كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &



فصل

لا شبهة في لزوم اتباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة ؛ لاستقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات في تعيين المرادات ، مع القطع بعدم الردع عنها ، لوضوح عدم اختراع طريقة أُخرى في مقام الإِفادة لمرامه من كلامه ، كما هو واضح .

والظاهر (١) أن سيرتهم على اتباعها ، من غير تقييد بإفادتها للظن فعلاً ، ولا بعدم الظن كذلك على خلافها قطعاً ، ضرورة أنه لا مجال عندهم للاعتذار عن مخالفتها ، بعدم إفادتها للظن بالوفاق ، ولا بوجود الظن بالخلاف .

كما أن الظاهر عدم اختصاص ذلك بمن قصد إفهامه ؛ ولذا لا يسمع اعتذار من لا يقصد إفهامه إذا خالف ما تضمنه ظاهر كلام المولى ، من تكليف يعمه أو يخصه ، ويصح به الاحتجاج لدى المخاصمة واللجاج ، كما تشهد به صحة الشهادة بالإِقرار من كل من سمعه ولو قصد عدم إفهامه ، فضلاً عما إذا لم يكن بصدد إفهامه ؛ ولا فرق في ذلك بين الكتاب المبين وأحاديث سيد المرسلين والأئمة الطاهرين .

وإن ذهب بعض الأصحاب إلى عدم حجية ظاهر الكتاب ، إما بدعوى

____________________________

(١) إشارة إلى التفصيلين اللذين أشار إليهما الشيخ في رسائله . فرائد الأصول / ٤٤ .

٢٨١
 &

اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله ومن خوطب به ، كما يشهد به ما (١) ورد في ردع أبي حنيفة وقتادة (٢) عن الفتوى به .

أو بدعوى (٣) أنه لأجل احتوائه على مضامين شامخة ومطالب غامضة عالية ، لا يكاد تصل إليه أيدي أفكار أولي الأنظار الغير الراسخين العالمين بتأويله ، كيف ؟ ولا يكاد يصل إلى فهم كلمات الأوائل إلّا الأوحدي من الأفاضل ، فما ظنك بكلامه تعالى مع اشتماله على علم ما كان وما يكون وحكم كل شيء .

أو بدعوى (٤) شمول المتشابه الممنوع عن اتباعه للظاهر ، لا أقل من احتمال شموله لتشابه المتشابه وإجماله .

أو بدعوى أنه وإن لم يكن منه ذاتاً ، إلا أنه صار منه عرضاً ؛ للعلم الإِجمالي بطروء التخصيص والتقييد والتجوز في غير واحد من ظواهره ، كما هو الظاهر .

أو بدعوى شمول الأخبار الناهية (٥) عن تفسير القرآن بالرأي ، لحمل الكلام الظاهر في معنى على إرادة هذا المعنى .

ولا يخفى أن النزاع يختلف صغروياً وكبروياً بحسب الوجوه ، فبحسب غير الوجه الأخير والثالث يكون صغروياً ، وأما بحسبهما فالظاهر أنه كبروي ، ويكون

____________________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٢٩ ، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥٢٧ ، الكافي ٨ : ٣١١ ، الحديث ٤٨٥ .

(٢) هو قتادة بن دِعامة بن عزيز أبو الخطاب السدوسي البصري ، مفسر حافظ ضرير أكمه ، قال أحمد بن حنبل : قتادة أحفظ أهل البصرة ، كان مع علمه بالحديث رأساً في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب ، وكان يرى القدر وقد يدلّس في الحديث ، مات بواسط في الطاعون سنة ١١٨ هـ ، وهو ابن ست وخمسين سنة . ( تذكرة الحفاظ ١ : ١٢٢ الرقم ١٠٧ ) .

(٣) حكي عن الأخباريين ، راجع فرائد الأصول / ٣٤ .

(٤) حكاه الشيخ ( قدس سره ) عن السيد الصدر ، فرائد الأصول / ٣٨ ، شرح الوافية .

(٥) تفسير العيّاشي : ١ / ١٧ ـ ١٨ ، عيون أخبار الرضا : ١ / ٥٩ ، الباب ١١ ، الحديث ٤ ، أمالي الصدوق : ١٥٥ / الحديث ٣ ، التوحيد : ٩٠٥ ، الحديث ٥ .

٢٨٢
 &

المنع عن الظاهر ، إما لأنه من المتشابه قطعاً أو احتمالاً ، أو لكون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير بالرأي ، وكل هذه الدعاوي فاسدة :

أما الاُولى ، فإنما المراد مما دل على اختصاص فهم القرآن ومعرفته بأهله اختصاص فهمه بتمامه بمتشابهاته ومحكماته ؛ بداهة أن فيه ما لا يختص به ، كما لا يخفى .

وردع أبي حنيفة وقتادة عن الفتوى به إنما هو لأجل الاستقلال في الفتوى بالرجوع إليه من دون مراجعة أهله ، لا عن الاستدلال بظاهره مطلقاً ولو مع الرجوع إلى رواياتهم والفحص عما ينافيه ، والفتوى به مع اليأس عن الظفر به ، كيف ؟ وقد وقع في غير واحد من الروايات (١) الإِرجاع إلى الكتاب والاستدلال بغير واحد من آياته (٢) .

وأما الثانية ، فلأن احتواءه على المضامين العالية الغامضة لا يمنع عن فهم ظواهره المتضمنة للأحكام وحجيتها ، كما هو محل الكلام .

