كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

أما الأول : فلأن العام ـ على ما حققناه (١) ـ كان ظاهراً في عمومه ، إلا أنه يتبع ظهوره في واحد من المتباينينَ اللذينَ علم تخصيصه بأحدهما .

وأما الثاني : فلعدم (٢) انعقاد ظهور من رأس للعام ، لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكل واحد من الأقل والأكثر ، أو لكل واحد من المتباينين ، لكنه حجة في الأقل ، لأنه المتيقن في البين .

فانقدح بذلك الفرق بين المتصل والمنفصل ، وكذا في المجمل بين المتباينين والأكثر والأقل ، فلا تغفل .

وأما إذا كان مجملاً بحسب المصداق ، بأن اشتبه فرد وتردد بين أن يكون فرداً له أو باقياً تحت العام ، فلا كلام في عدم جواز التمسك بالعام لو كان متصلاً به ، ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلا في الخصوص ، كما عرفت .

وأما إذا كان منفصلاً عنه ، ففي جواز التمسك به خلاف ، والتحقيق عدم جوازه ، إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه ، أن الخاص إنما يزاحم العام فيما كان فعلاً حجة ، ولا يكون حجة فيما اشتبه أنه من أفراده ، فخطاب ( لا تكرم فساق العلماء ) لا يكون دليلاً على حرمة إكرام من شك في فسقه من العلماء ، فلا يزاحم مثل ( أكرم العلماء ) ولا يعارضه ، فإنه يكون من قبيل مزاحمة الحجة بغير الحجة ، وهو في غاية الفساد ، فإن الخاص وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه فعلاً ، إلا أنه يوجب اختصاص حجية العام في غير عنوانه من الأفراد ، فيكون ( أكرم العلماء ) دليلاً وحجة في العالم غير الفاسق ، فالمصداق المشتبه وإن كان مصداقاً للعام بلا كلام ، إلا أنه لم يعلم أنه من مصاديقه بما هو حجة ، لاختصاص حجيته بغير الفاسق .

وبالجملة العام المخصص بالمنفصل ، وإن كان ظهوره في العموم ، كما إذا

____________________________

(١) في صفحة ٢١٩ .

(٢) في « ب » : ولعدم .

٢٢١
 &

لم يكن مخصصاً ، بخلاف المخصص بالمتصل كما عرفت ، إلا أنه في عدم الحجية إلا في غير عنوان الخاص مثله ، فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت إحدى الحجتين ، فلا بد من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين ، هذا إذا كان المخصص لفظياً .

وأما إذا كان لبيّاً ، فإن كان مما يصح أن يتّكل عليه المتكلم ، إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب ، فهو كالمتصل ، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلا في الخصوص ، وإن لم يكن كذلك ، فالظاهر بقاء العام في المصداق المشتبه على حجيته كظهوره فيه .

والسّر في ذلك ، أن الكلام الملقى من السيد حجة ، ليس إلا ما اشتمل على العام الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم ، فلا بد من اتباعه ما لم يقطع بخلافه ، مثلا إذا قال المولى : ( أكرم جيراني ) وقطع بـأنه لا يريد إكرام من كان عدوّاً له منهم ، كان أصالة العموم باقية على الحجية بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام ، للعلم بعدواته ، لعدم حجة أخرى بدون ذلك على خلافه ، بخلاف ما إذا كان المخصص لفظياً ، فإن قضية تقديمه عليه ، هو كون الملقى إليه كأنه كان من رأس لا يعم الخاص ، كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاص متصلاً ، والقطع بعدم إرادة العدو لا يوجب انقطاع حجيته ، إلا فيما قطع أنه عدوه ، لا فيما شك فيه ، كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحداً من جيرانه لاحتمال عداوته له ، وحسن عقوبته على مخالفته ، وعدم صحة الاعتذار عنه بمجرد احتمال العداوة ، كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة ، والسيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجية أصالة الظهور .

وبالجملة كان بناء العقلاء على حجيتها بالنسبة إلى المشتبه هاهنا بخلاف هناك ، ولعله لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما ، بإلقاء حجتين هناك ، تكون قضيتهما بعد تحكيم الخاص وتقديمه على العام ، كأنه لم يعمه حكماً من رأس ،

٢٢٢
 &

وكأنه لم يكن بعام ، بخلاف هاهنا ، فإن الحجة الملقاة ليست إلا واحدة ، والقطع بعدم إرادة إكرام العدوّ في ( اكرم جيراني ) مثلاً ، لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلا فيما قطع بخروجه من تحته ، فإنه على الحكيم إلقاء كلامه على وفق غرضه ومرامه ، فلا بد من اتباعه ما لم تقم حجة أقوى على خلافه .

بل يمكن أن يقال : إن قضية عمومه للمشكوك ، أنه ليس فرداً لما علم بخروجه من حكمه بمفهومه ، فيقال في مثل ( لعن الله بني أُمية قاطبة ) (١) : إن فلاناً وإن شك في إيمانه يجوز لعنه لمكان العموم ، وكل من جاز لعنه لا يكون مؤمناً ، فينتج أنه ليس بمؤمن ، فتأمل جيدّاً .

