كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

من تبعة العقوبة واللوم والمذمّة ـ يمكن أن يقال : إن حسن المؤاخذة والعقوبة إنما يكون من تبعة بُعده عن سيّده بتجرّيه عليه ، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة ، فكما أنه يوجب البعد عنه ، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة ، [ فإنه ] وإن لم يكن باختياره (١) إلا أنه بسوء سريرته وخبث باطنه ، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتاً وإمكانه (٢) ، وإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإِشكال وينقطع السؤال بـ ( لِمَ ) فإن الذاتيات ضروري (٣) الثبوت للذات .

وبذلك أيضاً ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان ؟ والمطيع والمؤمن الإِطاعة والإِيمان ؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لِمَ يكون ناهقاً ؟ والإِنسان لم يكون ناطقاً ؟ .

وبالجملة : تفاوت أفراد الإِنسان في القرب منه تعالى (٤) والبعد عنه ، سبب لاختلافها في استحقاق الجنة ودرجاتها ، والنار ودركاتها ، [ وموجب لتفاوتها في نيل الشفاعة وعدم نيلها ] (٥) ، وتفاوتها في ذلك بالأخرة يكون ذاتياً ، والذاتي لا يعلل .

إن قلت : على هذا ، فلا فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتب والوعظ والإِنذار .

قلت : ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربه أنسه ، ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، قال الله تبارك وتعالى :

____________________________

(١) كيف لا ، وكانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختيارية ، فإنها هي المخالفة العمدية ، وهي لا تكون بالاختيار ، ضرورة أن العمد إليها ليس باختياري ، وإنما تكون نفس المخالفة اختيارية ، وهي غير موجبة للاستحقاق ، وإنما الموجبة له هي العمدية منها ، كما لا يخفى على أولى النهى ( منه قدس سره ) .

(٢) المطبوع في « ب » إمكاناً ، ولكن صححه المصنف ( قده ) بما في المتن .

(٣) في « ب » : ضرورية .

(٤) في « ب » : جل شأنه وعظمت كبرياؤه .

(٥) أثبتناها من « ب » .

٢٦١
 &

( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) وليكون حجة على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ، كيلا يكون للناس على الله حجة ، بل كان له حجة بالغة .

ولا يخفى أن في الآيات (٢) والروايات (٣) ، شهادة على صحة ما حكم به الوجدان الحاكم على الإِطلاق في باب الاستحقاق للعقوبة والمثوبة ، ومعه لا حاجة إلى ما استدل (٤) على استحقاق المتجري للعقاب بما حاصله : إنه لولاه مع استحقاق العاصي له يلزم إناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار ، من مصادفة قطعه الخارجة عن تحت قدرته واختياره ؛ مع بطلانه وفساده ، إذ للخصم أن يقول بأن استحقاق العاصي دونه ، إنما هو لتحقق سبب الاستحقاق فيه ، وهو مخالفته عن عمد واختيار ، وعدم تحققه فيه لعدم مخالفته أصلاً ، ولو بلا اختيار ، بل عدم صدور فعل منه في بعض افراده بالاختيار ، كما في التجري بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام ، كما إذا قطع مثلاً بأن مائعاً خمر ، مع أنه لم يكن بالخمر ، فيحتاج إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية ، كما عرفت بما لا مزيد عليه .

ثم لا يذهب عليك : إنه ليس في المعصية الحقيقية إلا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة ، وهو هتك واحد ، فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم (٥) ، مع ضرورة أن المعصية الواحدة لا توجب إلا عقوبة واحدة ، كما لا وجه لتداخلهما على تقدير استحقاقهما ، كما لا يخفى .

____________________________

(١) الذاريات : ٥٥ .

(٢) الإِسراء : ٣٦ . والبقرة : ٢٢٥ و ٢٨٤ . والأحزاب : ٥ .

(٣) الكافي ٢ / ٦٩ باب النية من كتاب الإِيمان والكفر . وللمزيد راجع وسائل الشيعة ١ / ٣٥ ، الباب ٦ من أبواب مقدمة العبادات ، الحديث ٣ و ٤ و ٦ و ٧ و٨ و ١٠ .

(٤) استدل به المحقق السبزواري ، ذخيرة المعاد / ٢٠٩ ـ ٢١٠ .

(٥) راجع الفصول / ٨٧ ، التنبيه الرابع من مقدمة الواجب .

٢٦٢
 &

ولا منشأ لتوهمه ، إلا بداهة أنه ليس في معصية واحدة إلا عقوبة واحدة ، مع الغفلة عن أن وحدة المسبب تكشف بنحو الإِنّ عن وحدة السبب .

الأمر الثالث : إنه قد عرفت (١) أن القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب ، يوجب عقلاً استحقاق المدح والثواب ، أو الذم والعقاب ، من دون أن يؤخذ شرعاً في خطاب ، وقد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه ، لا يماثله ولا يضاده ، كما إذا ورد مثلاً في الخطاب أنه ( إذا قطعت بوجوب شيء يجب عليك التصدق بكذا ) تارة بنحو يكون تمام الموضوع ، بأن يكون القطع بالوجوب مطلقاً ولو أخطأ موجباً لذلك ، وأخرى بنحو يكون جزءَه وقيده ، بأن يكون القطع به في خصوص ما أصاب موجباً له ، وفي كل منهما يؤخذ طوراً بما هو كاشف وحاكٍ عن متعلقه ، وآخرَ بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به ، وذلك لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإِضافة ـ ولذا كان العلم نوراً لنفسه ونوراً لغيره ـ صح أن يؤخذ فيه بما هو صفة خاصة وحالة مخصوصة ، بإلغاء جهة كشفه ، أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها ، كما صح أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلقه وحاكٍ عنه ، فتكون أقسامه أربعة ، مضافاً إلى ما هو طريق محض عقلاً غير مأخوذ في الموضوع شرعاً .