وأما الثالثة ، فللمنع عن كون الظاهر من المتشابه ، فإن الظاهر كون المتشابه هو خصوص المجمل ، وليس بمتشابه ومجمل .

وأما الرابعة ، فلأن العلم إجمالاً بطروء إرادة خلاف الظاهر ، إنما يوجب الإِجمال فيما إذا لم ينحل بالظفر في الروايات بموارد إرادة خلاف الظاهر بمقدار المعلوم بالإِجمال .

مع أن دعوى اختصاص أطرافه بما إذا تفحص عما يخالفه لظفر به ، غير بعيدة ، فتأمل جيداً .

____________________________

(١) مثل رواية الثقلين ، راجع الخصال : ١ / ٦٥ ، الحديث ٩٨ ، معاني الأخبار / ٩٠ ، التهذيب : ١ / ٣٦٣ ، الحديث ٢٧ من باب صفة الوضوء ، الوسائل : ١ / ٢٩٠ الباب ٢٣ من أبواب الوضوء ، الحديث ١ .

(٢) في « ب » : الآيات .

٢٨٣
 &

وأما الخامسة ، فيمنع كون حمل الظاهر على ظاهره من التفسير ، فإنه كشف القناع ولا قناع للظاهر ، ولو سلم ، فليس من التفسير بالرأي ، إذ الظاهر أن المراد بالرأي هو الاعتبار الظني الذي لا اعتبار به ، وإنما كان منه حمل اللفظ على خلاف ظاهره ، لرجحانه بنظره ، أو حمل المجمل على محتمله بمجرد مساعدته ذاك الاعتبار ، من دون السؤال عن الأوصياء ، وفي بعض الأخبار (١) ( إنما هلك الناس في المتشابه ، لأنهم لم يقفوا على معناه ، ولم يعرفوا حقيقته ، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء فيعرفونهم ) .

هذا مع أنه لا محيص عن حمل هذه الروايات الناهية عن التفسير به على ذلك ، ولو سلم شمولها لحمل اللفظ على ظاهره ، ضرورة أنه قضية التوفيق بينها وبين ما دل على جواز التمسك بالقرآن ، مثل خبر الثقلين (٢) ، وما دل على التمسك به ، والعمل بما فيه (٣) ، وعرض الأخبار المتعارضة عليه (٤) ، ورد الشروط المخالفة له (٥) ، وغير ذلك (٦) ، مما لا محيص عن إرادة الإِرجاع إلى ظواهره لا خصوص نصوصه ، ضرورة أن الآيات التي يمكن أن تكون مرجعاً في باب تعارض الروايات أو الشروط ، أو يمكن أن يتمسك بها ويعمل بما فيها ، ليست إلا ظاهرة في معانيها ، ليس فيها ما كان نصاً ، كما لا يخفى .

ودعوى العلم الإِجمالي بوقوع التحريف فيه بنحوٍ : إمّا بإسقاط ، أو

____________________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ / ١٤٨ ، الباب ١٣ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ٦٢ .

(٢) الخصال : ١ / ٦٥ الحديث ٩٨ ، ومعاني الأخبار / ٩٠ ، الحديث ١ .

(٣) نهج البلاغة : باب الخطب ، الخطبة ١٧٦ .

(٤) الوسائل ١٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ١٢ ، ١٥ ، ٢٩ .

(٥) الوسائل ١٢ ، الباب ٦ من أبواب الخيار ، الحديث : ١ .

(٦) التهذيب : ١ / ٣٦٣ ، الحديث ٢٧ من باب صفة الوضوء . الوسائل : ١ / ٢٩٠ الباب ٢٣ من أبواب الوضوء ، الحديث : ١ . الوسائل : ١ / ٣٢٧ الباب ٣٩ من أبواب الوضوء ، الحديث : ٥ .

٢٨٤
 &

تصحيف (١) ، وإن كانت غير بعيدة ، كما يشهد به بعض الأخبار (٢) ويساعده الاعتبار ، إلا أنه لا يمنع عن حجية ظواهره ، لعدم العلم بوقوع خلل (٣) فيها بذلك أصلاً .

ولو سلّم ، فلا علم بوقوعه في آيات الأحكام ، والعلم بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات غير ضائر بحجية آياتها ، لعدم حجية ظاهر سائر الآيات ، والعلم الإِجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنما يمنع عن حجيتها إذا كانت كلها حجة ، وإلا لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك ، كما لا يخفى ، فافهم .

نعم لو كان الخلل المحتمل فيه أو في غيره بما اتصل به ، لأخل بحجيته ؛ لعدم انعقاد ظهور له حينئذ ، وإن انعقد له الظهور لولا اتصاله .

ثم إن التحقيق أن الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور مثل ( يطهرن ) بالتشديد والتخفيف ، يوجب الإِخلال بجواز التمسك والاستدلال ، لعدم إحراز ما هو القرآن ، ولم يثبت تواتر القراءات ، ولا جواز الاستدلال بها ، وإن نسب (٤) إلى المشهور تواترها ، لكنه مما لا أصل له ، وإنما الثابث جواز القراءة بها ، ولا ملازمة بينهما ، كما لا يخفى .

ولو فرض جواز الاستدلال بها ، فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها بعد كون الأصل في تعارض الأمارات هو سقوطها عن الحجية في خصوص المؤدى ، بناء على اعتبارها من باب الطريقية ، والتخيير بينها بناء على السببية ، مع عدم دليل على الترجيح في غير الروايات من سائر الأمارات ، فلا بد من الرجوع حينئذ إلى الأصل أو العموم ، حسب اختلاف المقامات .

