كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

الثالث : ظاهر لفظ النهي وإن كان هو النهي التحريمي ، إلا أن ملاك البحث يعم التنزيهي ، ومعه لا وجه لتخصيص العنوان (١) ، واختصاص عموم ملاكه بالعبادات لا يوجب التخصيص به ، كما لا يخفى .

كما لا وجه لتخصيصه بالنفسي ، فيعم الغيري إذا كان أصلياً ، وأما إذا كان تبعياً ، فهو وإن كان خارجاً عن محل البحث ، لما عرفت أنه في دلالة النهي والتبعي منه من مقولة المعنى ، إلا أنه داخل فيما هو ملاكه ، فإن دلالته على الفساد على القول به فيما لم يكن للإِرشاد إليه ، إنما يكون لدلالته على الحرمة ، من غير دخل لاستحقاق العقوبة على مخالفته في ذلك ، كما توهمه القمي (٢) ( قدس سره ) ويؤيد ذلك أنه جعل ثمرة النزاع في أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، فساده إذا كان عبادة ، فتدبر جيداً .

الرابع : ما يتعلق به النهي ، إما أن يكون عبادة أو غيرها ، والمراد بالعبادة ـ هاهنا ـ ما يكون بنفسه وبعنوانه عبادة له تعالى ، موجباً بذاته للتقرب من حضرته لولا حرمته ، كالسجود والخضوع والخشوع له وتسبيحه وتقديسه ، أو ما لو تعلق الأمر به كان أمره أمراً عبادياً ، لا يكاد يسقط إلا إذا أتى به بنحو قربي ، كسائر أمثاله ، نحو صوم العيدين والصلاة في أيام العادة ، لا ما أمر به

____________________________

(١) ذهب اليه الشيخ ( قده ) ، مطارح الأنظار / ١٥٧ .

(٢) قوانين الأصول ١ / ١٠٢ . في المقدمة السادسة .

هو ابو القاسم ابن المولىٰ محمد حسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمي . تولد سنة ١١٥١ في جابلق ، فرغ من تشييد مقدمات الكمال في قم ، ثم انتقل الىٰ خونسار فاشتغل على المحقق الامير سيد حسين ثم توجه الى العتبات العاليات ، تتلمذ عند العلامة المرّوج فاجاز له في الرواية والاجتهاد ، له مؤلفات كثيرة منها « القوانين » و « الغنائم » و « المناهج » . توفي سنة ١٢٣١ ( روضات الجنّات ٥ / ٣٦٩ رقم ٥٤٧ ) .

١٨١
 &

لاجل التعبد به (١) ، ولا ما يتوقف صحته على النية (٢) ، ولا ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شيء (٣) ، كما عرفّ بكل منها العبادة ، ضرورة أنها بواحد منها ، لا يكاد يمكن أن يتعلق بها النهي ، مع ما أورد عليها بالانتقاض طرداً أو عكساً ، أو بغيره ، كما يظهر من مراجعة المطولات (٤) ، وإن كان الإِشكال بذلك فيها في غير محله ، لأجل كون مثلها من التعريفات ، ليس بحد ولا برسم ، بل من قبيل شرح الاسم كما نبهنا عليه غير مرة ، فلا وجه لإِطالة الكلام بالنقض والإِبرام في تعريف العبادة ، ولا في تعريف غيرها كما هو العادة .

الخامس : إنه لا يدخل في عنوان النزاع إلا ما كان قابلاً للاتصاف بالصحة والفساد ، بأن يكون تارة تاماً يترتب عليه ما يترقب عنه من الأثر ، وأخرى لا كذلك ، لاختلال بعض ما يعتبر في ترتبه ، أما ما لا أثر له شرعاً ، أو كان أثره مما لا يكاد ينفك عنه ، كبعض أسباب الضمان ، فلا يدخل في عنوان النزاع لعدم طروء الفساد عليه كي ينازع في أن النهي عنه يقتضيه أو لا ، فالمراد بالشيء في العنوان هو العبادة بالمعنى الذي تقدم ، والمعاملة بالمعنى الأعم ، مما يتصف بالصحة والفساد ، عقداً كان أو إيقاعاً أو غيرهما ، فافهم .

السادس : إن الصحة والفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار والأنظار ، فربما يكون شيء واحد صحيحاً بحسب أثر أو نظر وفاسداً بحسب آخر ، ومن هنا صح أن يقال : إن الصحة في العبادة والمعاملة لا تختلف ، بل فيهما بمعنى واحد وهو التمامية ، وإنما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار

____________________________

(١) اختاره الشيخ ( قده ) مطارح الأنظار / ١٥٨ ، في الأمر الثالث .