ثم لا ريب في قيام الطرق والأمارات المعتبرة ـ بدليل حجيتها واعتبارها ـ مقام هذا القسم ، كما لا ريب في عدم قيامها بمجرد ذلك الدليل مقام ما أُخذ في الموضوع على نحو الصفتية من تلك الأقسام ، بل لا بد من دليل آخر على التنزيل ، فإن قضية الحجية والاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار ، لا له بما هو صفة وموضوع ؛ ضرورة أنه كذلك يكون كسائر الموضوعات والصفات .

ومنه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل مقام ما أُخذ في الموضوع على نحو

____________________________

(١) في الأمر الأول صفحة ٢٥٨ .

٢٦٣
 &

الكشف ، فإن القطع المأخوذ بهذا النحو في الموضوع شرعاً ، كسائر ما لها (١) دخل في الموضوعات أيضاً ، فلا يقوم مقامه شيء بمجرد حجيته ، وقيام (٢) دليل على اعتباره ، ما لم يقم دليل على تنزيله ، ودخله في الموضوع كدخله ، وتوهم (٣) كفاية دليل الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه وجعله بمنزلة القطع ، من جهة كونه موضوعاً ومن جهة كونه طريقاً فيقوم مقامه طريقاً كان أو موضوعاً ، فاسد جدّاً .

فإن الدليل الدالّ على إلغاء الاحتمال ، لا يكاد يكفي إلا بأحد التنزيلين ، حيث لا بد في كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل والمنزّل عليه ، ولحاظهما في أحدهما آليّ ، وفي الآخر استقلالي ، بداهة أن النظر في حجيته وتنزيله منزلة القطع في طريقيته في الحقيقة إلى الواقع ومؤدى الطريق ، وفي كونه بمنزلته في دخله في الموضوع إلى أنفسهما ، ولا يكاد يمكن الجمع بينهما .

نعم لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما ، يمكن أن يكون دليلاً على التنزيلين ، والمفروض أنه ليس ، فلا يكون دليلاً على التنزيل إلا بذاك اللحاظ الآليّ ، فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه ، وصحة العقوبة على مخالفته في صورتي إصابته وخطئه بناء على استحقاق المتجري ، أو بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالي ، فيكون مثله في دخله في الموضوع ، وترتيب ما له عليه من الحكم الشرعي .

لا يقال : على هذا لا يكون دليلاً على أحد التنزيلين ، ما لم يكن هناك قرينة في البين .

فإنه يقال : لا إشكال في كونه دليلاً على حجيته ، فإن ظهوره في أنه بحسب اللحاظ الآليّ مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ، وإنما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالي من نصب دلالة عليه ، فتأمل في المقام فإنه دقيق ومزالّ الأقدام

____________________________

(١) في حقائق الاصول : ما له ، الحقائق ٢ : ٢٤ .

(٢) في « ب » : أو قيام دليل ... الخ .

(٣) تعريض بما ذكره الشيخ الأنصاري ( قده ) فرائد الأصول / ٤ .

٢٦٤
 &

للأعلام .

ولا يخفى أنه لولا ذلك ، لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد ـ دالّ على إلغاء احتمال خلافه ـ مقام القطع بتمام أقسامه ، ولو فيما (١) أُخذ في الموضوع على نحو الصفتية ، كان تمامه أو قيده وبه قوامه .

فتلخص ممّا ذكرنا : إن الأمارة لا تقوم بدليل اعتبارها إلا مقام ما ليس بمأخوذ (٢) في الموضوع أصلاً .

وأما الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلتها ـ أيضاً ـ غير الاستصحاب ؛ لوضوح أن المراد من قيام المقام ترتيب ما له من الآثار والأحكام ، من تنجز التكليف وغيره ـ كما مرت (٣) إليه الإِشارة ـ وهي ليست إلا وظائف مقررة للجاهل في مقام العمل شرعاً أو عقلاً .

لا يقال : إن الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان .

فإنه يقال : أما الاحتياط العقلي ، فليس إلا لأجل حكم العقل بتنجز التكليف ، وصحة العقوبة على مخالفته ، لا شيء يقوم مقامه في هذا الحكم .

وأما النقلي ، فإلزام الشارع به ، وإن كان مما يوجب التنجز وصحة العقوبة على المخالفة كالقطع ، إلا أنه لا نقول به في الشبهة البدوية ، ولا يكون بنقلي في المقرونة بالعلم الاجمالي ، فافهم .

ثم لا يخفى إن دليل الاستصحاب أيضاً لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ

____________________________

(١) الظاهر أنّه ردّ على الشيخ حيث فصّل بين القطع الموضوعي الطريقي وبين القطع الموضوعي الصفتي ، من جهة قيام الأمارة مقامه وعدم قيامها مقامه ، فرائد الأصول / ٣ .

(٢) في « ب » : مأخوذاً .

(٣) في ص ٢٦٤ عند قوله : ( فيكون حجة موجبة لتنجز متعلقه ... ) .

٢٦٥
 &

في الموضوع مطلقاً ، وإن مثل ( لا تنقض اليقين ) لا بد من أن يكون مسوقاً إما بلحاظ المتيقن ، أو بلحاظ نفس اليقين .

وما ذكرنا في الحاشية (١) ـ في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل منزلة الواقع والقطع ، وأن دليل الاعتبار إنما يوجب تنزيل المستصحب والمؤدى منزلة الواقع ، وإنما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما ، وتنزيل القطع بالواقع تنزيلاً وتعبداً منزلة القطع بالواقع حقيقة ـ لا يخلو من تكلف بل تعسف .

