كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

بقي شيء وهو أن ثمرة القول بالمقدمة الموصلة ، هي تصحيح العبادة التي يتوقف على تركها فعل الواجب ، بناءً على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل ضده ، فإن تركها على هذا القول لا يكون مطلقاً واجباً ، ليكون فعلها محرماً ، فتكون فاسدة ، بل فيما يترتب عليه الضد الواجب ، ومع الإِتيان بها لا يكاد يكون هناك ترتب ، فلا يكون تركها مع ذلك واجباً ، فلا يكون فعلها منهيا عنه ، فلا تكون فاسدة .

وربما أورد (١) على تفريع هذه الثمرة بما حاصله بأن فعل الضد ، وإن لم يكن نقيضاً للترك الواجب مقدمة ، بناءً على المقدمة الموصلة ، إلا أنه لازم لما هو من أفراد النقيض ، حيث أن نقيض ذاك الترك الخاص رفعه ، وهو أعم من الفعل والترك الآخر المجرد ، وهذا يكفي في إثبات الحرمة ، وإلا لم يكن الفعل المطلق محرماً فيما إذا كان الترك المطلق واجباً ؛ لأن الفعل ايضاً ليس نقيضاً للترك ، لأنه أمر وجودي ، ونقيض الترك إنما هو رفعه ، ورفع الترك إنما يلازم الفعل مصداقاً ، وليس عينه ، فكما أن هذه الملازمة تكفي في إثبات الحرمة لمطلق الفعل ، فكذلك تكفي في المقام ، غاية الأمر أن ما هو النقيض في مطلق الترك ، إنما ينحصر مصداقه في الفعل فقط ، وأما النقيض للترك الخاص فله فردان ، وذلك لا يوجب فرقاً فيما نحن بصدده ، كما لا يخفى .

قلت : وأنت خبير بما بينهما من الفرق ، فإن الفعل في الأول لا يكون إلا مقارناً لما هو النقيض ، من رفع الترك المجامع معه تارة ، ومع الترك المجرد أخرى ، ولا تكاد تسري حرمة الشيء إلى ما يلازمه ، فضلاً عما يقارنه أحياناً .

نعم لا بد أن لا يكون الملازم محكوماً فعلاً بحكم آخر على خلاف حكمه ، لا أن يكون محكوماً بحكمه ، وهذا بخلاف الفعل في الثاني ، فإنه

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٧٨ .

١٢١
 &

بنفسه يعاند الترك المطلق وينافيه ، لا ملازم لمعانده ومنافيه ، فلو لم يكن عين ما يناقضه بحسب الاصطلاح مفهوماً ، لكنه متحد معه عيناً وخارجاً ، فإذا كان الترك واجباً ، فلا محالة يكون الفعل منهياً عنه قطعاً ، فتدبر جيّداً .

ومنها : تقسيمه إلى الأصلي والتبعي ، والظاهر أن يكون هذا التقسيم بلحاظ الأصالة والتبعية في الواقع ومقام الثبوت ، حيث يكون الشيء تارة متعلقاً للإِرادة والطلب مستقلا ، للالتفات إليه بما هو عليه مما يوجب طلبه فيطلبه ، كان طلبه نفسياً أو غيرياً ، وأخرى متعلقاً للإِرادة تبعاً لإِرادة غيره ، لأجل كون إرادته لازمة لإِرادته ، من دون التفات إليه بما يوجب إرادته ، لا بلحاظ الأصالة والتبعية في مقام الدلالة والإِثبات (١) ، فإنه يكون في هذا المقام ، تارةً مقصوداً بالإِفادة ، وأخرى غير مقصود بها على حدة ، إلا أنه لازم الخطاب ، كما في دلالة الإِشارة ونحوها .

وعلى ذلك ، فلا شبهة في انقسام الواجب الغيري إليهما ، واتّصافه بالأصالة والتبعية كليهما ، حيث يكون متعلقاً للإِرادة على حدة عند الالتفات إليه بما هو مقدمة ، وأخرى لا يكون متعلقاً لها كذلك عند عدم الالتفات إليه كذلك ، فإنه يكون لا محالة مراداً تبعاً لإِرادة ذي المقدمة على الملازمة .

كما لا شبهة في اتصاف النفسي أيضاً بالأصالة ، ولكنه لا يتصف بالتبعية ، ضرورة أنه لا يكاد يتعلق به الطلب النفسي ما لم تكن فيه مصلحة نفسيّة ، ومعها يتعلق الطلب بها مستقلاً ، ولو لم يكن هناك شيء آخر مطلوب أصلاً ، كما لا يخفى .

نعم لو كان الاتصاف بهما بلحاظ الدلالة ، اتصف النفسي بهما أيضاً ،

____________________________

(١) كما هو مذهب صاحبي القوانين والفصول ( قدس سرهما ) .

القوانين ١ / ١٠١ ـ ١٠٢ ، في مقدمة الواجب ، المقدمة السادسة والسابعة .

الفصول / ٨٢ .

١٢٢
 &

ضرورة أنه قد يكون غير مقصود بالإِفادة ، بل اُفيد بتبع غيره المقصود بها ، لكن الظاهر ـ كما مر ـ أن الاتصاف بهما إنما هو في نفسه لا بلحاظ حال الدلالة عليه ، وإلا لما اتصف بواحد منهما ، إذا لم يكن بعد مفاد دليل ، وهو كما ترى .

ثم إنه إذا كان الواجب التبعي ما لم يتعلق به إرادة مستقلة ، فإذا شك في واجب أنه أصليّ أو تبعيّ ، فبأصالة عدم تعلق إرادة مستقلة به يثبت أنه تبعي ، ويترتب عليه آثاره إذا فرض له آثار شرعية (١) ، كسائر الموضوعات المتقومة بأمور عدمية .