إيقاظ : لا يخفى أن الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل ، لما كان غير معنون بعنوان خاص ، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاص ، كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي في غالب الموارد ـ إلا ما شذّ ـ ممكناً ، فبذلك يحكم عليه بحكم العام وإن لم يجز التمسك به بلا كلام ، ضرورة أنه قلّ ما لا يوجد (٢) عنوان يجري فيه أصل ينقح به أنّه مما بقي تحته ، مثلا إذا شك أن امرأة تكون قرشية ، فهي وإن كانت وجدت إمّا قرشية أو غيرها ، فلا أصل يحرز أنها قرشية أو غيرها ، إلا أن أصالة عدم تحقق الانتساب بينها وبين قريش (٣) تجدي في تنقيح أنها ممّن لا تحيض إلا إلى خمسين ، لأن المرأة التي لا يكون بينها وبين قريش (٤) انتساب أيضاً باقية تحت ما دلّ على أن المرأة إنما ترى الحمرة إلى خمسين ، والخارج عن تحته هي القرشية ، فتأمل تعرف .

وهم وإزاحة : ربما يظهر عن بعضهم التمسك بالعمومات فيما إذا شك

____________________________

(١) كامل الزيارات / ١٧٦ ، الباب ٧١ .

(٢) في « ب » : لم يوجد .

(٣ و ٤) في « أ وب » القريش .

٢٢٣
 &

في فرد ، لا من جهة احتمال التخصيص ، بل من جهة أخرى ، كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف ، فيستكشف صحته بعموم مثل ( أوفوا بالنذور ) فيما إذا وقع متعلقاً للنذر ، بأن يقال : وجب الإِتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم ، وكل ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحاً ، للقطع بأنه لولا صحته لما وجب الوفاء به ، وربما يؤيد ذلك بما ورد من صحة الإِحرام والصيام قبل الميقات (١) وفي السفر (٢) إذا تعلق بهما النذر كذلك .

والتحقيق أن يقال : إنه لا مجال لتوهم الاستدلال بالعمومات المتكلفة لأحكام العناوين الثانوية فيما شك من غير جهة تخصيصها ، إذا أخذ في موضوعاتها أحد الاحكام المتعلقة بالأفعال بعناوينها الأولية (٣) ، كما هو الحال في وجوب إطاعة الوالد ، والوفاء بالنذر وشبهه في الأمور المباحة أو الراجحة ، ضرورة أنه معه لا يكاد يتوهم عاقل أنه إذا شك في رجحان شيء أو حليته جواز التمسك بعموم دليل وجوب الإِطاعة أو الوفاء في رجحانه أو حليته .

نعم لا بأس بالتمسك به في جوازه بعد إحراز التمكن منه والقدرة عليه ، فيما لم يؤخذ في موضوعاتها حكم اصلاً ، فإذا شك في جوازه صح (٤) التمسك بعموم دليلها في الحكم بجوازها ، وإذا كانت محكومة بعناوينها الأولية بغير حكمها بعناوينها الثانوية ، وقع (٥) المزاحمة بين المقتضيين ، ويؤثر الأقوى منهما لو

____________________________

(١) التهذيب ٥ / ٥٣ ، الاحاديث ٨ الى ١٠ من باب ٦ المواقيت .

الاستبصار ٢ / ١٦١ الأحاديث ٨ الىٰ ١٠ من باب ٩٣ من أحرم قبل الميقات ، وللمزيد راجع وسائل الشيعة ٨ / ٢٣٦ الباب ١٣ من ابواب المواقيت .

(٢) التهذيب ٤ / ٢٣٥ الحديث ٦٣ و ٦٤ من باب ٥٧ حكم المسافر والمريض في الصيام وللمزيد راجع وسائل الشيعة ٧ / ١٣٩ الباب ١٠ من ابواب من يصح منه الصوم الحديث ١ و ٧ .

(٣) في « أ » : الاولوية .

(٤) في « أ » : فصح .

(٥) في « أ » : فتقع .

٢٢٤
 &

كان في البين ، وإلا لم يؤثر أحدهما ، وإلّا لزم الترجيح بلا مرجح ، فليحكم عليه حينئذ بحكم آخر ، كالإِباحة إذا كان أحدهما مقتضياً للوجوب والآخر للحرمة مثلاً .

وأما صحة الصوم في السفر بنذره فيه ـ بناءً على عدم صحته فيه بدونه ـ وكذا الإِحرام قبل الميقات ، فإنما هو لدليل خاص ، كاشف عن رجحانهما ذاتاً في السفر وقبل الميقات ، وإنما لم يأمر بهما استحباباً أو وجوباً لمانع يرتفع مع النذر ، وإما لصيرورتهما راجحين بتعلق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك ، كما ربما يدل عليه ما في الخبر من كون الإِحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت (١) .

لا يقال : لا يجدي صيرورتهما راجحين بذلك في عباديتهما ، ضرورة كون وجوب الوفاء توصلياً لا يعتبر في سقوطه إلا الإِتيان بالمنذور بأي داع كان .

فإنه يقال : عباديتهما إنما تكون لأجل كشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح عليهما ، ملازم لتعلق النذر بهما ، هذا لو لم نقل بتخصيص عموم دليل اعتبار الرجحان في متعلق النذر بهذا الدليل ، وإلا أمكن أن يقال بكفاية الرجحان الطارىء عليهما من قبل النذر في عباديتهما ، بعد تعلق النذر بإتيانهما عبادياً ومتقرباً بهما منه تعالى ، فإنه وإن لم يتمكن من إتيانهما كذلك قبله ، إلا أنه يتمكن منه بعده ، ولا يعتبر في حصة النذر إلا التمكن من الوفاء ولو بسببه ، فتأمل جيداً .

بقي شيء ، وهو أنه هل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص ؟ في إحراز عدم كون ما شك في أنه من مصاديق العام ، مع العلم بعدم كونه محكوماً

____________________________

(١) لم نعثر على الخبر المشار اليه في المتن ، ولكن ورد أنه كمن صلّى في السفر اربعاً وترك الثنتين .

