كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0241.png

٢٤١
 &

٢٤٢
 &



المقصد الخامس : في المطلق والمقيد والمجمل والمبين

فصل

عرف (١) المطلق بأنه : ما دل على شائع في جنسه ، وقد أشكل عليه بعض الأعلام (٢) ، بعدم الإطراد أو الإنعكاس ، وأطال الكلام في النقض والإِبرام ، وقد نبهنا في غير مقام على أن مثله شرح الإسم ، وهو مما يجوز أن لا يكون بمطرد ولا بمنعكس ، فالأولى الإِعراض عن ذلك ، ببيان ما وضع له بعض الألفاظ التي يطلق عليها المطلق ، أو من غيرها مما يناسب المقام .

فمنها : اسم الجنس ، كإنسان ورجل وفرس وحيوان وسواد وبياض إلى غير ذلك من أسماء الكليات من الجواهر والأعراض بل العرضيات ، ولا ريب أنها موضوعة لمفاهيمها بما هي هي مبهمة مهملة ، بلا شرط أصلاً ملحوظاً معها ، حتى لحاظ أنها كذلك .

وبالجملة : الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنى ، وصرف المفهوم الغير الملحوظ معه شيء أصلاً الذي هو المعنى بشرط شيء ، ولو كان ذاك الشيء هو الإِرسال والعموم البدلي ، ولا الملحوظ معه عدم لحاظ شيء معه الذي هو

____________________________

(١) هذا التعريف لأكثر الأصوليين على ما ذكره المحقق القمي ، القوانين ١ / ٣٢١ ، المطلق والمقيد .

(٢) المستشكل هو صاحب الفصول ، قال في الفصول / ٢١٨ ، في فصل ( المطلق ) : ويخرج بقولنا شيوعاً حكمياً ... إلى أن قال : وقد أهملوا هذا القيد فيرد ذلك على طردهم ... الخ .

٢٤٣
 &

الماهية اللابشرط القسمي ، وذلك لوضوح صدقها بما لها من المعنى ، بلا عناية التجريد عما هو قضية الاشتراط والتقييد فيها ، كما لا يخفى ، مع بداهة عدم صدق المفهوم بشرط العموم على فرد من الأفراد ، وإن كان يعم كل واحد منها بدلاً أو استيعاباً ، وكذا المفهوم اللا بشرط (١) القسمي ، فإنه كلّي عقلي لا موطن له إلا الذهن لا يكاد يمكن صدقه وانطباقه عليها ، بداهة أن مناطه الاتحاد بحسب الوجود خارجاً ، فكيف يمكن أن يتحد معها ما لا وجود له إلا ذهناً ؟

ومنها : علم الجنس (٢) كأُسامة ، والمشهور بين أهل العربية أنه موضوع للطبيعة لا بما هي هي ، بل بما هي متعينة بالتعين (٣) الذهني ولذا يعامل معه معاملة المعرفة بدون أداة التعريف .

لكن التحقيق أنه موضوع لصرف المعنى بلا لحاظ شيء معه أصلاً كاسم الجنس ، والتعريف فيه لفظي ، كما هو الحال في التأنيث اللفظي ، وإلا لما صح حمله على الأفراد بلا تصرف وتأويل ، لأنه على المشهور كلي عقلي ، وقد عرفت أنه لا يكاد صدقه عليها مع صحة حمله عليها بدون ذلك ، كما لا يخفى ، ضرورة أن التصرف في المحمول بإرادة نفس المعنى بدون قيده تعسف ، لا يكاد يكون بناء القضايا المتعارفة عليه ، مع أن وضعه لخصوص معنى يحتاج إلى تجريده عن خصوصيته عند الاستعمال ، لا يكاد يصدر عن جاهل ، فضلاً عن الواضع الحكيم .

