كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الذكر ، وإنما يروي ما سمعه أو رآه ، فافهم .

ومنها : آية الأُذن ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) فإنه تبارك وتعالى مدح نبيه بأنه يصدّق المؤمنين ، وقرنه بتصديقه تعالى .

وفيه : أوّلاً : إنه إنما مدحه بأنه أذن ، وهو سريع القطع ، لا الأخذ بقول الغير تعبداً .

وثانياً : إنه إنما المراد بتصديقه للمؤمنين ، هو ترتيب خصوص الآثار التي تنفعهم ولا تضر غيرهم ، لا التصديق بترتيب جميع الآثار ، كما هو المطلوب في باب حجية الخبر ، ويظهر ذلك من تصديقه للنمّام بأنه ما نمه ، وتصديقه لله تعالى بـأنه نمّه ، كما هو المراد من التصديق في قوله ( عليه السلام ) : ( فصدقه وكذبهم ) ، حيث قال ـ على ما في الخبر (٢) ـ : ( يا محمد (٣) كذب سمعك وبصرك عن أخيك ، فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولاً ، وقال : لم أقله ، فصدّقه وكذّبهم ) فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرّهم ، وتكذيبهم فيما يضرّه ولا ينفعهم ، وإلا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين ؟ وهكذا المراد بتصديق المؤمنين في قصة إسماعيل (٤) ، فتأمل جيداً .

فصل

في الأخبار التي دلت على اعتبار أخبار الآحاد .

وهي وإن كانت طوائف كثيرة ، كما يظهر من مراجعة الوسائل (٥) وغيرها ،

____________________________

(١) التوبة : ٦١ .

(٢) عقاب الأعمال / ٢٩٥ ، الحديث ١ ، الكافي ٨ / ١٤٧ ، الحديث ١٢٥ .

(٣) في « أ وب » : يا أبا محمد والصحيح ما أثبتناه ، لأنه خطاب لمحمد بن فضيل المكنى بأبي جعفر .

(٤) الكافي ٥ / ٢٩٩ ، باب حفظ المال وكراهة الاضاعة من كتاب المعيشة ، الحديث ١ .

(٥) الوسائل ١٨ : ٧٢ الباب ٨ من أبواب صفات القاضي والباب ٩ ، الحديث ٥ والباب ١١ ،

٣٠١
 &

إلا أنه يشكل الاستدلال بها على حجية أخبار الآحاد بأنها أخبار آحاد ، فإنها غير متفقة على لفظ ولا على معنى ، فتكون متواترة لفظاً أو معنى .

ولكنه مندفع بأنها وإن كانت كذلك ، إلا أنها متواترة إجمالاً ، ضرورة أنه يعلم إجمالاً بصدور بعضها منهم ( عليهم السلام ) ، وقضيته وإن كان حجية خبر دلّ على حجّيته أخصها مضموناً (١) إلا أنه يتعدى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية ، وقد دل على حجية ما كان أعم ، فافهم .

فصل

في الإِجماع على حجية الخبر .

وتقريره من وجوه :

أحدها : دعوى الإِجماع من تتبع فتاوى الأصحاب على الحجية من زماننا إلى زمان الشيخ ، فيكشف رضاه ( عليه السلام ) بذلك ، ويقطع به ، أو من تتبع الإِجماعات المنقولة على الحجية ، ولا يخفى مجازفة هذه الدعوى ؛ لاختلاف الفتاوى فيما أخذ في اعتباره من الخصوصيات ، ومعه لا مجال لتحصيل القطع برضائه ( عليه السلام ) من تتبعها ، وهكذا حال تتبع الإِجماعات المنقولة ، اللهم إلا أن يدعى تواطؤها على الحجية في الجملة ، وإنما الاختلاف في الخصوصيات المعتبرة فيها ، ولكن دون إثباته خرط القتاد .

ثانيها : دعوى اتفاق العلماء عملاً ـ بل كافة المسلمين ـ على العمل بخبر الواحد في أمورهم الشرعية ، كما يظهر من أخذ فتاوى المجتهدين من الناقلين لها .

____________________________

الحديث ٤ و ٤٠ .

(١) في الحقائق ٢ : ١٣٢ ، وإن كان حجية خبر أخصها مضموناً ... الخ .

٣٠٢
 &

وفيه : مضافاً إلى ما عرفت مما يرد على الوجه الأول ، أنه لو سلّم اتفاقهم على ذلك ، لم يحرز أنّهم اتفقوا بما هم مسلمون ومتديّنون بهذا الدين ، أو بما هم عقلاء ولو لم يلتزموا بدين ، كما هو لا يزالون يعملون بها في غير الأمور الدينية من الأمور العادية ، فيرجع إلى ثالث الوجوه ، وهو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة ، واستمرت إلى زماننا ، ولم يردع عنه نبي ولا وصيّ نبي ، ضرورة أنه لو كان لاشتهَر وبان ، ومن الواضح أنه يكشف عن رضاء الشارع به في الشرعيات أيضاً .

إن قلت : يكفي في الردع الآيات الناهية ، والروايات المانعة عن اتباع غير العلم ، وناهيك قوله تعالى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (١) ، وقوله تعالى : ( وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (٢) .

قلت : لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك ، فإنه ـ مضافاً إلى أنها وردت إرشاداً إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين ، ولو سلم فإنما المتيقن لولا أنه المنصرف إليه إطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة ـ لا يكاد يكون الردع بها إلا على وجه دائر ، وذلك لأن الردع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها ، أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة ، وهو يتوقف على الردع عنها بها ، وإلا لكانت مخصصة أو مقيدة لها ، كما لا يخفى .

لا يقال : على هذا لا يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضاً ، إلا على وجه دائر ، فإنّ اعتباره بها فعلاً يتوقف على عدم الردع بها عنها ، وهو يتوقف على تخصيصها بها ، وهو يتوقف على عدم الردع بها عنها .