راجع الكافي ٤ / ٣٢١ الحديث ٢ ، ٦ من باب من احرم دون الوقت .

٢٢٥
 &

بحكمه ، مصداقاً له ، مثل ما إذا علم أن زيداً يحرم إكرامه ، وشك في أنه عالم ، فيحكم عليه بأصالة عدم تخصيص ( أكرم العلماء ) أنه ليس بعالم ، بحيث يحكم عليه بسائر ما لغير العالم من الأحكام .

فيه إشكال ، لاحتمال اختصاص حجيتها بما إذا شك في كون فرد العام محكوماً بحكمه ، كما هو قضية عمومه ، والمثبت من الأصول اللفظية وإن كان حجة ، إلا أنه لا بد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل ، ولا دليل هاهنا إلا السيرة وبناء العقلاء ، ولم يعلم استقرار بنائهم على ذلك ، فلا تغفل .

فصل

هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص ؟ فيه خلاف ، وربما نفي (١) الخلاف عن عدم جوازه ، بل ادعي الاجماع (٢) عليه ، والذي ينبغي أن يكون محل الكلام في المقام ، أنه هل يكون أصالة العموم متبعة مطلقاً ؟ أو بعد الفحص عن المخصص واليأس عن الظفر به ؟ بعد الفراغ عن (٣) اعتبارها بالخصوص في الجملة ، من باب الظن النوعي للمشافه وغيره ، ما لم يعلم بتخصيصه تفصيلاً ، ولم يكن من أطراف ما علم تخصيصه إجمالاً ، وعليه فلا مجال لغير واحد مما استدل به على عدم جواز العمل به قبل الفحص واليأس .

فالتحقيق عدم جواز التمسك به قبل الفحص ، فيما إذا كان في معرض التخصيص كما هو الحال في عمومات الكتاب والسنة ، وذلك لأجل أنه لولا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله ، فلا أقل من الشك ،

____________________________

(١) الغزالي في المستصفى ٢ / ١٥٧ .

(٢) مطارح الانظار / ١٩٧ ، قال : « بل ادعى عليه الاجماع كما عن النهاية » ولم نعثر عليه في مظانه من النهاية ، راجع نهاية الاصول / ١٣٩ . ونقل الاجماع عن الغزالي والامدي ، راجع فواتح الرحموت ١ / ٢٦٧ .

(٣) في « ب » : من .

٢٢٦
 &

كيف ؟ وقد ادعي الإِجماع على عدم جوازه ، فضلاً عن نفي الخلاف عنه ، وهو كافٍ في عدم الجواز ، كما لا يخفى .

وأما إذا لم يكن العام كذلك ، كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في ألسنة أهل المحاورات ، فلا شبهة في أن السيرة على العمل به بلا فحص عن مخصص ، وقد ظهر لك بذلك أن مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضية له ، كما أن مقداره اللازم منه بحسب سائر الوجوه التي استدل بها من العلم الاجمالي به (١) أو حصول الظن بما هو التكليف (٢) ، أو غير ذلك رعايتها ، فيختلف مقداره بحسبها ، كما لا يخفى .

ثم إن الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصص المتصل ، باحتمال أنه كان ولم يصل ، بل حاله حال احتمال قرينة المجاز ، وقد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به مطلقاً ، ولو قبل الفحص عنها ، كما لا يخفى .

إيقاظ : لا يذهب عليك الفرق بين الفحص هاهنا ، وبينه في الأصول العملية ، حيث أنه هاهنا عما يزاحم الحجة (٣) ، بخلافه هناك ، فإنه بدونه لا حجة ، ضرورة أن العقل بدونه يستقل باستحقاق المؤاخذة على المخالفة ، فلا يكون العقاب بدونه بلا بيان والمؤاخذة عليها من غير برهان ، والنقل وإن دل على البراءة أو الاستصحاب في موردهما مطلقاً ، إلا أن الإِجماع بقسميه على تقييده به ، فافهم .

فصل

هل الخطابات الشفاهية مثل : ( يا أيها المؤمنون ) تختص بالحاضر مجلس التخاطب ، أو تعم غيره من الغائبين ، بل المعدومين ؟

____________________________

(١) استدل بهذا الوجه الشيخ ( قده ) مطارح الانظار / ٢٠٢ ، رابعها .

(٢) راجع زبدة الاصول / ٩٧ .

(٣) في « ب » : الحجية .

٢٢٧
 &

فيه خلاف ، ولا بد قبل الخوض في تحقيق المقام ، من بيان ما يمكن أن يكون محلاً للنقض والإِبرام بين الأعلام .

فاعلم أنه يمكن أن يكون النزاع في أن التكليف المتكفل له الخطاب هل يصح تعلقه بالمعدومين ، كما صح تعلقه بالموجودين ، أم لا ؟ أو في صحة المخاطبة معهم ، بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالألفاظ الموضوعة للخطاب ، أو بنفس توجيه الكلام إليهم ، وعدم صحتها ، أو في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب ، للغائبين بل المعدومين ، وعدم عمومها لهما ، بقرينة تلك الاداة .

ولا يخفى أن النزاع على الوجهين الأولين يكون عقلياً ، وعلى الوجه الأخير لغوياً .