نعم لو كان التبعي أمراً وجودياً خاصاً غير متقوّم بعدمي ، وإن كان يلزمه ، لما كان يثبت بها إلّا على القول بالأصل المثبت ، كما هو واضح ، فافهم .

تذنيب : في بيان الثمرة ، وهي في المسألة الأصولية ـ كما عرفت سابقاً ـ ليست إلا أن تكون نتيجتها صالحة للوقوع في طريق الاجتهاد ، واستنباط حكم فرعيّ ، كما لو قيل بالملازمة في المسألة ، فإنّه بضميمة مقدمة كون شيء مقدمة لواجب يستنتج انه واجب .

ومنه قد انقدح ، أنه ليس منها مثل برءِ النذر بإتيان مقدمة واجب ، عند نذر الواجب ، وحصول الفسق بترك الواجب واحد بمقدماته إذا كانت له مقدمات كثيرة ، لصدق الإِصرار على الحرام بذلك ، وعدم جواز أخذ الأجرة على المقدمة .

مع أن البرء وعدمه إنما يتبعان قصد الناذر ، فلا برء بإتيان المقدمة لو قصد الوجوب النفسي ، كما هو المنصرف عند إطلاقه ولو قيل بالملازمة ، وربما

____________________________

(١) في نسختي « أ وب » : آثار شرعي .

١٢٣
 &

يحصل البرء به لو قصد ما يعم المقدمة ولو قيل بعدمها ، كما لا يخفى .

ولا يكاد يحصل الإِصرار على الحرام بترك واجب ، ولو كانت له مقدمات غير عديدة ، لحصول العصيان بترك أول مقدمة لا يتمكن معه من الواجب ، ولا يكون ترك سائر المقدمات بحرام أصلاً ، لسقوط التكليف حينئذ ، كما هو واضح لا يخفى .

وأخذ الأجرة على الواجب لا بأس به ، إذا لم يكن إيجابه على المكلف مجاناً وبلا عوض ، بل كان وجوده المطلق مطلوبا كالصناعات الواجبة كفائية التي لا يكاد ينتظم بدونها البلاد ، ويختل لولاها معاش العباد ، بل ربما يجب أخذ الأجرة عليها لذلك ، أي لزوم الاختلال وعدم الانتظام لولا أخذها ، هذا في الواجبات التوصلية .

وأما الواجبات التعبدية ، فيمكن أن يقال بجواز أخذ الأجرة على إتيانها بداعي امتثالها ، لا على نفس الإِتيان ، كي ينافي عباديتها ، فيكون من قبيل الداعي إلى الداعي ، غاية الأمر يعتبر فيها ـ كغيرها ـ أن يكون فيها منفعة عائدة إلى المستاجر ، كي لا تكون المعاملة سفهية ، وأخذ الأجرة عليها أكلاً بالباطل .

وربما يجعل (١) من الثمرة ، اجتماع الوجوب والحرمة ـ إذا قيل بالملازمة ـ فيما كانت المقدمة محرمة ، فيبتني على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه ، بخلاف ما لو قيل بعدمها ، وفيه :

أولاً : إنه لا يكون من باب الاجتماع ، كي تكون مبتنية عليه ، لما أشرنا إليه غير مرة ، إن الواجب ما هو بالحمل الشائع مقدمة ، لا بعنوان المقدمة ، فيكون على الملازمة من باب النهي في العبادة والمعاملة .

____________________________

(١) نسب إلى الوحيد البهبهاني ، مطارح الأنظار / ٨١ .

١٢٤
 &

وثانياً : (١) إن الاجتماع وعدمه لا دخل له في التوصل (٢) بالمقدمة المحرمة وعدمه أصلاً ، فإنه يمكن التوصل (٣) بها إن كانت توصلية ، ولو لم نقل بجواز الاجتماع ، وعدم جواز التوصل (٤) بها إن كانت تعبدية على القول بالامتناع ، قيل بوجوب المقدمة أو بعدمه ، وجواز التوصل (٥) بها على القول بالجواز كذلك ، أي قيل بالوجوب أو بعدمه .

وبالجملة لا يتفاوت الحال في جواز التوصل (٦) بها ، وعدم جوازه أصلاً ، بين أن يقال بالوجوب ، أو يقال بعدمه ، كما لا يخفى .

في تأسيس الأصل في المسألة

إعلم أنه لا أصل في محل البحث في المسألة ، فإن الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذي المقدمة وعدمها ليست لها حالة سابقة ، بل تكون الملازمة أو عدمها أزليّة ، نعم نفس وجوب المقدمة يكون مسبوقا بالعدم ، حيث يكون حادثاً بحدوث وجوب ذي المقدمة ، فالأصل عدم وجوبها .

وتوهم عدم جريانه ، لكون وجوبها على الملازمة ، من قبيل لوازم الماهية ، غير مجعولة ، ولا أثر آخر مجعول مترتب عليه ، ولو كان لم يكن بمهم هاهنا ، مدفوع بأنه وإن كان غير مجعول بالذات ، لا بالجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامة ، ولا بالجعل التأليفي الذي هو مفاد كان الناقصة ، إلا أنه

____________________________

(١) قد حذف المصنف ( قدس سره ) إشكالاً آخر من نسختي « أ وب » ، وجعل الثالث مكانه ، وهذا يشعر بإضرابه عن الإِيراد الثاني وهو قوله : « لا يكاد يلزم الاجتماع أصلاً ، لاختصاص الوجوب بغير المحرم ، في غير صورة الانحصار به ، وفيها امّا لا وجوب للمقدمة ، لعدم وجوب ذي المقدمة لأجل المزاحمة ، وامّا لا حرمة لها لذلك ، كما لا يخفى » .

(٢) في « أ » : التوسل .

(٣ و ٤ و ٥ و ٦) في « أ وب » : التوسل .

١٢٥
 &

مجعول بالعرض ، ويتبع جعل وجوب ذي المقدمة ، وهو كافٍ في جريان الأصل .

