كفاية الأصول

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]

كفاية الأصول

المؤلف:

الشيخ محمد كاظم الخراساني [ الآخوند ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ بيروت
الطبعة: ٣
الصفحات: ٥٥٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف ، ولا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور له ، كالمعرفة ، ولْيُسمَّ منجّزاً ، وإلى ما يتعلق وجوبه به ، ويتوقف حصوله على أمر غير مقدور له ، ولْيُسمَّ معلّقاً كالحج ، فإن وجوبه يتعلق بالمكلف من أول زمن الاستطاعة ، أو خروج الرفقة ، ويتوقف فعله على مجيء وقته ، وهو غير مقدور له ، والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أن التوقف هناك للوجوب ، وهنا للفعل . انتهى كلامه رفع مقامه .

لا يخفى أن شيخنا العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى ، وجعل الشرط لزوماً من قيود المادة ثبوتاً وإثباتاً ، حيث ادعى امتناع كونه من قيود الهيئة كذلك ، أي إثباتاً وثبوتاً ، على خلاف القواعد العربية وظاهر المشهور ، كما يشهد به ما تقدم آنفاً عن البهائي ، أنكر (١) على الفصول هذا التقسيم ، ضرورة أن المعلق بما فسره ، يكون من المشروط بما اختار له من المعنى على ذلك ، كما هو واضح ، حيث لا يكون حينئذ هناك معنى آخر معقول ، كان هو المعلق المقابل للمشروط .

ومن هنا انقدح أنه في الحقيقة إنما أنكر الواجب المشروط ، بالمعنى الذي يكون هو ظاهر المشهور ، والقواعد العربية ، لا الواجب المعلق بالتفسير المذكور .

وحيث قد عرفت ـ بما لا مزيد عليه ـ إمكان رجوع الشرط إلى الهيئة ، كما هو ظاهر المشهور وظاهر القواعد ، فلا يكون مجال لإِنكاره عليه .

نعم يمكن أن يقال : إنه لا وقع لهذا التقسيم ؛ لأنه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط وخصوصية (٢) كونه حاليّاً أو استقباليّاً لا توجبه ما لم

____________________________

(١) مطارح الأنظار ٥١ ـ ٥٢ . في الهداية ٦ من القول في وجوب مقدمة الواجب .

(٢) وفي « ب » : خصوصيته .

١٠١
 &

توجب الاختلاف في المهم ، وإلا لكثرت تقسيماته لكثرة الخصوصيات ، ولا اختلاف فيه ، فإن ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلاً ـ كما يأتي ـ إنما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليّته ، لا من استقباليّة الواجب ، فافهم .

ثم إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر (١) من أهل العصر إشكال في الواجب المعلق ، وهو أن الطلب والإِيجاب ، إنما يكون بأزاء الإرادة المحركة للعضلات نحو المراد ، فكما لا تكاد تكون الإِرادة منفكة عن المراد ، فليكن الإِيجاب غير منفك عما يتعلق به ، فكيف يتعلق بأمر استقبالي ؟ فلا يكاد يصح الطلب والبعث فعلاً نحو أمر متأخر .

قلت : فيه أن الإِرادة تتعلق بأمر متأخر استقبالي ، كما تتعلق بأمر حالي ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل فضلاً عن فاضل ؛ ضرورة أن تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات ـ فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المؤونة ـ ليس إلا لأجل تعلق إرادته به ، وكونه مريداً له قاصداً إياه ، لا يكاد يحمله على التحمل إلا ذلك ، ولعل الذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإِرادة بالشوق المؤكد المحرِّك للعضلات نحو المراد ، وتوهم أن تحريكها نحو المتأخر مما لا يكاد ، وقد غفل عن أن كونه (٢) محركاً نحوه يختلف حسب اختلافه ، في كونه مما لا مؤونة له كحركة نفس العضلات ، أو مما له مؤونة ومقدمات قليلة أو كثيرة ، فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدمة له ، والجامع أن يكون نحو المقصود ، بل مرادهم من هذا الوصف ـ في تعريف الارادة ـ بيان مرتبة الشوق الذي يكون هو الإِرادة ، وإن لم يكن هناك فعلاً تحريك ؛ لكون المراد وما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمراً استقبالياً غير محتاج إلى تهيئة مؤونة أو تمهيد مقدمة ، ضرورة أن شوقه إليه ربما يكون أشد من الشوق

____________________________

(١) هو المحقق النهاوندي ، تشريح الاصول .