____________________________

(١) في « ب » : بتصحيف .

(٢) الإِتقان : ١ / ١٠١ ، ١٢١ . مسند أحمد : ١ / ٤٧ . صحيح مسلم : ٤ / ١٦٧ .

(٣) في « ب » : الخلل .

(٤) نسبة الشيخ ( قده ) راجع فرائد الأصول / ٤٠ .

٢٨٥
 &

فصل

قد عرفت حجية ظهور الكلام في تعيين المرام : فإن أحرز بالقطع وأن المفهوم منه جزماً ـ بحسب متفاهم أهل العرف ـ هو ذا فلا كلام ، وإلا فإن كان لأجل احتمال وجود قرينة فلا خلاف في أن الأصل عدمها ، لكن الظاهر أنه معه يبنى على المعنى الذي لولاها كان اللفظ ظاهراً فيه ابتداء ، لا أنه يبنى عليه بعد البناء على عدمها ، كما لا يخفى ، فافهم .

وإن كان لاحتمال قرينية الموجود فهو ، وإن لم يكن بخال عن الإِشكال ـ بناءً على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد ـ إلا أن الظاهر أن يعامل معه معاملة المجمل ، وإن كان لأجل الشك فيما هو الموضوع له لغة أو المفهوم منه عرفاً ، فالأصل يقتضي عدم حجية الظن فيه ، فإنه ظن في أنه ظاهر ، ولا دليل إلا على حجية الظواهر .

نعم نسب (١) إلى المشهور حجية قول اللغوي بالخصوص في تعيين الأوضاع ، واستدل لهم باتفاق العلماء بل العقلاء على ذلك ، حيث لا يزالون يستشهدون بقوله في مقام الاحتجاج بلا إنكار من أحد ، ولو مع المخاصمة واللجاج ، وعن بعض (٢) دعوى الإِجماع على ذلك .

وفيه : أن الاتفاق ـ لو سلم اتفاقه ـ فغير مفيد ، مع أن المتيقّن منه هو الرجوع إليه مع اجتماع شرائط الشهادة من العدد والعدالة .

والإِجماع المحصل غير حاصل ، والمنقول منه غير مقبول ، خصوصاً في مثل

____________________________

(١) نسبه الشيخ ( قده ) راجع فرائد الأصول / ٤٥ ، في القسم الثاني من الظنون المستعملة لتشخيص الأوضاع .

(٢) كالسيد المرتضى على ما نسب إليه ، الذريعة ١ / ١٣ .

٢٨٦
 &

المسألة مما احتمل قريباً أن يكون وجه ذهاب الجل لولا الكل ، هو اعتقاد أنه مما اتفق عليه العقلاء من الرجوع إلى أهل الخبرة من كل صنعة فيما اختص بها .

والمتيقن من ذلك إنما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوق (١) والاطمئنان ، ولا يكاد يحصل من قول اللغوي وثوق بالأوضاع ، بل لا يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك ، بل إنما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال ، بداهة أن همه ضبط موارده ، لا تعيين أن أيّاً منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازاً ، وإلا لوضعوا لذلك علامة ، وليس ذكره أوّلاً علامة كون اللفظ حقيقة فيه ، للانتقاض بالمشترك .

وكون موارد الحاجة إلى قول اللغوي أكثر من أن يحصى ، لانسداد باب العلم بتفاصيل المعاني غالباً ، بحيث يعلم بدخول الفرد المشكوك أو خروجه ، وإن كان المعنى معلوماً في الجملة لا يوجب اعتبار قوله ، ما دام انفتاح باب العلم بالأحكام ، كما لا يخفى ، ومع الانسداد كان قوله معتبراً إذا أفاد الظن ، من باب حجية مطلق الظن ، وإن فرض انفتاح باب العلم باللغات بتفاصيلها فيما عدا المورد .

نعم لو كان هناك دليل على اعتباره ، لا يبعد أن يكون انسداد باب العلم بتفاصيل اللغات موجباً له على نحو الحكمة لا العلة .

لا يقال : على هذا لا فائدة في الرجوع إلى اللغة .

فإنه يقال : مع هذا لا يكاد تخفى الفائدة في المراجعة إليها ، فإنه ربما يوجب القطع بالمعنى ، وربما يوجب القطع بأن اللفظ في المورد ظاهر في معنى ـ بعد الظفر به وبغيره في اللغة ـ وإن لم يقطع بأنه حقيقة فيه أو مجاز ، كما اتفق كثيراً ، وهو يكفي في الفتوى .

____________________________

(١) في « ب » : موجباً للوثوق .

٢٨٧
 &



فصل

الإِجماع المنقول بخبر الواحد حجة عند كثير ممن قال باعتبار الخبر بالخصوص ، من جهة أنه من أفراده ، من دون أن يكون عليه دليل بالخصوص ، فلا بد في اعتباره من شمول أدلة اعتباره له ، بعمومها أو إطلاقها .