ولزوم التفكيك بين الوجوبين مع الشك لا محالة ، لأصالة عدم وجوب المقدمة مع وجوب ذي المقدمة ، لا ينافي الملازمة بين الواقعيين ، وإنما ينافي الملازمة بين الفعليين ، نعم لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتى في المرتبة الفعلية ، لما صح التمسك بالأصل ، كما لا يخفى .

إذا عرفت ما ذكرنا ، فقد تصدى غير واحد من الأفاضل (١) لإِقامة البرهان على الملازمة ، وما أتى منهم بواحد خال عن الخلل ، والأولى إحالة ذلك إلى الوجدان ، حيث أنه أقوى شاهد على أن الانسان إذا أراد شيئاً له مقدمات ، أراد تلك المقدمات ، لو التفت إليها بحيث ربما يجعلها في قالب الطلب مثله ، ويقول مولوياً ( أدخل السوق واشتر اللحم ) مثلاً ، بداهة أن الطلب المنشأ بخطاب ( أدخل ) مثل المنشأ بخطاب ( إشتر ) في كونه بعثاً مولوياً ، وأنه حيث تعلقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء ، ترشّحت منها له إرادة أخرى بدخول السوق ، بعد الالتفات إليه وأنه يكون مقدمة له ، كما لا يخفى .

ويؤيد الوجدان ، بل يكون من أوضح البرهان ، وجود الأوامر الغيرية في الشرعيات والعرفيات ؛ لوضوح أنه لا يكاد يتعلق بمقدمة أمر غيريّ ، إلا إذا كان فيها مناطه ، وإذا كان فيها كان في مثلها ، فيصح تعلقه به أيضاً ، لتحقق ملاكه ومناطه ، والتفصيل بين السبب وغيره والشرط الشرعي وغيره سيأتي بطلانه ، وأنه لا تفاوت في باب الملازمة بين مقدمة ومقدمة .

ولا بأس بذكر الاستدلال الذي هو كالأصل لغيره ـ مما ذكره الأفاضل (٢)

____________________________

(١) انظر مطارح الأنظار / ٨٣ ، في أدلة القائلين بوجوب المقدمة .

(٢) المصدر السابق / ٨٣ ـ ٨٤ ، الفصول / ٨٤ ، هداية المسترشدين / ٢٠٥ ، نهاية الأصول / ٨٨ ، في المبحث الأول من الفصل الخامس في أحكام الوجوب .

١٢٦
 &

من الاستدلالات ـ وهو ما ذكره أبو الحسن [ الحسين ] (١) البصري (٢) ، وهو أنه لو لم يجب المقدمة لجاز تركها ، وحينئذ ، فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق ، وإلا خرج الواجب المطلق عن وجوبه .

وفيه : ـ بعد إصلاحه بإرادة عدم المنع الشرعي من التالي في الشرطية الاُولى ، لا الإِباحة الشرعية ، وإلا كانت الملازمة واضحة البطلان ، وإرادة الترك عما أضيف إليه الظرف ، لا نفس الجواز ، وإلا فمجرد الجواز بدون الترك ، لا يكاد يتوهم معه صدق القضية (٣) الشرطية الثانية ـ ما لا يخفى ؛ فان الترك بمجرد عدم المنع شرعاً لا يوجب صدق إحدى الشرطيتين ، ولا يلزم أحد المحذورين ، فإنه وإن لم يبق له وجوب معه ، إلا أنه كان ذلك بالعصيان ، لكونه متمكناً من الإِطاعة والإِتيان ، وقد اختار تركه بترك مقدمته بسوء اختياره ، مع حكم العقل بلزوم إتيانها ، إرشاداً إلى ما في تركها من العصيان المستتبع للعقاب .

نعم لو كان المراد من الجواز جواز الترك شرعاً وعقلاً ، يلزم أحد المحذورين ، إلا أن الملازمة على هذا في الشرطية الاُولى ممنوعة ، بداهة أنه لو لم يجب شرعاً لا يلزم أن يكون جائزاً شرعاً وعقلاً ؛ لإِمكان أن لا يكون محكوما بحكم شرعاً ، وإن كان واجباً عقلاً إرشاداً ، وهذا واضح .

وأما التفصيل بين السبب وغيره ، فقد استدل (٤) على وجوب السبب ،

____________________________

(١) ما أثبتناه هو الصواب ، راجع المعتمد في أصول الفقه ١ / ٩٤ ، لأبي الحسين البصري .

(٢) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري من نسل أبي موسى الأشعري ولد في البصرة سنة ٢٦٠ هـ ، تلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ، ثم رجع وجاهر بخلافهم ، وأسس مذهب الأشاعرة ، بلغت مصنفاته ثلاثمأة كتاب ، توفي ببغداد سنة ٣٢٦ هـ ( اعلام الزركلي ٤ / ٢٦٣ ) .

(٣) في « ب » قضية .

(٤) بدائع الافكار / ٣٥٣ ، القول الثالث في وجوب المقدمة .

١٢٧
 &

بأن التكليف لا يكاد يتعلق إلا بالمقدور ، والمقدور لا يكون إلا هو السبب ، وإنما المسبب من آثاره المترتبة عليه قهراً ، ولا يكون من أفعال المكلف وحركاته أو سكناته ، فلا بد من صرف الأمر المتوجه إليه عنه إلى سببه .

ولا يخفى ما فيه ، من أنه ليس بدليل على التفصيل ، بل على أن الأمر النفسي إنما يكون متعلقا بالسبب دون المسبب ، مع وضوح فساده ، ضرورة أن المسبب مقدور المكلف ، وهو متمكن عنه بواسطة السبب ، ولا يعتبر في التكليف أزيد من القدرة ، كانت بلا واسطة أو معها ، كما لا يخفى .