(٢) والصحيح « كونها » .

١٠٢
 &

المحرّك فعلاً نحو أمر حالي أو استقبالي ، محتاج إلى ذلك .

هذا مع أنه لا يكاد يتعلق البعث إلا بأمر متأخر عن زمان البعث ، ضرورة أن البعث إنما يكون لإِحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به ، بأن يتصوره بما يترتب عليه من المثوبة ، وعلى تركه من العقوبة ، ولا يكاد يكون هذا إلا بعد البعث بزمان ، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بالزمان ، ولا يتفاوت طوله وقصره ، فيما هو ملاك الاستحالة والإِمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب ، ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه ، والإِطناب إنما هو لأجل رفع المغالطة الواقعة في أذهان بعض الطلاب .

وربما أشكل على المعلق أيضاً ، بعدم القدرة على المكلف به في حال البعث ، مع أنها من الشرائط العامة .

وفيه : إن الشرط إنما هو القدرة على الواجب في زمانه ، لا في زمان الإِيجاب والتكليف ، غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخر ، وقد عرفت بما لا مزيد عليه أنه كالمقارن ، من غير انخرام للقاعدة العقلية أصلاً ، فراجع .

ثم لا وجه لتخصيص المعلق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور ، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخِّر ، أُخذ على نحو يكون مورداً للتكليف ، ويترشح عليه الوجوب من الواجب ، أو لا ، لعدم تفاوت فيما يهمّه من وجوب تحصيل المقدمات التي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب المعلّق ، دون المشروط ، لثبوت الوجوب الحالي فيه ، فيترشح منه الوجوب على المقدمة ، بناء على الملازمة ، دونه لعدم ثبوته فيه إلا بعد الشرط .

نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر ، وفرض وجوده ، كان الوجوب المشروط به حاليّاً أيضاً ، فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضاً حاليّاً ، وليس الفرق بينه وبين المعلّق حينئذ إلّا كونه مرتبطاً

١٠٣
 &

بالشرط ، بخلافه ، وإن ارتبط به الواجب .

تنبيه : قد انقدح ـ من مطاوي ما ذكرناه ـ أن المناط في فعلية وجوب المقدمة الوجودية ، وكونه في الحال بحيث يجب على المكلف تحصيلها ، هو فعلية وجوب ذيها ، ولو كان أمراً استقباليّاً ، كالصوم في الغد والمناسك في الموسم ، كان وجوبه مشروطاً بشرط موجود أُخذ فيه ولو متأخراً ، أو مطلقاً ، منجزاً كان أو معلقاً ، فيما إذا لم تكن مقدمة للوجوب أيضاً ، أو مأخوذة في الواجب على نحو يستحيل أن تكون مورداً للتكليف ، كما إذا أُخذ عنواناً للمكلف ، كالمسافر والحاضر والمستطيع إلى غير ذلك ، أو جعل الفعل المقيد باتفاق حصوله ، وتقدير وجوده ـ بلا اختيار أو باختياره ـ مورداً للتكليف ؛ ضرورة أنه لو كان مقدمة الوجوب أيضاً ، لا يكاد يكون هناك وجوب إلا بعد حصوله ، وبعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل ، كما أنه إذا أخذ على أحد النحوين يكون كذلك ، فلو لم يحصل لما كان الفعل مورداً للتكليف ، ومع حصوله لا يكاد يصح تعلقه به ، فافهم .