ومنها : المفرد المعرف باللام ، والمشهور أنه على أقسام : المعرف بلام الجنس ، أو الاستغراق ، أو العهد بأقسامه ، على نحو الاشتراك بينها لفظاً أو معنى ، والظاهر أن الخصوصية في كل واحد من الأقسام من قِبَل خصوص

____________________________

(١) في (أ) : لا بالشرط .

(٢) في « ب » : للجنس .

(٣) في « ب » : بالتعيين .

٢٤٤
 &

اللام ، أو من قِبَل قرائن المقام ، من باب تعدد الدالّ والمدلول ، لا باستعمال المدخول ليلزم فيه المجاز أو الإشتراك ، فكان المدخول على كل حال مستعملاً فيما يستعمل فيه غير المدخول .

والمعروف أن اللام تكون موضوعة للتعريف ، ومفيدة للتعيين في غير العهد الذهني ، وأنت خبير بأنه لا تعين (١) في تعريف الجنس إلا الإِشارة إلى المعنى المتميز بنفسه من بين المعاني ذهناً ، ولازمه أن لا يصح حمل المعرف باللام بما هو معرف على الأفراد ، لما عرفت من امتناع الاتحاد مع ما لا موطن له إلا الذهن إلا بالتجريد ، ومعه لا فائدة في التقييد ، مع أن التأويل والتصرف في القضايا المتداولة في العرف غير خال عن التعسف .

هذا مضافاً إلى أن الوضع لما لا حاجة اليه ، بل لا بد من التجريد عنه وإلغائه في الاستعمالات المتعارفة المشتملة على حمل المعرف باللام أو الحمل عليه ، كان لغواً ، كما أشرنا إليه ، فالظاهر أن اللام مطلقاً يكون للتزيين ، كما في الحسن والحسين ، واستفادة الخصوصيات إنما تكون بالقرائن التي لا بد منها لتعينها على كل حال ، ولو قيل بإفادة اللام للإِشارة إلى المعنى ، ومع الدلالة عليه بتلك الخصوصيات لا حاجة إلى تلك الإِشارة ، لو لم تكن مخلة ، وقد عرفت إخلالها ، فتأمل جيداً .

وأما دلالة الجمع (٢) المعرف باللام على العموم مع عدم دلالة المدخول عليه ، فلا دلالة فيها على أنها تكون لأجل دلالة اللام على التعين (٣) ، حيث لا تعين إلا للمرتبة المستغرقة لجميع الأفراد ، وذلك لتعين المرتبة الأخرى ، وهي أقل مراتب الجمع ، كما لا يخفى .

فلا بد أن يكون دلالته عليه مستندة إلى وضعه كذلك لذلك ، لا إلى دلالة

____________________________

(١) في نسخة : التعيين .

(٢) ردٌ على صاحب الفصول ، الفصول / ١٦٩ . التنبيه الاول .

(٣) في « ب » : التعيين .

٢٤٥
 &

اللام على الإِشارة إلى المعين ، ليكون به التعريف ، وإن أبيت إلا عن استناد الدلالة عليه إليه ، فلا محيص عن دلالته على الاستغراق بلا توسيط الدلالة على التعيين ، فلا يكون بسببه تعريف إلا لفظاً ، فتأمل جيداً .

ومنها : النكرة مثل ( رجل ) في ( وجاء رجل من أقصى المدينة ) أو في ( جئني برجل ) ولا إشكال أن المفهوم منها في الأول ، ولو بنحو تعدد الدالّ والمدلول ، هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند المخاطب المحتمل الانطباق على غير واحد من أفراد الرجل .

كما أنه في الثاني ، هي الطبيعة المأخوذة مع قيد الوحدة ، فيكون حصة من الرجل ، ويكون كليا ينطبق على كثيرين ، لا فرداً مردداً بين الأفراد (١) .