وأما التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره ، فقد استدل (١) على الوجوب في الأول بأنه لولا وجوبه شرعاً لما كان شرطاً ، حيث أنه ليس مما لا بد منه عقلاً أو عادة .

وفيه ـ مضافاً إلى ما عرفت من رجوع الشرط الشرعي إلى العقلي ـ أنه لا يكاد يتعلق الأمر الغيري إلا بما هو مقدمة الواجب ، فلو كانت مقدميته متوقفة على تعلقه بها لدار ، والشرطية وإن كانت منتزعة عن التكليف ، إلا أنه عن التكليف النفسي المتعلق بما قيّد بالشرط ، لا عن الغيري ، فافهم .

تتمة : لا شبهة في أن مقدمة المستحب كمقدمة الواجب ، فتكون مستحبة ـ لو قيل بالملازمة ـ وأما مقدمة الحرام والمكروه فلا تكاد تتصف بالحرمة أو الكراهة ، إذ منها ما يتمكن معه من ترك الحرام أو المكروه اختياراً ، كما كان متمكناً قبله ، فلا دخل له أصلاً في حصول ما هو المطلوب من ترك الحرام أو المكروه ، فلم يترشح من طلبه طلب ترك مقدمتهما ، نعم ما لا يتمكن معه من الترك المطلوب ، لا محالة يكون مطلوب الترك ، ويترشح من طلب تركهما طلب ترك خصوص هذه المقدمة ، فلو لم يكن للحرام مقدمة لا يبقى

____________________________

(١) المصدر المتقدم / ٣٥٤ ، القول الرابع في وجوب المقدمة .

١٢٨
 &

معها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة مقدمة من مقدماته .

لا يقال : كيف ؟ ولا يكاد يكون فعل إلا عن مقدمة لا محالة معها يوجد ، ضرورة أن الشيء ما لم يجب لم يوجد .

فإنه يقال : نعم لا محالة يكون من جملتها ما يجب معه صدور الحرام ، لكنه لا يلزم أن يكون ذلك من المقدمات الاختيارية ، بل من المقدمات الغير الاختيارية ، كمبادىء الاختيار التي لا تكون بالاختيار ، والا لتسلسل ، فلا تغفل ، وتأمل .

فصل

الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده ، أو لا ؟

فيه أقوال ، وتحقيق الحال يستدعي رسم أمور :

الأول : الاقتضاء في العنوان أعم من أن يكون بنحو العينية ، أو الجزئية ، أو اللزوم من جهة التلازم بين طلب أحد الضدين ، وطلب ترك الآخر ، أو المقدمية على ما سيظهر ، كما أن المراد بالضد ها هنا ، هو مطلق المعاند والمنافي وجودياً كان أو عدمياً .

الثاني : إن الجهة المبحوث عنها في المسألة ، وإن كانت أنه هل يكون للأمر اقتضاء بنحو من الأنحاء المذكورة ، إلا أنه لما كان عمدة القائلين بالاقتضاء في الضد الخاص ، إنما ذهبوا إليه لأجل توهم مقدمية ترك الضد ، كان المهم صرف عنان الكلام في المقام إلى بيان الحال وتحقيق المقال ، في المقدمية وعدمها ، فنقول وعلى الله الاتكال :

إن توهم توقف الشيء على ترك ضده ، ليس إلا من جهة المضادة والمعاندة بين الوجودين ، وقضيتها الممانعة بينهما ، ومن الواضحات أن عدم

١٢٩
 &

المانع من المقدمات .

وهو توهم فاسد ؛ وذلك لأن المعاندة والمنافرة بين الشيئين ، لا تقتضي إلا عدم اجتماعهما في التحقّق ، وحيث لا منافاة أصلاً بين أحد العينين وما هو نقيض الآخر وبديله ، بل بينهما كمال الملاءمة ، كان أحد العينين مع نقيض الآخر وما هو بديله في مرتبة واحدة من دون أن يكون في البين ما يقتضي تقدم أحدهما على الآخر ، كما لا يخفى .

فكما أن قضية المنافاة بين المتناقضين لا تقتضي تقدم ارتفاع أحدهما في ثبوت الآخر ، كذلك في المتضادين ، كيف ؟ ولو اقتضى التضاد توقف وجود الشيء على عدم ضده ، توقف الشيء على عدم مانعه ، لاقتضى توقف عدم الضد على وجود الشيء توقف عدم الشيء على مانعه ، بداهية ثبوت المانعية في الطرفين ، وكون المطاردة من الجانبين ، وهو دور (١) واضح .

وما قيل (٢) في التفصي عن هذا الدور بأن التوقف من طرف الوجود فعلي ، بخلاف التوقف من طرف العدم ، فإنه بتوقف على فرض ثبوت المقتضي له ، مع شراشر شرائطه غير عدم وجود ضده ، ولعله كان محالاً ، لأجل انتهاء عدم وجود أحد الضدين مع وجود الآخر إلى عدم تعلق الإِرادة الأزلية به ، وتعلقها بالآخر حسب ما اقتضته الحكمة البالغة ، فيكون العدم دائماً مستنداً إلى عدم المقتضي ، فلا يكاد يكون مستنداً إلى وجود المانع ، كي يلزم الدور .

إن قلت : هذا إذا لوحظا منتهيين إلى إرادة شخص واحد ، وأما إذا كان كل منهما متعلقاً لإِرادة شخص ، فأراد مثلاً أحد الشخصين حركة شيء ، وأراد الآخر سكونه ، فيكون المقتضي لكل منهما حينئذ موجوداً ، فالعدم ـ لا محالة ـ يكون فعلاً مستنداً إلى وجود المانع .

____________________________

(١) راجع هداية المسترشدين / ٢٣٠ عند قوله : ثانيها .

(٢) المتفصي هو المحقق الخوانساري ( قدس سره ) على ما في مطارح الأنظار / ١٠٩ .