إذا عرفت هذا ، فلا ريب في عدم صحة تكليف المعدوم عقلاً ، بمعنى بعثه أو زجره فعلاً ، ضرورة أنه بهذا المعنى يستلزم الطلب منه حقيقة ، ولا يكاد يكون الطلب كذلك إلا من الموجود ضرورة ، نعم هو بمعنى مجرد إنشاء الطلب بلا بعث ولا زجر ، لا استحالة فيه أصلاً ، فإن الإِنشاء خفيف المؤونة ، فالحكيم تبارك وتعالى ينشىء على وفق الحكمة والمصلحة ، طلب شيء قانوناً من الموجود والمعدوم حين الخطاب ، ليصير فعلياً بعد ما وجد الشرائط وفقد الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر ، فتدبر .

ونظيره من غير الطلب إنشاء التمليك في الوقف على البطون ، فإن المعدوم منهم يصير مالكاً للعين الموقوفة ، بعد وجوده بإنشائه ، ويتلقى لها من الواقف بعقده ، فيؤثر في حق الموجود منهم الملكية الفعلية ، ولا يؤثر في حق المعدوم فعلاً ، إلا استعدادها لان تصير ملكاً له بعد وجوده ، هذا إذا أنشىء الطلب مطلقاً .

وأما إذا أُنشىء مقيداً بوجود المكلف ووجدانه الشرائط ، فإمكانه بمكان

٢٢٨
 &

من الإِمكان .

وكذلك لا ريب في عدم صحة خطاب المعدوم بل الغائب حقيقة ، وعدم إمكانه ، ضرورة عدم تحقق توجيه الكلام نحو الغير حقيقة إلا إذا كان موجوداً ، وكان بحيث يتوجه إلى الكلام ، ويلتفت إليه .

ومنه قد انقدح أن ما وضع للخطاب ، مثل أدوات النداء ، لو كان موضوعاً للخطاب الحقيقي ، لأوجب استعماله فيه تخصيص ما يقع في تلوه بالحاضرين ، كما أن قضية إرادة العموم منه لغيرهم استعماله في غيره ، لكن الظاهر أن مثل أدوات النداء لم يكن موضوعاً لذلك ، بل للخطاب الإِيقاعي الإِنشائي ، فالمتكلم ربما يوقع الخطاب بها تحسّراً وتأسفاً وحزناً مثل :

يا كوكباً ما كان أقصر عمره (١)

.........................

أو شوقاً ، ونحو ذلك ، كما يوقعه مخاطباً لمن يناديه حقيقة ، فلا يوجب استعماله في معناه الحقيقي ـ حينئذ ـ التخصيص بمن يصح مخاطبته ، نعم لا يبعد دعوى الظهور ، انصرافاً في الخطاب الحقيقي ، كما هو الحال في حروف الاستفهام والترجي والتمني وغيرها ، على ما حققناه في بعض المباحث السابقة (٢) ، من كونها موضوعة للإِيقاعي منها بدواع مختلفة مع ظهورها في

____________________________

(١) وعجزه .... وكذاك عمر كواكب الاسحار .

وهو من رائية ابو الحسن التهامي في رثاء ولده الذي مات صغيراً ، وهي في غاية الحسن والجزالة وفخامة المعنىٰ وجودة السرد وصدرها :

حكم المنية في البرية جارٍ

ما هذه الدنيا بدار قرار

سجن بالقاهرة سنة ٤١٦ ثم قتل سراً . رأه بعض اصحابه بعد موته في المنام وساله عن حاله قال : غفر لي ربي ، فقال : باي الاعمال . قال : بقولي في مرثية ولدي الصغير :

جاورت اعدائي وجاور ربه

شتان بين جواره وجواري

( شهداء الفضيلة : ٢٤ )

(٢) في مبحث الاوامر / ٦٤ .

٢٢٩
 &

الواقعي منها انصرافاً ، إذا لم يكن هناك ما يمنع عنه ، كما يمكن دعوى وجوده غالباً في كلام الشارع ، ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل : ( يا أيها الناس اتقوا ) و ( يا أيها المؤمنون ) بمن حضر مجلس الخطاب ، بلا شبهة ولا ارتياب .

ويشهد لما ذكرنا صحة النداء بالأدوات ، مع إرادة العموم من العام الواقع تلوها بلا عناية ، ولا للتنزيل والعلاقة رعاية .

وتوهّم كونه ارتكازياً ، يدفعه عدم العلم به مع الالتفات إليه ، والتفتيش عن حاله مع حصوله بذلك لو كان مرتكزاً ، وإلا فمن أين يعلم بثبوته كذلك ؟ كما هو واضح .

وإن أبيت إلا عن وضع الأدوات للخطاب الحقيقي ، فلا مناص عن التزام اختصاص الخطابات الإِلهية بأداة الخطاب ، أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة كغيرها بالمشافهين ، فيما لم يكن هناك قرينة على التعميم .

وتوهم صحة التزام التعميم في خطاباته تعالى لغير الموجودين ، فضلاً عن الغائبين ، لإِحاطته بالموجود في الحال والموجود في الاستقبال ، فاسد ، ضرورة أن إحاطته [ تعالىٰ ] لا توجب صلاحية المعدوم بل الغائب للخطاب ، وعدم صحة المخاطبة معهما لقصورهما لا يوجب نقصاً في ناحيته تعالى ، كما لا يخفى ، كما أن خطابه اللفظي لكونه تدريجياً ومتصرم الوجود ، كان قاصراً عن أن يكون موجها نحو غير من كان بمسمع منه ضرورة ، هذا لو قلنا بأن الخطاب بمثل ( يا أيها الناس اتقوا ) في الكتاب حقيقة إلى غير النبي صلى الله عليه وآله بلسانه .