إذا عرفت ذلك ، فقد عرفت أنه لا إشكال أصلاً في لزوم الإِتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب ، إذا لم يقدر عليه بعد زمانه ، فيما كان وجوبه حاليّاً مطلقاً ، ولو كان مشروطاً بشرط متأخر ، كان معلوم الوجود فيما بعد ، كما لا يخفى ، ضرورة فعلية وجوبه وتنجزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدمته ، فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة ، ولا يلزم منه محذور وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها ، وإنما اللازم الإِتيان بها قبل الإِتيان به ، بل لزوم الإِتيان بها عقلاً ، ولو لم نقل بالملازمة ، لا يحتاج إلى مزيد بيان ومؤونة برهان ، كالإِتيان بسائر المقدمات في زمان الواجب قبل إتيانه .

فانقدح بذلك : أنه لا ينحصر التفصي عن هذه العويصة بالتعلق بالتعليق ، أو بما يرجع إليه ، من جعل الشرط من قيود المادة في المشروط .

١٠٤
 &

فانقدح بذلك : أنه لا إشكال في الموارد التي يجب في الشريعة الإِتيان بالمقدمة قبل زمان الواجب ، كالغسل في الليل في شهر رمضان وغيره مما وجب عليه الصوم في الغد ، إذ يكشف به بطريق الإِنّ عن سبق وجوب الواجب ، وإنما المتأخر هو زمان إتيانه ، ولا محذور فيه أصلاً ، ولو فرض العلم بعدم سبقه ، لاستحال اتصاف مقدمته بالوجوب الغيري ، فلو نهض دليل على وجوبها ، فلا محالة يكون وجوبها نفسّياً [ ولو ] (١) تهيؤاً ، ليتهيّأ بإتيانها ، ويستعد لإِيجاب ذي المقدمة عليه ، فلا محذور أيضاً .

إن قلت : لو كان وجوب المقدمة في زمان كاشفاً عن سبق وجوب ذي المقدمة لزم وجوب جميع مقدماته ولو موسّعاً ، وليس كذلك بحيث يجب عليه المبادرة لو فرض عدم تمكنه منها لو لم يبادر .

قلت : لا محيص عنه ، إلا إذا أخذ في الواجب من قبل سائر المقدمات قدرة خاصة ، وهي القدرة عليه بعد مجيء زمانه ، لا القدرة عليه في زمانه من زمان وجوبه ، فتدبر جداً .

تتمة : قد عرفت اختلاف القيود في وجوب التحصيل ، وكونه مورداً للتكليف وعدمه ، فإن علم حال قيد فلا إشكال ، وإن دار أمره ثبوتاً بين أن يكون راجعاً إلى الهيئة ، نحو الشرط المتأخر أو المقارن ، وأن يكون راجعاً الى المادة على نهج يجب تحصيله أو لا يجب ، فإن كان في مقام الإِثبات ما يعين حاله ، وأنه راجع إلى أيهما من القواعد العربية فهو ، وإلا فالمرجع هو الأصول العملية .

وربما قيل (٢) في الدوران بين الرجوع إلى الهيئة أو المادة ، بترجيح الإِطلاق في طرف الهيئة ، وتقييد المادة ، بوجهين :

____________________________

(١) أثبتناها من « أ » .

(٢) راجع مطارح الأنظار / ٤٩ الهداية ٥ من القول بوجوب المقدمة ، في الوجه الخامس .

١٠٥
 &

أحدهما : إن إطلاق الهيئة يكون شموليّاً ، كما في شمول العام لأفراده ، فإن وجوب الإِكرام على تقدير الإِطلاق ، يشمل جميع التقادير التي يمكن أن يكون تقديراً له ، وإطلاق المادة يكون بدلياً غير شامل لفردين في حالة واحدة .

ثانيهما : إن تقييد الهيئة يوجب بطلان محل الإِطلاق في المادة ويرتفع به مورده ، بخلاف العكس ، وكل ما دار الأمر بين تقييدين كذلك كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى .

أما الصغرى ، فلأجل أنه لا يبقى مع تقييد الهيئة محل حاجة وبيان لإِطلاق المادة ، لأنها لا محالة لا تنفكّ عن وجود قيد الهيئة ، بخلاف تقييد المادة ، فإن محل الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله ، فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد وعدمه .