وبالجملة : النكرة ـ أي [ ما ] بالحمل الشائع يكون نكرة عندهم ـ إما هو فرد معين في الواقع غير معيّن للمخاطب ، أو حصة كلية ، لا الفرد المردد بين الأفراد ، وذلك لبداهة كون لفظ ( رجل ) في ( جئني برجل ) نكرة ، مع أنه يصدق على كل من جيء به من الأفراد ولا يكاد يكون واحد منها هذا أو غيره ، كما هو قضية الفرد المردد ، لو كان هو المراد منها ، ضرورة أن كل واحد هو هو ، لا هو أو غيره ، فلا بد أن تكون النكرة الواقعة في متعلق الأمر ، هو الطبيعي المقيد بمثل مفهوم الوحدة ، فيكون كلياً قابلاً للانطباق ، فتأمل جيداً .

إذا عرفت ذلك ، فالظاهر صحة إطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس والنكرة بالمعنى الثاني ، كما يصح لغة . وغير بعيد أن يكون جريهم في هذا الإِطلاق على وفق اللغة ، من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها ، كما لا يخفى .

نعم لو صح ما نسب إلى المشهور ، من كون المطلق عندهم موضوعاً لما

____________________________

(١) قال به صاحب الفصول ، الفصول / ١٦٣ ، في صيغة العموم ، عند قوله : ومدلولها فرد من الجنس لا بعينه ... الخ .

٢٤٦
 &

قيد بالإِرسال والشمول البدلي ، لما كان ما أُريد منه الجنس أو الحصة عندهم بمطلق ، إلا أن الكلام في صدق النسبة ، ولا يخفى أن المطلق بهذا المعنى لطروء القيد غير قابل ، فإن ما له من الخصوصية ينافيه ويعانده ، بل (١) وهذا بخلافه بالمعنيين ، فإن كلاً منهما له قابل ، لعدم انثلامهما بسببه أصلاً ، كما لا يخفى .

وعليه لا يستلزم التقييد تجوزاً في المطلق ، لإِمكان إرادة معنى لفظه منه ، وإرادة قيده من قرينة حال أو مقال ، وإنما استلزمه لو كان بذاك المعنى ، نعم لو أُريد من لفظه المعنى المقيد ، كان مجازاً مطلقاً ، كان التقييد بمتصل أو منفصل .

فصل

قد ظهر (٢) لك أنه لا دلالة لمثل ( رجل ) إلا على الماهية المبهمة وضعاً ، وأن الشياع والسريان كسائر الطوارىء يكون خارجاً عما وضع له ، فلا بد في الدلالة عليه من قرينة حال أو مقال أو حكمة ، وهي تتوقف على مقدمات :

إحداها : كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد ، لا الإِهمال أو الإِجمال .

ثانيتها : انتفاء ما يوجب التعيين .

ثالثتها : انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب ، ولو كان المتيقن بملاحظة الخارج عن ذاك المقام في البين ، فإنه غير مؤثر في رفع الإِخلال بالغرض ، لو كان بصدد البيان ، كما هو الفرض ، فإنه فيما تحققت لو لم يرد الشياع لأخلّ بغرضه ، حيث أنه لم ينبه مع أنه بصدده ، وبدونها لا يكاد يكون هناك إخلال به ، حيث لم يكن مع انتفاء الأُولى ، إلا في مقام الإِهمال أو الإِجمال ، ومع انتفاء الثانية ، كان البيان بالقرينة ، ومع انتفاء الثالثة ،

____________________________

(١) أثبتناها من « أ » .

(٢) تقدم في المقصد الخامس ، الفصل الأول / ٢٤٣ .

٢٤٧
 &

لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده ، فإن الفرض أنه بصدد بيان تمامه ، وقد بينه ، لا بصدد بيان أنه تمامه ، كي أخلّ ببيانه ، فافهم (١) .