(٢) مال إليه المحقق القمي ، قوانين الأصول ١ / ١٥٤ ، في المقدمة الاولىٰ .

(٣) هذا التعريف للمحقق القمي أيضاً ، المصدر السابق .

(٤) راجع مطارح الانظار ١٥٨ ، والفصول / ١٣٩ .

١٨٢
 &

التي بالقياس عليها تتصف بالتمامية وعدمها ، وهكذا الاختلاف بين الفقيه والمتكلم في صحة العبادة ، إنما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الأثر ، بعد الاتفاق ظاهراً على أنها بمعنى التمامية ، كما هي معناها لغة وعرفاً .

فلما كان غرض الفقيه ، هو وجوب القضاء ، أو الإِعادة ، أو عدم الوجوب ، فسّر صحة العبادة بسقوطهما ، وكان غرض المتكلم هو حصول الامتثال الموجب عقلاً لاستحقاق المثوبة ، فسرها بما يوافق الأمر تارة ، وبما يوافق الشريعة أُخرى .

وحيث أن الأمر في الشريعة يكون على أقسام : من الواقعي الأولي ، والثانوي ، والظاهري ، والأنظار تختلف في أن الأخيرين يفيدان الإِجزاء أو لا يفيدان ، كان الإِتيان بعبادة موافقة الأمر ومخالفة لآخر ، أو مسقطاً للقضاء والإِعادة بنظر ، وغير مسقط لهما بنظر آخر ، فالعبادة الموافقة للأمر الظاهري ، تكون صحيحة عند المتكلم والفقيه ، بناءً على أن الأمر في تفسير الصحة بموافقة الأمر أعم من الظاهري ، مع اقتضائه للإِجزاء ، وعدم اتصافها بها عند الفقيه بموافقته ، بناء على عدم الإِجزاء ، وكونه مراعى بموافقة الأمر الواقعي [ و ] (١) عند المتكلم ، بناء على كون الأمر في تفسيرها خصوص الواقعي .

تنبيه : وهو أنه لا شبهة في أن الصحة والفساد عند المتكلم ، وصفان اعتباريان ينتزعان من مطابقة المأتيّ به مع المأمور به وعدمها ، وأما الصحة بمعنى سقوط القضاء والإِعادة عند الفقيه ، فهي من لوازم الإِتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأولي عقلاً ، حيث لا يكاد يعقل ثبوت الإِعادة أو القضاء معه جزماً ، فالصحة بهذا المعنى فيه ، وإن كان ليس بحكم وضعي مجعول بنفسه أو بتبع تكليف ، إلا أنه ليس بأمر اعتباري ينتزع كما توهم (٢) ، بل مما يستقل به

____________________________

(١) اثبتنا الزيادة من طبعة المشكيني .

(٢) انظر مطارح الانظار / ١٦٠ ، في تذنيب الهداية الأولى من القول في اقتضاء النهي للفساد .

١٨٣
 &

العقل ، كما يستقل باستحقاق المثوبة به ، وفي غيره فالسقوط ربما يكون مجعولاً ، وكان الحكم به تخفيفاً ومنةً على العباد ، مع ثبوت المقتضي لثبوتهما ، كما عرفت في مسألة الإِجزاء ، كما ربما يحكم بثبوتهما ، فيكون الصحة والفساد فيه حكمين مجعولين لا وصفين انتزاعيين .

نعم ، الصحة والفساد في الموارد الخاصة ، لا يكاد يكونان مجعولين ، بل إنما هي تتصف بهما بمجرد الانطباق على ما هو المأمور به ، هذا في العبادات .

وأما الصحة في المعاملات ، فهي تكون مجعولة ، حيث كان ترتب الأثر على معاملة إنما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاءً ، ضرورة أنه لولا جعله ، لما كان يترتب عليه ، لأصالة الفساد .

نعم صحة كل معاملة شخصية وفسادها ، ليس إلا لأجل انطباقها مع ما هو المجعول سبباً وعدمه ، كما هو الحال في التكليفية من الأحكام ، ضرورة أن اتصاف المأتيّ به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ، ليس إلا لانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام .

السابع : لا يخفى أنه لا أصل في المسألة يعوّل عليه ، لو شك في دلالة النهي على الفساد . نعم ، كان الأصل في المسألة الفرعية الفساد ، لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحة في المعاملة .

وأما العبادة فكذلك ، لعدم الأمر بها مع النهي عنها ، كما لا يخفى .

الثامن : إن متعلق النهي إمّا أن يكون نفس العبادة ، او جزأها ، أو شرطها الخارج عنها ، أو وصفها الملازم لها كالجهر والإِخفات (١) للقراءة ، أو وصفها غير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة المنفكة عنها .