فإنه يقال : إنما يكفي في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها ، لعدم نهوض ما يصلح لردعها ، كما يكفي في تخصيصها لها ذلك ، كما لا يخفى ، ضرورة أن ما

____________________________

(١) الإِسراء : ٣٦ .

(٢) النجم : ٢٨ .

٣٠٣
 &

جرت عليه السيرة المستمرة في مقام الإِطاعة والمعصية ، وفي استحقاق العقوبة بالمخالفة ، وعدم استحقاقها مع الموافقة ، ولو في صورة المخالفة عن الواقع (١) ، يكون عقلاً في الشرع متّبعاً ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في الشرعيات ، فافهم وتأمل (٢) .

فصل

في الوجوه العقلية التي أقيمت على حجية الخبر (٣) الواحد .

أحدها : إنه يعلم إجمالاً بصدور كثير مما بأيدينا من الأخبار من الأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) بمقدار وافٍ بمعظم الفقه ، بحيث لو علم تفصيلاً ذاك المقدار لا نحل علمنا الإِجمالي بثبوت التكاليف بين الروايات وسائر الأمارات إلى

____________________________

(١) الصواب : المخالفة للواقع .

(٢) قولنا : ( فافهم وتأمل ) إشارة إلى كون خبر الثقة متبعاً ، ولو قيل بسقوط كل من السيرة والإِطلاق عن الاعتبار ، بسبب دوران الأمر بين ردعها به وتقييده بها ، وذلك لأجل استصحاب حجيّته الثابتة قبل نزول الآيتين .

فان قلت : لا مجال لاحتمال التقييد بها ، فإِن دليل اعتبارها مغيّى بعدم الردع به عنها ، ومعه لا تكون صالحة لتقييد الإِطلاق مع صلاحيته للردع عنها ، كما لا يخفى .

قلت : الدليل ليس إلّا إمضاء الشارع لها ورضاه بها ، المستكشف بعدم الردع عنها في زمان مع إمكانه ، وهو غير مغيّى ، نعم يمكن أن يكون له واقعاً ، وفي علمه تعالى أمد خاص ، كحكمه الابتدائي ، حيث أنّه ربما يكون له أمر فينسخ ، فالردع في الحكم الامضائي ليس إلا كالنسخ في الابتدائي وذلك غير كونه بحسب الدليل مغيَّى ، كما لا يخفى .

وبالجملة : ليس حال السيرة مع الآيات الناهية إلّا كحال الخاص المقدّم ، والعام المؤخر ، في دوران الأمر بين التخصيص بالخاص ، أو النسخ بالعام ، ففيهما يدور الأمر أيضاً بين التخصيص بالسيرة أو الردع بالآيات فافهم ( منه قدس سره ) .

(٣) أثبتناه من هامش نسخة « ب » ، وفي « أ » : خبر الواحد .

٣٠٤
 &

العلم التفصيلي بالتكاليف في مضامين الأخبار الصادرة المعلومة تفصيلاً ، والشك البدوي في ثبوت التكليف في مورد سائر الأمارات الغير المعتبرة ، ولازم ذلك لزوم العمل على وفق جميع الأخبار المثبتة ، وجواز العمل على طبق النافي منها فيما إذا لم يكن في المسألة أصل مثبت له ، من قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب ، بناءً على جريانه في أطراف [ ما ] (١) علم إجمالاً بانتقاض الحالة السابقة في بعضها ، أو قيام أمارة معتبرة على انتقاضها فيه ، وإلا لاختص عدم جواز العمل على وفق النافي بما إذا كان على خلاف قاعدة الاشتغال .

وفيه : إنه لا يكاد ينهض على حجية الخبر ، بحيث يقدم تخصيصاً أو تقييداً أو ترجيحاً على غيره ، من عموم أو إطلاق أو مثل مفهوم ، وإن كان يسلم عما أورد عليه (٢) من أن لازمه الاحتياط في سائر الأمارات ، لا في خصوص الروايات ، لما عرفت من انحلال العلم الإِجمالي بينهما بما علم بين الأخبار بالخصوص ولو بالإِجمال فتأمل جيّداً .

ثانيها : ما ذكره في الوافية (٣) ، مستدلاً على حجية الأخبار الموجودة في الكتب المعتمدة للشيعة ، كالكتب الأربعة ، مع عمل جمع به من غير ردّ ظاهر ، وهو :

( إنا نقطع ببقاء التكليف إلى يوم القيامة ، سيما بالأصول الضرورية ، كالصلاة والزكاة والصوم والحج والمتاجر والأنكحة ونحوها ، مع أن جل أجزائها وشرائطها وموانعها إنما يثبت بالخبر الغير القطعي ، بحيث نقطع بخروج حقائق هذه الأمور عن كونها هذه الأمور عند ترك العمل بخبر الواحد ، ومن أنكر فإنما ينكره باللسان وقلبه مطمئن بالإِيمان ) . انتهى .

وأورد (٤) عليه : أوّلاً : بأن العلم الإِجمالي حاصل بوجود الأجزاء والشرائط

____________________________

(١) الزيادة من « ب » .

(٢) أورده الشيخ على الوجه الأول بتقريره فليلاحظ ، فرائد الأصول / ١٠٣ .

(٣) الوافية / ٥٧ .

(٤) إشارة إلى ما أورده الشيخ ( قده ) ، فرائد الاُصول / ١٠٥ ، في جوابه عن التقرير الثاني من

٣٠٥
 &

بين جميع الأخبار ، لا خصوص الأخبار المشروطة بما ذكره ، فاللازم حينئذ : إما الاحتياط ، أو العمل بكل ما دلّ على جزئية شيء أو شرطيته (١) .