ثم لا يخفى عليك أن المراد بكونه في مقام بيان تمام مراده ، مجرد بيان ذلك وإظهاره وإفهامه ، ولو لم يكن عن جد ، بل قاعدة وقانوناً ، لتكون حجة فيما لم تكن حجة أقوى على خلافه ، لا البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فلا يكون الظفر بالمقيد ـ ولو كان مخالفاً ـ كاشفاً عن عدم كون المتكلم في مقام البيان ، ولذا لا ينثلم به إطلاقه وصحة التمسك به أصلاً ، فتأمل جيداً .

وقد انقدح بما ذكرنا (٢) أن النكرة في دلالتها على الشياع والسريان أيضاً تحتاج ـ فيما لا يكون هناك دلالة حال أو مقال ـ من مقدمات الحكمة ، فلا تغفل .

بقى شيء : وهو أنه لا يبعد أن يكون الأصل فيما إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد ، هو كونه بصدد بيانه ، وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسك بالإِطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهة خاصة ، ولذا ترى أن المشهور لا يزالون يتمسكون بها ، مع عدم إحراز كون مطلِقها بصدد البيان ، وبعُد كونه لأجل ذهابهم إلى أنها موضوعة للشياع والسريان ، وإن كان ربما نسب ذلك اليهم ، ولعل وجه النسبة ملاحظة أنه لا وجه للتمسك بها بدون الإِحراز والغفلة عن وجهه ، فتأمل جيداً .

____________________________

(١) إشارة إلى أنه لو كان بصدد بيان أنه تمامه ما أخلّ ببيانه ، بعد عدم نصب قرينة على إرادة تمام الأفراد ، فإنه بملاحظته يفهم أن المتيقن تمام المراد ، وإلا كان عليه نصب القرينة على إرادة تمامها ، وإلا قد أخلّ بغرضه ، نعم لا يفهم ذلك إذا لم يكن إلا بصدد بيان أن المتيقن مراد ، لا بصدد بيان أن غيره مراد أو ليس بمراد ، قبالاً للإِجمال والإِهمال المطلقين ، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة ( منه أعلى الله مقامه ) .

(٢) في صفحة ٢٤٧ من هذا الكتاب .

٢٤٨
 &

ثم إنه قد انقدح بما عرفت ـ من توقف حمل المطلق على الإِطلاق ، فيما لم يكن هناك قرينة حالية أو مقالية على قرينة الحكمة المتوقفة على المقدمات المذكورة ـ أنه لا إطلاق له فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف ، لظهوره فيه ، أو كونه متيقناً منه ، ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه ، حسب اختلاف مراتب الانصراف ، كما أنه منها ما لا يوجب ذا ولا ذاك ، بل يكون بدوياً زائلاً بالتأمل ، كما أنه منها ما يوجب الاشتراك أو النقل .

لا يقال : كيف يكون ذلك وقد تقدم أن التقييد لا يوجب التجوز في المطلق أصلاً .

فإنه يقال : مضافاً إلى أنه إنما قيل لعدم استلزامه له ، لا عدم إمكانه ، فإن استعمال المطلق في المقيد بمكان من الإِمكان ، إن كثرة إرادة المقيد لدى إطلاق المطلق ولو بدالّ آخر ربما تبلغ بمثابة توجب له مزية أنس ، كما في المجاز المشهور ، أو تعيناً (١) واختصاصاً به ، كما في المنقول بالغلبة ، فافهم .

تنبيه : وهو أنه يمكن أن يكون للمطلق جهات عديدة ، كان وارداً في مقام البيان من جهة منها ، وفي مقام الإِهمال أو الإِجمال من أخرى ، فلا بدّ في حمله على الإِطلاق بالنسبة إلى جهة من كونه بصدد البيان من تلك الجهة ، ولا يكفي كونه بصدده من جهة أخرى ، إلا إذا كان بينهما ملازمة عقلاً أو شرعاً أو عادة ، كما لا يخفى .