١٣٠
 &

قلت : هاهنا أيضاً مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما في إرادته ، وهي مما لا بد منه في وجود المراد ، ولا يكاد يكون بمجرد الإِرادة بدونها لا إلى وجود الضد ، لكونه مسبوقاً بعدم قدرته ـ كما لا يخفى ـ غير سديد ، فإنه وإن كان قد ارتفع به الدور ، إلا أنه غائلة لزوم توقف الشيء على ما يصلح أن يتوقف عليه على حالها ، لاستحالة أن يكون الشيء الصالح لأن يكون موقوفا عليه [ الشيء ] (١) موقوفا عليه ، ضرورة أنه لو كان في مرتبة يصلح لأن يستند إليه ، لما كاد يصح أن يستند فعلاً إليه .

والمنع عن صلوحه لذلك بدعوى : أن قضية كون العدم مستنداً إلى وجود الضد ، لو كان مجتمعاً مع وجود المقتضي ، وإن كانت صادقة ، إلا أن صدقها لا يقتضي كون الضد صالحاً لذلك ، لعدم اقتضاء صدق الشرطية صدق طرفيها ، مساوق (٢) لمنع مانعية الضد ، وهو يوجب رفع التوقف رأساً من البين ؛ ضرورة أنه لا منشأ لتوهم توقف أحد الضدين على عدم الآخر ، إلا توهّم مانعية الضد ـ كما أشرنا إليه ـ وصلوحه لها .

إن قلت : التمانع بين الضدين كالنار على المنار ، بل كالشمس في رابعة النهار ، وكذا كون عدم المانع مما يتوقف عليه ، مما لا يقبل الإِنكار ، فليس ما ذكر إلا شبهة في مقابل البداهة .

____________________________

(١) أثبتناها من « ب » .

(٢) مع أن حديث عدم اقتضاء صدق الشرطية لصدق طرفيها ، وإن كان صحيحاً ، إلا أن الشرطية ـ هاهنا ـ غير صحيحة ، فإن وجود المقتضي لضد ، لا يستلزم بوجه استناد عدمه الى ضده ، ولا يكون الاستناد مترتباً على وجوده ؛ ضرورة أن المقتضي لا يكاد يقتضي وجود ما يمنع عما يقتضيه أصلاً كما لا يخفى ، فليكن المقتضي لاستناد عدم الضد الى وجود ضده فعلاً عند ثبوت مقتضي وجوده ، هي الخصوصية التي فيه الموجبة للمنع عن اقتضاء مقتضيه ، كما هو الحال في كل مانع ، وليست في الضد تلك الخصوصية ، كيف ؟ وقد عرفت أنه لا يكاد يكون مانعاً إلا على وجه دائر ، نعم إنّما المانع عن الضد هو العلة التامة لضدّه ، لاقتضائها ما يعانده وينافيه ، فيكون عدمه كوجود ضدّه مستنداً إليها ، فافهم ( منه قدس سرّه ) .

١٣١
 &

قلت : التمانع بمعنى التنافي والتعاند الموجب لاستحالة الاجتماع مما لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ، إلا أنه لا يقتضي إلا امتناع الاجتماع ، وعدم وجود أحدهما إلا مع عدم الأخر ، الذي هو بديل وجوده المعاند له ، فيكون في مرتبته لا مقدّماً عليه ولو طبعاً ، والمانع الذي يكون موقوفا علىٰ عدمه (١) الوجود هو ما كان ينافي ويزاحم المقتضي في تأثيره ، لا ما يُعاند الشيء ويزاحمه في وجوده .

نعم العلة التامة لأحد الضدين ، ربما تكون مانعاً عن الآخر ، ومزاحماً لمقتضيه في تأثيره ، مثلاً تكون شدة الشفقة على الولد الغريق وكثرة المحبة له ، تمنع عن أن يؤثر ما في الأخ الغريق من المحبة والشفقة ، لإِرادة إنقاذه مع المزاحمة فينقذ به الولد دونه ، فتأمل جيداً .

ومما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين الضد الموجود والمعدوم ، في أن عدمه الملائم للشيء المناقض لوجوده المعاند لذاك ، لا بد أن يجامع معه من غير مقتضٍ لسبقه ، بل عرفت ما يقتضي عدم سبقه .

فانقدح بذلك ما في تفصيل بعض الأعلام (٢) ، حيث قال بالتوقف على رفع الضد الموجود ، وعدم التوقف على عدم الضد المعدوم ، فتأمل في أطراف ما ذكرناه ، فإنه دقيق وبذلك حقيق .

فقد ظهر عدم حرمة الضد من جهة المقدمية .

وأما من جهة لزوم عدم اختلاف المتلازمين في الوجود ، في الحكم ، فغايته أن لا يكون أحدهما فعلاً محكوماً بغير ما حكم به الآخر ، لا أن يكون محكوماً بحكمه .

وعدم خلو الواقعة عن الحكم ، فهو إنما يكون بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي ، فلا حرمة للضد من هذه الجهة أيضاً ، بل على ما هو عليه ، لولا

____________________________

(١) الصحيح ما أثبتناه وفي « ب » مُوقوفاً عليه .

(٢) هو المحقق الخونساري ، راجع مطارح الأنظار / ١٠٩ .

١٣٢
 &

الابتلاء بالمضادّة للواجب الفعلي ، من الحكم الواقعي .

الأمر الثالث : إنه قيل (١) بدلالة الأمر بالشيء بالتضمن على النهي عن الضد العام ، بمعنى الترك ، حيث أنه يدل على الوجوب المركب من طلب الفعل والمنع عن الترك .