____________________________

(١) فإن كل واحد منهما لا يكاد ينفك عن القراءة ، وإن كانت هي تنفك عن أحدهما ، فالنهي عن أيهما يكون مساوقاً للنهي عنها ، كما لا يخفى . ( منه قدس سره ) .

١٨٤
 &

لا ريب في دخول القسم الاول في محل النزاع ، وكذا القسم الثاني بلحاظ أن جزء العبادة عبادة ، إلا أن بطلان الجزء لا يوجب بطلانها ، إلا مع الاقتصار عليه ، لا مع الاتيان بغيره مما لا نهي عنه ، إلا أن يستلزم محذوراً آخر .

وأما القسم الثالث ، فلا يكون حرمة الشرط والنهي عنه موجباً لفساد العبادة ، إلا فيما كان عبادة ، كي تكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط به .

وبالجملة لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجباً لفساد العبادة المشروطة به ، لو لم يكن موجباً لفساده ، كما إذا كانت عبادة .

وأما القسم الرابع ، فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه ، فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلاً مساوقاً للنهي عنها ، لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأموراً بها ، مع كون الجهر بها منهياً عنه (١) فعلاً ، كما لا يخفى .

وهذا بخلاف ما إذا كان مفارقاً ، كما في القسم الخامس ، فإن النهي عنه لا يسري إلى الموصوف ، إلا فيما إذا اتحد معه وجوداً ، بناءً على امتناع الاجتماع ، وأما بناءً على الجواز فلا يسري اليه ، كما عرفت في المسألة السابقة ، هذا حال النهي المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف .

وأما النهي عن العبادة لأجل أحد هذه الأمور ، فحاله حال النهي عن أحدها إن كان من قبيل الوصف بحال المتعلق . وبعبارة أخرى : كان النهي عنها بالعرض ، وإن كان النهي عنها على نحو الحقيقة ، والوصف بحاله ، وإن كان بواسطة أحدها ، إلا أنه من قبيل الواسطة في الثبوت لا العروض ، كان حاله حال النهي في القسم الأول ، فلا تغفل .

____________________________

(١) في « ب » : عنها .

١٨٥
 &

ومما ذكرنا في بيان أقسام النهي في العبادة ، يظهر حال الأقسام في المعاملة ، فلا يكون بيانها على حدة بمهم ، كما أن تفصيل الأقوال في الدلالة على الفساد وعدمها ، التي ربما تزيد على العشرة ـ على ما قيل (١) ـ كذلك ، إنما المهم بيان ما هو الحق في المسألة ، ولا بد في تحقيقه على نحو يظهر الحال في الأقوال ، من بسط المقال في مقامين :

الاول في العبادات : فنقول وعلى الله الاتكال : إن النهي المتعلق بالعبادة بنفسها ، ولو كانت جزء عبادة بما هو عبادة ـ كما عرفت ـ مقتضٍ (٢) لفسادها ، لدلالته على حرمتها ذاتاً ، ولا يكاد يمكن اجتماع الصحة بمعنى موافقة الأمر أو الشريعة مع الحرمة ، وكذا بمعنى سقوط الإِعادة ، فإنه مترتب على إتيانها بقصد القربة ، وكانت مما يصلح لأن يتقرب به (٣) ، ومع الحرمة لا يكاد يصلح لذلك ، ويتأتىٰ قصدها من الملتفت إلى حرمتها ، كما لا يخفى .

لا يقال : هذا لو كان النهي عنها دالّاً على الحرمة الذاتية ، ولا يكاد يتصف بها العبادة ، لعدم الحرمة بدون قصد القربة ، وعدم القدرة عليها مع قصد القربة بها إلا تشريعاً ، ومعه تكون محرمة بالحرمة التشريعية لا محالة ، ومعه لا تتصف بحرمة أخرى ، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين .

فإنه يقال : لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة ـ لو كان مأموراً به ـ بالحرمة الذاتية ، مثلاً صوم العيدين كان عبادة منهيا عنها ، بمعنى أنه لو أمر به كان عبادة ، لا يسقط الأمر به إلا إذا أتى به بقصد القربة ، كصوم سائر الأيام ، هذا فيما إذا لم يكن ذاتاً عبادة ، كالسجود لله تعالى ونحوه ، وإلا كان محرماً مع

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ١٦٢ ، في الهداية الثانية من القول في اقتضاء النهي للفساد .

(٢) في « أ وب » : مقتضى .

(٣) هكذا في « أ وب » : وفي بعض النسخ المطبوعة « بها » .