فصل

إذا ورد مطلق ومقيد متنافيين ، فإمّا يكونان مختلفين في الإِثبات والنفي ، وإمّا يكونان متوافقين ، فإن كانا مختلفين مثل ( إعتق رقبة ) و ( لا

____________________________

(١) في « ب » : تعييناً .

٢٤٩
 &

تعتق رقبة كافرة ) فلا إشكال في التقييد ، وإن كانا متوافقين ، فالمشهور فيهما الحمل والتقييد ، وقد استدل بأنه جمع بين الدليلين وهو أولى .

وقد أُورد عليه بإمكان الجمع على وجه آخر ، مثل حمل الأمر في المقيد على الاستحباب .

وأُورد عليه بأن التقييد ليس تصرفاً في معنى اللفظ ، وإنما هو تصرف في وجه من وجوه المعنى ، اقتضاه تجرده عن القيد ، مع تخيل وروده في مقام بيان تمام المراد ، وبعد الاطلاع على ما يصلح للتقييد نعلم وجوده على وجه الإِجمال ، فلا إطلاق فيه حتى يستلزم تصرفاً ، فلا يعارض ذلك بالتصرف في المقيد ، بحمل أمره على الاستحباب .

وأنت (١) خبير بأن التقييد أيضاً يكون تصرفاً في المطلق ، لما عرفت من أن الظفر بالمقيّد لا يكون كاشفاً عن عدم ورود المطلق في مقام البيان ، بل عن عدم كون الإِطلاق الذي هو ظاهره بمعونة الحكمة ، بمراد جدّي ، غاية الأمر أن التصرف فيه بذلك لا يوجب التجوّز فيه ، مع أن حمل الأمر في المقيد على الاستحباب لا يوجب تجوزاً فيه ، فإنه في الحقيقة مستعمل في الإِيجاب ، فإن المقيد إذا كان فيه ملاك الاستحباب ، كان من أفضل أفراد الواجب ، لا مستحباً فعلاً ، ضرورة أن ملاكه لا يقتضي استحبابه إذا اجتمع مع ما يقتضي وجوبه .

نعم ، فيما إذا كان إحراز كون المطلق في مقام البيان بالأصل ، كان من التوفيق بينهما ، حمله على أنه سيق في مقام الإِهمال على خلاف مقتضى الأصل ، فافهم . ولعل وجه التقييد كون ظهور إطلاق الصيغة في الإِيجاب التعييني أقوى من ظهور المطلق في الإِطلاق .

____________________________

(١) ردّ على الشيخ ( قده ) في انتصاره لدليل المشهور ، مطارح الانظار / ٢٢٠ .

٢٥٠
 &

وربما يشكل بأنه يقتضي التقييد في باب المستحبات ، مع أن بناء المشهور على حمل الأمر بالمقيد فيها على تأكدّ الاستحباب ، اللهم إلا أن يكون الغالب في هذا الباب هو تفاوت الأفراد بحسب مراتب (١) المحبوبية ، فتأمل .

أو أنه كان بملاحظة التسامح في أدلة المستحبات ، وكان عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق بعد مجيىء دليل المقيّد ، وحمله على تأكد استحبابه ، من التسامح (٢) فيها .

ثم إن الظاهر أنه لا يتفاوت فيما ذكرنا بين المثبتين والمنفيين بعد فرض كونهما متنافيين ، كما لا يتفاوتان في استظهار التنافي بينهما من استظهار اتحاد التكليف ، من وحدة السبب وغيره (٣) ، من قرينة حال أو مقال حسبما يقتضيه النظر ، فليتدبر .

تنبيه : لا فرق فيما ذكر من الحمل في المتنافيين ، بين كونهما في بيان الحكم التكليفي ، وفي بيان الحكم الوضعي ، فإذا ورد مثلاً : إن البيع سبب ، وإن البيع الكذائي سبب ، وعلم أن مراده إمّا البيع على إطلاقه ، أو البيع الخاص ، فلا بد من التقييد لو كان ظهور دليله في دخل القيد أقوى من ظهور دليل الإِطلاق فيه ، كما هو ليس ببعيد ، ضرورة تعارف ذكر المطلق وإرادة المقيد ـ بخلاف العكس ـ بإلغاء القيد ، وحمله على أنه غالبي ، أو على وجه آخر ، فإنه على خلاف المتعارف .

