كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

فيه ؟ مع أنها كخصوصيات الإِخبار ، تكون ناشئة من الاستعمال ، ولا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال ، كما هو واضح لمن تأمل .

الأمر الثاني : إنه إذا تعدد الشرط ، مثل ( إذا خفي الأذان فقصر ، وإذا خفي الجدران فقصر ) ، فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم ، لا بد من التصرف ورفع اليد عن الظهور .

إما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر ، فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين .

وإما برفع اليد عن المفهوم فيهما ، فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شيء آخر في الجزاء ، بخلاف الوجه الأول ، فإن فيهما الدلالة على ذلك .

وإما بتقييد إطلاق الشرط في كل منهما بالآخر ، فيكون الشرط هو خفاء الأذان والجدران معاً ، فإذا خفيا وجب القصر ، ولا يجب عند انتفاء خفائهما ولو خفي أحدهما .

وإما بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما ، بأن يكون تعدد الشرط قرينة على أن الشرط في كل منهما ليس بعنوانه الخاص ، بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان .

ولعل العرف يساعد على الوجه الثاني ، كما أن العقل ربما يعين هذا الوجه ، بملاحظة أن الأمور المتعددة بما هي مختلفة ، لا يمكن أن يكون كل منها مؤثراً في واحد ، فإنه لا بد من الربط الخاص بين العلة والمعلول ، ولا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطاً بالاثنين بما هما اثنان ، ولذلك أيضاً لا يصدر من الواحد إلا الواحد ، فلا بد من المصير إلى أن الشرط في الحقيقة واحد ، وهو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم ، وبقاء إطلاق الشرط في كل منهما على حاله ، وإن كان بناء العرف والأذهان العامية

٢٠١
 &

على تعدد الشرط وتاثير كل شرط بعنوانه الخاص ، فافهم .

الأمر الثالث : إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء ، فلا إشكال على الوجه الثالث ، وأما على سائر الوجوه ، فهل اللازم لزوم الإِتيان بالجزاء متعدداً ، حسب تعدد الشروط ؟ أو يتداخل ، ويكتفى بإتيانه دفعة واحدة ؟ .

فيه أقوال : والمشهور عدم التداخل ، وعن جماعة ـ منهم المحقق الخوانساري (١) ـ التداخل ، وعن الحلي (٢) التفصيل بين اتحاد جنس الشروط وتعدده .

والتحقيق : إنه لما كان ظاهر الجملة الشرطية ، حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه ، أو بكشفه عن سببه ، وكان قضيته تعدد الجزاء عند تعدد الشرط ، كان الأخذ بظاهرها إذا تعدد الشرط حقيقة أو وجوداً محالاً ، ضرورة أن لازمه أن يكون الحقيقة الواحدة ـ مثل الوضوء ـ بما هي واحدة ، في مثل ( إذا بلت فتوضأ ، وإذا نمت فتوضأ ) ، أو فيما إذا بال مكرراً ، أو (٣) نام كذلك ، محكوماً بحكمين متماثلين ، وهو واضح الاستحالة كالمتضادين .

فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه : إما بالالتزام بعدم دلالتها في هذا الحال على الحدوث عند الحدوث ، بل على مجرد الثبوت ، أو الالتزام بكون متعلق الجزاء وإن كان واحداً صورة ، إلا أنه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط ، متصادقة على واحد ، فالذمة وإن اشتغلت بتكاليف متعددة ، حسب

____________________________

(١) مشارق الشموس ٦١ ، كتاب الطهارة في تداخل الأغسال الواجبة ، قال : لأن تداخل الأسباب لا يوجب تعدد المسببات .

(٢) السرائر / ٥٥ ، في باب أحكام السهو والشك في الصلاة .

هو محمد بن احمد بن ادريس الحلّي ، فاضل فقيه ومحقق نبيه ، فخر الاجلة وشيخ فقهاء الحلة صاحب كتاب « السرائر » و « مختصر تبيان الشيخ » توفي سنة ٥٩٨ وهو ابن خمس وخمسين . ( الكنى والالقاب ١ / ٢٠١ ) .

(٣) في « ب » : و .

٢٠٢
 &

تعدد الشروط ، إلا أن الاجتزاء بواحد لكونه مجمعاً لها ، كما في ( أكرم هاشمياً وأضف عالماً ) ، فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة ، ضرورة أنه بضيافته بداعي الأمرين ، يصدق أنه امتثلهما ، ولا محالة يسقط الأمر بامتثاله وموافقته ، وإن كان له امتثال كل منهما على حدة ، كما إذا أكرم الهاشمي بغير الضيافة ، وأضاف العالم الغير الهاشمي .

إن قلت : كيف يمكن ذلك ـ أي الامتثال بما تصادق (١) عليه العنوانان ـ مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه ؟ .

قلت : انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين ، بل غايته أن انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب وانتزاع صفته له ، مع أنه ـ على القول بجواز الاجتماع ـ لا محذور في اتصافه بهما ، بخلاف ما إذا كان بعنوان واحد ، فافهم .