والتحقيق أنه لا يكون الوجوب إلا طلباً بسيطاً ، ومرتبة وحيدة أكيدة من الطلب ، لا مركباً من طلبين ، نعم في مقام تحديد تلك المرتبة وتعيينها ، ربما يقال : الوجوب يكون عبارة من طلب الفعل مع المنع عن الترك ، ويتخيل منه أنه يذكر له حداً ، فالمنع عن الترك ليس من أجزاء الوجوب ومقوماته ، بل من خواصه ولوازمه ، بمعنى أنه لو التفت الأمر الى الترك لما كان راضياً به لا محالة ، وكان يبغضه البتة .

ومن هنا انقدح أنه لا وجه لدعوى العينية ، ضرورة أن اللزوم يقتضي الاثنينية ، لا الاتحاد والعينية .

نعم لا بأس بها ، بأن يكون المراد بها أنه يكون هناك طلب واحد ، وهو كما يكون حقيقة منسوباً إلى الوجود وبعثاً إليه ، كذلك يصح أن ينسب إلى الترك بالعرض والمجاز ويكون زجراً وردعاً عنه ، فافهم .

الأمر الرابع : تظهر الثمرة في أن نتيجة المسألة ، وهي النهي عن الضد بناء على الاقتضاء ، بضميمة أن النهي في العبادات يقتضي الفساد ، ينتج فساده إذا كان عبادة .

وعن البهائي ( رحمه الله ) (٢) أنه أنكر الثمرة ، بدعوى أنه لا يحتاج في استنتاج الفساد إلى النهي عن الضد ، بل يكفي عدم الأمر به ، لاحتياج العبادة إلى الأمر .

____________________________

(١) القائل هو صاحب المعالم ، المعالم / ٦٣ .

(٢) زبدة الأصول / ٨٢ ، مخطوط .

١٣٣
 &

وفيه : إنه يكفي مجرد الرجحان والمحبوبية للمولى ، كي يصح أن يتقرب به منه ، كما لا يخفى ، والضدّ بناءً على عدم حرمته يكون كذلك ، فإن المزاحمة على هذا لا يوجب إلا ارتفاع الأمر المتعلق به فعلاً ، مع بقائه على ما هو عليه من ملاكه من المصلحة ، كما هو مذهب العدلية ، أو غيرها أيّ شيء كان ، كما هو مذهب الأشاعرة ، وعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته وخروجه عن قابلية التقرب به كما حدث ، بناءً على الاقتضاء .

ثم إنه تصدى جماعة من الأفاضل (١) ، لتصحيح الأمر بالضد بنحو الترتب على العصيان ، وعدم إطاعة الأمر بالشيء بنحو الشرط المتأخر ، أو البناء على معصيته (٢) بنحو الشرط المتقدم ، أو المقارن ، بدعوى أنه لا مانع عقلاً عن تعلق الأمر بالضدين كذلك ، أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقاً ، والأمر بغيره معلقاً على عصيان ذاك الأمر ، أو البناء والعزم عليه ، بل هو واقع كثيراً عرفاً .

قلت : ما هو ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد ، آتٍ في طلبهما كذلك ، فإنه وإن لم يكن في مرتبة طلب الأهم اجتماع طلبهما ، إلا أنه كان في مرتبة الأمر بغيره اجتماعهما ، بداهة فعلية الأمر بالأهم في هذه المرتبة ، وعدم سقوطه بعدُ بمجرد المعصية فيما بعد ما لم يعص ، أو العزم عليها مع فعلية الأمر بغيره أيضاً ، لتحقق ما هو شرط فعليته فرضاً .

لا يقال : نعم لكنه بسوء اختيار المكلف حيث يعصي فيما بعدُ بالاختيار ، فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلا الطلب بالأهم ، ولا برهان على امتناع الاجتماع ، إذا كان بسوء الاختيار .

فإنه يقال : استحالة طلب الضدين ، ليس إلا لأجل استحالة طلب المحال ، واستحالة طلبه من الحكيم الملتفت إلى محاليته ، لا تختص بحال دون

____________________________

(١) منهم صاحب كشف الغطاء ، كشف الغطاء / ٢٧ ، البحث الثامن عشر .

(٢) في « ب » معصية ، وفي بعض النسخ المطبوعة « المعصية » .

١٣٤
 &

حال ، وإلا لصح فيما علق على أمر اختياريّ في عرض واحد ، بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب ، مع أنه محال بلا ريب ولا إشكال .

إن قلت : فرق بين الاجتماع في عرض واحد والاجتماع كذلك ، فإن الطلب في كلٍّ منهما في الأول يطارد الآخر ، بخلافه في الثاني ، فإن الطلب بغير الأهم لا يطارد طلب الأهم ، فإنه يكون على تقدير عدم الإِتيان بالأهم ، فلا يكاد يريد غيره على تقدير إتيانه ، وعدم عصيان أمره .

قلت : ليت شعري كيف لا يطارده الأمر بغير الأهم ؟ وهل يكون طرده له إلا من جهة فعليته ، ومضادة متعلقه للأهم ؟ والمفروض فعليته ، ومضادّة متعلقه له .

وعدم إرادة غير الأهم على تقدير الإِتيان به لا يوجب عدم طرده لطلبه مع تحققه ، على تقدير عدم الإِتيان به وعصيان أمره ، فيلزم اجتماعهما على هذا التقدير ، مع ما هما عليه من المطاردة ، من جهة المضادّة بين المتعلقين ، مع أنه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم ، فإنه على هذا الحال يكون طارداً لطلب الضد ، كما كان في غير هذا الحال ، فلا يكون له معه أصلاً بمجال .

إن قلت : فما الحيلة فيما وقع كذلك من طلب الضدين في العرفيات ؟

قلت : لا يخلو : إمّا أن يكون الأمر بغير الأهم ، بعد التجاوز عن الأمر به وطلبه حقيقة .

وإمّا أن يكون الأمر به إرشاداً إلى محبوبيته وبقائه على ما هو عليه من المصلحة والغرض لولا المزاحمة ، وأن الإِتيان به يوجب استحقاق المثوبة فيذهب بها بعض ما استحقه من العقوبة على مخالفة الأمر بالأهم ، لا أنه أمر مولوي فعلي كالأمر به ، فافهم وتامل جيداً .

ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب ، بما هو لازمه من الاستحقاق في

١٣٥
 &

صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين ، ضرورة قبح العقاب على ما لا يقدر عليه العبد ، ولذا كان سيدنا الأستاذ ( قدس سره ) (١) لا يلتزم به ـ على ما هو ببالي ـ وكنا نورد به على الترتب ، وكان بصدد تصحيحه ، فقد ظهر أنه لا وجه لصحة العبادة ، مع مضادتها لما هو أهم منها ، إلا ملاك الأمر .

نعم فيما إذا كانت موسعة ، وكانت مزاحمة بالأهم ببعض الوقت ، لا في تمامه ، يمكن أن يقال : إنه حيث كان الأمر بها على حاله ، وإن صارت مضيقة بخروج ما زاحمه الأهم من أفرادها من تحتها ، أمكن أن يؤتى بما زوحم منها بداعي ذاك الأمر ، فإنه وإن كان خارجاً عن تحتها بما هي مأمور بها ، إلا أنه لما كان وافياً بغرضها كالباقي تحتها ، كان عقلاً مثله في الإِتيان به في مقام الامتثال ، والإِتيان به بداعي ذاك الأمر ، بلا تفاوت في نظره بينهما أصلاً .

ودعوى أن الأمر لا يكاد يدعو إلا إلى ما هو من أفراد الطبيعة المأمور بها ، وما زوحم منها بالأهم ، وإن كان من أفراد الطبيعة ، لكنه ليس من أفرادها بما هي مأمور بها ، فاسدة ، فإنه إنما يوجب ذلك ، إذا كان خروجه عنها بما هي كذلك تخصيصاً لا مزاحمة ، فإنه معها وإن كان لا تعمه الطبيعة المأمور بها ، إلا أنه ليس لقصور فيه ، بل لعدم إمكان تعلق الأمر بما تعمه عقلاً ، وعلى كل حال ، فالعقل لا يرى تفاوتاً في مقام الامتثال وإطاعة الأمر بها ، بين هذا الفرد وسائر الأفراد أصلاً .

____________________________

(١) هو آية الله مجدد المذهب الحاج ميرزا محمد حسن بن السيد ميرزا محمود الحسيني الشيرازي ولد في ١٥ ج ١ ١٢٣٠ ، حضر درس المحقق السيد حسن المدرس والمحقق الكلباسي قصد العراق عام ١٢٥٩ ، حضر الأندية العلمية ، اختصّ في التلمذة والحضور بأبحاث المحقق الأنصاري ، عيّن مرجعاً بعده ، حجّ سنة ١٢٨٨ ، وهاجر الى سامراء شعبان سنة ١٢٩١ ثم تبعه تلاميذه ، أخذ منه كثير من فحول العلماء ، منهم : آقا رضا الهمداني والشيخ فضل الله النوري والآخوند الخراساني ، توفي ليلة الاربعاء ٢٤ شعبان ١٣١٢ هـ .

( الكنى والالقاب ٣ / ١٨٤ )

١٣٦
 &

هذا على القول بكون الأوامر متعلقة بالطبائع .

وأما بناء على تعلقها بالأفراد فكذلك ، وإن كان جريانه عليه أخفى ، كما لا يخفى ، فتأمل .

ثم لا يخفى أنه بناءً على إمكان الترتب وصحته ، لا بد من الالتزام بوقوعه ، من دون انتطار دليل آخر عليه ، وذلك لوضوح أن المزاحمة على صحة الترتب لا تقتضي عقلاً إلا امتناع الاجتماع في عرض واحد ، لا كذلك ، فلو قيل بلزوم الأمر في صحة العبادة ، ولم يكن في الملاك كفاية ، كانت العبادة مع ترك الأهم صحيحة لثبوت الأمر بها في هذا الحال ، كما إذا لم تكن هناك مضادة .

فصل

لا يجوز أمر الآمر ، مع علمه بانتفاء شرطه ، خلافاً لما نسب (١) إلى أكثر مخالفينا (٢) ، ضرورة أنه لا يكاد يكون الشيء مع عدم علته ، كما هو المفروض هاهنا ، فإن الشرط من أجزائها ، وانحلال المركب بانحلال بعض أجزائه مما لا يخفى ، وكون الجواز في العنوان بمعنى الإِمكان الذاتي بعيد عن محل الخلاف بين الأعلام .

نعم لو كان المراد من لفظ الأمر ، الأمر ببعض مراتبه ، ومن الضمير الراجع إليه بعض مراتبه الأُخر ، بأن يكون النزاع في أن أمر الآمر يجوز إنشاءً مع علمه بانتفاء شرطه ، بمرتبة فعليته .

وبعبارة أخرى : كان النزاع في جواز إنشائه مع العلم بعدم بلوغه إلى المرتبة الفعلية لعدم شرطه ، لكان جائزاً ، وفي وقوعه في الشرعيات والعرفيات

____________________________

(١) كما في معالم الأصول / ٨٥ ، وقوانين الأصول / ١٢٥ .

(٢) راجع شرح مختصر الأصول للعضدي / ١٠٧ ، وتيسير التحرير ٢ / ٢٤٠ .

١٣٧
 &

غنى وكفاية ، ولا يحتاج معه إلى مزيد بيان أو مؤونة برهان .

وقد عرفت سابقاً (١) أن داعي إنشاء الطلب ، لا ينحصر بالبعث والتحريك جداً حقيقة ، بل قد يكون صورياً امتحاناً ، وربما يكون غير ذلك .

ومنع كونه أمراً إذا لم يكن بداعي البعث جداً واقعاً ، وإن كان في محله ، إلا أن إطلاق الأمر عليه ، إذا كانت هناك قرينة على أنه بداعٍ آخر غير البعث توسعاً ، مما لا بأس به أصلاً ، كما لا يخفى .