____________________________

(١) في « أ وب » : المراتب ، والصواب ما أثبتناه .

(٢) ولا يخفى أنه لو كان حمل المطلق على المقيد جمعاً عرفياً ، كان قضيته عدم الاستحباب إلا للمقيد ، وحينئذ إن كان بلوغ الثواب صادقاً على المطلق كان استحبابه تسامحياً ، وإلا فلا استحباب له أصلاً ، كما لا وجه ـ بناء على هذا الحمل وصدق البلوغ ـ يؤكد الاستحباب في المقيد ، فافهم ( منه قدس سره ) .

(٣) تعريض بصاحب المعالم والمحقق القمي ، حيث اعتبرا وحدة السبب في عنوان البحث ، معالم الدين / ١٥٥ ، القوانين ١ / ٣٢٢ .

٢٥١
 &

تبصرة لا تخلو من تذكرة ، وهي : إن قضية مقدمات الحكمة في المطلقات تختلف حسب اختلاف المقامات ، فإنها تارة يكون حملها على العموم البدلي ، وأخرى على العموم الاستيعابي ، وثالثة على نوع خاص مما ينطبق عليه حسب اقتضاء خصوص المقام ، واختلاف الآثار والأحكام ، كما هو الحال في سائر القرائن بلا كلام .

فالحكمة في إطلاق صيغة الأمر تقتضي أن يكون المراد خصوص الوجوب التعييني العيني النفسي ، فإن إرادة غيره تحتاج إلى مزيد بيان ، ولا معنى لإِرادة الشياع فيه ، فلا محيص عن الحمل عليه فيما إذا كان بصدد البيان ، كما أنها قد تقتضي العموم الاستيعابي ، كما في ( أحل الله البيع ) إذ إرادة البيع مهملاً أو مجملاً ، ينافي ما هو المفروض من كونه بصدد البيان ، وإرادة العموم البدلي لا يناسب المقام ، ولا مجال لاحتمال إرادة بيع اختاره المكلف ، أيّ بيع كان ، مع أنها تحتاج إلى نصب دلالة عليها ، لا يكاد يفهم بدونها من الإِطلاق ، ولا يصح قياسه على ما إذا أُخذ في متعلق الأمر ، فإن العموم الاستيعابي لا يكاد يمكن إرادته ، وإرادة غير العموم البدلي ، وإن كانت ممكنة ، إلا أنها منافية للحكمة ، وكون المطلق بصدد البيان .

فصل

في المجمل والمبيّن

والظاهر أن المراد من المبيّن في موارد إطلاقه ، الكلام الذي له ظاهر ، ويكون بحسب متفاهم العرف قالباً لخصوص معنى ، والمجمل بخلافه ، فما ليس له ظهور مجمل وإن علم بقرينة خارجية ما أُريد منه ، كما أن ما له الظهور مبيّن وإن علم بالقرينة الخارجية أنه ما أُريد ظهوره وأنه مأوّل ، ولكل منهما في الآيات والروايات ، وإن كان أفراد كثيرة لا تكاد تخفى ، إلا أن لهما أفراد مشتبهة وقعت محل البحث والكلام للأعلام ، في أنها من أفراد أيهما ؟ كآية

٢٥٢
 &

السرقة (١) ، ومثل ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) (٢) و ( أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ) (٣) مما أُضيف التحليل إلى الأعيان ومثل ( لا صلاة إلا بطهور ) (٤) .

ولا يذهب عليك أن إثبات الإِجمال أو البيان لا يكاد يكون بالبرهان ، لما عرفت من أن ملاكهما أن يكون للكلام ظهور ، ويكون قالباً لمعنى ، وهو مما يظهر بمراجعة الوجدان ، فتأمل .