قلت : يمكن أن يقال : إن العلم الإِجمالي وإن كان حاصلاً بين جميع الأخبار ، إلا أن العلم بوجود الأخبار الصادرة عنهم ( عليهم السلام ) بقدر الكفاية بين تلك الطائفة ، أو العلم باعتبار طائفة كذلك بينها ، يوجب انحلال ذاك العلم الاجمالي ، وصيرورة غيره خارجاً عن طرف العلم ، كما مرت إليه الإِشارة في تقريب الوجه الأول ، اللهم إلا أن يمنع عن ذلك ، وادعي (٢) عدم الكفاية فيما علم بصدوره أو اعتباره ، أو ادعي (٣) العلم بصدور أخبار أخر بين غيرها ، فتأمل .

وثانياً : بأن قضيته إنما هو العمل بالأخبار المثبتة للجزئية أو الشرطية ، دون الأخبار النافية لهما .

والأولى أن يورد عليه : بأن قضيته إنما هو الاحتياط بالأخبار المثبتة فيما لم تقم حجة معتبرة على نفيهما ، من عموم دليل أو إطلاقه ، لا الحجية بحيث يخصص أو يقيد بالمثبت منهما ، أو يعمل بالنافي في قبال حجة على الثبوت ولو كان أصلاً ، كما لا يخفى .

ثالثها : ما أفاده بعض المحققين (٤) بما ملخصه : إنا نعلم بكوننا مكلفين بالرجوع إلى الكتاب والسنة إلى يوم القيامة ، فإن تمكنا من الرجوع إليهما على نحو يحصل العلم بالحكم أو ما بحكمه ، فلا بد من الرجوع إليهما كذلك ، وإلا فلا

____________________________

دليل العقل .

(١) كذا في النسختين ، والموجود في الرسائل : ( فاللازم حينئذٍ : إما الاحتياط ، والعمل بكل خبر دل على جزئية شيء أو شرطيته ، وإما العمل بكل خبر ظن صدوره مما دل على الجزئية أو الشرطية ) ، راجع فرائد الأصول / ١٠٥ .

(٢ و ٣) الأولىٰ في الموردين : يدعىٰ .

(٤) هو العلّامة الشيخ محمد تقي الاصفهاني في هداية المسترشدين / ٣٩٧ ، السادس من وجوه حجية الخبر .

٣٠٦
 &

محيص عن الرجوع على نحو يحصل الظن به في الخروج عن عهدة هذا التكليف ، فلو لم يتمكن من القطع بالصدور أو الاعتبار ، فلا بد من التنزل إلى الظن بأحدهما .

وفيه : إن قضية بقاء التكليف فعلاً بالرجوع إلى الأخبار الحاكية للسنة ، كما صرح بأنها المراد منها في ذيل كلامه ـ زيد في علو مقامه ـ إنما هي الاقتصار في الرجوع إلى الأخبار المتيقن الاعتبار ، فإن وفى ، وإلا أضيف إليه الرجوع إلى ما هو المتيقن اعتباره بالإِضافة لو كان ، وإلا فالاحتياط بنحو عرفت ، لا الرجوع إلى ما ظن اعتباره ، وذلك للتمكن من الرجوع علماً تفصيلاً أو إجمالاً ، فلا وجه معه من الاكتفاء بالرجوع إلى ما ظن اعتباره .

هذا مع أنّ مجال المنع عن ثبوت التكليف بالرجوع إلى السنة ـ بذاك المعنى ـ فيما لم يعلم بالصدور ولا بالاعتبار بالخصوص واسع .

وأما الإِيراد (١) عليه : برجوعه إما إلى دليل الانسداد لو كان ملاكه دعوى العلم الإِجمالي بتكاليف واقعية ، وإما إلى الدليل الأول ، لو كان ملاكه دعوى العلم بصدور أخبار كثيرة بين ما بأيدينا من الأخبار .

ففيه : إن ملاكه إنما هو دعوى العلم بالتكليف ، بالرجوع إلى الروايات في الجملة إلى يوم القيامة ، فراجع تمام كلامه تعرف حقيقة مرامه .

____________________________

(١) المستشكل عليه هو الشيخ ( قده ) ، فرائد الأصول / ١٠٦ .

٣٠٧
 &



فصل

في الوجوه (١) التي أقاموها على حجية الظن ، وهي أربعة :

الأول : إن في مخالفة المجتهد لما ظنه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنة للضرر ، ودفع الضرر المظنون لازم .

أما الصغرى ، فلأن الظن بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته أو الظن بالمفسدة فيها ، بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد .

وأما الكبرى ، فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون ، ولو لم نقل بالتحسين والتقبيح (٢) ، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما ، بل يكون التزامه بدفع الضرر المظنون بل المحتمل بما هو كذلك ولو لم يستقل بالتحسين والتقبيح ، مثل الالتزام بفعل ما استقل بحسنه ، إذا قيل باستقلاله ، ولذا أطبق العقلاء عليه ، مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح ، فتدبر جيداً .

والصواب في الجواب : هو منع الصغرى ، أما العقوبة فلضرورة عدم الملازمة بين الظن بالتكليف والظن بالعقوبة على مخالفته ، لعدم الملازمة بينه والعقوبة على مخالفته ، وإنما الملازمة بين خصوص معصيته واستحقاق العقوبة عليها ، لا بين

____________________________

(١) ذكر الشيخ ( قده ) هذه الوجوه أيضاً ، فرائد الأصول / ١٠٦ .

(٢) هذا رد على الحاجبي : العضدي في شرحه ، شرح العضدي على مختصر الأصول : ١ / ١٦٣ .

٣٠٨
 &

مطلق المخالفة والعقوبة بنفسها ، وبمجرد (١) الظن به بدون دليل على اعتباره لا يتنجز به ، كي يكون مخالفته عصيانه .