وأما إذا قيل بأنه المخاطب والموجه إليه الكلام حقيقة وحياً أو إلهاماً ، فلا محيص إلا عن كون الأداة في مثله للخطاب الإِيقاعي ولو مجازاً ، وعليه لا مجال لتوهم اختصاص الحكم المتكفل له الخطاب بالحاضرين ، بل يعم المعدومين ، فضلاً عن الغائبين .

٢٣٠
 &

فصل

ربما قيل : إنه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين ثمرتان :

الأولى (١) : حجية ظهور خطابات (٢) الكتاب لهم كالمشافهين .

وفيه : إنّه مبني على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالإِفهام ، وقد حقق عدم الاختصاص بهم . ولو سلم ، فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك ممنوع ، بل الظاهر أن الناس كلهم إلى يوم القيامة يكونون كذلك ، وإن لم يعمهم الخطاب ، كما يومىء إليه غير واحد من الأخبار .

الثانية (٣) : صحة التمسك بإطلاقات الخطابات القرآنيّة بناء على التعميم ، لثبوت الأحكام لمن وجد وبلغ من المعدومين ، وإن لم يكن متحداً مع المشافهين في الصنف ، وعدم صحته على عدمه ، لعدم كونها حينئذ متكفلة لأحكام غير المشافهين ، فلا بد من إثبات اتحاده معهم في الصنف ، حتى يحكم بالاشتراك مع المشافهين في الأحكام ، وحيث لا دليل عليه حينئذ إلا الإِجماع ، ولا إجماع عليه إلا فيما اتحد الصنف ، كما لا يخفى .

ولا يذهب عليك ، أنه يمكن إثبات الاتحاد ، وعدم دخل ما كان البالغ الآن فاقداً له مما كان المشافهون واجدين له ، بإطلاق الخطاب إليهم من دون التقييد به ، وكونهم كذلك لا يوجب صحة الإِطلاق ، مع إرادة المقيد معه فيما يمكن أن يتطرق الفقدان ، وإن صح فيما لا يتطرق إليه ذلك . وليس المراد بالاتحاد في الصنف إلا الاتحاد فيما اعتبر قيداً في الأحكام ، لا الاتحاد فيما كثر

____________________________

(١) ذكرها المحقق القمي ( ره ) في القوانين ١ / ٢٣٣ ، في الخطابات المشافهة .

(٢) في « ب » : الخطابات .

(٣) راجع كلام المحقق الوحيد البهبهاني ( قده ) في كتاب ملاحظات الفريد على فوائد الوحيد / ٥٥ .

٢٣١
 &

الاختلاف بحسبه ، والتفاوت بسببه بين الأنام ، بل في شخص واحد بمرور الدهور والأيام ، وإلا لما ثبت بقاعدة الاشتراك للغائبين ـ فضلاً عن المعدومين ـ حكم من الأحكام .

ودليل الاشتراك إنما يجدي في عدم اختصاص التكاليف بأشخاص المشافهين ، فيما لم يكونوا مختصين بخصوص عنوان ، لو [ لم ] (١) يكونوا معنونين به لشك في شمولها لهم أيضاً ، فلولا الإِطلاق وإثبات عدم دخل ذاك العنوان في الحكم ، لما أفاد دليل الاشتراك ، ومعه كان الحكم يعم غير المشافهين ولو قيل باختصاص الخطابات بهم ، فتأمل جيداً .

فتلخص : أنه لا يكاد تظهر الثمرة إلا على القول باختصاص حجية الظواهر لمن قصد إفهامه ، مع كون غير المشافهين غير مقصودين بالإِفهام ، وقد حقق عدم الاختصاص به في غير المقام ، وأُشير (٢) إلى منع كونهم غير مقصودين به في خطاباته تبارك وتعالى في المقام .

فصل

هل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده ، يوجب تخصيصه به أو لا ؟

فيه خلاف بين الأعلام وليكن محل الخلاف ما إذا وقعا في كلامين ، أو في كلام واحد مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام ، كما في قوله تبارك وتعالى : ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ) إلى قوله ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) (٣) وأما ما إذا كان مثل : والمطلقات أزواجهن احق بردّهن ، فلا شبهة في تخصيصه به .

____________________________

(١) اثبتناه من « ب » .

(٢) في ردّه للثمرة الاولى / ٢٣١ .

(٣) البقرة : ٢٢٨ .

٢٣٢
 &

والتحقيق أن يقال : إنه حيث دار الأمر بين التصرف في العام ، بإرادة خصوص ما أُريد من الضمير الراجع إليه ، أو التصرف في ناحية الضمير : إمّا بإرجاعه إلى بعض ما هو المراد من مرجعه ، أو إلى تمامه مع التوسع في الإِسناد ، بإسناد الحكم المسند إلى البعض حقيقة إلى الكل توسعاً وتجوزاً ، كانت أصالة الظهور في طرف العام سالمة عنها في جانب الضمير ، وذلك لأن المتيقن من بناء العقلاء هو اتباع الظهور في تعيين المراد ، لا في تعيين كيفية الاستعمال ، وإنه على نحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو الاسناد مع القطع بما يراد ، كما هو الحال في ناحية الضمير .

وبالجملة : أصالة الظهور إنما تكون حجة فيما إذا شك فيما أُريد ، لا فيما إذا شك في أنه كيف أُريد ، فافهم ، لكنه إذا انعقد للكلام ظهور في العموم ، بأن لا يعد ما اشتمل على الضمير مما يكتنف به عرفاً ، وإلا فيحكم عليه بالاجمال ، ويرجع إلى ما يقتضيه الاصول ، إلا أن يقال باعتبار أصالة الحقيقة تعبداً ، حتى فيما إذا احتفّ بالكلام ما لا يكون ظاهراً معه في معناه الحقيقي كما عن بعض الفحول .