أو الالتزام بحدوث الأثر عند وجود كل شرط ، إلا أنه وجوب الوضوء في المثال عند الشرط الأول ، وتأكد وجوبه عند الآخر .

ولا يخفى أنه لا وجه لأن يصار إلى واحد منها ، فإنه رفع اليد عن الظاهر بلا وجه ، مع ما في الأخيرين من الاحتياج إلى إثبات أن متعلق الجزاء متعدد متصادق على واحد ، وإن كان صورة واحداً سمي (٢) باسم واحد ، كالغسل ، وإلى إثبات أن الحادث بغير الشرط الأول تؤكد ما حدث بالأول ، ومجرد الاحتمال لا يجدي ، ما لم يكن في البين ما يثبته .

إن قلت : وجه ذلك هو لزوم التصرف في ظهور الجملة الشرطية ، لعدم إمكان الأخذ بظهورها ، حيث أن قضيته اجتماع الحكمين في الوضوء في

____________________________

(١) في « أ وب » : تصادقا .

(٢) في « أ » مسمىٰ .

٢٠٣
 &

المثال ، كما مرت الإِشارة إليه .

قلت : نعم ، إذا لم يكن المراد بالجملة ـ فيما إذا تعدد الشرط كما في المثال ـ هو وجوب وضوء مثلاً بكل شرط غير ما وجب بالآخر ، ولا ضير في كون فرد محكوماً بحكم فرد آخر أصلاً ، كما لا يخفى .

إن قلت : نعم ، لو لم يكن تقدير تعدد الفرد على خلاف الإِطلاق .

قلت : نعم ، لو لم يكن ظهور الجملة [ الشرطية ] (١) في كون الشرط سبباً أو كاشفاً عن السبب ، مقتضياً لذلك أي لتعدد الفرد ، و (٢) بياناً لما هو المراد من الإِطلاق .

وبالجملة : لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الإِطلاق ضرورة أن ظهور الإِطلاق يكون معلقاً على عدم البيان ، وظهورها في ذلك صالح لأن يكون بياناً ، فلا ظهور له مع ظهورها ، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرف أصلاً ، بخلاف القول بالتداخل كما لا يخفى (٣) .

فتلخص بذلك ، أن قضية ظاهر الجملة الشرطية ، هو القول بعدم التداخل عند تعدد الشرط .

وقد انقدح مما ذكرناه ، أن المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه

____________________________

(١) أثبتناها من « ب » .

(٢) في « أ » : والّا كان بياناً . ولكن شطب عليه المصنف في « ب » .

(٣) هذا واضح بناء على ما يظهر من شيخنا العلامة من كون ظهور الإِطلاق معلقاً على عدم البيان مطلقاً ، ولو كان منفصلاً ، وأما بناءً على ما اخترناه في غير مقام ، من أنه إنما يكون معلقاً على عدم البيان في مقام التخاطب لا مطلقاً ، فالدوران حقيقة بين الظهورين حينئذ وإن كان ، إلا أنه لا دوران بينهما حكماً ، لأن العرف لا يكاد يشك بعد الاطلاع على تعدد القضية الشرطية أن قضيته تعدد الجزاء ، وأنه في كل قضية وجوب فرد غير ما وجب في الأخرى ، كما إذا اتصلت القضايا وكانت في كلام واحد ، فافهم ( منه قدس سره ) .

٢٠٤
 &

التي ذكرناها ، لا مجرد كون الأسباب الشرعية معرفات لا مؤثرات ، فلا وجه لما عن الفخر (١) وغيره ، من ابتناء المسألة على أنها معرفات أو مؤثرات (٢) ، مع أن الأسباب الشرعية حالها حال غيرها ، في كونها معرفات تارة ومؤثرات أخرى ، ضرورة أن الشرط للحكم الشرعي في الجمل (٣) الشرطية ، ربما يكون مما له دخل في ترتب الحكم ، بحيث لولاه لما وجدت له علة ، كما أنه في الحكم غير الشرعي ، قد يكون أمارة على حدوثه بسببه ، وإن كان ظاهر التعليق أن له الدخل فيهما ، كما لا يخفى .

نعم ، لو كان المراد بالمعرفية في الأسباب الشرعية أنها ليست بدواعي الأحكام التي هي في الحقيقة علل لها ، وإن كان لها دخل في تحقق موضوعاتها ، بخلاف الأسباب الغير الشرعية ، فهو وإن كان له وجه ، إلا أنه مما لا يكاد يتوهم أنه يجدي فيما همّ وأراد .

ثم إنه لا وجه للتفصيل (٤) بين اختلاف الشروط بحسب الأجناس وعدمه ، واختيار عدم التداخل في الأول ، والتداخل في الثاني ، إلا توهم عدم صحة التعلق بعموم اللفظ في الثاني ، لأنه من أسماء الأجناس ، فمع تعدد أفراد شرط واحد لم يوجد إلا السبب الواحد ، بخلاف الأول ، لكون كل منها سبباً ، فلا وجه لتداخلها ، وهو فاسد .