ثم لا يخفى أنهما وصفان إضافيان ، ربما يكون مجملاً عند واحد ، لعدم معرفته بالوضع ، أو لتصادم ظهوره بما حفّ به لديه ، ومبيّناً لدى الآخر ، لمعرفته وعدم التصادم بنظره ، فلا يهمنا التعرض لموارد الخلاف والكلام والنقض والإِبرام في المقام ، وعلى الله التوكل وبه الاعتصام .

____________________________

(١) المائدة : ٣٨ .

(٢) النساء : ٢٣ .

(٣) المائدة : ١ .

(٤) الفقية : ١ / ٣٥ الباب ١٤ في من ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه .

٢٥٣
 &
٢٥٤
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0255.png

٢٥٥
 &
٢٥٦
 &



المقصد السادس :

في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلاً

وقبل الخوض في ذلك ، لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام ، وإن كان خارجاً من مسائل الفن ، وكان أشبه بمسائل الكلام ، لشدة مناسبته مع المقام .

فاعلم : أن البالغ الذي وضع عليه القلم ، إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري ، متعلق به أو بمقلديه ، فإما أن يحصل له القطع به ، أو لا ، وعلى الثاني ، لا بد من انتهائه إلى ما استقل به العقل ، من اتباع الظن لو حصل له ، وقد تمت مقدمات الانسداد ـ على تقدير الحكومة ـ وإلا فالرجوع إلى الأصول العقلية : من البراءة والاشتغال والتخيير ، على تفصيل يأتي في محله إن شاء الله تعالى .

وإنما عممنا متعلق القطع ؛ لعدم اختصاص أحكامه بما إذا كان متعلقاً بالأحكام الواقعية ، وخصصنا بالفعلي ؛ لاختصاصها بما إذا كان متعلقاً به ـ على ما ستطلع عليه ـ ولذلك عدلنا عما في رسالة (١) شيخنا العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ من تثليث الأقسام .

وإن أبيت إلا عن ذلك ، فالأولى أن يقال : إن المكلف إما أن يحصل له

____________________________

(١) فرائد الأصول / ٢ .

٢٥٧
 &

القطع أو لا ، وعلى الثاني إما أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا ؛ لئلا تتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام ، ومرجعه على الأخير إلى القواعد المقررة عقلاً أو نقلاً لغير القاطع ، ومن يقوم عنده الطريق ، على تفصيل يأتي في محله ـ إن شاء الله تعالى ـ حسبما يقتضي دليلها .

وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه ، يستدعي رسم أمور :

الأمر الأوّل : لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ، ولزوم الحركة على طبقه جزماً ، وكونه موجباً لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب باستحقاق الذم والعقاب على مخالفته ، وعذراً فيما أخطأ قصوراً ، وتأثيره في ذلك لازم ، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ، فلا حاجة إلى مزيد بيان وإقامة برهان .

ولا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل ، لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشيء ولوازمه ، بل عرضاً بتبع جعله بسيطاً .

وبذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضاً ، مع أنه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقاداً مطلقاً ، وحقيقة في صورة الإِصابة ، كما لا يخفى .

ثم لا يذهب عليك أن التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث والزجر لم يصر فعلياً ، وما لم يصر فعلياً لم يكد يبلغ مرتبة التنجز ، واستحقاق العقوبة على المخالفة ، وإن كان ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة ، وذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر ولا نهي ، ولا مخالفته عن عمد بعصيان ، بل كان مما سكت الله عنه ، كما في الخبر (١) ، فلاحظ وتدبر .

نعم ، في كونه بهذه المرتبة مورداً للوظائف المقررة شرعاً للجاهل إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين ، على ما يأتي (٢) تفصيله إن شاء الله تعالى ، مع ما هو

____________________________

(١) الفقيه ٤ / ٥٣ ، باب نوادر الحدود ، الحديث ١٥ .