إلا أن يقال : إن العقل وإن لم يستقل بتنجزه بمجرده ، بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته ، إلا أنه لا يستقل أيضاً بعدم استحقاقها معه ، فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة ، ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جداً ، لا سيما إذا كان هو العقوبة الأخروية ، كما لا يخفى .

وأما المفسدة فلأنها وإن كان الظن بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه ، إلا أنها ليست بضرر على كل حال ، ضرورة أن كل ما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله ، بل ربما يوجب حزازة ومنقصة في الفعل ، بحيث يذم عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلاً ، كما لا يخفى .

وأما تفويت المصلحة ، فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرة ، بل ربما يكون في استيفائها المضرة ، كما في الإِحسان بالمال .

هذا مع منع كون الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في المأمور به (٢) والمنهي عنه (٣) ، بل إنما هي تابعة لمصالح فيها ، كما حققناه في بعض فوائدنا (٤) .

وبالجملة : ليست المفسدة ولا المنفعة الفائتة اللتان في الأفعال وأنيط بهما الأحكام بمضرة ، وليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة من الأفعال على القول باستقلاله بذلك ، هو كونه ذا ضرر وارد على فاعله أو نفع عائد إليه ، ولعمري هذا أوضح من أن يخفى ، فلا مجال لقاعدة دفع

____________________________

(١) في « ب » : ومجرد .

(٢ و ٣) أنث الضمير في النسخ ، والصواب ما أثبتناه .

(٤) الفوائد : ٣٣٧ ، فائدة في اقتضاءِ الأفعال للمدح والذم ، عند قوله : فيمكن أن يكون صورية ... ويمكن أن يكون حقيقية . وراجع ما ذكره في حاشيته على الرسائل : ٧٦ ، عند قوله : مع احتمال عدم كون الأحكام تابعة لهما ، بل تابعة لما في انفسهما من المصلحة ... الخ .

٣٠٩
 &

الضرر المظنون ها هنا أصلاً ، ولا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة أو ترك ما فيه احتمال المصلحة ، فافهم .

الثاني : إنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح .

وفيه : إنه لا يكاد يلزم منه ذلك إلا فيما إذا كان الأخذ بالظن أو بطرفه لازماً ، مع عدم إمكان الجمع بينهما عقلاً ، أو عدم وجوبه شرعاً ، ليدور الأمر بين ترجيحه وترجيح طرفه ، ولا يكاد يدور الأمر بينهما إلا بمقدمات دليل الانسداد ، وإلا كان اللازم هو الرجوع إلى العلم أو العلمي أو الاحتياط أو البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الأشخاص أو الأحوال في اختلاف المقدمات ، على ما ستطلع على حقيقة الحال .

الثالث : ما عن السيد الطباطبائي (١) ( قدس سره ) ، من :

إنه لا ريب في وجود واجبات ومحرمات كثيرة بين المشتبهات ، ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالإِتيان بكل ما يحتمل الوجوب ولو موهوماً ، وترك ما يحتمل الحرمة كذلك ، ولكن مقتضى قاعدة نفي الحرج عدم وجوب ذلك كله ، لأنه عسر أكيد وحرج شديد ، فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط وانتفاء الحرج العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات ، لأن الجمع على غير هذا الوجه بإخراج بعض المظنونات وإدخال بعض المشكوكات والموهومات باطل

____________________________

(١) هو السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي الحائري ، ولد في الكاظمية عام ١١٦١ هـ اشتغل على ولد الأستاذ العلّامة ثم اشتغل عند خاله الأستاذ العلامة « وحيد البهبهاني » وبعد مدة قليلة اشتغل بالتصنيف والتدريس والتأليف ، له شرحان معروفان على النافع كبير موسوم بـ « رياض المسائل » وصغير وغيرهما ، ونقل عنه أيضاً أنه كان يحضر درس صاحب الحدائق ، وكتب جميع مجلدات الحدائق بخطه الشريف ، تخرج عليه صاحب المقابس وصاحب المطالع وصاحب مفتاح الكرامة وشريف العلماء وأمثالهم من الأجلة . توفي سنة ١٢٣١ هـ ودفن قريباً من قبر خاله العلامة ( روضات الجنات ٤ / ٣٩٩ الرقم ٤٢٢ ) .

٣١٠
 &

إجماعاً (١) .

ولا يخفى ما فيه من القدح والفساد ، فإنه بعض مقدمات دليل الانسداد ، ولا يكاد ينتج بدون سائر مقدماته ، ومعه لا يكون دليل آخر ، بل ذاك الدليل .

الرابع : دليل الانسداد ، وهو مؤلف من مقدمات ، يستقل العقل مع تحققها بكفاية الإِطاعة الظنية حكومة أو كشفاً على ما تعرف ، ولا يكاد يستقل بها بدونها ، وهي خمس (٢) .

أولها : إنه يعلم إجمالاً بثبوت تكاليف كثيرة فعلية في الشريعة .

ثانيها : إنه قد انسد علينا باب العلم والعلمي إلى كثير منها .

ثالثها : إنه لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرض لامتثالها أصلاً .

رابعها : إنه لا يجب علينا الاحتياط في أطراف علمنا ، بل لا يجوز في الجملة ، كما لا يجوز الرجوع إلى الأصل في المسألة ، من استصحاب وتخيير وبراءة واحتياط ، ولا إلى فتوى العالم بحكمها .

خامسها : إنه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحاً ، فيستقل العقل حينئذ بلزوم الإِطاعة الظنية لتلك التكاليف المعلومة ، وإلا لزم ـ بعد انسداد باب العلم والعلمي بها ـ إما إهمالها ، وإما لزوم الاحتياط في أطرافها ، وإما الرجوع إلى الأصل الجاري في كل مسألة ، مع قطع النظر عن العلم بها ، أو التقليد فيها ، أو الاكتفاء بالإِطاعة الشكية أو الوهمية مع التمكن من الظنية .

