلا أن باب الاعتقاد إجمالاً ـ بما هو واقعه والانقياد له وتحمله ـ غير منسد ، بخلاف العمل بالجوارح ، فإنه لا يكاد يعلم مطابقته مع ما هو واقعه إلا بالاحتياط ، والمفروض عدم وجوبه شرعاً ، أو عدم جوازه عقلاً ، ولا أقرب من العمل على وفق الظن .

وبالجملة : لا موجب مع انسداد باب العلم في الاعتقاديات لترتيب الأعمال الجوانحية على الظن فيها ، مع إمكان ترتيبها على ما هو الواقع فيها ، فلا يتحمل إلا لما هو الواقع ، ولا ينقاد إلا له ، لا لما هو مظنونه ، وهذا بخلاف العمليات ، فإنه لا محيص عن العمل بالظن فيها مع مقدمات الانسداد .

نعم يجب تحصيل العلم في بعض الاعتقادات لو أمكن ، من باب وجوب المعرفة لنفسها ، كمعرفة الواجب تعالى وصفاته أداءً لشكر بعض نعمائه ، ومعرفة

____________________________

(١) في « ب » : بمخالفته .

٣٢٩
 &

أنبيائه ، فإنهم وسائط نعمه وآلائه ، بل وكذا معرفة الإِمام ( عليه السلام ) على وجه صحيح (١) ، فالعقل يستقل بوجوب معرفة النبي ووصيه لذلك ، ولاحتمال الضرر في تركه ، ولا يجب عقلاً معرفة غير ما ذكر ، إلا ما وجب شرعاً معرفته ، كمعرفة الإِمام ( عليه السلام ) على وجه آخر غير صحيح ، أو أمر آخر مما دل الشرع على وجوب معرفته ، وما لا دلالة على وجوب معرفته بالخصوص ، لا من العقل ولا من النقل ، كان أصالة البراءة من وجوب معرفته محكمة (٢) .

ولا دلالة لمثل قوله تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ ) (٣) الآية ، ولا لقوله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : ( وما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس ) (٤) ولا لما دل على وجوب التفقه وطلب العلم من الآيات والروايات على وجوب معرفته بالعموم ، ضرورة أن المراد من ( ليعبدون ) هو خصوص عبادة الله ومعرفته ، والنبوي إنما هو بصدد بيان فضيلة الصلوات لا بيان حكم المعرفة ، فلا إطلاق فيه أصلاً ، ومثل آية النفر (٥) ، إنما هو بصدد بيان الطريق المتوسل به إلى التفقه الواجب ، لا بيان ما يجب فقهه ومعرفته ، كما لا يخفى ، وكذا ما دل على وجوب طلب العلم إنما هو بصدد الحث على طلبه ، لا بصدد بيان ما يجب العلم به .

ثم إنه لا يجوز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلاً أو شرعاً ، حيث أنه ليس بمعرفة قطعاً ، فلا بد من تحصيل العلم لو أمكن ، ومع العجز عنه كان معذوراً إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضة (٦) المطلب مع قلة الاستعداد ، كما هو المشاهد في

____________________________

(١) وهو كون الإِمامة كالنبوة منصباً إلۤهياً يحتاج إلى تعيينه ـ تعالى ـ ونصبه ، لا أنها من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين ، وهو الوجه الآخر ( منه قدس سره الشريف ) .

(٢) هذا تعريض بما أفاده الشيخ ( قده ) انتصاراً للعلامة ، فرائد الأصول / ١٧٠ .

(٣) الذاريات : ٥٦ .

(٤) وقريب منه : الكافي ٣ / ٢٦٤ ، والتهذيب ٢ / ٢٣٦ .

(٥) التوبة : ١٢٢ .

(٦) في « ب » : الغموضية .

٣٣٠
 &

كثير من النساء بل الرجال ، بخلاف ما إذا كان عن تقصير في الاجتهاد ، ولو لأجل حب طريقة الآباء والأجداد واتباع سيرة السلف ، فإنه كالجبلّي للخلف ، وقلما عنه تخلف (١) .

والمراد من المجاهدة في قوله تعالى ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (٢) هو المجاهدة مع النفس ، بتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالفضائل ، وهي التي كانت أكبر من الجهاد ، لا النظر والاجتهاد ، وإلا لأدى إلى الهداية ، مع أنه يؤدي إلى الجهالة والضلالة ، إلا إذا كانت هناك منه ـ تعالى ـ عناية ، فإنه غالباً بصدد إثبات أن ما وجد آباءه عليه هو الحق ، لا بصدد الحق ، فيكون مقصراً مع اجتهاده ، ومؤاخذا إذا أخطأ على قطعه واعتقاده .

ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم ، فيما يجب تحصيله عقلاً لو أمكن ، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه ، بل بعدم جوازه ، لما أشرنا إليه (٣) من أن الأمور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها والانقياد لها ، فلا إلجاء فيها أصلاً إلى التنزل إلى الظن فيما انسد فيه باب العلم ، بخلاف الفروع العملية ، كما لا يخفى .

وكذلك لا دلالة من النقل على وجوبه ، فيما يجب معرفته مع الإِمكان شرعاً ، بل الأدلة الدالّة على النهي عن اتباع الظن ، دليل على عدم جوازه أيضاً .

وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا ، أن القاصر يكون في الاعتقاديات للغفلة ، أو عدم الاستعداد للاجتهاد فيها ، لعدم وضوح الأمر فيها بمثابة لا يكون الجهل بها إلا عن تقصير ، كما لا يخفى ، فيكون (٤) معذوراً عقلاً .

____________________________

(١) في « ب » : يتخلف .

(٢) العنكبوت / ٦٩ .

(٣) أشار إليه في الأمر الأوّل من خاتمة دليل الانسداد / ٣٢٩ .

(٤) ولا ينافي ذلك عدم استحقاقه درجة ، بل استحقاقه دركة لنقصانه بسبب فقدانه للإِيمان به تعالى أو

٣٣١
 &

ولا يصغى إلى ما ربما قيل : بعدم وجود القاصر فيها ، لكنه إنما يكون معذوراً غير معاقب على عدم معرفة الحق ، إذا لم يكن يعانده ، بل كان ينقاد له على إجماله لو احتمله .

هذا بعض الكلام مما يناسب المقام ، وأما بيان حكم الجاهل من حيث الكفر والإِسلام ، فهو مع عدم مناسبته خارج عن وضع الرسالة .

الثاني : الظن الذي لم يقم على حجيته دليل ، هل يجبر به ضعف السند أو الدلالة بحيث صار حجة ما لولاه لما كان بحجة ، أو يوهن به ما لولاه على خلافه لكان حجة ، أو يرجح به أحد المتعارضين ، بحيث لولاه على وفقه لما كان ترجيح لأحدهما ، أو كان للآخر منهما ، أم لا ؟ .

ومجمل القول في ذلك : إن العبرة في حصول الجبران أو الرجحان بموافقته ، هو الدخول بذلك تحت دليل الحجية ، أو المرجحية الراجعة إلى دليل الحجية ، كما أن العبرة في الوهن إنما هو الخروج بالمخالفة عن تحت دليل الحجية ، فلا يبعد جبر ضعف السند في الخبر بالظن بصدوره أو بصحة مضمونه ، ودخوله بذلك تحت ما دل على حجية ما يوثق به ، فراجع أدلة اعتبارها .

وعدم جبر ضعف الدلالة بالظن بالمراد لاختصاص دليل الحجية بحجية الظهور في تعيين المراد ، والظن من أمارة خارجية به لا يوجب ظهور اللفظ فيه كما هو ظاهر ، إلا فيما أوجب القطع ولو إجمالاً باحتفافه بما كان موجباً لظهوره فيه لولا عروض انتفائه ، وعدم وهن السند بالظن بعدم صدوره ، وكذا عدم وهن دلالته مع ظهوره ، إلا فيما كشف بنحو معتبر عن ثبوت خلل في سنده ، أو وجود قرينة مانعة

____________________________

برسوله ، أو لعدم معرفة أوليائه ، ضرورة أن نقصان الإِنسان لذلك يوجب بعده عن ساحة جلاله تعالى ، وهو يستتبع لا محالة دركة من الدركات ، وعليه فلا إشكال فيما هو ظاهر بعض الروايات والآيات ، من خلود الكافر مطلقاً ولو كان قاصراً ، فقصوره إنما ينفعه في دفع المؤاخذة عنه بما يتبعها من الدركات ، لا فيما يستتبعه نقصان ذاته ودنو نفسه وخساسته ، فإذا انتهى إلى اقتضاء الذات لذلك فلا مجال للسؤال عنه ، بـ ( لم ذلك ؟ ) فافهم ( منه قدس سره ) .

٣٣٢
 &

عن انعقاد ظهوره فيما فيه ظاهر لولا تلك القرينة ، لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة ولا دليل اعتبار الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم صدوره ، أو ظن بعدم إرادة ظهوره .

وأما الترجيح بالظن ، فهو فرع دليل على الترجيح به ، بعد سقوط الأمارتين بالتعارض من البين ، وعدم حجية واحد منهما بخصوصه وعنوانه ، وإن بقي أحدهما بلا عنوان على حجيته ، ولم يقم دليل بالخصوص على الترجيح به .