١٨٦
 &

كونه فعلاً عبادة ، مثلاً إذا نهي الجنب والحائض عن السجود له تبارك وتعالى ، كان عبادة محرمة ذاتاً حينئذ ، لما فيه من المفسدة والمبغوضية في هذا الحال ، مع أنه لا ضير في اتصافه بهذه الحرمة مع الحرمة التشريعية ، بناءً على أن الفعل فيها لا يكون في الحقيقة متصفاً بالحرمة ، بل إنما يكون المتصف بها ما هو من أفعال القلب ، كما هو الحال في التجري والانقياد ، فافهم .

هذا مع أنه لو لم يكن النهي فيها دالّاً على الحرمة ، لكان دالّاً على الفساد ، لدلالته على الحرمة التشريعية ، فإنه لا أقل من دلالته على أنها ليست بمأمور بها ، وإن عمها إطلاق دليل الأمر بها أو عمومه ، نعم لو لم يكن النهي عنها إلا عرضاً ، كما إذا نهى عنها فيما كانت ضد الواجب مثلاً ، لا يكون مقتضيا للفساد ، بناء على عدم اقتضاء الأمر (١) بالشيء للنهي عن الضد الا كذلك اي عرضا ، فيخصص به او يقيد .

المقام الثاني في المعاملات : ونخبة القول ، أن النهي الدالّ على حرمتها لا يقتضي الفساد ، لعدم الملازمة فيها ـ لغةً ولا عرفاً ـ بين حرمتها وفسادها أصلاً ، كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة ، أو بمضمونها بما هو فعل بالتسبيب أو بالتسبب بها إليه ، وإن لم يكن السبب ولا المسبب بما هو فعل من الأفعال بحرام ، وإنما يقتضي الفساد فيما إذا كان دالّاً على حرمة ما لا يكاد يحرم مع صحتها ، مثل النهي عن أكل الثمن أو المثمن في بيع أو بيع شيء .

نعم لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإِرشاد إلى فسادها ، كما أن الامر بها يكون ظاهراً في الإِرشاد إلى صحتها من دون دلالته على إيجابها أو استحبابها ، كما لا يخفى ، لكنه في المعاملات بمعنى العقود والإِيقاعات ، لا المعاملات بالمعنى الأعم المقابل للعبادات ، فالمعول هو ملاحظة القرائن في

____________________________

(١) في « ب » عدم الأقتضاء للأمر بالشيء ... الخ .

١٨٧
 &

خصوص المقامات ، ومع عدمها لا محيص عن الأخذ بما هو قضية صيغة النهي من الحرمة ، وقد عرفت أنها غير مستتبعة للفساد ، لا لغةً ولا عرفاً .

نعم ربما يتوهم استتباعها له شرعاً ، من جهة دلالة غير واحد من الأخبار عليه ، منها ما رواه في الكافي والفقيه ، عن زرارة ، عن الباقر عليه السلام (١) : ( سأله عن مملوك تزوج بغير إذن سيده ، فقال : ذلك إلى سيده ، إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما ، قلت : أصلحك الله تعالى ، إن الحكم بن عتيبة (٢) وإبراهيم النخعي وأصحابهما ، يقولون : إن أصل النكاح فاسد ، ولا يحل إجازة السيد له ، فقال أبو جعفر عليه السلام : إنه لم يعص الله ، إنما عصى سيده ، فإذا أجاز فهو له جائز ) حيث دل بظاهره أنّ النكاح لو كان مما حرمه الله تعالى عليه كان فاسداً ، ولا يخفى أن الظاهر أن يكون المراد بالمعصية المنفية هاهنا ، أن النكاح ليس مما لم يمضه الله ولم يشرعه كي يقع فاسداً ، ومن المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى للفساد كما لا يخفى ، ولا بأس بإطلاق المعصية على عمل لم يمضه الله ولم يأذن به ، كما أطلق عليه (٣) بمجرد عدم إذن السيد فيه أنه معصية .

وبالجملة : لو لم يكن ظاهراً في ذلك ، لما كان ظاهراً فيما توهم ، وهكذا

____________________________

(١) الكافي ٥ / ٤٧٨ ، الحديث ٣ ، باب المملوك يتزوّج بغير إذن مولاه ، الفقيه ٣ / ٣٥٠ الحديث ٤ باب طلاق العبد ـ التهذيب ٧ / ٣٥١ الحديث ٦٣ في العقود على الإِماء .

(٢) في « أ وب » : حكم بن عتبة .