____________________________

(١) حكى هذا القول الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) في فرائد الأصول / ١١١ ، نقلاً عن أستاذه شريف العلماء عن أستاذه السيّد الأجل الاقا ميرزا سيد علي الطباطبائي ( قدس سره ) « صاحب الرياض » في مجلس المذاكرة ، كما صرح بذلك العلامة المرحوم الميرزا محمد حسن الاشتياني ( قدس سره ) راجع بحر الفوائد ١٨٩ .

(٢) الصواب ما اثبتناه وفي النسخ : خمسة .

٣١١
 &

والفرض بطلان كل واحد منها :

أما المقدمة الأولى : فهي وإن كانت بديهية إلا أنه قد عرفت انحلال العلم الإِجمالي بما في الأخبار الصادرة عن الأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) التي تكون فيما بأيدينا ، من الروايات في الكتب المعتبرة ، ومعه لا موجب للاحتياط إلا في خصوص ما في الروايات ، وهو غير مستلزم للعسر فضلاً عما يوجب الاختلال ، ولا إجماع على عدم وجوبه ، ولو سلم الإِجماع على عدم وجوبه لو لم يكن هناك انحلال .

وأما المقدمة الثانية : أما بالنسبة إلى العلم ، فهي بالنسبة إلى أمثال زماننا بيّنة وجدانية ، يعرف الانسداد كل من تعرض للاستنباط والاجتهاد .

وأما بالنسبة إلى العلمي ، فالظاهر أنها غير ثابتة ، لما عرفت من نهوض الأدلة على حجية خبر يوثق بصدقه ، وهو بحمد الله وافٍ بمعظم الفقه ، لا سيّما بضميمة ما علم تفصيلاً منها ، كما لا يخفى .

وأما الثالثة : فهي قطعية ، ولو لم نقل بكون العلم الإِجمالي منجزاً مطلقاً أو فيما جاز ، أو وجب الاقتحام في بعض أطرافه ، كما في المقام حسب ما يأتي ، وذلك لأن إهمال معظم الأحكام وعدم الاجتناب كثيراً عن الحرام ، مما يقطع بأنه مرغوب عنه شرعاً ومما يلزم تركه إجماعاً .

إن قلت : إذا لم يكن العلم بها منجزاً لها للزوم الاقتحام في بعض الأطراف ـ كما أشير إليه ـ فهل كان العقاب على المخالفة في سائر الأطراف ـ حينئذ ـ على تقدير المصادفة إلا عقاباً بلا بيان ؟ والمؤاخذة عليها إلا مؤاخذة بلا برهان ؟!

قلت : هذا إنما يلزم ، لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط ، وقد علم به بنحو اللمّ ، حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه ، بحيث ينافيه عدم إيجابه الاحتياط الموجب للزوم المراعاة ، ولو كان بالالتزام ببعض المحتملات ، مع صحة دعوى الاجماع على عدم جواز الإِهمال في هذا الحال ، وأنه مرغوب عنه شرعاً قطعاً ، [ وأما

٣١٢
 &

مع استكشافه ] (١) فلا تكون المؤاخذة والعقاب حينئذ بلا بيان وبلا برهان ، كما حققناه في البحث وغيره .

وأما المقدمة الرابعة : فهي بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التام بلا كلام ، فيما يوجب عسره اختلال النظام ، وأما فيما لا يوجب ، فمحل نظر بل منع ، لعدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط ، وذلك لما حققناه (٢) في معنى ما دل على نفي الضرر والعسر ، من أن التوفيق بين دليلهما ودليل التكليف أو الوضع المتعلقين بما يعمهما ، هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما ، فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل ، لعدم العسر في متعلق التكليف ، وإنما هو في الجمع بين محتملاته احتياطاً .

نعم ، لو كان معناه نفي الحكم الناشىء من قبله العسر ـ كما قيل (٣) ـ لكانت قاعدة نفيه محكمة على قاعدة الاحتياط ، لأن العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة ، فتكون منفية بنفيه .

ولا يخفى أنه على هذا لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض الأطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط في تمامها ، بل لا بد من دعوى وجوبه شرعاً ، كما أشرنا إليه في بيان المقدمة الثالثة ، فافهم وتأمل جيّداً .

وأما الرجوع إلى الأصول ، فبالنسبة إلى الأصول المثبتة من احتياط أو استصحاب مثبت للتكليف ، فلا مانع عن إجرائها عقلاً مع حكم العقل وعموم النقل . هذا ، ولو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإِجمالي ،

____________________________

(١) هكذا في « أ » وشطب عليها في « ب » .

(٢) تعرض المصنف لقاعدة لا ضرر في ص ٧٢ ( الكتاب ) فليراجع عند قوله أن الظاهر أن يكون لا لنفي الحقيقة ادعاءً .. وقوله بعد أسطر ثم الحكم الذي أريد نفيه بنفي الضرر ... إلخ .

(٣) القائل هو الشيخ الأنصاري ( قدس سره ) انظر ، فرائد الأصول / ٣١٤ ورسالة قاعدة نفي الضرر في مكاسبه ، المكاسب / ٣٧٢ .

٣١٣
 &

لاستلزام شمول دليله لها التناقض في مدلوله ، بداهة تناقض حرمة النقض في كل منها بمقتضى ( لا تنقض ) لوجوبه في البعض ، كما هو قضية ( ولكن تنقضه بيقين آخر ) وذلك لأنه إنما يلزم فيما إذا كان الشك في أطرافه فعلياً .