فإنه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده ، بما هو كذلك بلحاظ أثره ، إلا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزاً بالوجدان ، أو تنزيله في عرضه ، فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلاً على تنزيل جزء الموضوع ، ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر ، فيما لم يكن محرزاً حقيقة ، وفيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة ، كما في ما نحن فيه ـ على ما عرفت (٢) ـ لم يكن دليل الأمارة دليلاً عليه أصلاً ؛ فإن دلالته على تنزيل المؤدى تتوقف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة ، ولا دلالة له كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدى ، فإن الملازمة (٣) إنما تكون بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي ، وتنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى ، فتأمل جيّداً ، فإنه لا يخلو عن دقة .

ثم لا يذهب عليك أنّ (٤) هذا لو تمّ لعمّ ، ولا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذاً على نحو الكشف .

الأمر الرابع : لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا

____________________________

(١) حاشية المصنف على الفرائد / ٨ في كيفية تنزيل الأمارة مقام القطع .

(٢) في عدم إمكان الجمع بين اللحاظين / ٢٦٤ .

(٣) في بعض النسخ المطبوعة زيادة هنا حذفها المصنف من نسختي « أ » و « ب » .

(٤) في « أ » و « ب » : إنه .

٢٦٦
 &

الحكم للزوم الدور ، ولا مثله للزوم اجتماع المثلين ، ولا ضده للزوم اجتماع الضدين ، نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضده .

وأما الظن بالحكم ، فهو وإن كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون ، إلا أنه لما كان معه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة ، كان جعل حكم آخر في مورده ـ مثل الحكم المظنون أو ضده ـ بمكان من الامكان .

إن قلت : إن كان الحكم المتعلق به الظن فعلياً أيضاً ، بأن يكون الظن متعلقاً بالحكم الفعلي ، لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعلي آخر مثله أو ضده ، لاستلزامه الظن باجتماع الضدين أو المثلين ، وإنما يصح أخذه في موضوع حكم آخر ، كما في القطع ، طابق النعل بالنعل .

قلت : يمكن أن يكون الحكم فعلياً ، بمعنى أنه لو تعلق به القطع ـ على ما هو عليه من الحال ـ لتنجز واستحق على مخالفته العقوبة ، ومع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلف ، برفع جهله لو أمكن ، أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن ، بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة ، وإلى ضده أخرى ، ولا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده ، كما لا يخفى ، فافهم .

إن قلت : كيف يمكن ذلك ؟ وهل هو إلا أنه يكون مستلزماً لاجتماع المثلين أو الضدين ؟ .

قلت : لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك المعنى ـ أي لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز ـ مع حكم آخر فعلي في مورده بمقتضى الأصل أو الأمارة ، أو دليل أخذ في موضوعه الظن بالحكم بالخصوص ، على ما سيأتي (١) من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهري والواقعي .

____________________________

(١) في بحث الأمارات / ٢٧٨ ، عند قوله : لأن أحدهما طريقي عن مصلحة في نفسه ... إلخ .

٢٦٧
 &

الأمر الخامس : هل تنجز التكليف بالقطع ـ كما يقتضي موافقته عملاً ـ يقتضي موافقته إلتزاماً ، والتسليم له اعتقاداً وانقياداً ؟ كما هو اللازم في الأصول الدينية والأمور الاعتقادية ، بحيث كان له امتثالان وطاعتان ، إحداهما بحسب القلب والجنان ، والأخرى بحسب العمل بالأركان ، فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاماً ولو مع الموافقة عملاً ، أو لا يقتضي ؟ فلا يستحق العقوبة عليه ، بل إنما يستحقها على المخالفة العملية .

الحق هو الثاني ، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان بذلك ، واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده إلا المثوبة دون العقوبة ، ولو لم يكن متسلماً وملتزماً به ومعتقداً ومنقاداً له ، وإن كان ذلك يوجب تنقيصه وانحطاط درجته لدى سيده ، لعدم اتصافه بما يليق أن يتصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه والانقياد لها ، وهذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاماً مع موافقته عملاً ، كما لا يخفى .

ثم لا يذهب عليك ، إنه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية ، لو كان المكلف متمكناً منها لوجب ، ولو فيما لا يجب عليه الموافقة القطعية عملاً ، ولا يحرم المخالفة القطعية عليه كذلك أيضاً لامتناعهما ، كما إذا علم إجمالاً بوجوب شيء أو حرمته ، للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعاً ، والانقياد له والاعتقاد به بما هو الواقع والثابت ، وإن لم يعلم أنه الوجوب أو الحرمة .

وإن أبيت إلا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه ، لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة ، ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعاً ، فإن محذور الالتزام بضد التكليف عقلاً ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به بداهة ، مع ضرورة أن التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام لم يكد يقتضي إلا الالتزام بنفسه عيناً ، لا الالتزام به أو بضده تخييراً .

ومن هنا قد انقدح أنه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الأصول

٢٦٨
 &

الحكمية أو الموضوعية في أطراف العلم لو كانت جارية ، مع قطع النظر عنه ، كما لا يدفع (١) بها محذور عدم الالتزام به (٢) .

إلا أن يقال : إن استقلال العقل بالمحذور فيه إنما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإِقدام والاقتحام في الأطراف ، ومعه لا محذور فيه ؛ بل ولا في الالتزام بحكم آخر .

إلا أن الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول في أطراف العلم الإِجمالي ، مع عدم ترتب أثر عملي عليها ، مع أنها أحكام عملية كسائر الأحكام الفرعية ، مضافاً إلى عدم شمول أدلتها لأطرافه ، للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها ، كما ادعاه (٣) شيخنا العلامة أعلى الله مقامه ، وإن كان محل تأمل ونظر ، فتدبر جيّداً .