(٢) في بداية مبحث الامارات ص ٢٧٧ .

٢٥٨
 &

التحقيق في دفعه ، في التوفيق بين الحكم الواقعي والظاهري ، فانتظر .

الأمر الثاني : قد عرفت أنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة ، والمثوبة على الموافقة في صورة الإِصابة ، فهل يوجب استحقاقها في صورة عدم الإِصابة على التجرّي بمخالفته ، واستحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته ، أو لا يوجب شيئاً ؟ .

الحق أنه يوجبه ؛ لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته ، وذمه على تجريه ، وهتكه لحرمة مولاه (١) وخروجه عن رسوم عبوديته ، وكونه بصدد الطغيان ، وعزمه على العصيان ، وصحة مثوبته ، ومدحه على قيامه (٢) بما هو قضية عبوديته ، من العزم على موافقته والبناء على إطاعته ، وإن قلنا بأنه لا يستحق مؤاخذة أو مثوبة ، ما لم يعزم على المخالفة أو الموافقة ، بمجرد سوء سريرته أو حسنها ، وإن كان مستحقاً للّوم (٣) أو المدح بما يستتبعانه ، كسائر الصفات والأخلاق الذميمة أو الحسنة .

وبالجملة : ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها إلا مدحاً [ أو ذماً ] (٤) أو لوماً ، وإنما يستحق الجزاء بالمثوبة أو العقوبة مضافاً إلى أحدهما ، إذا صار بصدد الجري على طبقها والعمل على وفقها وجزم وعزم ، وذلك لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك ، وحسنها معه ، كما يشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في مثل باب الإِطاعة والعصيان ، وما يستتبعان من استحقاق النيران أو الجنان .

ولكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرى [ به ] أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن

____________________________

(١) في « أ » : وهتك حرمته لمولاه ، والصحيح ما أثبتناه .

(٢) في « أ وب » : إقامته ، والصحيح ما أثبتناه .

(٣) في هامش « ب » من نسخة أخرى : للذم .

(٤) أثبتناها من « ب » .

٢٥٩
 &

أو القبح ، والوجوب أو الحرمة واقعاً ، بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم والصفة ، ولا يغير جهة حسنه أو قبحه بجهته (١) أصلاً ، ضرورة أن القطع بالحسن أو القبح لا يكون من الوجوه والاعتبارات التي بها يكون الحسن والقبح عقلاً ولا ملاكاً للمحبوبية والمبغوضية شرعاً ، ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية والمحبوبية للمولى ، بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له . فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له ، ولو اعتقد العبد بأنه عدوّه ، وكذا قتل عدوه ، مع القطع بأنه إبنه ، لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً .

هذا مع أن الفعل المتجرئ به أو المنقاد به ، بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً ، فإن القاطع لا يقصده إلا بما قطع أنه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارىٔ الآلي ، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان مما يلتفت إليه ، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً ؟ ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً ؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلا إذا كانت اختيارية .

إن قلت : إذا لم يكن الفعل كذلك ، فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع ، وهل كان العقاب عليها إلا عقاباً على ما ليس بالاختيار ؟ .

قلت : العقاب إنما يكون على قصد العصيان والعزم على الطغيان ، لا على الفعل الصادر بهذا العنوان بلا اختيار .

إن قلت : إن القصد والعزم إنما يكون من مبادىء الاختيار ، وهي ليست باختيارية ، وإلا لتسلسل .

قلت : ـ مضافاً إلى أن الاختيار وإن لم يكن بالاختيار ، إلا أن بعض مباديه غالباً يكون وجوده بالاختيار ، للتمكن من عدمه بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه

____________________________

(١) في هامش (ب) من نسخة أخرى : بجهة .

٢٦٠