____________________________

(١) فخر المحققين ابو طالب محمد بن جمال الدين حسن بن يوسف المطهر الحلي ، ولد سنة ٦٨٢ ، فاز بدرجة الاجتهاد في السنة العاشرة من عمره الشريف كان والده العلامة يعظمه ويثني عليه ، له كتب منها « غاية السؤل » و « شرح مبادىء الاصول » . توفي سنة ٧٧١ هـ .

( روضات الجنات ٦ / ٢٣٠ رقم ٥٩١ ) .

(٢) حكى الشيخ الاعظم ( ره ) نسبته الى فخر المحققين ( ره ) واحتمل تبعية النراقي ( ره ) له في العوائد / مطارح الانظار / ١٧٥ في الهداية ٦ من القول في المفهوم والمنطوق .

(٣) في « ب » : الجملة .

(٤) المفصل هو ابن إدريس في السرائر / ٥٥ ، عند قوله ( قده ) : فإن سها المصلي في صلاته بما يوجب سجدتي السهو مرات كثيرة ... الخ .

٢٠٥
 &

فإن قضية اطلاق الشرط في مثل ( إذا بلتَ فتوضأ ) هو حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرّات ، وإلا فالأجناس المختلفة لا بد من رجوعها إلى واحد ، فيما جعلت شروطاً وأسباباً لواحد ، لما مرت إليه الإِشارة ، من أن الأشياء المختلفة بما هي مختلفة لا تكون أسباباً لواحد ، هذا كله فيما إذا كان موضوع الحكم في الجزاء قابلاً للتعدد .

وأما ما لا يكون قابلاً لذلك ، فلا بد من تداخل الأسباب ، فيما لا يتأكد المسبب ، ومن التداخل فيه فيما يتأكد .

فصل

الظاهر أنه لا مفهوم للوصف وما بحكمه مطلقاً ، لعدم ثبوت الوضع ، وعدم لزوم اللغوية بدونه ، لعدم انحصار الفائدة به ، وعدم قرينة أخرى ملازمة له ، وعلّيته فيما إذا استفيدت غير مقتضية له ، كما لا يخفى ، ومع كونها بنحو الانحصار وإن كانت مقتضية له ، إلا أنه لم يكن من مفهوم الوصف ، ضرورة أنه قضية العلة الكذائية المستفادة من القرينة عليها في خصوص مقام ، وهو مما لا إشكال فيه ولا كلام ، فلا وجه لجعله تفصيلاً في محل النزاع ، ومورداً للنقض والإِبرام .

ولا ينافي ذلك ما قيل من أن الأصل في القيد أن يكون احترازياً ، لأن الاحترازية لا توجب إلا تضييق دائرة موضوع الحكم في القضية ، مثل ما إذا كان بهذا الضيق بلفظ واحد ، فلا فرق أن يقال : جئني بإنسان أو بحيوان ناطق ، كما أنه لا يلزم في حمل المطلق على المقيد ، فيما وجد شرائطه إلا ذلك ، من دون حاجة فيه إلى دلالته على المفهوم ، فإنه من المعلوم أن قضية الحمل ليس إلا أن المراد بالمطلق هو المقيد ، وكأنه لا يكون في البين غيره ، بل ربما قيل (١) :

____________________________

(١) مطارح الانظار / ١٨٣ .

٢٠٦
 &

إنه لا وجه للحمل لو كان بلحاظ المفهوم ، فإن ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الإِطلاق ، كي يحمل عليه ، لو لم نقل بأنه الأقوى ، لكونه بالمنطوق ، كما لا يخفى .

وأما الاستدلال على ذلك ـ أي عدم الدلالة على المفهوم ـ بآية ( وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم ) (١) ففيه أن الاستعمال في غيره أحياناً مع القرينة مما لا يكاد ينكر ، كما في الآية قطعاً ، مع أنه يعتبر في دلالته عليه عند القائل بالدلالة ، أن لا يكون وارداً مورد الغالب كما في الآية ، ووجه الاعتبار واضح ، لعدم دلالته معه على الاختصاص ، وبدونها لا يكاد يتوهم دلالته على المفهوم ، فافهم .

تذنيب : لا يخفى أنه لا شبهة في جريان النزاع ، فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه ولو من وجه ، في مورد الافتراق من جانب الموصوف ، وأما في غيره ، ففي جريانه إشكال أظهره عدم جريانه ، وإن كان يظهر مما عن بعض الشافعية (٢) ، حيث قال : ( قولنا في الغنم السائمة زكاة ، يدل على عدم الزكاة في معلوفة الإِبل ) جريانه فيه ، ولعل وجهه استفادة العلية المنحصرة منه .

وعليه فيجري فيما كان الوصف مساوياً أو أعم مطلقاً أيضاً ، فيدل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفائه ، فلا وجه في التفصيل بينهما وبين ما إذا كان أخص من وجه (٣) ، فيما إذا كان الافتراق من جانب الوصف ، بأنه لا وجه للنزاع فيهما ، معللاً بعدم الموضوع ، واستظهار جريانه من بعض الشافعية فيه ، كما لا يخفى ، فتأمل جيداً .

____________________________

(١) النساء / ٢٣ .