(٣) وجه ذلك أن العبودية تقتضي عدم صدور العبد إلا عن أمر سيده وإذنه ، حيث أنه كلُّ عليه لا يقدر على شيء ، فإذا استقل بأمر كان عاصياً حيث أتى بما ينافيه مقام عبوديته ، لا سيما مثل التزوج الذي كان خطيراً ، وأما وجه أنه لم يعص الله فيه ، فلأجل كون التزوج بالنسبة إليه أيضاً كان مشروعاً ماضياً ، غايته أنه يعتبر في تحققه إذن سيده ورضاه ، وليس كالنكاح في العدة غير مشروع من أصله ، فإذا أجاز ما صدر عنه بدون إذنه فقد وجد شرط نفوذه وارتفع محذور عصيانه ، فعصيانه لسيده . ( منه قدس سره ) .

١٨٨
 &

حال سائر الأخبار الواردة في هذا الباب (١) ، فراجع وتأمل .

تذنيب : حكي عن أبي حنيفة (٢) والشيباني (٣) دلالة النهي على الصحة ، وعن الفخر (٤) أنه وافقهما في ذلك ، والتحقيق (٥) انه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبب أو التسبيب ، لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر ، ولا يكاد يقدر عليهما إلا فيما كانت المعاملة موثرة صحيحة ، وأما إذا كان عن السبب ، فلا ، لكونه مقدوراً وإن لم يكن صحيحاً ، نعم قد عرفت أن النهي عنه لا ينافيها .

وأما العبادات فما كان منها عبادة ذاتية كالسجود والركوع والخشوع والخضوع له تبارك وتعالى ، فمع النهي عنه يكون مقدوراً ، كما إذا كان مأموراً به ، وما كان منها عبادة لاعتبار قصد القربة فيه لو كان مأموراً به ، فلا يكاد يقدر عليه إلا إذا قيل باجتماع الأمر والنهي في شيء ولو بعنوان واحد ، وهو محال ، وقد عرفت أن النهي في هذا القسم إنما يكون نهياً عن العبادة ، بمعنى أنه لو كان مأموراً به ، كان الأمر به أمر عبادة لا يسقط إلا بقصد القربة ، فافهم .

____________________________

(١) راجع وسائل الشيعة ١٤ ، الباب ٢٣ الى ٢٥ من أبواب نكاح العبيد والإِماء .

(٢ و ٣) شرح تنقيح الفصول ، ١٧٣ .

(٤) اي فخر المحققين ( ره ) نجل العلامة الحلي ( ره ) .

(٥) ملخصه أن الكبرى وهي : ان النهي ـ حقيقة ـ إذا تعلق بشيء ذي أثر كان دالّاً على صحته وترتب أثره عليه ، لاعتبار القدرة فيما تعلق به النهي كذلك وإن كانت مسلمة ، إلا أن النهي كذلك لا يكاد يتعلق بالعبادات ، ضرورة امتناع تعلق النهي كذلك بما تعلق به الأمر كذلك ، وتعلقه بالعبادات بالمعنى الأول وإن كان ممكناً ، إلا أن أثر المرغوب منها عقلاً أو شرعاً غير مترتب عليها مطلقا ، بل على خصوص ما ليس بحرام منها وهكذا الحال في المعاملات ، فإن كان الأثر في معاملة مترتباً عليها ولازماً لوجودها كان النهي عنها دالّاً على ترتبه عليها ، لما عرفت . ( منه قدس سره ) .

١٨٩
 &

١٩٠
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEKefayah-Osoulimagespage0191.png

١٩١
 &

١٩٢
 &

المقصد الثالث : في المفاهيم

مقدمة

وهي : إن المفهوم ـ كما يظهر من موارد إطلاقه ـ هو عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أُريد من اللفظ ، بتلك الخصوصية ولو بقرينة الحكمة ، وكان يلزمه لذلك ، وافقه في الإِيجاب والسلب أو خالفه ، فمفهوم ( إن جاءك زيد فأكرمه ) مثلاً ـ لو قيل به ـ قضية شرطية سالبة بشرطها وجزائها ، لازمة للقضية الشرطية التي تكون معنى القضية اللفظية ، وتكون لها خصوصية ، بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها ، فصح أن يقال : إن المفهوم إنما هو حكم غير مذكور ، لا أنه حكم لغير مذكور ، كما فسّر (١) به ، وقد وقع فيه النقض والإِبرام بين الأعلام (٢) ، مع أنه لا موقع له كما أشرنا إليه في غير مقام ، لأنه من قبيل شرح الاسم ، كما في التفسير اللغوي .

ومنه قد انقدح حال غير هذا التفسير مما ذكر في المقام ، فلا يهمنا التصدي لذلك ، كما لا يهمنا بيان أنه من صفات المدلول أو الدلالة وإن كان بصفات

____________________________

(١) كما عن العضدي ، راجع شرح العضدي علىٰ مختصر المنتهىٰ لابن الحاجب / ٣٠٦ ، في المنطوق والمفهوم .