الأمر السادس : لا تفاوت في نظر العقل أصلاً فيما يترتب على القطع من الآثار عقلاً ، بين أن يكون حاصلاً بنحو متعارف ، ومن سبب ينبغي حصوله منه ، أو غير متعارف لا ينبغي حصوله منه ، كما هو الحال غالباً في القطّاع ، ضرورة أن العقل يرى تنجز التكليف بالقطع الحاصل مما لا ينبغي حصوله ، وصحة مؤاخذة قاطعه على مخالفته ، وعدم صحة الاعتذار عنها بأنه حصل كذلك ، وعدم صحة المؤاخذة مع القطع بخلافه ، وعدم حسن الاحتجاج عليه بذلك ، ولو مع التفاته إلى كيفية حصوله .

نعم (٤) ربما يتفاوت الحال في القطع المأخوذ في الموضوع شرعاً ، والمتبع في عمومه وخصوصه دلالة دليله في كل مورد ، فربما يدل على اختصاصه بقسم في

____________________________

(١) إشارة إلى ما في فرائد الأصول / ١٩ ، عند قوله : وأما المخالفة الغير العملية ... إلخ .

(٢) هنا زيادة في بعض النسخ المطبوعة حذفها المصنف من نسختي « أ » و « ب » .

(٣) فرائد الأصول / ٤٢٩ ، عند قوله : بل لأن العلم الإِجمالي هنا بانتقاض ... إلخ .

(٤) قد نبه الشيخ في فرائد الأصول / ٣ ، على هذا الاستدراك .

٢٦٩
 &

مورد ، وعدم اختصاصه به في آخر ، على اختلاف الأدلة واختلاف المقامات ، بحسب مناسبات الأحكام والموضوعات ، وغيرها من الأمارات .

وبالجملة القطع فيما كان موضوعاً عقلاً لا يكاد يتفاوت من حيث القاطع ، ولا من حيث المورد ، ولا من حيث السبب ، لا عقلاً ـ وهو واضح ـ ولا شرعاً ، لما عرفت (١) من أنه لا تناله يد الجعل نفياً ولا إثباتاً ، وإن نسب إلى بعض الاخباريين أنه لا اعتبار بما إذا كان بمقدمات عقلية ، إلا أن مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة ، بل تشهد بكذبها ، وأنها إنما تكون إما في مقام منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء وحكم الشرع بوجوبه ، كما ينادي به بأعلى صوته ما حكي (٢) عن السيد الصدر (٣) في باب الملازمة ، فراجع .

وإما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية ، لأنها لا تفيد إلا الظن ، كما هو صريح [ الشيخ المحدث ] (٤) الأمين [ الأسترآبادي ـ رحمه الله ـ ] (٤) حيث قال ـ في جملة ما استدل به في فوائده (٥) على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين في السماع عن الصادقين ( عليهم السلام ) :

الرابع : إن كل مسلك غير ذلك المسلك ـ يعني التمسك بكلامهم ( عليهم الصلاة والسلام ) ـ إنما يعتبر من حيث إفادته الظن بحكم الله تعالى ، وقد أثبتنا

____________________________

(١) تقدم في الأمر الأول : ٢٥٨ .

(٢) راجع ما حكاه الشيخ عن السيد الصدر : فرائد الأصول : ١١ ، وكلام السيد الصدر في شرح الوافية .

(٣) السيد صدر الدين بن محمد باقر الرضوي القمي ، أخذ من أفاضل علماء إصفهان ، كالمدقق الشيرواني والاقا جمال الدين الخونساري والشيخ جعفر القاضي ، ثم إرتحل إلى قُم ، فأخذ في التدريس إلى أن اشتعلت نائرة فتنة الأفغان ، فانتقل منها إلى موطن أخيه الفاضل بهمدان ثم منها إلى النجف الأشرف ، فاشتغل فيها على المولى الشريف أبي الحسن العاملي والشيخ أحمد الجزائري ، تلمذ عليه الأستاذ الأكبر المحقق البهبهاني ، له كتاب « شرح الوافية » توفي في عشر الستين بعد المئة والألف وهو ابن خمس وستين سنة ( الكنى والألقاب ٢ / ٣٧٥ ) .

(٤) أثبتنا الزيادة من « ب » .

(٥) الفوائد المدنية : ١٢٩ .

٢٧٠
 &

سابقاً أنه لا اعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها ) وقال في جملتها أيضاً ـ بعد ذكر ما تفطن بزعمه من الدقيقة ـ ما هذا لفظه (١) :

( وإذا عرفت ما مهدناه من الدقيقة الشريفة ، فنقول : إن تمسكنا بكلامهم عليهم السلام فقد عصمنا من الخطأ ، وإن تمسكنا بغيره لم يعصم عنه ، ومن المعلوم أن العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعاً وعقلاً ، ألا ترى أن الإِمامية استدلوا على وجوب العصمة بأنه لولا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطأ ، وذلك الأمر محال ، لأنه قبيح ، وأنت إذا تأملت في هذا الدليل علمت أن مقتضاه أنه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظني في أحكامه تعالى ) ، انتهى موضع الحاجة من كلامه .

وما مهده من الدقيقة هو الذي نقله شيخنا العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ في الرسالة (٢) .

وقال في فهرست فصولها (٣) أيضاً :

( الأول : في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى شأنه ، ووجوب التوقف عند فقد القطع بحكم الله ، أو بحكم ورد عنهم عليهم السلام ) ، انتهى .

وأنت ترى أن محل كلامه ومورد نقضه وإبرامه ، هو العقليّ الغير المفيد للقطع ، وإنما همّه إثبات عدم جواز اتباع غير النقل فيما لا قطع .