(٢) راجع المنخول للغزالي / ٢٢٢ ، في مسائل المفهوم ، عند قوله : ( كقوله : في عوامل الابل زكاة ... الخ ) .

(٣) التفصيل للشيخ ، مطارح الأنظار ١٨٢ ، عند قوله قده : ثم إن الوصف قد يكون مساوياً ... الخ .

٢٠٧
 &

فصل

هل الغاية في القضية تدل على ارتفاع الحكم عما بعد الغاية ، بناء على دخول الغاية في المغيّى ، أو عنها وبعدها ، بناء على خروجها ، أو لا ؟

فيه خلاف ، وقد نسب (١) إلى المشهور الدلالة على الارتفاع ، وإلى جماعة منهم السيد (٢) والشيخ (٣) ، عدم الدلالة عليه .

والتحقيق : إنه إذا كانت الغاية بحسب القواعد العربية قيداً للحكم ، كما في قوله : ( كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام ) (٤) ، و ( كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر ) (٥) ، كانت دالة على ارتفاعه عند حصولها ، لانسباق ذلك منها ، كما لا يخفى ، وكونه قضية تقييده بها ، وإلا لما كان ما جعل غاية له بغاية ، وهو واضح إلى النهاية .

وأما إذا كانت بحسبها قيداً للموضوع ، مثل ( سر من البصرة إلى

____________________________

(١) كما في مطارح الأنظار / ١٨٦ ، في مفهوم الغاية ، المقام الثاني .

(٢) الذريعة ١ / ٤٠٧ ، في عدم الفرق بين الوصف والغاية .

(٣) راجع عدة الاصول ٢ / ٢٤ ، تعليق الحكم بالغاية .

هو ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي ، ولد سنة ٣٨٥ ، قدم العراق سنة ٤٠٨ هـ ، تلمذ على الشيخ المفيد والسيد المرتضى وابي الحسين علي بن احمد بن محمد بن ابي الجيد القمي ، ثم هاجر الى مشهد امير المؤمنين (ع) خوفاً من الفتنة التي تجددت ببغداد واحرقت كتبه وكرسي درسه ، بقي في النجف الى ان توفي سنة ٤٦٠ هـ له مصنفات كثيرة منها : « التبيان » و « التهذيب » و « الاستبصار » و « المبسوط » و « الخلاف » و « العدة » في الاصول .

( الكنىٰ والالقاب ٢ / ٣٥٧ )

(٤) الكافي : ٥ / ٣١٣ . الحديث ٤٠ من باب النوادر ، كتاب المعيشة . باختلاف يسير .

(٥) التهذيب : ١ / ٢٨٤ . الحديث ١١٩ . باختلاف يسير .

٢٠٨
 &

الكوفة ) ، فحالها حال الوصف في عدم الدلالة ، وإن كان تحديده بها بملاحظة حكمه وتعلق الطلب به ، وقضيته ليس إلا عدم الحكم فيها إلا بالمغيّى ، من دون دلالة لها أصلاً على انتفاء سنخه عن غيره ، لعدم ثبوت وضع لذلك ، وعدم قرينة ملازمة لها ولو غالباً ، دلت على اختصاص الحكم به ، وفائدة التحديد بها كسائر أنحاء التقييد ، غير منحصرة بإفادته كما مر في الوصف .

ثم إنه في الغاية خلاف آخر ، كما أشرنا إليه ، وهو أنها هل هي داخلة في المغيّى بحسب الحكم ؟ أو خارجة عنه ؟ والأظهر خروجها ، لكونها من حدوده ، فلا تكون محكومة بحكمه ، ودخوله فيه في بعض الموارد إنما يكون بالقرينة ، وعليه تكون كما بعدها بالنسبة إلى الخلاف الأول ، كما أنه على القول الآخر تكون محكومة بالحكم منطوقاً ، ثم لا يخفى أن هذا الخلاف لا يكاد يعقل جريانه فيما إذا كان قيداً للحكم ، فلا تغفل (١) .

فصل

لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم ـ سلباً أو إيجاباً ـ بالمستثنى منه ولا يعم المستثنى ، ولذلك يكون الاستثناء من النفي إثباتاً ، ومن الإِثبات نفياً ، وذلك للانسباق عند الإِطلاق قطعاً ، فلا يعبأ بما عن أبي حنيفة (٢) من عدم الإِفادة ، محتجاً بمثل ( لا صلاة إلا بطهور ) ضرورة ضعف احتجاجه :

____________________________

(١) حيث أن المغيّىٰ حينئذ هو نفس الحكم ، لا المحكوم به ليصح أن ينازع في دخول الغاية في حكم المغيّىٰ ، أو خارج عنه ، كما لا يخفىٰ ، نعم يعقل أن ينازع في أن الظاهر هل هو انقطاع الحكم المغيّىٰ بحصول غايته [ في ] الاصطلاح ، اي مدخول إلى أو حتىٰ . أو استمراره في تلك الحال ، ولكن الاظهر هو انقطاعه ، فافهم واستقم ، ( منه قدس سره ) .