فصل

قد اختلفوا في جواز التخصيص بالمفهوم المخالف ، مع الاتفاق على الجواز بالمفهوم الموافق ، على قولين ، وقد استدل لكل منهما بما لا يخلو عن قصور .

وتحقيق المقام : أنه إذا ورد العام وما له المفهوم في كلام أو كلامين ، ولكن على نحو يصلح أن يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف في الآخر ، ودار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم ، فالدلالة على كل منهما إن كانت

٢٣٣
 &

بالإِطلاق بمعونة مقدمات الحكمة ، أو بالوضع ، فلا يكون هناك عموم ، ولا مفهوم ، لعدم تمامية مقدمات الحكمة في واحد منهما لأجل المزاحمة ، كما في مزاحمة ظهور أحدهما وضعاً لظهور الآخر كذلك ، فلا بد من العمل بالأصول العملية فيما دار فيه بين العموم والمفهوم ، إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر ، وإلا كان مانعاً عن انعقاد الظهور ، أو استقراره في الآخر .

ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دل على العموم وما له المفهوم ، ذاك الارتباط والاتصال ، وأنه لا بد أن يعامل مع كل منهما معاملة المجمل ، لو لم يكن في البين أظهر ، والا فهو المعول ، والقرينة على التصرف في الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل .

فصل

الاستثناء المتعقب لجمل متعددة ، هل الظاهر هو رجوعه إلى الكل (١) أو خصوص الاخيرة (٢) ، أو لا ظهور له في واحد منهما (٣) ، بل لا بد في التعيين من قرينة ؟ أقوال .

والظاهر أنه لا خلاف ولا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أي حال ، ضرورة أن رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة ، وكذا في صحة رجوعه إلى الكل ، وإن كان المتراءى من كلام صاحب المعالم (٤) ( رحمه الله ) حيث مهّد مقدمة لصحة رجوعه إليه ، أنه محل الإِشكال والتأمل .

____________________________

(١) نسبه السيد المرتضى ( ره ) إلى مذهب الشافعي وأصحابه ، الذريعة الى أصول الشريعة : ١ / ٢٤٩ ، راجع المعتمد في أصول الفقه : ١ / ٢٤٥ ، وشرح المختصر للعضدي : ١ / ٢٦٠ .

(٢) في المصدرين المتقدمين أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه .

(٣) الذريعة الى اصول الشريعة ١ / ٢٤٩ .

(٤) معالم الدين / ١٢٧ ، حيث قال : ولنقدم على توجيه المختار مقدّمة ... الخ .

٢٣٤
 &

وذلك ضرورة أن تعدد المستثنى منه ، كتعدد المستثنى ، لا يوجب تفاوتاً أصلاً في ناحية الأداة بحسب المعنى ، كان الموضوع له في الحروف عاماً أو خاصاً ، وكان المستعمل فيه الأداة فيما كان المستثنى منه متعدداً هو المستعمل فيه فيما كان واحداً ، كما هو الحال في المستثنى بلا ريب ولا إشكال ، وتعدد المخرج أو المخرج عنه خارجاً لا يوجب تعدد ما استعمل فيه أداة الإِخراج مفهوماً ، وبذلك يظهر أنه لا ظهور لها في الرجوع إلى الجميع ، أو خصوص الأخيرة ، وإن كان الرجوع إليها متيقنا على كل تقدير ، نعم غير الأخيرة أيضاً من الجمل لا يكون ظاهراً في العموم لاكتنافه بما لا يكون معه ظاهراً فيه ، فلا بد في مورد الإستثناء فيه من الرجوع إلى الأُصول .

أللهم إلا أن يقال بحجية أصالة الحقيقة تعبداً ، لا من باب الظهور ، فيكون المرجع (١) عليه أصالة العموم إذا كان وضعياً ، لا ما إذا كان بالإِطلاق ومقدمات الحكمة ، فإنه لا يكاد يتم تلك المقدمات مع صلوح الاستثناء للرجوع إلى الجميع ، فتأمل (٢) .

فصل

الحق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر بالخصوص كما جاز بالكتاب ، أو بالخبر المتواتر ، أو المحفوف بالقرينة القطعية من خبر الواحد ، بلا ارتياب ، لما هو الواضح من سيرة الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الأئمة عليهم السلام ، واحتمال أن يكون ذلك

____________________________

(١) في « ب » : مرجع .

(٢) إشارة إلى أنه يكفي في منع جريان المقدمات ، صلوح الاستثناء لذلك ، لاحتمال اعتماد المطلق حينئذ في التقييد عليه ، لاعتقاد أنه كاف فيه ، اللهم إلا أن يقال : إن مجرد صلوحه لذلك بدون قرينة عليه ، غير صالح للاعتماد ما لم يكن بحسب متفاهم العرف ظاهراً في الرجوع إلى الجميع ، فأصالة الإِطلاق مع عدم القرينة محكمة ، لتمامية مقدمات الحكمة ، فافهم ( منه قدس سره ) .

٢٣٥
 &

بواسطة القرينة واضح البطلان .

مع أنه لولاه لزم إلغاء الخبر بالمرة أو ما بحكمه ، ضرورة ندرة خبر لم يكن على خلافه عموم الكتاب ، لو سلم وجود ما لم يكن كذلك .