وقد ظهر بذلك حال ما ذكره الأعلام في المقام من النقض والإِبرام ، وربما يقع به التصالح بين الجانبين ويرتفع النزاع من البين ، فتأمل جداً .

فصل

الحق أن الأوامر والنواهي تكون متعلقة بالطبائع دون الأفراد ، ولا يخفى أن المراد أن متعلق الطلب في الأوامر هو صرف الإِيجاد ، كما أن متعلقه في النواهي هو محض الترك ، ومتعلقهما هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود والمقيدة بقيود ، تكون بها موافقة للغرض والمقصود ، من دون تعلق غرض بإحدى الخصوصيات اللازمة للوجودات ، بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكناً ، لما كان ذلك مما يضر بالمقصود أصلاً ، كما هو الحال في القضية الطبيعية في غير الأحكام ، بل في المحصورة ، على ما حقق في غير المقام .

وفي مراجعة الوجدان للإِنسان غنى وكفاية عن إقامة البرهان على ذلك ، حيث يرى إذا راجعه أنه لا غرض له في مطلوباته إلا نفس الطبائع ، ولا نظر له إلا إليها من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية ، وعوارضها العينية ، وإن نفس وجودها السعي بما هو وجودها تمام المطلوب ، وإن كان ذاك الوجود

____________________________

(١) في المقصد الأول ، الفصل الثاني ، المبحث الأول صفحة / ٦٩ .

١٣٨
 &

لا يكاد ينفك في الخارج عن الخصوصية .

فانقدح بذلك أن المراد بتعلق الأوامر بالطبائع دون الأفراد ، انها بوجودها السعي بما هو وجودها قبالاً لخصوص الوجود ، متعلقة للطلب ، لا أنها بما هي هي كانت متعلقة له ، كما ربما يتوهم ، فإنها كذلك ليست إلا هي ، نعم هي كذلك تكون متعلقة للأمر ، فإنه طلب الوجود ، فافهم .

دفع وهم : لا يخفى أن كون وجود الطبيعة أو الفرد متعلقاً للطلب ، إنما يكون بمعنى أن الطالب يريد صدور الوجود من العبد ، وجعله بسيطاً الذي هو مفاد كان التامة ، وإفاضته ، لا أنه يريد ما هو صادر وثابت في الخارج كي يلزم طلب الحاصل ، كما توهم ، ولا جعل الطلب متعلقا بنفس الطبيعة ، وقد جعل وجودها غاية لطلبها .

وقد عرفت أن الطبيعة بما هي هي ليست إلا هي ، لا يعقل أن يتعلق بها طلب لتوجد أو تترك ، وأنه لا بد في تعلق الطلب من لحاظ الوجود أو العدم معها ، فيلاحظ وجودها فيطلبه ويبعث إليه ، كي يكون ويصدر منه ، هذا بناءً على أصالة الوجود .

وأما بناءً على أصالة الماهية ، فمتعلق الطلب ليس هو الطبيعة بما هي أيضاً ، بل بما هي بنفسها في الخارج ، فيطلبها كذلك لكي يجعلها بنفسها من الخارجيات والأعيان الثابتات ، لا بوجودها كما كان الأمر بالعكس على أصالة الوجود .

وكيف كان فيلحظ الأمر ما هو المقصود من الماهية الخارجية أو الوجود ، فيطلبه ويبعث نحوه ليصدر منه ويكون ما لم يكن ، فافهم وتأمل جيداً .

فصل

إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ ولا المنسوخ ، على بقاء الجواز

١٣٩
 &

بالمعنى الأعم ، ولا بالمعنى الأخص ، كما لا دلالة لهما على ثبوت غيره من الأحكام ، ضرورة أن ثبوت كل واحد من الأحكام الأربعة الباقية بعد ارتفاع الوجوب واقعاً ممكن ، ولا دلالة لواحد من دليلي الناسخ والمنسوخ ـ بإحدى الدلالات ـ على تعيين واحد منها ، كما هو أوضح من أن يخفى ، فلا بد للتعيين من دليل آخر ، ولا مجال لاستصحاب الجواز ، إلا بناءً على جريانه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي ، وهو ما إذا شك في حدوث فرد كلّي مقارناً لارتفاع فرده الآخر ، وقد حققنا في محله (١) ، أنه لا يجري الاستصحاب فيه ، ما لم يكن الحادث المشكوك من المراتب القوية أو الضعيفة المتصلة بالمرتفع ، بحيث عد عرفاً ـ لو كان ـ أنه باق ، لا أنه أمر حادث غيره .

ومن المعلوم أن كل واحد من الأحكام مع الآخر عقلاً وعرفاً ، من المباينات والمتضادات ، غير الوجوب والاستحباب ، فإنه وإن كان بينهما التفاوت بالمرتبة والشدة والضعف عقلاً إلا أنهما متباينان عرفاً ، فلا مجال للاستصحاب إذا شك في تبدل أحدهما بالآخر ، فإن حكم العرف ونظره يكون متّبعاً في هذا الباب .

فصل

إذا تعلق الأمر بأحد (٢) الشيئين أو الأشياء ، ففي وجوب كل واحد على التخيير ، بمعنى عدم جواز تركه إلا إلى بدل ، أو وجوب الواحد بعينه ، أو وجوب كل منهما مع السقوط بفعل أحدهما ، أو وجوب المعيّن عند الله ، أقوال .

والتحقيق أن يقال : إنه إن كان الأمر بأحد الشيئين ، بملاك أنه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد منهما ، بحيث إذا أتى بأحدهما حصل به تمام

____________________________

(١) في التنبيه الثالث من تنبيهات الاستصحاب / ٤٠٦ .

(٢) في « ب » باحدى .

١٤٠