وكيف كان ، فلزوم اتباع القطع مطلقاً ، وصحة المؤاخذة على مخالفته عند إصابته ، وكذا ترتب سائر آثاره عليه عقلاً ، مما لا يكاد يخفى على عاقل فضلاً عن

____________________________

(١) المصدر السابق : ١٣٠ ، مع اختلاف يسير .

(٢) فرائد الأصول / ٩ مبحث القطع .

(٣) الفوائد المدنية / ٩٠ ، باختلاف غير قادح في العبارة .

٢٧١
 &

فاضل ، فلا بد فيما يوهم (١) خلاف ذلك في الشريعة من المنع عن حصول العلم التفصيلي بالحكم الفعلي (٢) لأجل منع بعض مقدماته الموجبة له ، ولو إجمالاً ، فتدبر جيّداً .

الأمر السابع : إنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه ، لا تكاد تناله يد الجعل إثباتاً أو نفياً ، فهل القطع الإِجمالي كذلك ؟ .

فيه إشكال ، ربما يقال : إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف ، وكانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة ، جاز الإِذن من الشارع بمخالفته احتمالاً بل قطعاً ، وليس محذور مناقضته مع المقطوع إجمالاً [ إلّا ] (٣) محذور مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي في الشبهة الغير المحصورة ، بل الشبهة البدوية (٤) ، ضرورة عدم تفاوت في المناقضة بين التكليف الواقعي والإِذن بالاقتحام في مخالفته بين الشبهات أصلاً ، فما به التفصّي عن المحذور فيهما كان به التفصي عنه في القطع به في الأطراف المحصورة أيضاً ، كما لا يخفى ، [ وقد أشرنا إليه سابقاً ، ويأتي (٥) إن شاء الله مفصلاً ] (٦) .

نعم كان العلم الإِجمالي كالتفصيلي في مجرد الاقتضاء ، لا في العلّية التامة (٧) ، فيوجب تنجز التكليف أيضاً لو لم يمنع عنه مانع عقلاً ، كما كان في أطراف كثيرة غير

____________________________

(١) المحاسن / ٢٨٦ ، الحديث ٤٣٠ ـ الكافي : ٢ / ١٦ ، الحديث ٥ . الوسائل : ١٨ / الباب ٦ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٧ .

(٢) في هامش « ب » عن نسخة أخرى : العقلي .

(٣) أثبتناه من « ب » .

(٤) كان هنا اشكال آخر ضرب عليه المصنف في نسختي « أ » و « ب » .

(٥) تقدم في الأمر الرابع / ٢٦٧ ، عند قوله : قلت : لا بأس باجتماع ... إلخ ، ويأتي في أوائل البحث عن حجية الأمارات .

(٦) شطب المصنف على هذه العبارة في (ب) .

(٧) لكنه لا يخفى أن التفصّي عن المناقضة ـ على ما يأتي ـ لما كان بعدم المنافاة بين الحكم الواقعي ما لم يصر فعلياً والحكم الظاهري الفعلي ، كان الحكم الواقعي في موارد الأصول والأمارات المؤدية

٢٧٢
 &

محصورة ، أو شرعاً كما في ما أذن الشارع في الاقتحام فيها ، كما هو ظاهر ( كل شيء فيه حلال وحرام ، فهو لك حلال ، حتى تعرف الحرام منه بعينه ) (١) .

وبالجملة : قضية صحة المؤاخذة على مخالفته ، مع القطع به بين أطراف محصورة وعدم صحتها مع عدم حصرها ، أو مع الإِذن في الاقتحام فيها ، هو كون القطع الإِجمالي مقتضياً للتنجز لا علة تامة .

وأما احتمال (٢) أنه بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى لزوم الموافقة القطعية ، وبنحو العلية بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية وترك المخالفة القطعية ، فضعيف جداً .

ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضين كالقطع بثبوتهما في الاستحالة ، فلا يكون عدم القطع بذلك معها موجباً لجواز الإِذن في الاقتحام ، بل لو صح الإِذن [ معها ] في المخالفة الاحتمالية صح في القطعية أيضاً ، فافهم .

ولا يخفى أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلك ، كما أن المناسب في باب البراءة والاشتغال ـ بعد الفراغ ها هنا عن أن تأثيره في التنجز بنحو الاقتضاء لا العلية ـ هو البحث عن ثبوت المانع شرعاً أو عقلاً وعدم ثبوته ، كما لا مجال بعد

____________________________

إلى خلافه لا محالة غير فعلي ، فحينئذ فلا يجوّز العقل مع القطع بالحكم الفعلي الإِذن في مخالفته ، بل يستقل مع قطعه ببعث المولى أو زجره ولو إجمالاً بلزوم موافقته وإطاعته .

نعم لو عرض بذلك عسر موجب لارتفاع فعليته شرعاً أو عقلاً ، كما إذا كان مخلّاً بالنظام ، فلا تنجز حينئذ ، لكنه لأجل عروض الخلل في المعلوم لا لقصور العلم عن ذلك ، كما كان الأمر كذلك فيما إذا أذن الشارع في الاقتحام ، فإنه أيضاً موجب للخلل في المعلوم ، لا المنع عن تأثير العلم شرعاً ، وقد انقدح بذلك أنه لا مانع عن تأثيره شرعاً أيضاً ، فتأمل جيداً ( منه قدس سره ) .

(١) باختلاف يسير في العبارة : الكافي ٥ / ٣١٣ باب النوادر من كتاب المعيشة ، الحديث ٣٩ . التهذيب ٧ / ٢٢٦ ، الباب ٢١ من الزيادات ، الحديث ٨ ، الفقيه ٣ / ٢١٦ ، الباب ٩٦ الصيد والذبايح الحديث ٩٢ .