وإن ادعى شيخنا (١) العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ استفادته من الأخبار الدالة على الترجيح بالمرجحات الخاصة ، على ما في (٢) تفصيله في التعادل والترجيح (٣) .

ومقدمات الانسداد في الأحكام إنما توجب حجية الظن بالحكم أو بالحجة ، لا الترجيح به ما لم يوجب ظن بأحدهما ، ومقدماته في خصوص الترجيح لو جرت إنما توجب حجية الظن في تعيين المرجح ، لا أنه مرجح إلا إذا ظن أنه ـ أيضاً ـ مرجح ، فتأمل جيّداً ، هذا فيما لم يقم على المنع عن العمل به بخصوصه دليل .

وأما ما قام الدليل على المنع عنه كذلك كالقياس ، فلا يكاد يكون به جبر أو وهن أو ترجيح ، فيما لا يكون لغيره أيضاً ، وكذا فيما يكون به أحدها (٤) ، لوضوح أن الظن القياسي إذا كان على خلاف ما لولاه لكان حجة ـ بعد المنع عنه ـ لا يوجب خروجه عن تحت دليل حجيته (٥) ، وإذا كان على وفق ما لولاه لما كان حجة لا يوجب دخوله تحت دليل الحجية ، وهكذا لا يوجب ترجيح أحد المتعارضين ، وذلك لدلالة دليل المنع على إلغائه الشارع رأساً ، وعدم جواز استعماله في الشرعيات قطعاً ، ودخله في واحد منها نحو استعمال له فيها ، كما لا يخفى ، فتأمل جيداً .

____________________________

(١) فرائد الأصول / ١٨٧ ، حيث قال الثالث : ما يظهر من بعض الأخبار ... إلخ .

(٢) في « ب » : على ما يأتي تفصيله .

(٣) في « أ » : التراجيح .

(٤) في « ب » : أحدهما .

(٥) في « ب » : الحجية .

٣٣٣
 &
٣٣٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0335.png

٣٣٥
 &
٣٣٦
 &



المقصد السابع : في الأصول العملية

وهي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص واليأس عن الظفر بدليل ، مما دل عليه حكم العقل أو عموم النقل ، والمهم منها أربعة ، فإن مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية (١) ، وإن كان مما ينتهي إليه فيما لا حجة على طهارته ولا على نجاسته ، إلا أن البحث عنها ليس بمهم ، حيث إنها ثابتة بلا كلام ، من دون حاجة إلى نقض وإبرام ، بخلاف الأربعة ، وهي : البراءة والاحتياط ، والتخيير والاستصحاب : فإنها محل الخلاف بين الأصحاب ، ويحتاج تنقيح مجاريها وتوضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث وبيان ومؤونة حجة وبرهان ، هذا مع جريانها في كل الأبواب ، واختصاص تلك القاعدة ببعضها ، فافهم .

____________________________

(١) لا يقال : إن قاعدة الطهارة مطلقاً ، تكون قاعدة في الشبهة الموضوعية ، فإن الطهارة والنجاسة من الموضوعات الخارجية التي يكشف عنها الشرع .

فإنه يقال : أولاً : نمنع ذلك ، بل إنهما من الأحكام الوضعية الشرعية ، ولذا اختلفتا في الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما ، كما لا يخفى .

وثانياً : إنهما لو كانتا كذلك ، فالشبهة فيهما فيما كان الاشتباه لعدم الدليل على أحدهما كانت حكمية ، فإنه لا مرجع لرفعها إلا الشارع ، وما كانت كذلك ليست إلا حكمية ( منه قدس سره ) .

٣٣٧
 &



فصل

لو شك في وجوب (١) شيء أو حرمته ، ولم تنهض عليه حجة جاز شرعاً وعقلاً ترك الأول وفعل الثاني ، وكان مأموناً من عقوبة مخالفته ، كان عدم نهوض الحجة لأجل فقدان النص أو إجماله ، واحتماله الكراهة أو الاستحباب ، أو تعارضه فيما لم يثبت بينهما ترجيح ، بناء على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين .

وأما بناء على التخيير ـ كما هو المشهور ـ فلا مجال لأصالة البراءة وغيرها ، لمكان وجود الحجة المعتبرة ، وهو أحد النصين فيها ، كما لا يخفى ، وقد استدل على ذلك بالأدلة الأربعة :

____________________________

(١) لا يخفى أن جمع الوجوب والحرمة في فصل ، وعدم عقد فصل لكل منهما على حدة ، وكذا جمع فقد النص وإجماله في عنوان عدم الحجة ، إنما هو لأجل عدم الحاجة إلى ذلك ، بعد الاتحاد فيما هو الملاك ، وما هو العمدة من الدليل على المهم ، واختصاص بعض شقوق المسألة بدليل أو بقول ، لا يوجب تخصيصه بعنوان على حدة .