وأما إذا لم يكن كذلك ، بل لم يكن الشك فعلاً إلا في بعض أطرافه ، وكان بعض أطرافه الآخر غير ملتفت إليه فعلاً أصلاً ، كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام ، كما لا يخفى ، فلا يكاد يلزم ذلك ، فإن قضية ( لا تنقض ) ليس حينئذ إلا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك ، وليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له ، فافهم .

ومنه قد انقدح ثبوت حكم العقل وعموم النقل بالنسبة إلى الأصول النافية أيضاً ، وأنه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدليل لها لو لم يكن هناك مانع عقلاً أو شرعاً من إجرائها ، ولا مانع كذلك لو كانت موارد الأصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلاً ، أو نهض عليه علمي بمقدار المعلوم إجمالاً ، بل بمقدار لم يكن معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط ، وإن لم يكن بذاك المقدار ، ومن الواضح أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال .

وقد ظهر بذلك أن العلم الإِجمالي بالتكاليف ربما ينحل ببركة جريان الأصول المثبتة وتلك الضميمة ، فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلاً ولا شرعاً أصلاً ، كما لا يخفى .

كما ظهر أنه لو لم ينحل بذلك ، كان خصوص موارد أصول النافية مطلقاً ـ ولو من مظنونات [ عدم ] (١) التكليف ـ محلاً للاحتياط فعلاً ، ويرفع اليد عنه فيها كلاً أو بعضاً ، بمقدار رفع الاختلال أو رفع العسر ـ على ما عرفت ـ لا محتملات التكليف مطلقاً .

____________________________

(١) أثبتناها من « ب » .

٣١٤
 &

وأما الرجوع إلى فتوى العالم فلا يكاد يجوز ، ضرورة أنه لا يجوز إلا للجاهل لا للفاضل الذي يرى خطأ من يدعي انفتاح باب العلم أو العلمي ، فهل يكون رجوعه إليه بنظره إلا من قبيل رجوع الفاضل إلى الجاهل ؟ .

وأما المقدمة الخامسة : فلاستقلال العقل بها ، وأنه لا يجوز التنزل ـ بعد عدم التمكن من الإِطاعة العلمية أو عدم وجوبها ـ إلا إلى الإِطاعة الظنية دون الشكية أو الوهمية ، لبداهة مرجوحيّتهما بالإِضافة إليها ، وقبح ترجيح المرجوح على الراجح ، لكنك عرفت عدم وصول النوبة إلى الإِطاعة الاحتمالية ، مع دوران الأمر بين الظنية والشكية أو الوهمية ، من جهة ما أوردناه على المقدمة الأولى من انحلال العلم الاجمالي بما في أخبار الكتب المعتبرة ، وقضيته الاحتياط بالإِلزام عملاً بما فيها من التكاليف ، ولا بأس به حيث لا يلزم منه عسر فضلاً عما يوجب اختلال النظام .

وما أوردنا على المقدمة الرابعة من جواز الرجوع إلى الأصول مطلقاً ، ولو كانت نافية ، لوجود المقتضي وفقد المانع عنه لو كان التكليف في موارد الأصول المثبتة وما علم منه تفصيلاً ، أو نهض عليه دليل معتبر بمقدار المعلوم بالإِجمال ، و إلا فإلى الأصول المثبتة وحدها ، وحينئذ كان خصوص موارد الأصول النافية محلاً لحكومة العقل ، وترجيح مظنونات التكليف فيها على غيرها ، ولو بعد استكشاف وجوب الاحتياط في الجملة شرعاً ، بعد عدم وجوب الاحتياط التام شرعاً أو عقلاً ـ على ما عرفت تفصيله ـ هذا هو التحقيق على ما يساعد عليه النظر الدقيق ، فافهم وتدبر جيداً .

فصل

هل قضية المقدمات على تقدير سلامتها هي حجية الظن بالواقع ، أو بالطريق ، أو بهما ؟ أقوال :

والتحقيق أن يقال : إنه لا شبهة في أن همّ العقل في كل حال إنما هو

٣١٥
 &

تحصيل الأمن من تبعة التكاليف المعلومة ، من العقوبة على مخالفتها ، كما لا شبهة في استقلاله في تعيين ما هو المؤمّن منها ، وفي أن كلّ ما كان القطع به مؤمّناً في حال الانفتاح كان الظن به مؤمّناً حال الانسداد جزماً ، وإن المؤمّن في حال الانفتاح هو القطع بإتيان المكلف به الواقعي بما هو كذلك ، لا بما هو معلوم ومؤدى الطريق ومتعلق العلم ، وهو طريق شرعاً وعقلاً ، أو بإتيانه الجعلي ؛ وذلك لأن العقل قد استقل بأن الإِتيان بالمكلف به الحقيقي بما هو هو ، لا بما هو مؤدى الطريق مبرىء للذمة قطعاً .

كيف ؟ وقد عرفت أن القطع بنفسه طريق لا يكاد تناله يد الجعل إحداثاً وإمضاءً ، إثباتاً ونفياً ، ولا يخفى أن قضية ذلك هو التنزل إلى الظن بكل واحد من الواقع والطريق ، ولا منشأ لتوهم الاختصاص بالظن بالواقع إلا توهم أنه قضية (١) اختصاص المقدمات بالفروع ؛ لعدم انسداد باب العلم في الأصول ، وعدم إلجاء في التنزل إلى الظن فيها ، والغفلة عن أن جريانها في الفروع موجب لكفاية الظن بالطريق في مقام يحصل الأمن من عقوبة التكاليف ، وإن كان باب العلم في غالب الأصول مفتوحاً ، وذلك لعدم التفاوت في نظر العقل في ذلك بين الظنين ، كما أن منشأ توهم الاختصاص بالظن بالطريق وجهان :

أحدهما : ما أفاده بعض الفحول (٢) وتبعه في الفصول (٣) ، قال فيها :

إنا كما نقطع بأنا مكلفون في زماننا هذا تكليفاً فعلياً بأحكام فرعية كثيرة ، لا سبيل لنا بحكم العيان وشهادة الوجدان إلى تحصيل كثير منها بالقطع ، ولا بطريق معين يقطع من السمع بحكم الشارع بقيامه ، أو قيام طريقه مقام القطع ولو عند تعذره ، كذلك نقطع بأن الشارع قد جعل لنا إلى تلك الأحكام طريقاً مخصوصاً ،

____________________________

(١) في « ب » : قضية .