(٢) راجع تقريرات الشيخ مطارح الأنظار / ١٦٧ والفصول / ١٤٥ والقوانين ١ / ١٦٧ .

١٩٣
 &

المدلول أشبه ، وتوصيف الدلالة [ به ] (١) أحياناً كان من باب التوصيف بحال المتعلق .

وقد انقدح من ذلك أن النزاع في ثبوت المفهوم وعدمه في الحقيقة ، إنما يكون في أن القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الأخرى ، أم لا ؟

فصل

الجملة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء ، كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام ، أم لا ؟ فيه خلاف بين الأعلام .

لا شبهة في استعمالها وإرادة الانتفاء عند الانتفاء في غير مقام ، إنما الإِشكال والخلاف في أنه بالوضع أو بقرينة عامة ، بحيث لا بد من الحمل عليه لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال ، فلا بد للقائل بالدلالة من إقامة الدليل على الدلالة ، بأحد الوجهين على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط ، نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة .

وأما القائل بعدم الدلالة ففي فسحة ، فإن له منع دلالتها على اللزوم ، بل على مجرد الثبوت عند الثبوت ولو من باب الاتفاق ، أو منع دلالتها على الترتب ، أو على نحو الترتب على العلة ، أو العلة المنحصرة بعد تسليم اللزوم أو العلية .

لكن منع دلالتها على اللزوم ، ودعوى كونها اتفاقية ، في غاية السقوط ، لانسباق اللزوم منها قطعاً ، وأما المنع عن أنه بنحو الترتب على العلة فضلاً عن كونها منحصرة ، فله مجال واسع .

ودعوى تبادر اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة ـ مع كثرة

____________________________

(١) أثبتناه من « أ » .

١٩٤
 &

استعمالها في الترتب على نحو الترتب على غير المنحصرة منها بل في مطلق اللزوم ـ بعيدة ، عهدتها على مدعيها ، كيف ؟ ولا يرى في استعمالها فيهما (١) عناية ، ورعاية علاقة ، بل إنما تكون إرادته كإرادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية ، كما يظهر على من أمعن النظر وأجال البصر (٢) في موارد الاستعمالات ، وفي عدم الإِلزام والأخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات والاحتجاجات ، وصحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم ، وعدم صحته لو كان له ظهور فيه معلوم .

وأما دعوى الدلالة ، بادعاء انصراف إطلاق العلاقة اللزومية إلى ما هو أكمل افرادها ، وهو اللزوم بين العلة المنحصرة ومعلولها ، ففاسدة جداً ، لعدم كون الأكملية موجبة للانصراف إلى الأكمل ، لا سيما مع كثرة الاستعمال في غيره ، كما لا يكاد يخفى .

هذا مضافاً إلى منع كون اللزوم بينهما أكمل مما إذا لم تكن العلة بمنحصرة ، فإن الإنحصار لا يوجب أن يكون ذاك الربط الخاص الذي لا بد منه في تأثير العلة في معلولها آكد وأقوى .

إن قلت : نعم ، ولكنه قضية الإِطلاق بمقدمات الحكمة ، كما ان قضية إطلاق صيغة الأمر هو الوجوب النفسي .

قلت : أولاً : هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة ، ولا تكاد تتم فيما هو مفاد الحرف كما هاهنا ، وإلا لما كان معنى حرفياً ، كما يظهر وجهه بالتأمل .

وثانياً : تعينه من بين أنحائه بالإِطلاق المسوق في مقام البيان بلا معيّن ، ومقايسته مع تعين الوجوب النفسي بإطلاق صيغة الأمر مع الفارق ، فإن النفسي هو الواجب على كل حال بخلاف الغيري ، فإنه واجب على تقدير دون

____________________________

(١) في « ب » : فيها .

(٢) في « ب » : البصيرة .

١٩٥
 &

تقدير ، فيحتاج بيانه إلى مؤونة التقييد بما إذا وجب الغير ، فيكون الإِطلاق في الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولاً عليه ، وهذا بخلاف اللزوم والترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة ، ضرورة أن كل واحد من أنحاء اللزوم والترتب ، محتاج في تعينه إلى القرينة مثل الآخر ، بلا تفاوت أصلاً ، كما لا يخفى .

ثم إنه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم بإطلاق الشرط ، بتقريب أنه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده ، ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده ، وقضية إطلاقه أنه يؤثر كذلك مطلقاً .

وفيه أنه لا تكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك ، إلا أنه من المعلوم ندرة تحققه ، لو لم نقل بعدم اتفاقه .