وأما الكبرى ، فلأن التقييد وإن لم يكن مجازاً إلا أنه خلاف الأصل ، ولا فرق في الحقيقة بين تقييد الإِطلاق ، وبين أن يعمل عملاً يشترك مع التقييد في الأثر ، وبطلان العمل به .

وما ذكرناه من الوجهين موافق لما أفاده بعض مقرِّري بحث الأستاذ العلامة أعلى الله مقامه ، وأنت خبير بما فيهما .

أما في الأول : فلأن مفاد إطلاق الهيئة وإن كان شمولياً بخلاف المادة ، إلا أنه لا يوجب ترجيحه على إطلاقها ، لأنه أيضاً كان بالإِطلاق ومقدمات الحكمة ، غاية الأمر أنها تارة تقتضي العموم الشمولي ، وأخرى البدلي ، كما ربما يقتضي التعيين أحياناً ، كما لا يخفى .

وترجيح عموم العام على إطلاق المطلق إنما هو لأجل كون دلالته بالوضع ، لا لكونه شموليّاً ، بخلاف المطلق فإنه بالحكمة ، فيكون العام أظهر منه ، فيقدّم عليه ، فلو فرض أنهما في ذلك على العكس ، فكان عام بالوضع دلّ على العموم البدلي ، ومطلق بإطلاقه دلّ على الشمول ، لكان العام

١٠٦
 &

يقدم بلا كلام .

وأما في الثاني : فلأن التقييد وإن كان خلاف الأصل ، إلا أن العمل الذي يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة ، وانتفاء بعض مقدماته ، لا يكون على خلاف الأصل أصلاً ، إذ معه لا يكون هناك إطلاق ، كي يكون بطلان العمل به في الحقيقة مثل التقييد الذي يكون على خلاف الأصل .

وبالجملة لا معنى لكون التقييد خلاف الأصل ، إلا كونه خلاف الظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة ، ومع انتفاء المقدمات لا يكاد ينعقد له هناك ظهور ، كان ذاك العمل المشارك مع التقييد في الأثر ، وبطلان العمل بإطلاق المطلق ، مشاركاً معه في خلاف الأصل أيضاً .

وكأنه توهم : أن إطلاق المطلق كعموم العام ثابت ، ورفع اليد عن العمل به ، تارة لأجل التقييد ، وأخرى بالعمل المبطل للعمل به ، وهو فاسد ، لأنه لا يكون إطلاق إلا فيما جرت هناك المقدمات .

نعم إذا كان التقييد بمنفصل ، ودار الأمر بين الرجوع إلى المادة أو الهيئة كان لهذا التوهّم مجال ، حيث انعقد للمطلق إطلاق ، وقد استقر له ظهور ولو بقرينة الحكمة ، فتأمل .

ومنها : تقسيمه إلى النفسي والغيري ، وحيث كان طلب شيء وإيجابه لا يكاد يكون بلا داع ، فإن كان الداعي فيه هو التوصل به إلى واجب ، لا يكاد [ يمكن ] التوصّل بدونه إليه ، لتوقفه عليه ، فالواجب غيريّ ، وإلا فهو نفسيّ ، سواء كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه ، كالمعرفة بالله ، أو محبوبيّته بما له من فائدة مترتبة عليه ، كأكثر الواجبات من العبادات والتوصليات .

هذا ، لكنه لا يخفى أن الداعي لو كان هو محبوبيته كذلك ـ أي بما له من الفائدة المترتبة عليه ـ كان الواجب في الحقيقة واجباً غيرياً ، فإنه لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازماً ، لما دعا إلى ايجاب ذي الفائدة .

١٠٧
 &

فإن قلت : نعم وإن كان وجودها محبوباً لزوماً ، إلا أنه حيث كانت من الخواصِّ المترتبة على الأفعال التي ليست داخلة تحت قدرة المكلف ، لما كاد يتعلق بها الإِيجاب .

قلت : بل هي داخلة تحت القدرة ، لدخول أسبابها تحتها ، والقدرة على السبب قدرة على المسبب ، وهو واضح ، وإلا لما صحّ وقوع مثل التطهير والتمليك والتزويج والطلاق والعتاق ... إلى غير ذلك من المسببات ، مورداً لحكم من الأحكام التكليفية .