(٢) هو العلامة المحقق الشيخ اسد الله الشوشتري ، كشف القناع عن وجوه حجية الإِجماع / ٤٦٠ .

(٣) الفصول / ٢٧٧ ، مع اختلاف في الألفاظ .

٣١٦
 &

وكلفنا تكليفاً فعلياً بالعمل بمؤدى طرق مخصوصة ، وحيث أنه لا سبيل غالباً إلى تعيينها بالقطع ، ولا بطريق يقطع من السمع بقيامه بالخصوص ، أو قيام طريقه كذلك مقام القطع ولو بعد تعذره ، فلا ريب أن الوظيفة في مثل ذلك بحكم العقل إنما هو الرجوع في تعيين ذلك الطريق إلى الظن الفعلي الذي لا دليل على [ عدم ] (١) حجيته ؛ لأنه أقرب إلى العلم ، وإلى إصابة الواقع مما عداه .

وفيه : أولاً ـ بعد تسليم العلم بنصب طرق خاصة باقية فيما بأيدينا من الطرق الغير العلمية ، وعدم وجود المتيقن بينها أصلاً ـ أن قضية ذلك هو الاحتياط في أطراف هذه الطرق المعلومة بالإِجمال لا تعيينها بالظن .

لا يقال (٢) : الفرض هو عدم وجوب الاحتياط ، بل عدم جوازه ، لأنّ الفرض إنما هو عدم وجوب الاحتياط التام في أطراف الأحكام ، مما يوجب العسر المخل بالنظام ، لا الاحتياط في خصوص ما بأيدينا من الطرق .

فإن قضية هذا الاحتياط هو جواز رفع اليد عنه في غير مواردها ، والرجوع إلى الأصل فيها ولو كان نافياً للتكليف ، وكذا فيما إذا نهض الكل على نفيه ، وكذا فيما إذا تعارض فردان من بعض الأطراف فيه نفياً وإثباتاً مع ثبوت المرجح للنافي ، بل مع عدم رجحان المثبت في خصوص الخبر منها ، ومطلقاً في غيره بناء على عدم ثبوت الترجيح على تقدير الاعتبار في غير الأخبار ، وكذا لو تعارض اثنان منها في الوجوب والتحريم ، فإن المرجع في جميع ما ذكر من موارد التعارض هو الأصل الجاري فيها ولو كان نافياً ، لعدم نهوض طريق معتبر ولا ما هو من أطراف العلم به على خلافه ، فافهم .

وكذا كل مورد لم يجر فيه الأصل المثبت ، للعمل بانتقاض الحالة السابقة فيه

____________________________

(١) أثبتنا الزيادة من الفصول و « ب » .

(٢) إيراد ذكره الشيخ ( قدس سره ) وأمر بالتأمل فيه ، فرائد الأصول / ١٣٢ ، عند قوله : اللهم إلّا أن يقال إنه يلزم الحرج ... إلخ .

٣١٧
 &

إجمالاً بسبب العلم به ، أو بقيام أمارة معتبرة عليه في بعض أطرافه ، بناءً على عدم جريانه بذلك .

وثانياً : لو سلم أنّ قضيته (١) لزوم التنزّل إلى الظن ، فتوهّم أن الوظيفة حينئذٍ هو خصوص الظن بالطريق فاسد قطعاً ، وذلك لعدم كونه أقرب إلى العلم وإصابة الواقع من الظن ، بكونه مؤدى طريق معتبر من دون الظن بحجية طريق أصلاً ، ومن الظن بالواقع ، كما لا يخفى .

لا يقال : إنما لا يكون أقرب من الظن بالواقع ، إذا لم يصرف التكليف الفعلي عنه إلى مؤدّيات الطرق ولو بنحو التقييد ، فإن الالتزام به بعيد ، إذ الصرف لو لم يكن تصويباً محالاً ، فلا أقلّ من كونه مجمعاً على بطلانه ؛ ضرورة أنّ القطع بالواقع يجدي في الإِجزاء بما هو واقع ، لا بما هو مؤدى طريق القطع ، كما عرفت .

ومن هنا انقدح أن التقييد أيضاً غير سديد ، مع أن الالتزام بذلك غير مفيد ، فإن الظن بالواقع فيما ابتلي به من التكاليف لا يكاد ينفكّ عن الظن بأنه مؤدى طريق معتبر ، والظن بالطريق ما لم يظن بإصابته (٢) الواقع غير مجدٍ بناءً على التقييد ، لعدم استلزامه الظن بالواقع المقيد به بدونه .

هذا مع عدم مساعدة نصب الطريق على الصرف ولا على التقييد ، غايته أن العلم الإِجمالي بنصب طرق وافية يوجب انحلال العلم بالتكاليف الواقعية إلى العلم بما هو مضامين الطرق المنصوبة من التكاليف الفعلية ، والانحلال وإن كان يوجب عدم تنجز ما لم يؤد إليه الطريق من التكاليف الواقعية ، إلا أنه إذا كان رعاية العلم بالنصب لازماً ، والفرض عدم اللزوم ، بل عدم الجواز .

وعليه يكون التكاليف الواقعية ، كما إذا لم يكن هناك علم بالنصب في كفاية

____________________________

(١) في « ب » : قضية .

(٢) في « ب » : بإصابة .