(٢) هذه إشارة إلى التفصيل في حجية العلم الإِجمالي كما يستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري في مبحث العلم الاجمالي / ٢١ ، عند قوله : ( وأمّا المخالفة العملية فإن كانت ... ) ، ومبحث الاشتغال / ٢٤٢ ، عند قوله : ( نعم لو أذن الشارع ... ) .

٢٧٣
 &

البناء على أنه بنحو العلية للبحث عنه هناك أصلاً ، كما لا يخفى .

هذا بالنسبة إلى إثبات التكليف وتنجزه به ، وأما سقوطه به بأن يوافقه إجمالاً ، فلا إشكال فيه في التوصليات . وأما [ في ] (١) العباديات فكذلك فيما لا يحتاج إلى التكرار ، كما إذا تردد أمر عبادة بين الأقل والأكثر ، لعدم الإِخلال بشيء مما يعتبر أو يحتمل اعتباره في حصول الغرض منها ، مما لا يمكن أن يؤخذ فيها ، فإنه نشأ من قبل الأمر بها ، كقصد الإطاعة والوجه والتمييز فيما إذا أتى بالأكثر ، ولا يكون إخلال حينئذٍ إلا بعدم إتيان ما احتمل جزئيته على تقديرها بقصدها ، واحتمال دخل قصدها في حصول الغرض ضعيف في الغاية وسخيف إلى النهاية .

وأما فيما احتاج إلى التكرار ، فربما يشكل (٢) من جهة الإِخلال بالوجه تارة ، وبالتمييز أخرى ، وكونه لعباً وعبثاً ثالثة .

وأنت خبير بعدم الإِخلال بالوجه بوجه في الإِتيان مثلاً بالصلاتين المشتملتين على الواجب لوجوبه ، غاية الأمر أنه لا تعيين له ولا تمييز (٣) فالإِخلال إنما يكون به ، واحتمال اعتباره أيضاً في غاية الضعف ، لعدم عين منه ولا أثر في الأخبار ، مع أنه مما يغفل عنه غالباً ، وفي مثله لا بد من التنبيه على اعتباره ودخله في الغرض ، وإلا لأخل بالغرض ، كما نبهنا عليه سابقاً (٤) .

وأما كون التكرار لعباً وعبثاً ، فمع أنه ربما يكون لداع عقلائي ، إنما يضر إذا كان لعباً بأمر المولى ، لا في كيفية إطاعته بعد حصول الداعي إليها ، كما لا يخفى ، هذا كله في قبال ما إذا تمكن من القطع تفصيلاً بالامتثال .

وأما إذا لم يتمكن إلا من الظن به كذلك ، فلا إشكال في تقديمه على الامتثالِ الظني لو لم يقم دليل على اعتباره ، إلا فيما إذا لم يتمكن منه ، وأما لو قام على اعتباره

____________________________

(١) من هامش (ب) عن نسخة أخرى .

(٢) راجع كلام الشيخ قدس فرائد الأصول / ٢٩٩ ، في الخاتمة في شرائط الأصول .

(٣) في « أ وب » التميز .

(٤) في مبحث التعبدي والتوصلي ، ٧٦ .

٢٧٤
 &

مطلقاً ، فلا إشكال في الاجتزاء بالظني ، كما لا إشكال في الاجتزاء بالامتثال الاجمالي في قبال الظني ، بالظن المطلق المعتبر بدليل الانسداد ، بناء على أن يكون من مقدماته عدم وجوب الاحتياط ، وأما لو كان من مقدماته بطلانه لاستلزامه العسر المخل بالنظام ، أو لأنه ليس من وجوه الطاعة والعبادة ، بل هو نحو لعب وعبث بأمر المولى فيما إذا كان بالتكرار ، كما توهّم ، فالمتعين هو التنزل عن القطع تفصيلاً إلى الظن كذلك .

وعليه : فلا مناص عن الذهاب إلى بطلان عبادة تارك طريقي التقليد والاجتهاد ، وإن احتاط فيها ، كما لا يخفى .

هذا بعض الكلام في القطع مما يناسب المقام ، ويأتي بعضه الآخر في مبحث البراءة والاشتغال ، فيقع المقال فيما هو المهم من عقد هذا المقصد ، وهو بيان ما قيل باعتباره من الأمارات ، أو صح أن يقال ، وقبل الخوض في ذلك ينبغي تقديم أمور :

أحدها : إنه لا ريب في أن الأمارة الغير العلمية ، ليس كالقطع في كون الحجية من لوازمها ومقتضياتها بنحو العلية ، بل مطلقاً ، وأن ثبوتها لها محتاج إلى جعل أو ثبوت مقدمات وطروء حالاتٍ موجبة لاقتضائها الحجّية عقلاً ، بناءً على تقرير مقدمات الانسداد بنحو الحكومة ، وذلك لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجية بدون ذلك ثبوتاً بلا خلاف ، ولا سقوطاً وإن كان ربما يظهر فيه من بعض المحققين (١) الخلاف والاكتفاء بالظن بالفراغ ، ولعله لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل ، فتأمل .

ثانيها : في بيان إمكان التعبد بالأمارة الغير العلمية شرعاً ، وعدم لزوم

____________________________

(١) لعلّه المحقق الخوانساري ( ره ) كما قد يستظهر من بعض كلماته في مسألة ما لو تعدد الوضوء ولم يعلم محل المتروك ( الخلل ) ، راجع مشارق الشموس / ١٤٧ .