وتحقيق القول فيه يستدعي رسم أمور :

الأول : إن وجه اعتبار الإِجماع ، هو القطع برأي الإِمام ( عليه السلام ) ، ومستند القطع به لحاكيه ـ على ما يظهر من كلماتهم ـ هو علمه بدخوله ( عليه السلام ) في المجمعين شخصاً ، ولم يعرف عيناً ، أو قطعه باستلزام ما يحكيه لرأيه ( عليه السلام ) عقلاً من باب اللطف ، أو عادة أو اتفاقاً من جهة حدس رأيه ، وإن لم تكن ملازمة بينهما عقلاً ولا عادة ، كما هو طريقة المتأخرين في دعوى الإِجماع ، حيث إنهم مع عدم الاعتقاد بالملازمة العقلية ولا الملازمة العادية غالباً وعدم العلم بدخول جنابه ( عليه السلام ) في المجمعين عادة ، يحكون الإِجماع كثيراً ، كما أنه يظهر ممن اعتذر عن وجود المخالف بأنه معلوم النسب ، أنه استند في دعوى الإِجماع إلى العلم بدخوله ( عليه السلام ) وممن اعتذر عنه بانقراض عصره ، أنه استند إلى قاعدة اللطف .

هذا مضافاً إلى تصريحاتهم بذلك ، على ما يشهد به مراجعة كلماتهم ، وربما

٢٨٨
 &

يتفق لبعض الأوحدي وجه آخر من تشرفه برؤيته ( عليه السلام ) وأخذه الفتوى من جنابه ، وإنما لم ينقل عنه ، بل يحكي الإِجماع لبعض دواعي الإِخفاء .

الأمر الثاني : إنه لا يخفى اختلاف نقل الإِجماع ، فتارة ينقل رأيه ( عليه السلام ) في ضمن نقله حدساً كما هو الغالب ، أو حساً وهو نادر جداً ، وأخرى لا ينقل إلا ما هو السبب عند ناقله ، عقلاً أو عادة أو اتفاقاً ، واختلاف ألفاظ النقل أيضاً صراحةً وظهوراً وإجمالاً في ذلك ، أي في أنه نقل السبب أو نقل السبب والمسبب .

الأمر الثالث : إنه لا إشكال في حجية الإِجماع المنقول بأدلة حجية الخبر ، إذا كان نقله متضمناً لنقل السبب والمسبب عن حس ، لو لم نقل بأن نقله كذلك في زمان الغيبة موهون جدّاً ، وكذا إذا لم يكن متضمناً له ، بل كان ممحضاً لنقل السبب عن حس ، إلا أنه كان سبباً بنظر المنقول إليه أيضاً عقلاً أو عادة أو اتفاقاً ، فيعامل حينئذ مع المنقول معاملة المحصل في الالتزام بمسببه بأحكامه وآثاره .

وأما إذا كان نقله للمسبب لا عن حس ، بل بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه دون المنقول إليه ففيه إشكال ، أظهره عدم نهوض تلك الأدلة على حجيته ، إذ المتيقن من بناء العقلاء غير ذلك ، كما أن المنصرف من الآيات والروايات ذلك (١) ، على تقدير دلالتهما ، خصوصاً فيما إذا رأى المنقول إليه خطأ الناقل في اعتقاد الملازمة ، هذا فيما انكشف الحال .

وأما فيما اشتبه ، فلا يبعد أن يقال بالاعتبار ، فإنّ عمدة أدلة حجية الأخبار هو بناء العقلاء ، وهم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم أنه عن حس ، يعملون به فيما يحتمل كونه عن حدس ، حيث إنه ليس بناؤهم إذا أخبروا بشيء على التوقف والتفتيش ، عن أنه عن حدس أو حس ، بل العمل على (٢) طبقه والجري على

____________________________

(١) في « ب » : قدم « على تقدير دلالتهما » على « ذلك » .

(٢) في « أ » : على العمل طبقه .

٢٨٩
 &

وفقه بدون ذلك ، نعم لا يبعد أن يكون بناؤهم على ذلك ، فيما لا يكون هناك أمارة على الحدس ، أو اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة .

هذا لكن الإِجماعات المنقولة في ألسنة الأصحاب غالباً مبنية على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلاً ، فلا اعتبار لها ما لم ينكشف أن نقل السبب كان مستنداً إلى الحس ، فلا بد في الإِجماعات المنقولة بألفاظها المختلفة من استظهار مقدار دلالة ألفاظها ، ولو بملاحظة حال الناقل وخصوص موضع النقل ، فيؤخذ بذاك المقدار ويعامل معه كأنه المحصل ، فإن كان بمقدار تمام السبب ، وإلا فلا يجدي ما لم يضم إليه مما حصله أو نقل له من سائر الأقوال أو سائر الأمارات ما به (١) تم ، فافهم .

فتلخص بما ذكرنا : أن الإِجماع المنقول بخبر الواحد ، من جهة حكايته رأي الإِمام ( عليه السلام ) بالتضمن أو الالتزام ، كخبر الواحد في الاعتبار إذا كان من نقل إليه ممن يرى الملازمة بين رأيه ( عليه السلام ) وما نقله من الأقوال ، بنحو الجملة والإِجمال ، وتعمّه أدلة اعتباره ، وينقسم بأقسامه ، ويشاركه في أحكامه ، وإلا لم يكن مثله في الاعتبار من جهة الحكاية .

وأما من جهة نقل السبب ، فهو في الاعتبار بالنسبة إلى مقدار من الأقوال التي نقلت إليه على الإِجمال بألفاظ نقل الإِجماع ، مثل ما إذا نقلت على التفصيل ، فلو ضم إليه مما حصّله أو نقل له (٢) ـ من أقوال السائرين أو سائر الأمارات ـ مقدار كان المجموع منه وما نقل بلفظ الإِجماع بمقدار السبب التام ، كان المجموع كالمحصل ، ويكون حاله كما إذا كان كله منقولاً ، ولا تفاوت في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمامه ، أو ما له دخل فيه وبه قوامه ، كما يشهد به حجيته بلا ريب في تعيين حال السائل ، وخصوصية القضية الواقعة المسؤول عنها ، وغير ذلك مما له دخل في تعيين

____________________________

(١) في « ب » : بانّه .