وكون العام الكتابي قطعياً صدوراً ، وخبر الواحد ظنياً سنداً (١) ، لا يمنع عن التصرف في دلالته الغير القطعية قطعاً ، وإلا لما جاز تخصيص المتواتر به أيضاً ، مع أنه جائز جزماً .

والسر : أن الدوران في الحقيقة بين أصالة العموم ودليل سند الخبر ، مع أن الخبر بدلالته وسنده صالح للقرينية (٢) على التصرف فيها ، بخلافها ، فإنها غير صالحة لرفع اليد عن دليل اعتباره ، ولا ينحصر (٣) الدليل على الخبر بالإِجماع ، كي يقال بأنه فيما لا يوجد على خلافه دلالة ، ومع وجود الدلالة القرآنية (٤) يسقط وجوب العمل به .

كيف ؟ وقد عرفت أن سيرتهم مستمرة على العمل به في قبال العمومات الكتابية ، والأخبار الدالة على أن الأخبار المخالفة للقران يجب طرحها (٥) أو ضربها على الجدار ، أو أنها زخرف (٦) ، أو أنها مما لم يقل به الإِمام عليه السلام (٧) ، وإن كانت كثيرة جداً ، وصريحة الدلالة على طرح المخالف ، إلا

____________________________

(١) انظر معالم الدين / ١٤٧ ، في جواز تخصيص الكتاب بالخبر ..

(٢) في « ب » : للقرينة .

(٣) ردّ على ما أجاب به المحقق عن استدلال المجوّزين لتخصيص الكتاب بالخبر الواحد ، معارج الأُصول / ٩٦ .

(٤) في « ب » دلالة القرائنة .

(٥) أصول الكافي : ١ / ٦٩ باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب . وسائل الشيعة ١٨ / ٧٨ الباب ٩ من أبواب صفات القاضي الحديث ١٠ .

(٦) أُصول الكافي : ١ / ٦٩ الحديث ٣ ، ٤ ، وسائل الشيعة ١٨ / ٧٨ الحديث ١٢ و ١٤ .

(٧) أُصول الكافي ١ / ٦٩ الحديث ٥ ، وسائل الشيعة ١٨ / ٧٩ الحديث ١٥ .

٢٣٦
 &

أنه لا محيص عن أن يكون المراد من المخالفة في هذه الأخبار غير مخالفة العموم ، إن لم نقل بأنها ليست من المخالفة عرفاً ، كيف ؟ وصدور الأخبار المخالفة للكتاب بهذه المخالفة منهم عليهم السلام كثيرة جداً ، مع قوة احتمال أن يكون المراد أنهم عليهم السلام لا يقولون بغير ما هو قول الله تبارك وتعالى واقعاً ـ وإن كان هو على خلافه ظاهراً ـ شرحاً لمرامه تعالى وبياناً لمراده من كلامه ، فافهم .

والملازمة بين جواز التخصيص وجواز النسخ به ممنوعة ، وإن كان مقتضى القاعدة جوازهما ، لاختصاص النسخ بالإِجماع على المنع ، مع وضوح الفرق بتوافر الدواعي إلى ضبطه ، ولذا قل الخلاف في تعيين موارده ، بخلاف التخصيص .

فصل

لا يخفى أن الخاص والعام المتخالفين ، يختلف حالهما ناسخاً ومخصصاً ومنسوخاً ، فيكون الخاص : مخصصاً تارة ، وناسخاً مرة ، ومنسوخاً أخرى ، وذلك لأن الخاص إن كان مقارناً مع العام ، أو وارداً بعده قبل حضور وقت العمل به ، فلا محيص عن كونه مخصصاً وبياناً له .

وإن كان بعد حضوره كان ناسخاً لا مخصصاً ، لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما إذا كان العام وارداً لبيان الحكم الواقعي ، وإلا لكان الخاص أيضاً مخصصاً له ، كما هو الحال في غالب العمومات والخصوصات في الآيات والروايات .

وإن كان العام وارداً بعد حضور وقت العمل بالخاص ، فكما يحتمل أن يكون الخاص مخصصاً للعام ، يحتمل أن يكون العام ناسخاً له ، وإن كان الأظهر أن يكون الخاص مخصصاً ، كثرة التخصيص ، حتى اشتهر ( ما من عام إلّا وقد خص ) مع قلة النسخ في الأحكام جداً ، وبذلك يصير ظهور الخاص في

٢٣٧
 &

الدوام ـ ولو كان بالإِطلاق ـ أقوى من ظهور العام ولو كان بالوضع ، كما لا يخفى ، هذا فيما علم تاريخهما .

وأما لو جهل وتردد بين أن يكون الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام وقبل حضوره ، فالوجه هو الرجوع إلى الأُصول العملية .

وكثرة التخصيص وندرة النسخ هاهنا ، وإن كانا يوجبان الظن بالتخصيص أيضاً ، وأنه واجد لشرطه إلحاقاً له بالغالب ، إلا أنه لا دليل على اعتباره ، وإنما يوجبان الحمل عليه فيما إذا ورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص ، لصيرورة الخاص لذلك في الدوام أظهر من العام ، كما أشير إليه ، فتدبر جيداً .

ثم إن تعين الخاص للتخصيص ، إذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعام ، أو ورد العام قبل حضور وقت العمل به ، إنما يكون مبنياً على عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل ، وإلا فلا يتعين له ، بل يدور بين كونه مخصصاً (١) وناسخاً في الأول ، ومخصصاً ومنسوخاً في الثاني ، إلا أن الأظهر كونه مخصصاً ، وإن كان ظهور العام في عموم الأفراد أقوى من ظهوره وظهور الخاص في الدوام (٢) ، لما أُشير اليه من تعارف التخصيص وشيوعه ، وندرة النسخ جداً في الأحكام .