٢٧٥
 &

محال منه عقلاً ، في قبال دعوى استحالته للزومه ، وليس (١) الإِمكان بهذا المعنى ، بل مطلقاً أصلاً متّبعاً (٢) عند العقلاء ، في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع ، لمنع كون سيرتهم على ترتيب آثار الإِمكان عند الشك فيه ، ومنع حجيتها ـ لو سلم ثبوتها ـ لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها ، والظن به لو كان فالكلام الآن في إمكان التعبد بها وامتناعه ، فما ظنك به ؟ لكن دليل وقوع التعبد بها من طرق إثبات إمكانه ، حيث يستكشف به عدم ترتب محال من تالٍ باطل فيمتنع مطلقاً ، أو على الحكيم تعالى ، فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى إثبات الإِمكان ، وبدونه لا فائدة في إثباته ، كما هو واضح .

وقد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلامة (٣) ـ أعلى الله مقامه ـ من كون الإِمكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلاً ، والإِمكان في كلام الشيخ الرئيس (٤) : ( كلما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإِمكان ، ما لم يذدك عنه واضح البرهان ) ، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع والإِيقان ، ومن الواضح أن لا موطن له إلا الوجدان ، فهو المرجع فيه بلا بينة وبرهان .

وكيف كان ، فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبد بغير العلم من المحال ، أو الباطل ولو لم يكن بمحال أمور :

أحدها : إجتماع المثلين من إيجابين أو تحريمين مثلاً فيما أصاب ، أو ضدين من إيجاب وتحريم ومن إرادة وكراهة ومصلحة ومفسدة ملزمتين بلا كسر وانكسار في البين فيما أخطأ ، أو التصويب وأن لا يكون هناك غير مؤديات الأمارات أحكام .

____________________________

(١) هذا تعريض بالشيخ ( ره ) حيث اعترض على المشهور بما لفظه : ( وفي هذا التقرير نظر ... ) ، فرائد الأصول / ٢٤ ، في إمكان التعبد بالظن .

(٢) في « أ » : بأصل متبع .

(٣) فرائد الأصول / ٢٤ ، في إمكان التعبّد بالظن .

(٤) راجع الإِشارات والتنبيهات : ٣ / ٤١٨ ، النمط العاشر في أسرار الآيات ، نصيحة .

٢٧٦
 &

ثانيها : طلب الضدين فيما إذا أخطأ وأدى إلى وجوب ضد الواجب .

ثالثها : تفويت المصلحة أو الإِلقاء في المفسدة فيما أدى إلى عدم وجوب ما هو واجب ، أو عدم حرمة ما هو حرام ، وكونه محكوماً بسائر الأحكام .

والجواب : إن ما ادعي لزومه ، إما غير لازم ، أو غير باطل ، وذلك لأن التعبد بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته ، والحجية المجعولة غير مستتبعة لإِنشاء أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق ، بل إنما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا أصاب ، وصحته الاعتذار به إذا أخطأ ، ولكون مخالفته وموافقته تجرياً وانقياداً مع عدم إصابته ، كما هو شأن الحجة الغير المجعولة ، فلا يلزم اجتماع حكمين مثلين أو ضدين ، ولا طلب الضدين ولا اجتماع المفسدة والمصلحة ولا الكراهة والإِرادة ، كما لا يخفى .

وأما تفويت مصلحة الواقع ، أو الإِلقاء في مفسدته فلا محذور فيه أصلاً ، إذا كانت في التعبد به مصلحة غالبة على مفسدة التفويت أو الإِلقاء .

نعم لو قيل باستتباع جعل الحجية للأحكام التكليفية ، أو بأنه لا معنى لجعلها إلا جعل تلك الأحكام ، فاجتماع حكمين وإن كان يلزم ، إلا أنهما ليسا بمثلين أو ضدين ، لأن احدهما طريقي عن مصلحة في نفسه موجبة لإِنشائه الموجب للتنجز ، أو لصحة الاعتذار بمجرده من دون إرادة نفسانية أو كراهة كذلك متعلقة بمتعلقه فيما يمكن هناك انقداحهما ، حيث إنه مع المصلحة أو المفسدة الملزمتين في فعل ، وإن لم يحدث بسببها إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى ، إلا أنه إذا أوحى بالحكم الناشىء (١) من قبل تلك المصلحة أو المفسدة إلى النبي ، أو ألهم به الوليّ ، فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة بسببهما (٢) ، الإِرادة أو الكراهة الموجبة للإِنشاء بعثاً أو زجراً ، بخلاف ما ليس هناك مصلحة أو مفسدة في المتعلق ، بل إنما كانت في نفس

____________________________

(١) في « ب » : الشاني .

(٢) في « ب » بسببها .

٢٧٧
 &

إنشاء الامر به طريقياً .

والآخر واقعي حقيقي عن مصلحة أو مفسدة في متعلقه ، موجبة لإِرادته أو كراهته ، الموجبة لإِنشائه بعثاً أو زجراً في بعض المبادىء العالية ، وإن لم يكن في المبدأ الأعلى إلا العلم بالمصلحة أو المفسدة ـ كما أشرنا ـ فلا يلزم أيضاً اجتماع إرادة وكراهة ، وإنما لزم إنشاء حكم واقعي حقيقي بعثاً وزجراً ، وإنشاء حكم آخر طريقي ، ولا مضادة بين الإِنشاءين فيما إذا اختلفا ، ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتفقا ، ولا إرادة ولا كراهة أصلاً إلا بالنسبة إلى متعلق الحكم الواقعي ، فافهم .