(٢) في « أ » : إليه ، وصححه المصنف .

٢٩٠
 &

مرامه ( عليه السلام ) من كلامه .

وينبغي التنبيه على أمور :

الأول : إنه قد مر أن مبنى دعوى الإِجماع غالباً ، هو اعتقاد الملازمة عقلاً ، لقاعدة اللطف ، وهي باطلة ، أو اتفاقاً بحدس رأيه ( عليه السلام ) من فتوى جماعة ، وهي غالباً غير مسلّمة ، وأما كون المبنى العلم بدخول الإِمام بشخصه في الجماعة ، أو العلم برأيه للإِطلاع بما يلازمه عادة من الفتاوى ، فقليل جداً في الإِجماعات المتداولة في ألسنة الأصحاب ، كما لا يخفى ، بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله ( عليه السلام ) على نحو الإِجمال في الجماعة في زمان الغيبة ، وإن احتمل تشرف بعض الأوحدي بخدمته ومعرفته أحياناً ، فلا يكاد يجدي نقل الإِجماع إلا من باب نقل السبب بالمقدار الذي أحرز من لفظه ، بما اكتنف به من حال أو مقال ، ويعامل معه معاملة المحصل .

الثاني : إنه لا يخفى أن الإِجماعات المنقولة ، إذا تعارض إثنان منها أو أكثر ، فلا يكون التعارض إلا بحسب المسبب ، وأما بحسب السبب فلا تعارض في البين ، لاحتمال صدق الكل ، لكن نقل الفتاوى على الإِجمال بلفظ الإِجماع حينئذ ، لا يصلح لأن يكون سبباً ، ولا جزء سبب ، لثبوت الخلاف فيها ، إلا إذا كان في أحد المتعارضين خصوصية موجبة لقطع المنقول إليه برأيه ( عليه السلام ) لو اطّلع عليها ، ولو مع اطّلاعه على الخلاف ، وهو وإن لم يكن مع الاطلاع على الفتاوى على اختلافها مفصلاً ببعيد ، إلا أنه مع عدم الاطلاع عليها كذلك إلا مجملاً بعيد ، فافهم .

الثالث : إنه ينقدح مما ذكرنا في نقل الإِجماع حال نقل التواتر ، وأنه من حيث المسبب لا بد في اعتباره من كون الإِخبار به إخباراً على الإِجمال بمقدار يوجب قطع المنقول إليه بما أخبر به لو علم به ، ومن حيث السبب يثبت به كل مقدار كان إخباره بالتواتر دالّاً عليه ، كما إذا أخبر به على التفصيل ، فربما لا يكون إلا دون حد

٢٩١
 &

التواتر ، فلا بد في معاملته معه معاملته من لحوق مقدار آخر من الأخبار ، يبلغ المجموع ذاك الحد .

نعم ، لو كان هناك أثر للخبر المتواتر في الجملة ـ ولو عند المخبر ـ لوجب ترتيبه عليه ، ولو لم يدل على ما بحد التواتر من المقدار .

فصل

مما قيل باعتباره بالخصوص الشهرة في الفتوى ، ولا يساعده دليل ، وتوهّم (١) دلالة أدلة حجية خبر الواحد عليه بالفحوى ، لكون الظن الذي تفيده أقوى مما يفيده الخبر ، فيه ما لا يخفى ، ضرورة عدم دلالتها على كون مناط اعتباره إفادته الظن ، غايته تنقيح ذلك بالظن ، وهو لا يوجب إلا الظن بأنها أولى بالاعتبار ، ولا اعتبار به ، مع أن دعوى القطع بأنه ليس بمناط غير مجازفة .

وأضعف منه ، توهم دلالة المشهورة (٢) والمقبولة (٣) عليه ، لوضوح أن المراد بالموصول في قوله في الاُولى : ( خذ بما اشتهر بين أصحابك ) وفي الثانية : ( ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به ، المجمع عليه بين أصحابك ، فيؤخذ به ) هو الرواية ، لا ما يعم الفتوى ، كما هو أوضح من أن يخفى .

نعم بناء على حجية الخبر ببناء العقلاء ، لا يبعد دعوى عدم اختصاص بنائهم على حجيته ، بل على حجية (٤) كل أمارة مفيدة للظن أو الاطمئنان ، لكن دون إثبات ذلك خرط القتاد .

____________________________

(١) راجع تعليقة المصنف على كتاب فرائد الأصول / ٥٧ .

(٢) عوالي اللآلي ٤ / ١٣٣ ، الحديث ٢٢٩ .

(٣) التهذيب ٦ / ٣٠١ ، الحديث ٥٢ ، والفقيه ٣ / ٥ ، الحديث : ٢ ، باختلاف يسير في الرواية .

(٤) في « ب » : حجيته .

٢٩٢
 &



فصل

المشهور بين الأصحاب حجية خبر الواحد في الجملة بالخصوص ، ولا يخفى أن هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية ، وقد عرفت في أول الكتاب (١) أن الملاك في الأصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط ، ولو لم يكن البحث فيها عن الأدلة الأربعة ، وإن اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في علم الأصول هي الأدلة ، وعليه لا يكاد يفيد في ذلك ـ أي كون هذه المسألة أصولية ـ تجشم دعوى (٢) أن البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل ؛ ضرورة أن البحث في المسألة ليس عن دليلية الأدلة ، بل عن حجية الخبر الحاكي عنها ، كما لا يكاد يفيد عليه تجشم دعوى (٣) أن مرجع هذه المسألة إلى أن السنّة ـ وهي قول الحجة أو فعله أو تقريره ـ هل تثبت بخبر الواحد ، أو لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة ؟ فإن التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الأخبار بها ليس من عوارضها ، بل من عوارض مشكوكها ، كما لا يخفى ، مع أنه لازم لما يبحث عنه في المسألة من حجية الخبر ، والمبحوث عنه في المسائل إنما هو الملاك في أنها من المباحث أو من غيره ، لا ما هو لازمه ، كما هو واضح .