٣١٨
 &

الظن بها حال انسداد باب العلم ، كما لا يخفى ، ولا بد حينئذ من عناية أخرى (١) في لزوم رعاية الواقعيات بنحو من الإِطاعة ، وعدم إهمالها رأساً كما أشرنا إليه (٢) ، ولا شبهة في أن الظن بالواقع لو لم يكن أولى حينئذ لكونه أقرب في التوسل به إلى ما به الاهتمام من فعل الواجب وترك الحرام ، من الظن بالطريق ، فلا أقل من كونه مساوياً فيما يهم العقل من تحصيل الأمن من العقوبة في كل حال ، هذا مع ما عرفت من أنه عادة يلازم الظن بأنه مؤدى طريق ، وهو بلا شبهة يكفي ، ولو لم يكن هناك ظن بالطريق ، فافهم فإنه دقيق .

ثانيهما : ما اختص به بعض المحققين (٣) ، قال :

( لا ريب في كوننا مكلفين بالأحكام الشرعية ، ولم يسقط عنا التكليف بالأحكام الشرعية ، وأن الواجب علينا أولاً هو تحصيل العلم بتفريغ الذمة في حكم المكلف ، بأن يقطع معه بحكمه بتفريغ ذمتنا عما كلفنا به ، وسقوط تكليفنا عنا ، سواء حصل العلم معه بأداء الواقع أو لا ، حسبما مر تفصيل القول فيه .

فحينئذ نقول : إن صح لنا تحصيل العلم بتفريغ ذمتنا في حكم الشارع ، فلا إشكال في وجوبه وحصول البراءة به ، وإن انسد علينا سبيل العلم كان الواجب

____________________________

(١) وهي إيجاب الاحتياط في الجملة المستكشف بنحو اللّم ، من عدم الإِهمال في حال الانسداد قطعاً إجماعاً بل ضرورة ، وهو يقتضي التنزل إلى الظن بالواقع حقيقة أو تعبداً ، إذا كان استكشافه في التكاليف المعلومة إجمالاً ؛ لما عرفت من وجوب التنزل عن القطع بكل ما يجب تحصيل القطع به في حال الانفتاح إلى الظن به في هذا الحال ، وإلى الظن بخصوص الواقعيات التي تكون مؤديات الطرق المعتبرة ، أو بمطلق المؤديات لو كان استكشافه في خصوصها أو في مطلقها ، فلا يكاد أن تصل النوبة إلى الظن بالطريق بما هو كذلك وإن كان يكفي ، لكونه مستلزماً للظن بكون مؤداه مؤدى طريق معتبر ، كما يكفي الظن بكونه كذلك ، ولو لم يكن ظن باعتبار طريق أصلاً كما لا يخفى ؛ وأنت خبير بأنه لا وجه لاحتمال ذلك ، وإنما المتيقن هو لزوم رعاية الواقعيات في كل حال ، بعد عدم لزوم رعاية الطرق المعلومة بالإِجمال بين أطراف كثيرة ، فافهم ( منه قدس سره ) .

(٢) راجع صفحة / ٣١٢ .

(٣) وهو العلامة المحقق الشيخ محمد تقي الأصفهاني ، هداية المسترشدين / ٣٩١ .

٣١٩
 &

علينا تحصيل الظن بالبراءة في حكمه ، إذ هو الأقرب إلى العلم به ، فيتعين الأخذ به عند التنزل من العلم في حكم العقل ، بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف ، دون ما يحصل معه الظن بأداء الواقع ، كما يدعيه القائل بأصالة حجية الظن ) . انتهى موضع الحاجة من كلامه ، زيد في علو مقامه .

وفيه أولاً : إن الحاكم على الاستقلال في باب تفريغ الذمة بالإِطاعة والامتثال إنما هو العقل ، وليس للشارع في هذا الباب حكم مولوي يتبعه حكم العقل ، ولو حكم في هذا الباب كان بتبع حكمه إرشاداً إليه ، وقد عرفت استقلاله بكون الواقع بما هو [ هو ] مفرّغ (١) ، وأن القطع به حقيقة أو تعبداً مؤمّن جزماً ، وأن المؤمّن في حال الانسداد هو الظن بما كان القطع به مؤمّناً حال الانفتاح ، فيكون الظن بالواقع أيضاً مؤمّناً حال الانسداد .

وثانياً : سلّمنا ذلك ، لكن حكمه بتفريغ الذمة ـ فيما إذا أتى المكلف بمؤدى الطريق المنصوب ـ ليس إلا بدعوى أن النصب يستلزمه ، مع أن دعوى أن التكليف بالواقع يستلزم حكمه بالتفريغ فيما إذا أتى به أولىٰ ، كما لا يخفى ، فيكون الظن به ظناً بالحكم بالتفريغ أيضاً .

إن قلت : كيف يستلزمه (٢) الظن بالواقع ؟ مع أنه ربما يقطع بعدم حكمه به معه ، كما إذا كان من القياس ، وهذا بخلاف الظن بالطريق ، فإنه يستلزمه ولو كان من القياس .

قلت : الظن بالواقع أيضاً يستلزم (٣) الظن بحكمه بالتفريغ (٤) ، ولا ينافي

____________________________

(١) أثبتنا الزيادة من « أ » والصواب « مفرغاً » بالنصب .

(٢) في « ب » : يستلزم .

(٣) وذلك لضرورة الملازمة بين الإِتيان بما كلف به واقعاً وحكمه بالفراغ ويشهد به عدم جواز الحكم بعدمه ، لو سئل عن أن الإِتيان بالمأمور به على وجهه ، هل هو مفرغ ؟ ولزوم حكمه بأنه مفرغ ، والا لزم عدم إجزاء الأمر الواقعي ، وهو واضح البطلان ( منه قدس سره ) .

(٤) كذا في النسخة المصححة ، وفي « أ » : الظن بهما على الأقوى يستلزم الحكم بالتفريغ .

٣٢٠