(٢) راجع شرح مختصر الأصول للعضدي / ٢٦٥ ، والتقرير والتحبير ١ / ٣١٣ .

٢٠٩
 &

أولاً : يكون المراد من مثله (١) أنه لا تكون الصلاة التي كانت واجدة لأجزائها وشرائطها المعتبرة فيها صلاة ، إلا إذا كانت واجدة للطهارة ، وبدونها لا تكون صلاة على وجه ، وصلاة تامة مأموراً بها على آخر .

وثانياً : بأن الاستعمال مع القرينة ، كما في مثل التركيب ، مما علم فيه الحال لا دلالة له على مدعاه أصلاً ، كما لا يخفى .

ومنه قد انقدح (٢) أنه لا موقع للاستدلال على المدّعى ، بقبول رسول الله صلى الله عليه وآله إسلام من قال كلمة التوحيد ، لإِمكان دعوى أن دلالتها على التوحيد كان بقرينة الحال أو المقال .

والإِشكال في دلالتها عليه ـ بأن خبر ( لا ) إما يقدّر ( ممكن ) أو ( موجود ) وعلى كل تقدير لا دلالة لها عليه ، أما على الاول : فإنه (٣) حينئذ لا دلالة لها إلا على إثبات إمكان وجوده تبارك وتعالى ، لا وجوده ، وأما على الثاني : فلأنها وإن دلت على وجوده تعالى ، إلا أنه لا دلالة لها على عدم إمكان إله آخر ـ مندفع ، بأن المراد من الإِله هو واجب الوجود ، ونفي ثبوته ووجوده في الخارج ، وإثبات فرد منه فيه ـ وهو الله تعالى ـ يدل بالملازمة البينة على امتناع تحققه في ضمن غيره تبارك وتعالى ، ضرورة أنه لو لم يكن ممتنعاً لوجد ، لكونه من أفراد الواجب .

____________________________

أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي الكوفي ولد عام ٨٠ هـ ، امام الحنفية ـ احد الأئمة الاربعة عند اهل السنة ، قيل اصله من ابناء فارس ، ولد ونشأ بالكوفة ، وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه ثم انقطع للتدريس والافتاء ، توفي ببغداد عام ١٥٠ هـ ( الكنى والالقاب ١ / ٥٠ )

(١) بل المراد من مثله في المستثنى منه نفي الإِمكان ، وأنه لا يكاد يكون بدون المستثنى ، وقضيته ليس إلا إمكان ثبوته معه لا ثبوته فعلاً ، لما هو واضح لمن راجع أمثاله من القضايا العرفية ( منه قدس سرّه ) .

(٢) ردّ علىٰ صاحب الفصول والشيخ ( قدس سره ) أنظر الفصول / ١٩٥ ، مطارح الأنظار / ١٨٧

(٣) في « ب » فلأنه .

٢١٠
 &

ثم إن الظاهر أن دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى بالمفهوم ، وأنه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي دلت عليها الجملة الاستثنائية ، نعم لو كانت الدلالة في طرفه بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة ، كانت بالمنطوق ، كما هو ليس ببعيد ، وإن كان تعيين ذلك لا يكاد يفيد .

ومما يدل على الحصر والاختصاص ( إنما ) وذلك لتصريح أهل اللغة بذلك ، وتبادره منها قطعاً عند أهل العرف والمحاورة .

ودعوى ـ أن الإِنصاف (١) أنه لا سبيل لنا إلى ذلك ، فإن موارد استعمال هذه اللفظة مختلفة ، ولا يعلم بما هو مرادف لها في عرفنا ، حتى يستكشف منها (٢) ما هو المتبادر منها ـ غير مسموعة ، فإن السبيل إلى التبادر لا ينحصر بالانسباق إلى أذهاننا ، فإن الانسباق إلى أذهان أهل العرف أيضاً سبيل .

وربما يعد مما دل على الحصر ، كلمة ( بل ) الإِضرابية ، والتحقيق أن الإِضراب على أنحاء :

منها : ما كان لأجل أن المضرب عنه ، إنما أتى به غفلة أو سبقه به لسانه ، فيضرب بها عنه إلى ما قصد بيانه ، فلا دلالة له على الحصر أصلاً ، فكأنه أتى بالمضرب إليه ابتداءً ، كما لا يخفى .

ومنها : ما كان لأجل التأكيد ، فيكون ذكر المضرب عنه كالتوطئة والتمهيد لذكر المضرب إليه ، فلا دلالة له عليه أيضاً .

ومنها : ما كان في مقام الردع ، وإبطال ما أثبت أولاً ، فيدل عليه (٣) وهو

____________________________

(١) المدّعي هو الشيخ ( قدس ) مطارح الأنظار / ١٨٨ .

(٢) في « ب » : منه .

(٣) إذا كان بصدد الردع عنه ثبوتاً ، وأمّا إذا كان بصدده إثباتاً ، كما إذا كان مثلاً بصدد بيان أنه إنما أثبته أولاً بوجه لا يصح معه الاثبات اشتباهاً ، فلا دلالة له على الحصر أيضاً ، فتامل جيداً ( منه قدس سرّه ) .