____________________________

(١) راجع ص ٩ .

(٢) انظر دعوى صاحب الفصول ، الفصول / ١٢ .

(٣) راجع فرائد الأصول / ٦٧ ، في الخبر الواحد .

٢٩٣
 &

وكيف كان ، فالمحكي عن السيد (١) والقاضي (٢) وابن زهرة (٣) والطبرسي (٤) وابن إدريس (٥) عدم حجية الخبر ، واستدل (٦) لهم بالآيات الناهية (٧) عن اتباع غير العلم ، والروايات (٨) الدالة على رد ما لم يعلم أنه قولهم ( عليهم

____________________________

(١) الذريعة ٢ : ٥٢٨ ، في التعبد بخبر الواحد ورسالة للسيّد في إبطال العمل بالخبر الواحد ، المطبوعة في رسائل السيد المرتضى ٣ : ٣٠٩ وأجوبته عن مسائل التبانيات المطبوعة في ضمن رسائله ١ : ٢١ ، الفصل الثاني . علم الهدىٰ أبو القاسم علي بن الحسين المشهور بالسيد المرتضىٰ ، تولد سنة ٣٥٥ ، حاز من الفضائل ما تفرد به ، له تصانيف مشهورة منها « الشافي » في الامامة و « الذخيرة » و « الذريعة » وغيرها ، خلف بعد وفاته ثمانين الف مجلد من مقرواته ومصنفاته ، توفي لخمس بقين من شهر ربيع الاول سنة ٤٣٦ هـ . ( الكنىٰ والالقاب ٢ / ٤٨٣ ) .

(٢) الشيخ عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج ، وجه الأصحاب وفقيههم ، لقب بالقاضي لكونه قاضياً في طرابلس ، قرأ علىٰ السيد والشيخ فترة ويروي عنهما وعن الكراجكي وابي الصلاح الحلبي . له « المهذب » و « الموجز » و « الكامل » و « الجواهر » . توفي في ٩ شعبان سنة ٤٨١ ( الكنى والالقاب ١ / ٢٢٤ ) .

(٣) الغنية : ٤٧٥ ، ( المطبوعة في الجوامع الفقهية ) .

ابو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي العالم الفاضل الفقيه ، يروي عن والده وغيره ، له « غنية النزوع الى علمي الأصول والفروع » و « قبس الأنوار في نصرة العترة الأطهار » توفي سنة ٥٨٥ في سن اربع وسبعين ، قبره بحلب بسفح جبل جوشن عند مشهد السقط .

( الكنى والألقاب ١ / ٢٩٩ ) .

(٤) كذا يظهر من تفسيره آية النبأ ، مجمع البيان ٥ : ١٣٣ .

أمين الاسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي المشهدي مفسر فقيه صاحب كتاب مجمع البيان وجوامع الجامع ، كان معاصراً لصاحب الكشاف ، يروي عنه جماعة من أفاضل العلماء ، منهم ولده الحسن بن الفضل وابن شهر آشوب والقطب الراوندي ، انتقل من المشهد الرضوي الى سبزوار سنة ٥٢٣ وانتقل منها الى دار الخلود سنة ٥٤٨ وحمل نعشه الى المشهد المقدس وقبره معروف ( رياض العلماء ٤ / ٣٤٠ ) .

(٥) السرائر : ٥ .

(٦) المعتمد ٢ : ١٢٤ .

(٧) الإِسراء : ٣٦ ، النجم : ٢٨ .

(٨) مستدرك الوسائل ٣ : ١٨٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٠ .

٢٩٤
 &

السلام ) ، أو لم يكن عليه شاهد من كتاب الله أو شاهدان (١) ، أو لم يكن موافقاً للقرآن إليهم (٢) ، أو على بطلان ما لا يصدّقه كتاب الله (٣) ، أو على أن ما لا يوافق كتاب الله زخرف (٤) ، أو على النهي عن قبول حديث إلا ما وافق الكتاب أو السنة (٥) ، إلى غير ذلك (٦) .

والإِجماع المحكي (٧) عن السيد في مواضع من كلامه ، بل حكي (٨) عنه أنه جعله بمنزلة القياس ، في كون تركه معروفاً من مذهب الشيعة .

والجواب : أما عن الآيات ، فبأن الظاهر منها أو المتيقن من إطلاقاتها هو اتباع غير العلم في الأصول الاعتقادية ، لا ما يعم الفروع الشرعية ، ولو سلم عمومها لها ، فهي مخصصة بالأدلة الآتية على اعتبار الأخبار .

وأما عن الروايات ، فبأن الاستدلال بها خال عن السداد ، فإنها أخبار آحاد .

لا يقال : إنها وإن لم تكن متواترة لفظاً ولا معنىً ، إلا أنها متواترة إجمالاً ، للعلم الإِجمالي بصدور بعضها لا محالة .