فتلخص بما ذكرناه ، أنه لم ينهض دليل على وضع مثل ( إن ) على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء ، ولم تقم عليها قرينة عامة ، أما قيامها أحياناً كانت مقدمات الحكمة أو غيرها ، مما لا يكاد ينكر ، فلا يجدي القائل بالمفهوم ، أنه قضية (١) الاطلاق في مقام من باب الاتفاق .

وأما توهم أنه قضية (٢) إطلاق الشرط ، بتقريب أن مقتضاه تعينه ، كما أن مقتضى إطلاق الأمر تعين الوجوب .

ففيه : أن التعين ليس في الشرط نحواً يغاير نحوه فيما إذا كان متعدداً ، كما كان في الوجوب كذلك ، وكان الوجوب في كل منهما متعلقاً بالواجب بنحو آخر ، لا بد في التخييري منهما من العِدل ، وهذا بخلاف الشرط فإنه واحداً كان أو متعدداً ، كان نحوه واحداً ودخله في المشروط بنحو واحد ، لا تتفاوت الحال فيه ثبوتاً كي تتفاوت عند الإِطلاق إثباتاً ، وكان الإِطلاق مثبتاً لنحو لا يكون له عدل لإحتياج ما له العِدل إلى زيادة مؤونة ، وهو ذكره بمثل ( أو كذا )

____________________________

(١ و ٢) في « ب » : قضيته .

١٩٦
 &

واحتياج ما إذا كان الشرط متعدداً إلى ذلك إنما يكون لبيان التعدد ، لا لبيان نحو الشرطية ، فنسبة إطلاق الشرط إليه لا تختلف ، كان هناك شرط آخر أم لا ، حيث كان مسوقاً لبيان شرطيته بلا إهمال ولا إجمال .

بخلاف إطلاق الامر ، فإنه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني ، فلا محالة يكون في مقام الإِهمال أو الإِجمال ، تأمل تعرف . هذا مع أنه لو سلم لا يجدي القائل بالمفهوم ، لما عرفت أنه لا يكاد ينكر فيما إذا كان مفاد الإِطلاق من باب الاتفاق .

ثم إنه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه :

أحدها : ما عُزي إلى السيد (١) من أن تاثير الشرط ، إنما هو تعليق الحكم به ، وليس بممتنع أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري مجراه ، ولا يخرج عن كونه شرطاً ، فإن قوله تعالى : ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ) (٢) يمنع من قبول الشاهد الواحد ، حتى ينضم إليه شاهد آخر ، فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول ، ثم علمنا أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول شرط في القبول ، ثم علمنا أن ضم اليمين يقوم مقامه أيضاً ، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى ، مثل الحرارة ، فإن انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة ، لاحتمال قيام النار مقامها ، والأمثلة لذلك كثيرة شرعاً وعقلاً .

والجواب : أنه ( قدس سره ) إن كان بصدد إثبات إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت وفي الواقع ، فهو مما لا يكاد ينكر ، ضرورة أن الخصم يدّعي عدم وقوعه في مقام الإِثبات ، ودلالة القضية الشرطيّة عليه ، وإن كان بصدد إبداء احتمال وقوعه ، فمجرد الاحتمال لا يضره ، ما لم يكن

____________________________

(١) الذريعة : ١ / ٤٠٦ ، في جوابه عن ثالث وجوه أدلة القول بثبوت المفهوم .

(٢) البقرة / ٢٨٢ .

١٩٧
 &

بحسب القواعد اللفظية راجحاً أو مساوياً ، وليس فيما أفاده ما يثبت ذلك أصلاً ، كما لا يخفى .

ثانيها : إنه لو دل لكان بإحدى الدلالات ، والملازمة كبطلان التالي ظاهرة ، وقد أُجيب عنه بمنع بطلان التالي ، وأن الالتزام ثابت ، وقد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه ، فلا تغفل .

ثالثها : قوله تبارك وتعالى (١) : ( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) .

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أن استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له أحياناً وبالقرينة ، لا يكاد ينكر ، كما في الآية وغيرها ، وإنما القائل به إنما يدّعي ظهورها فيما له المفهوم وضعاً أو بقرينة عامة ، كما عرفت .

بقى هاهنا أمور :

الأمر الأول : إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه ، لا انتفاء شخصه ، ضرورة انتفائه عقلاً بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده ، فلا (٢) يتمشى الكلام ـ في أن للقضية الشرطية مفهوماً أو ليس لها مفهوم ـ إلا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء ، وانتفاؤه عند انتفاء الشرط ممكناً ، وإنما وقع النزاع في أن لها دلالة على الانتفاء عند الانتفاء ، أو لا يكون لها دلالة .