٢١١
 &

واضح .

ومما يفيد الحصر ـ على ما قيل ـ تعريف المسند إليه باللام ، والتحقيق أنه لا يفيده إلا فيما اقتضاه المقام ، لأن الأصل في اللام أن تكون لتعريف الجنس ، كما أن الأصل في الحمل في القضايا المتعارفة ، هو الحمل المتعارف الذي ملاكه مجرد الاتحاد في الوجود ، فإنه الشائع فيها ، لا الحمل الذاتي الذي ملاكه الاتحاد بحسب المفهوم ، كما لا يخفى ، وحمل شيء على جنس وماهية كذلك ، لا يقتضي اختصاص تلك الماهية به وحصرها عليه ، نعم ، لو قامت قرينة على أن اللام للاستغراق ، أو أن مدخوله أخذ بنحو الإِرسال والإِطلاق ، أو على أن الحمل عليه كان ذاتياً لأفيد حصر مدخوله على محموله واختصاصه به .

وقد انقدح بذلك الخلل في كثير من كلمات الأعلام في المقام ، وما وقع منهم من النقض والإِبرام ، ولا نطيل بذكرها فإنه بلا طائل ، كما يظهر للمتأمل ، فتأمل جيداً .

فصل

لا دلالة للّقب ولا للعدد على المفهوم ، وانتفاء سنخ الحكم عن غير موردهما أصلاً ، وقد عرفت أن انتفاء شخصه ليس بمفهوم ، كما أن قضية التقييد بالعدد منطوقاً عدم جواز الاقتصار على ما دونه ، لأنه ليس بذاك الخاص والمقيد ، وأما الزيادة فكالنقيصة إذا كان التقييد به للتحديد بالإِضافة إلى كلا طرفيه ، نعم لو كان لمجرد التحديد بالنظر إلى طرفه الأقل لما كان في الزيادة ضير أصلاً ، بل ربما كان فيها فضيلة وزيادة ، كما لا يخفى ، وكيف كان ، فليس عدم الاجتزاء بغيره من جهة دلالته على المفهوم ، بل إنما يكون لأجل عدم الموافقة مع ما أخذ في المنطوق ، كما هو معلوم .

٢١٢
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0213.png

٢١٣
 &

٢١٤
 &



المقصد الرابع : في العام والخاص

فصل

قد عرف (١) العام بتعاريف ، وقد وقع من الأعلام فيها النقض بعدم الاطراد تارة والانعكاس أخرى بما لا يليق بالمقام ، فإنها تعاريف لفظية ، تقع في جواب السؤال عنه بـ ( ما ) (٢) الشارحة ، لا واقعة في جواب السؤال عنه بـ ( ما ) (٣) الحقيقية ، كيف ؟ وكان المعنى المركوز منه في الأذهان أوضح مما عرف به مفهوماً و مصداقاً ، ولذا يجعل صدق ذاك المعنى على فرد وعدم صدقه ، المقياس في الإِشكال عليها بعدم الاطراد أو الانعكاس بلا ريب فيه ولا شبهة تعتريه من أحد ، والتعريف لا بد أن يكون بالأجلى ، كما هو أوضح من أن يخفى .

فالظاهر أن الغرض من تعريفه ، إنما هو بيان ما يكون بمفهومه جامعاً بين ما لا شبهة في أنها أفراد العام ، ليشار به إليه في مقام إثبات ما له من الأحكام ، لا بيان ما هو حقيقته (٤) وماهيته ، لعدم تعلق غرض به بعد وضوح ما هو محل الكلام بحسب الأحكام من أفراده ومصاديقه ، حيث لا يكون بمفهومه العام محلاً لحكم من الأحكام .

____________________________

(١) راجع معارج الاصول / ٨١ ، وزبدة الاصول / ٩٥ ، والمستصفى ٢ / ٣٢ .

(٢ و ٣) في « أ » : بالما ، وفي « ب » : بالماء .

(٤) في « ب » حقيقة .

٢١٥
 &

ثم الظاهر أن ما ذكر له من الأقسام : من الاستغراقي (١) والمجموعي والبدلي إنما هو باختلاف كيفية تعلق الأحكام به ، وإلا فالعموم في الجميع بمعنى واحد ، وهو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه ، غاية الأمر أن تعلق الحكم به تارة بنحو يكون كل فرد موضوعاً على حدة للحكم ، وأخرى بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً ، بحيث لو أخل بإكرام واحد في ( أكرم كل فقيه ) مثلاً ، لما امتثل أصلاً ، بخلاف الصورة الأولى ، فإنه أطاع وعصى ، وثالثة بنحو يكون كل واحد موضوعاً على البدل ، بحيث لو أكرم واحداً منهم ، لقد أطاع وامتثل ، كما يظهر لمن أمعن النظر وتأمل .

وقد انقدح أن مثل شمول عشرة وغيرها لآحادها المندرجة تحتها ليس من العموم ، لعدم صلاحيتها بمفهومها للانطباق على كل واحد منها ، فافهم .