فإنه يقال : إنها وإن كانت كذلك ، إلا أنها لا تفيد إلا في ما توافقت عليه ، وهو غير مفيد في إثبات السلب كليّاً ، كما هو محل الكلام ومورد النقض والإِبرام ، وإنما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنة ، والالتزام به ليس بضائر ، بل

____________________________

(١) وسائل الشيعة ١٨ : ٨٠ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٨ .

(٢) مستدرك الوسائل ٣ : ١٨٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥ .

(٣) المحاسن ١ : ٢٢١ .

(٤) وسائل الشيعة ١٨ : ٧٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٢ .

(٥) وسائل الشيعة ١٨ : ٧٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١١ .

(٦) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ : أحاديث باب ٩ من أبواب صفات القاضي .

(٧) أجوبة المسائل التبانيات ١ : ٢٤ ، الفصل الثاني .

(٨) رسائل السيد المرتضىٰ ٣ : ٣٠٩ ، رسالة إبطال العمل بالخبر الواحد .

٢٩٥
 &

لا محيص عنه في مقام المعارضة .

وأما عن الإِجماع ، فبأن المحصّل منه غير حاصل ، والمنقول منه للاستدلال به غير قابل ، خصوصاً في المسألة ، كما يظهر وجهه للمتأمل ، مع أنه معارض بمثله ، وموهون بذهاب المشهور إلى خلافه .

وقد استدل للمشهور بالأدلة الأربعة :

فصل

في الآيات التي استدل بها :

فمنها : آية النبأ ، قال الله تبارك وتعالى : ( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) (١) . ويمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه (٢) : أظهرها أنه من جهة مفهوم الشرط ، وأن تعليق الحكم بإيجاب التبين عن النبأ الذي جيء به على كون الجائي به الفاسق (٣) ، يقتضي انتفاءه عند انتفائه .

ولا يخفى أنه على هذا التقرير لا يرد : أن الشرط في القضية لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم له ، أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع ، فافهم .

نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ ومجيء الفاسق به ، كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع ، مع أنه يمكن أن يقال : إن القضية ولو كانت مسوقة لذلك ، إلا أنها ظاهرة في انحصار موضوع وجوب التبين في النبأ الذي جاء به الفاسق ، فيقتضي انتفاء وجوب التبين عند انتفائه ووجود موضوع آخر ، فتدبر .

ولكنه يشكل (٤) بأنه ليس لها ها هنا مفهوم ، ولو سلّم أن أمثالها ظاهرة في

____________________________

(١) الحجرات : ٦ .

(٢) ذكر الوجوه في حاشية الفرائد / ٦٠ .

(٣) في منتهى الدراية ٤ / ٤٤١ : فاسقاً .

(٤) وللمزيد راجع فرائد الأصول / ٧٢ ، وعدة الأصول ١ / ٤٤ ، ومعارج الأصول / ١٤٥ .

٢٩٦
 &

المفهوم ، لأن التعليل بإصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم والمنطوق ، يكون قرينة على أنه ليس لها مفهوم .

ولا يخفى أن الإِشكال إنما يبتني على كون الجهالة بمعنى عدم العلم ، مع أن دعوى أنها بمعنى السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة .

ثم إنه لو سلم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العدل ، ربما أشكل شمول مثلها للروايات الحاكية لقول الإِمام ( عليه السلام ) بواسطة أو وسائط ، فإنّه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ليس إلا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الأثر الشرعي بلحاظ نفس هذا الوجوب ، فيما كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر ؛ لأنه وإن كان أثراً شرعياً لهما ، إلا أنه بنفس الحكم في مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض .

نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانياً ، فلا بأس في أن يكون بلحاظه أيضاً ، حيث إنه صار أثراً بجعل آخر ، فلا يلزم اتحاد الحكم والموضوع ، بخلاف ما إذا لم يكن هناك إلا جعل واحد ، فتدّبر .

ويمكن ذب الإِشكال (١) ، بأنه إنما يلزم إذا لم يكن القضية طبيعية ، والحكم فيها بلحاظ طبيعة الأثر ، بل بلحاظ أفراده ، وإلا فالحكم بوجوب التصديق يسري إليه سراية حكم الطبيعة إلى أفراده ، بلا محذور لزوم اتحاد الحكم والموضوع .

هذا مضافاً إلى القطع بتحقق ما هو المناط في سائر الآثار في هذا الأثر ـ أي وجوب التصديق ـ بعد تحققه بهذا الخطاب ، وإن كان لا يمكن أن يكون ملحوظاً (٢) لأجل المحذور ، وإلى عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار ، في وجوب الترتيب لدى الإِخبار بموضوع ، صار أثره الشرعي وجوب التصديق ، وهو خبر العدل ، ولو بنفس الحكم في الآية به ، فافهم .

____________________________

(١ و ٢) الصحيح ما اثبتناه وما في النسخ المطبوعة خطأ ظاهر .

٢٩٧
 &

ولا يخفى أنه لا مجال بعد اندفاع الإِشكال بذلك للإِشكال في خصوص الوسائط من الأخبار ، كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلاً ، بأنه لا يكاد يكون خبراً تعبداً إلا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد ، فكيف يكون هذا الحكم المحقق لخبر الصفار تعبداً مثلاً حكماً له أيضاً ، وذلك لأنه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند إخبار العدل به ، كسائر ذوات الآثار من الموضوعات ، لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية ، أو لشمول الحكم فيها له مناطاً ، وإن لم يشمله لفظاً ، أو لعدم القول بالفصل ، فتأمل جيداً .