ولا بأس بصرف (٣) الكلام إلى ما هو نخبة القول في النسخ ، فاعلم أن

____________________________

(١) لا يخفى أن كونه مخصصاً بمعنى كونه مبيناً بمقدار المرام عن العام ، وناسخاً بمعنى كون حكم العام غير ثابت في نفس الأمر في مورد الخاص ، مع كونه مراداً ومقصوداً بالافهام في مورده بالعام كسائر الأفراد ، وإلا فلا تفاوت بينهما عملا أصلاً ، كما هو واضح لا يكاد يخفى ( منه قدس سره ) .

(٢) في « ب » : ولو فيما كان ظهور العام في عموم الأفراد أقوى من ظهور الخاص في الخصوص .

(٣) في « ب » : لصرف .

٢٣٨
 &

النسخ وإن كان رفع الحكم الثابت إثباتاً ، إلا أنه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا ، وإنما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم واستمراره ، أو أصل إنشائه وإقراره ، مع أنه بحسب الواقع ليس له قرار ، أو ليس له دوام واستمرار ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله الصادع للشرع ، ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال ، وأنه ينسخ في الاستقبال ، أو مع عدم اطلاعه على ذلك ، لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه تبارك وتعالى ، ومن هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل .

وحيث عرفت أن النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعاً ، وإن كان بحسب الظاهر رفعاً ، فلا بأس به مطلقاً ولو كان قبل حضور وقت العمل ، لعدم لزوم البداء المحال في حقه تبارك وتعالى ، بالمعنى المستلزم لتغير إرادته تعالى مع اتحاد الفعل ذاتاً وجهة ، ولا لزوم (١) امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ ، فإن الفعل إن كان مشتملا على مصلحة موجبة للأمر به امتنع النهي عنه ، وإلا امتنع الأمر به ، وذلك لأن الفعل أو دوامه لم يكن متعلقاً لإِرادته ، فلا يستلزم نسخ أمره بالنهي تغيير إرادته ، ولم يكن الأمر بالفعل من جهة كونه مشتملاً على مصلحة ، وإنما كان إنشاء الأمر به أو إظهار دوامه عن حكمة ومصلحة .

وأما البداء في التكوينيات (٢) بغى ذاك المعنى ، فهو مما دل عليه الروايات المتواترات (٣) ، كما لا يخفى ، ومجمله أن الله تبارك وتعالى إذا تعلقت مشيته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه ، لحكمة داعية إلى إظهاره ، ألهم أو أوحى إلى نبيه أو وليه أن يخبر به ، مع علمه بأنه يمحوه ، أو مع عدم علمه به ، لما أشير إليه من عدم الإِحاطة بتمام ما جرى في علمه ، وإنما يخبر به لأنه حال الوحي أو الإِلهام لارتقاء نفسه الزكية ، واتصاله بعالم لوح المحو والإِثبات اطلع على

____________________________

(١) في بعض النسخ المطبوعة : وإلا لزم .

(٢) في « ب » : التكوينات .

(٣) الوافي : ١ / ١١٢ ، باب البداء .

٢٣٩
 &

ثبوته ، ولم يطلع على كونه معلقاً على [ أمر ] (١) غير واقع ، أو عدم الموانع ، قال الله تبارك وتعالى : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) (٢) الآية ، نعم من شملته العناية الإِلۤهية ، واتصلت نفسه الزكية بعالم اللوح المحفوظ الذي [ هو ] من أعظم العوالم الربوبية ، وهو أم الكتاب ، يكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها ، كما ربما يتفق لخاتم الأنبياء ، ولبعض الأوصياء ، كان عارفاً بالكائنات (٣) كما كانت وتكون .

نعم مع ذلك ، ربما يوحى إليه حكم من الأحكام ، تارة بما يكون ظاهراً في الاستمرار والدوام ، معه أنه في الواقع له غاية وأمد يعينها (٤) بخطاب آخر ، وأخرى بما يكون ظاهراً في الجد ، مع أنه لا يكون واقعاً بجد ، بل لمجرد الابتلاء والاختبار ، كما أنه يؤمر وحياً أو الهاماً بالإِخبار بوقوع عذاب أو غيره مما لا يقع ، لأجل حكمة في هذا الإِخبار أو ذاك الإِظهار ، فبدا له تعالى بمعنى أنه يظهر ما أمر نبيه أو وليه بعدم إظهاره أولاً ، ويبدي ما خفي ثانياً .

وإنما نسب إليه تعالى البداء ، مع أنه في الحقيقة الإِبداء ، لكمال شباهة إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره ، وفيما ذكرنا كفاية فيما هو المهم في باب النسخ ، ولا داعي بذكر تمام ما ذكروه في ذاك الباب كما لا يخفى على أولي الألباب .

ثم لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص والنسخ ، ضرورة أنه على التخصيص يبنى على خروج الخاص عن حكم العام رأساً ، وعلى النسخ ، على ارتفاع حكمه عنه من حينه ، فيما دار الأمر بينهما في المخصص ، وأما إذا دار بينهما في الخاص والعام ، فالخاص على التخصيص غير محكوم بحكم العام أصلاً ، وعلى النسخ كان محكوماً به من حين صدور دليله ، كما لا يخفى .

____________________________

(١) أثبتناها من « ب » .

(٢) الرعد : ٣٩ .

(٣) في « ب » : على الكائنات .

(٤) في « ب » : يتعينها .

٢٤٠