نعم يشكل الأمر في بعض الأصول العملية ، كأصالة الإِباحة الشرعية ، فإن الإِذن في الإِقدام والاقتحام ينافي المنع فعلاً ، كما فيما صادف الحرام ، وإن كان الإِذن فيه لأجل مصلحة فيه ، لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة ملزمة في المأذون فيه ؛ فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام بعدم انقداح الإِرادة أو الكراهة في بعض المبادىء العالية أيضاً ، كما في المبدأ الأعلى ، لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي ، بمعنى كونه على صفة ونحو لو علم به المكلف لتنجز عليه ، كسائر التكاليف الفعلية التي تتنجز بسبب القطع بها ، وكونه فعلياً إنما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبويّة أو الولويّة ، فيما إذا لم ينقدح فيها الإِذن لأجل مصلحة فيه .

فانقدح بما ذكرنا أنه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعي في مورد الأصول والأمارات فعلياً ، كي يشكل تارة بعدم لزوم الإِتيان حينئذ بما قامت الأمارة على وجوبه ، ضرورة عدم لزوم إمتثال الأحكام الإِنشائية ما لم تصر فعلية ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر ، ولزوم الإِتيان به مما لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان .

لا يقال : لا مجال لهذا الإِشكال ، لو قيل بأنها كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائية ، لأنها بذلك تصير فعلية ، تبلغ تلك المرتبة .

فإنه يقال : لا يكاد يحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائي لا حقيقة ولا تعبداً ، إلّا حكم إنشائي تعبداً ، لا حكم إنشائي أدّت إليه الأمارة ، أما

٢٧٨
 &

حقيقة فواضح ، وأما تعبداً فلأنّ قصارى ما هو قضية حجية الأمارة كون مؤدّاها (١) هو الواقع تعبداً ، لا الواقع الذي أدّت إليه الأمارة ، فافهم .

أللهم إلّا أن يقال : إن الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ـ الذي صار مؤدّى لها ـ هو دليل الحجية بدلالة الاقتضاء ، لكنه لا يكاد يتم إلا إذا لم يكن للأحكام بمرتبتها الإِنشائية أثر أصلاً ، وإلا لم تكن لتلك الدلالة مجال ، كما لا يخفى .

وأخرى بأنّه كيف يكون التوفيق بذلك ؟ مع احتمال أحكام فعلية بعثيّة أو زجريّة في موارد الطرق والأصول العملية المتكفلة لأحكام فعلية ؛ ضرورة أنه كما لا يمكن القطع بثبوت المتنافيين ، كذلك لا يمكن احتماله .

فلا يصح التوفيق بين الحكمين ، بالتزام كون الحكم الواقعي ـ الذي يكون مورد الطرق ـ إنشائياً غير فعلي ، كما لا يصح بأن الحكمين ليسا في مرتبة واحدة بل في مرتبتين ؛ ضرورة تأخّر الحكم الظاهري عن الواقعي بمرتبتين ، وذلك لا يكاد يجدي ، فإن الظاهري وإن لم يكن في تمام مراتب الواقعي ، إلا أنّه يكون في مرتبته أيضاً .

وعلى تقدير المنافاة لزم اجتماع المتنافيين في هذه المرتبة ؛ فتأمل فيما ذكرنا من التحقيق في التوفيق ، فإنه دقيق وبالتأمل حقيق .

ثالثها : إن الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص شرعاً ولا يحرز التعبد به واقعاً ، عدم حجيته جزماً ، بمعنى عدم ترتب الآثار المرغوبة من الحجة عليه قطعاً ، فإنها لا تكاد تترتب إلّا على ما اتّصف بالحجية فعلاً ، ولا يكاد يكون الاتصاف بها ، إلا إذا أحرز التعبد به وجعله طريقاً متبعاً ؛ ضرورة أنه بدونه لا يصح المؤاخذة على مخالفة التكليف بمجرد إصابته ، ولا يكون عذراً لدى مخالفته مع عدمها ، ولا يكون

____________________________

(١) في « أ » : مؤداه .

٢٧٩
 &

مخالفته تجرياً ، ولا يكون موافقته بما هي موافقة انقياداً ، وإن كانت بما هي محتملة لموافقة الواقع كذلك إذا وقعت برجاء إصابته ، فمع الشك في التعبد به يقطع بعدم حجيته وعدم ترتيب شيء من الآثار عليه ، للقطع بانتفاء الموضوع معه ، ولعمري هذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان .

وأما صحة الالتزام (١) بما أدى إليه من الأحكام ، وصحة نسبته إليه تعالى ، فليستا من آثارها ؛ ضرورة أن حجية الظن عقلاً ـ على تقرير الحكومة في حال الانسداد ـ لا توجب صحتهما ، فلو فرض صحتهما شرعاً مع الشك في التعبد به لما كان يجدي في الحجية شيئاً ما لم يترتب عليه ما ذكر من آثارها ، ومعه لما كان يضر عدم صحتهما أصلاً ، كما أشرنا إليه آنفاً .

فبيان عدم صحة الالتزام مع الشك في التعبد ، وعدم جواز إسناده (٢) إليه تعالى غير مرتبط بالمقام ، فلا يكون الاستدلال عليه بمهم ، كما أتعب به شيخنا العلامة (٣) ـ أعلى الله مقامه ـ نفسه الزكية ، بما أطنب من النقض والإِبرام ، فراجعه بما علقناه (٤) عليه ، وتأمل .

وقد انقدح ـ بما ذكرنا ـ أن الصواب فيما هو المهم في الباب ما ذكرنا في تقرير الأصل ، فتدبر جيداً .

إذا عرفت ذلك ، فما خرج موضوعاً عن تحت هذا الأصل أو قيل بخروجه يذكر في ذيل فصول .

____________________________

(١) هذا تعريض بالشيخ ، فرائد الأصول / ٣٠ في المقام الثاني .

(٢) في « ب » : الاستناد .

(٣) راجع فرائد الأصول / ٣٠ .

(٤) حاشية فرائد الأصول / ٤٤ ، عند قوله : ولا يخفى أن التعبد ... إلخ .

٢٨٠