ومنها : آية النفر ، قال الله تبارك وتعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ) (١) الآية ، وربما يستدل بها من وجوه :

أحدها : إن كلمة ( لعل ) وإن كانت مستعملة على التحقيق في معناها الحقيقي ، وهو الترجي الإِيقاعي الإِنشائي ، إلا أن الداعي إليه حيث يستحيل في حقه تعالى أن يكون هو الترجي الحقيقي ، كان هو محبوبية التحذر عند الإِنذار ، وإذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه شرعاً ، لعدم الفصل ، وعقلاً لوجوبه مع وجود ما يقتضيه ، وعدم حسنه ، بل عدم إمكانه بدونه .

ثانيها : إنه لما وجب الإِنذار لكونه غاية للنفر الواجب ، كما هو قضية كلمة ( لولا ) التحضيضية ، وجب التحذر ، وإلا لغا وجوبه .

ثالثها : إنه جعل غاية للإِنذار الواجب ، وغاية الواجب واجب .

ويشكل الوجه الأول ، بأن التحذر لرجاء إدراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته ، من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة ، حسن ، وليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف ، ولم يثبت ها هنا عدم الفصل ، غايته عدم

____________________________

(١) التوبة : ١٢٢ .

٢٩٨
 &

القول بالفصل .

والوجه الثاني والثالث بعدم انحصار فائدة الإِنذار بـ [ إيجاب ] (١) التحذر تعبداً ، لعدم إطلاق يقتضي وجوبه على الإِطلاق ، ضرورة أن الآية مسوقة لبيان وجوب النفر ، لا لبيان غايتية التحذر ، ولعل وجوبه كان مشروطاً بما إذا أفاد العلم لو لم نقل بكونه مشروطاً به ، فإن النفر إنما يكون لأجل التفقه وتعلم معالم الدين ، ومعرفة ما جاء به سيد المرسلين ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) ، كي ينذروا بها المتخلفين أو النافرين ، على الوجهين في تفسير الآية ، لكي يحذروا إذا أنذروا بها ، وقضيته إنما هو وجوب الحذر عند إحراز أن الإِنذار بها ، كما لا يخفى .

ثم إنه أشكل أيضاً ، بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقاً فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر ، حيث إنه ليس شأن الراوي إلا الإِخبار بما تحمّله ، لا التخويف والإِنذار ، وإنما هو شأن المرشد أو المجتهد بالنسبة إلى المسترشد أو المقلد .

قلت : لا يذهب عليك أنه ليس حال الرواة في الصدر الأول في نقل ما تحملوا من النبي ( صلّى الله عليه وعلى أهل بيته الكرام ) أو الإِمام ( عليه السلام ) من الأحكام إلى الأنام ، إلا كحال نقلة الفتاوى إلى العوام .

ولا شبهة في أنه يصح منهم التخويف في مقام الإِبلاغ والإِنذار والتحذير بالبلاغ ، فكذا من الرواة ، فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي إذا كان مع التخويف ، كان نقله حجة بدونه أيضاً ، لعدم الفصل بينهما جزماً ، فافهم .

ومنها : آية الكتمان ، ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا ) (٢) الآية .

وتقريب الاستدلال بها : إن حرمة الكتمان تستلزم وجوب (٣) القبول عقلاً ،

____________________________

(١) اثبتناها من « ب » .

(٢) البقرة : ١٥٩ .

(٣) أثبتناها من « أ » .

٢٩٩
 &

للزوم لغويته بدونه ، ولا يخفى أنه لو سلمت هذه الملازمة لا مجال (١) للإِيراد على هذه الآية بما أورد على آية النفر ، من دعوى الإِهمال أو استظهار الاختصاص بما إذا أفاد العلم ، فإنها تنافيهما ، كما لا يخفى ، لكنها ممنوعة ، فإن اللغوية غير لازمة ، لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبداً ، وإمكان أن تكون حرمة الكتمان لأجل وضوح الحق بسبب كثرة من أفشاه وبيّنه ، لئلا يكون للناس على الله حجة ، بل كان له عليهم الحجة البالغة .

ومنها : آية السؤال عن أهل الذكر ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٢) . وتقريب الاستدلال بها ما في آية الكتمان .

وفيه : إن الظاهر منها إيجاب السؤال لتحصيل العلم ، لا للتعبد بالجواب .

وقد أورد (٣) عليها : بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر ، فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي ، فإنه بما هو راوٍ لا يكون من أهل الذكر والعلم ، فالمناسب إنما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية .

وفيه : إن كثيراً من الرواة يصدق عليهم أنهم أهل الذكر والاطلاع على رأي الإِمام ( عليه السلام ) كزرارة ومحمد بن مسلم ومثلهما ، ويصدق على السؤال عنهم أنه السؤال عن [ أهل ] (٤) الذكر والعلم ، ولو كان السائل من أضرابهم ، فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية ، وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم من العدول مطلقاً ، لعدم الفصل جزماً في وجوب القبول بين المبتدىء والمسبوق بالسؤال ، ولا بين أضراب زرارة وغيرهم ممن لا يكون من أهل

____________________________

(١) دفع لما أورده الشيخ ـ من الإِشكالين الأولين في آية النفر ـ على الاستدلال بهذه الآية ، فرائد الأصول / ٨١ .

(٢) النحل : ٤٣ ، الأنبياء : ٧ .

(٣) هذا هو الإِيراد الثالث للشيخ على الاستدلال بالآية ، فرائد الأصول / ٨٢ .

(٤) أثبتناها من « ب » .

٣٠٠