فصل

لا شبهة في أن للعموم صيغة تخصه ـ لغة وشرعاً ـ كالخصوص كما يكون ما يشترك بينهما ويعمهما ، ضرورة أن مثل لفظ ( كل ) وما يرادفه في أي لغة كان تخصه ، ولا يخص الخصوص ولا يعمه ، ولا ينافي اختصاصه به استعماله في الخصوص عناية ، بادعاء أنه العموم ، أو بعلاقة العموم والخصوص .

ومعه لا يصغى إلى أن إرادة الخصوص متيقنة ، ولو في ضمنه بخلافه ، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن أولى ، ولا إلى أن التخصيص قد اشتهر وشاع ، حتى قيل : ( ما من عام إلا وقد خص ) ، والظاهر يقتضي كونه حقيقة ، لما هو الغالب تقليلاً للمجاز ، مع أن تيقن إرادته لا يوجب اختصاص الوضع به ، مع

____________________________

(١) إن قلت : كيف ذلك ؟ ولكل واحد منها لفظ غير ما للآخر ، مثل ( أيّ رجل ) للبدلي ، و ( كل رجل ) للاستغراقي .

قلت : نعم ، ولكنه لا يقتضي أن تكون هذه الأقسام له ولو بملاحظة اختلاف كيفية تعلق الأحكام ، لعدم إمكان تطرق هذه الأقسام إلا بهذه الملاحظة ، فتأمل جيداً ( منه قدس سره ) .

٢١٦
 &

كون العموم كثيراً ما يراد ، واشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز ، لعدم الملازمة بين التخصيص والمجازية ، كما يأتي توضيحه ، ولو سلم فلا محذور فيه أصلاً إذا كان بالقرينة ، كما لا يخفى .

فصل

ربما عد من الألفاظ الدالة على العموم ، النكرة في سياق النفي أو النهي ، ودلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلاً ، لضرورة أنه لا يكاد يكون طبيعة معدومة ، إلا إذا لم يكن فرد منها بموجود ، وإلا كانت موجودة ، لكن لا يخفى أنها تفيده إذا أخذت مرسلة (١) لا مبهمة قابلة للتقيد ، وإلا فسلبها لا يقتضي إلا استيعاب السلب ، لما أريد منها يقيناً ، لا استيعاب ما يصلح انطباقها عليه من أفرادها ، وهذا لا ينافي كون دلالتها عليه عقلية ، فإنها بالإِضافة إلى أفراد ما يراد منها ، لا الأفراد التي يصلح لانطباقها عليها ، كما لا ينافي دلالة مثل لفظ ( كل ) على العموم وضعاً كون عمومه بحسب ما يراد من مدخوله ، ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بقيود كثيرة .

نعم لا يبعد أن يكون ظاهراً عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها ، وهذا هو الحال في المحلى باللام جمعاً كان أو مفرداً ـ بناءً على إفادته للعموم ـ ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف وغيره ، وإطلاق التخصيص على تقييده ، ليس إلا من قبيل ( ضيّق فم الركية ) ، لكن دلالته على العموم وضعاً محل منع ، بل إنما يفيده فيما إذا اقتضته الحكمة أو قرينة أخرى ، وذلك لعدم اقتضائه وضع اللام ولا مدخوله ولا وضع آخر للمركب منهما ، كما لا يخفى ، وربما يأتي في المطلق والمقيد بعض الكلام مما يناسب المقام .

____________________________

(١) وإحراز الإِرسال فيما اضيفت [ إليه ] إنما هو بمقدمات الحكمة ، فلولاها كانت مهملة ، وهي ليست إلا بحكم الجزئية ، فلا تفيد إلا نفي هذه الطبيعة في الجملة ولو في ضمن صنف منها ، فافهم فانه لا يخلو من دقة ( منه قدس سره ) .

٢١٧
 &

فصل

لا شبهة في أن العام المخصص بالمتصل أو المنفصل حجة فيما بقى فيما علم عدم دخوله في المخصص مطلقاً ولو كان متصلاً ، وما احتمل دخوله فيه أيضاً إذا كان منفصلاً ، كما هو المشهور (١) بين الأصحاب ، بل لا ينسب الخلاف إلا إلى بعض (٢) أهل الخلاف .

وربما فصل (٣) بين المخصص المتصل فقيل بحجيته فيه ، وبين المنفصل فقيل بعدم حجيته ، واحتج النافي بالاجمال ، لتعدد المجازات حسب مراتب الخصوصيات ، وتعيين (٤) الباقي من بينها بلا معيّن ترجيح بلا مرجّح .

والتحقيق في الجواب أن يقال : إنه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازاً ، أما في التخصيص بالمتصل ، فلما عرفت من أنه لا تخصيص أصلاً ، وإن أدوات العموم قد استعملت فيه ، وإن كان دائرته سعة وضيقاً تختلف باختلاف ذوي الأدوات ، فلفظة ( كل ) في مثل ( كل رجل ) و ( كل رجل عالم ) قد استعملت في العموم ، وإن كان أفراد أحدهما بالإضافة إلى الآخر بل في نفسها في غاية القلة .