ومن هنا انقدح أنه ليس من المفهوم دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا والأوقاف والنذور والأيمان ، كما توهم (٣) ، بل عن الشهيد

____________________________

(١) النور / ٣٣ .

(٢) في « ب » : ولا .

(٣) مطارح الأنظار / ١٧٣ ، الهداية الثالثة من القول في المفهوم والمنطوق .

١٩٨
 &

في تمهيد القواعد (١) ، أنه لا إشكال في دلالتها على المفهوم ، وذلك لأن انتفاءها عن غير ما هو المتعلق لها ، من الأشخاص التي تكون بألقابها أو بوصف شيء أو بشرطه ، مأخوذة في العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه ، بل لأجل أنه إذا صار شيء وقفاً على أحد أو أوصى به أو نذر له ، إلى غير ذلك ، لا يقبل أن يصير وقفاً على غيره أو وصية أو نذراً له . وانتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق ، قد عرفت أنه عقلي مطلقاً ولو قيل بعدم المفهوم في مورد صالح له .

إشكال ودفع : لعلك تقول : كيف يكون المناط في المفهوم هو سنخ الحكم ؟ لا نفس شخص الحكم في القضية ، وكان الشرط في الشرطية إنما وقع شرطاً بالنسبة إلى الحكم الحاصل بإنشائه دون غيره ، فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه ، لا انتفاء سنخه ، وهكذا الحال في سائر القضايا التي تكون مفيدة للمفهوم .

ولكنك غفلت عن أن المعلق على الشرط ، إنما هو نفس الوجوب الذي هو مفاد الصيغة ومعناها ، وأما الشخص والخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه ، لا تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه ، كما لا يخفى ، كما لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الإِخبار به ، من خصوصيات ما أخبر به

____________________________

(١) تمهيد القواعد / ١٤ ، القاعدة ٢٥ ، عند قوله : ذهب جماعة من الأصوليين إلى أنّ مفهوم الصفة والشرط حجة ... الخ .

الشهيد الثاني هو الشيخ الاجل زين الدين بن نور الدين العاملي الجبعي ولد عام ٩١١ هـ ، قرأ علىٰ والده جملة من الكتب العربية والفقه ، ختم القرآن وعمره تسع سنين . ارتحل الى بلاد عديدة وقرأ على كثير من العلماء منهم الشيخ علي بن عبد العالي الميسي ، ثم انتقل الى بلده واشتغل بالتدريس والتصنيف ومصنفاته كثيرة مشهورة أولها « الروض » وآخرها « الروضة » ومن تلامذته ابنه صاحب المعالم وصاحب المدارك ووالد البهائي وغيرهم ، استشهد سنة ٩٦٦ هـ ( الكنى والالقاب ٢ / ٣٤٤ ) .

١٩٩
 &

واستعمل فيه إخباراً لا إنشاءً .

وبالجملة : كما لا يكون المخبر به المعلق على الشرط خاصاً بالخصوصيات الناشئة من قبل الإِخبار به ، كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه ، وقد عرفت بما حققناه في معنى الحرف وشبهه ، أن ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له ، وأن خصوصية لحاظه بنحو الآلية والحالية لغيره من خصوصية الاستعمال ، كما أن خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك ، فيكون اللحاظ الآلي كالاستقلالي ، من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه .

وبذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات (١) في مقام التفصي عن هذا الإِشكال ، من التفرقة بين الوجوب الإِخباري والإِنشائي ، بأنه كلّي في الأول ، وخاص في الثاني ، حيث دفع الاشكال بأنه لا يتوجه في الأول ، لكون الوجوب كلياً ، وعلى الثاني بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلّية المستفادة من الجملة الشرطية ، حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستنداً إلى ارتفاع العلة المأخوذة فيها ، فإنه يرتفع ولو لم يوجد في حيال أداة الشرط كما في اللقب والوصف .

وأورد (٢) على ما تفصي به عن الإِشكال بما ربما يرجع إلى ما ذكرناه ، بما حاصله : إن التفصي لا يبتني على كلية الوجوب ، لما أفاده ، وكون الموضوع له في الإِنشاء عاماً لم يقم عليه دليل ، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه ، حيث أن الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الألفاظ .

وذلك لما عرفت من أن الخصوصيات في الإِنشاءات والإِخبارات ، إنما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت أصلاً بينهما ، ولعمري ـ لا يكاد ينقضي تعجبي ـ كيف تجعل خصوصيات الإِنشاء من خصوصيات المستعمل

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ١٧٣ ، في الهداية الثالثة من القول في المنطوق والمفهوم .

(٢) المصدر المتقدم / ١٧٣ في الهداية الثالثة من القول في المفهوم والمنطوق .

٢٠٠