وأما ما تعارض فيه النصان فهو خارج عن موارد الأصول العملية المقررة للشاك على التحقيق فيه من الترجيح أو التخيير ، كما أنه داخل فيما لا حجة فيه ـ بناء على سقوط النصين عن الحجية ـ وأما الشبهة الموضوعية فلا مساس لها بالمسائل الأصولية ، بل فقهية ، فلا وجه لبيان حكمها في الأصول إلا استطراداً فلا تغفل ، ( منه قدس سره ) .

٣٣٨
 &

أما الكتاب : فبآيات أظهرها قوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ) (١) .

وفيه : إن نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منة منه تعالى على عباده ، مع استحقاقهم لذلك ، ولو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق والفعلية ، لما صح الاستدلال بها إلا جدلاً ، مع وضوح منعه ، ضرورة أن ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه ، وليس حال الوعيد بالعذاب فيه إلا كالوعيد به فيه ، فافهم .

وأما السنة : فبروايات (٢) منها : حديث الرفع (٣) ، حيث عدّ ( ما لا يعلمون ) من التسعة المرفوعة فيه ، فالالزام المجهول ممَّا لا يعلمون ، فهو مرفوع فعلاً وإن كان ثابتاً واقعاً ، فلا مؤاخذة عليه قطعاً .

لا يقال : ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية ، كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهراً ، فلا دلالة له على ارتفاعها (٤) .

فإنه يقال : إنها وإن لم تكن بنفسها أثراً شرعياً ، إلا أنها مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره وباقتضائه ، من إيجاب الاحتياط شرعاً ، فالدليل على رفعه دليل على عدم إيجابه المستتبع لعدم استحقاقه العقوبة على مخالفته .

لا يقال : لا يكاد يكون إيجابه مستتبعاً لاستحقاقها على مخالفة التكليف

____________________________

(١) الإِسراء : ١٥ .

(٢) في « ب » : فروايات .

(٣) الكافي / ٢ كتاب الإِيمان والكفر ، باب ما رفع عن الأمة ، الحديث ٢ ، الفقيه ١ / ٣٦ ، الباب ١٤ ، الحديث ٤ ، والخصال ٢ / ٤١٧ ، باب التسعة .

(٤) مع أن ارتفاعها وعدم استحقاقها بمخالفة التكليف المجهول هو المهم في المقام ، والتحقيق في الجواب أن يقال ـ مضافاً إلى ما قلناه ـ أن الاستحقاق وإن كان أثراً عقلياً ، إلا أن عدم الاستحقاق عقلاً ، مترتب على عدم التكليف شرعاً ولو ظاهراً ، تأمل تعرف ، ( منه قدس سره ) .

٣٣٩
 &

المجهول ، بل على مخالفة (١) نفسه ، كما هو قضية إيجاب غيره .

فإنه يقال : هذا إذا لم يكن إيجابه طريقياً ، وإلا فهو موجب لاستحقاق العقوبة على المجهول ، كما هو الحال في غيره من الإِيجاب والتحريم الطريقيين ، ضرورة أنه كما يصح أن يحتج بهما صح أن يحتج به ، ويقال : لم أقدمتَ مع إيجابه ؟ ويخرج به عن العقاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان ، كما يخرج بهما .

وقد انقدح بذلك ، أن رفع التكليف المجهول كان منّة على الأمة ، حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيته (٢) من إيجاب الاحتياط ، فرفعه ، فافهم .

ثم لا يخفى (٣) عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة ولا غيرها من الآثار الشرعية في ( ما لا يعلمون ) ، فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقاً كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع والوضع شرعاً ، وإن كان في غيره لا بد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه ، فإنه ليس ما اضطروا وما استكرهوا ... إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة .

نعم لو كان المراد من الموصول في ( ما لا يعلمون ) ما اشتبه حاله ولم يعلم عنوانه ، لكان أحد الأمرين مما لا بد منه أيضاً . ثم لا وجه (٤) لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح أن المقدر في غير واحد غيرها ، فلا محيص عن أن يكون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها ، أو تمام آثارها التي تقتضي المنة رفعها ، كما أن ما يكون بلحاظه الإِسناد إليها مجازاً ، هو هذا ، كما لا يخفى .

فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منة على الأمة ، كما

____________________________

(١) في « ب » : مخالفته .

(٢) في « ب » : قضية .

(٣) خلافاً لما أفاده الشيخ ، فرائد الأصول / ١٩٥ .

(٤) المصدر السابق .

٣٤٠