وأمّا في المنفصل ، فلأن إرادة الخصوص واقعاً لا تستلزم استعماله فيه وكون الخاص قرينة عليه ، بل من الممكن قطعاً استعماله معه في العموم قاعدة ، وكون الخاص مانعاً عن حجية ظهوره تحكيماً للنص ، أو الأظهر على الظاهر ، لا مصادماً لأصل ظهوره ، ومعه لا مجال للمصير إلى أنه قد استعمل فيه مجازاً ، كي يلزم الإِجمال .

____________________________

(١) أنظر مطارح الأنظار / ١٩٢ .

(٢) كأبي ثور وعيسى بن أبان ، راجع الإِحكام في أصول الأحكام ، الجزء الثاني / ٤٤٣ .

(٣) كالبلخي ، راجع المصدر المتقدم / ٤٤٤ .

(٤) في « ب » تعيّن .

٢١٨
 &

لا يقال : هذا مجرد احتمال ، ولا يرتفع به الإِجمال ، لاحتمال الاستعمال في خصوص مرتبة من مراتبه .

فإنه يقال : مجرد احتمال استعماله فيه لا يوجب إجماله بعد استقرار ظهوره في العموم ، والثابت من مزاحمته بالخاص أنما هو بحسب الحجية تحكيماً لما هو الأقوى ، كما أشرنا إليه آنفا .

وبالجملة : الفرق بين المتصل والمنفصل ، وإن كان بعدم انعقاد الظهور في الأوّل إلا في الخصوص ، وفي الثاني إلا في العموم ، إلا أنه لا وجه لتوهّم استعماله مجازاً في واحد منهما أصلاً ، وإنما اللازم الالتزام بحجية الظهور في الخصوص في الأوّل ، وعدم حجية ظهوره في خصوص ما كان الخاص حجة فيه في الثاني ، فتفطن .

وقد أجيب عن الاحتجاج (١) ، بأن الباقي أقرب المجازات .

وفيه : [ إنّه ] لا اعتبار في الأقربية بحسب المقدار ، وإنما المدار على الأقربية بحسب زيادة الأنس الناشئة من كثرة الاستعمال ، وفي تقريرات بحث شيخنا الأستاذ (٢) ( قدس سره ) في مقام الجواب عن الاحتجاج ، ما هذا لفظه : ( والأولى أن يجاب بعد تسليم مجازية الباقي ، بأن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده ، ولو كانت دلالة مجازية ، إذ هي بواسطة عدم شموله للأفراد المخصوصة ، لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله ، فالمقتضي للحمل على الباقي موجود والمانع مفقود ، لأن المانع في مثل المقام إنما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله ، والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي لاختصاص المخصص بغيره ، فلو شك فالأصل عدمه ) انتهى موضع الحاجة .

____________________________

(١) الجواب للمحقق القمي والمحقق الحائري ، القوانين١ / ٢٦٦ الفصول / ٢٠٠

(٢) مطارح الأنظار / ١٩٢ ، في العموم والخصوص .

٢١٩
 &

قلت : لا يخفى أن دلالته على كل فرد إنما كانت لأجل دلالته على العموم والشمول ، فإذا لم يستعمل فيه واستعمل في الخصوص ـ كما هو المفروض ـ مجازاً ، وكان إرادة كل واحد من مراتب الخصوصيات مما جاز انتهاء التخصيص إليه ، واستعمال العام فيه مجازاً ممكناً ، كان تعين (١) بعضها بلا معين ترجيحاً بلا مرجح ، ولا مقتضي لظهوره فيه ، ضرورة أن الظهور إمّا بالوضع وإمّا بالقرينة ، والمفروض أنه ليس بموضوع له ، ولم يكن هناك قرينة ، وليس له موجب آخر ، ودلالته على كل فرد على حدة حيث كانت في ضمن دلالته على العموم ، لا يوجب ظهوره في تمام الباقي بعد عدم استعماله في العموم ، إذا لم تكن هناك قرينة على تعيينه ، فالمانع عنه وإن كان مدفوعاً بالأصل ، إلا أنه لا مقتضي له بعد رفع اليد عن الوضع ، نعم إنما يجدي إذا لم يكن مستعملاً إلا في العموم ، كما فيما حققناه في الجواب ، فتأمل جيداً .

فصل

إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملاً ، بأن كان دائراً بين الأقل والأكثر وكان منفصلاً ، فلا يسري إجماله إلى العام ، لا حقيقة ولا حكماً ، بل كان العام متبعاً فيما لا يتبع فيه الخاص ، لوضوح أنه حجة فيه بلا مزاحم أصلاً ، ضرورة أن الخاص إنما يزاحمه فيما هو حجة على خلافه ، تحكيماً للنص أو الاظهر على الظاهر ، لا فيما لا يكون كذلك ، كما لا يخفى .

وإن لم يكن كذلك بأن كان دائراً بين المتباينين مطلقاً ، أو بين الأقلّ والأكثر فيما كان متصلاً ، فيسري إجماله إليه حكماً في المنفصل المردّد بين المتباينين ، وحقيقة في غيره :

____________________________

(١) في « أ » : تعيين .

٢٢٠