فالأولى أن يقال : إن الأثر المترتب عليه وإن كان لازماً ، إلا أن ذا الأثر لما كان معنوناً بعنوان حسن يستقل العقل بمدح فاعله ، بل وبذم تاركه ، صار متعلقاً للإِيجاب بما هو كذلك ، ولا ينافيه كونه مقدمة لأمر مطلوب واقعاً ، بخلاف الواجب الغيري ، لتمحض وجوبه في أنه لكونه مقدمة لواجب نفسي . وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه ، إلا أنه لا دخل له في إيجابه الغيري ، ولعله مراد من فسرهما بما أمر به لنفسه ، وما أمر به لأجل غيره ، فلا يتوجه عليه بأنّ جلّ الواجبات ـ لولا الكل ـ يلزم أن يكون من الواجبات الغيريّة ، فإن المطلوب النفسي قلّ ما يوجد في الأوامر ، فإن جلها مطلوبات لأجل الغايات التي هي خارجة عن حقيقتها ، فتأمل .

ثم إنه لا إشكال فيما إذا علم بأحد القسمين ، وأما إذا شك في واجب أنه نفسي أو غيري ، فالتحقيق أن الهيئة ، وإن كانت موضوعة لما يعمّهما ، إلا أن إطلاقها يقتضي كونه نفسياً ، فإنه لو كان شرطاً لغيره لوجب التنبيه عليه على المتكلم الحكيم .

وأما ما قيل (١) من أنه لا وجه للاستناد إلى إطلاق الهيئة ، لدفع الشك

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٦٧ في الهداية ١١ من القول بوجوب المقدمة .

١٠٨
 &

المذكور ، بعد كون مفادها الأفراد التي لا يعقل فيها التقييد ، نعم لو كان مفاد الأمر هو مفهوم الطلب ، صح القول بالإِطلاق ، لكنه بمراحل من الواقع ، إذ لا شك في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الأمر ، ولا يعقل اتصاف المطلوب بالمطلوبية بواسطة مفهوم الطلب ، فإن الفعل يصير مراداً بواسطة تعلق واقع الارادة وحقيقتها ، لا بواسطة مفهومها ، وذلك واضح لا يعتريه ريب .

ففيه : إن مفاد الهيئة ـ كما مرت الإِشارة إليه ـ ليس الأفراد ، بل هو مفهوم الطلب ، كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف (١) ، ولا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقي ، والذي يكون بالحمل الشائع طلباً ، وإلا لما صح إنشاؤه بها ؛ ضرورة أنه من الصفات الخارجية الناشئة من الأسباب الخاصة .

نعم ربما يكون هو السبب لإِنشائه ، كما يكون غيره أحياناً .

واتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية والإِرادة الحقيقية ـ الداعية إلى إيقاع طلبه ، وإنشاء إرادته بعثاً نحو مطلوبه الحقيقي وتحريكا إلى مراده الواقعي ـ لا ينافي اتصافه بالطلب الإنشائي أيضاً ، والوجود الإِنشائي لكل شيء ليس إلا قصد حصول مفهومه بلفظه ، كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن ، بل كان إنشاؤه بسبب آخر .

ولعل منشأ الخلط والاشتباه تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق ، فتوهم منه أن مفاد الصيغة يكون طلباً حقيقياً ، يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع ، ولعمري إنه من قبيل اشتباه المفهوم بالمصداق ، فالطلب الحقيقي إذا لم يكن قابلاً للتقييد لا يقتضي أن لا يكون مفاد الهيئة قابلاً له ، وإن تعارف تسميته بالطلب أيضاً ، وعدم تقييده بالإِنشائي لوضوح إرادة

____________________________

(١) باعتبار أن الهيئة ملحقة بالحروف ، راجع صفحة ١١ من هذا الكتاب .

١٠٩
 &

خصوصه ، وإن الطلب الحقيقي لا يكاد ينشأ بها ، كما لا يخفى .

فانقدح بذلك صحة تقييد مفاد الصيغة بالشرط ، كما مرّ هاهنا بعض الكلام ، وقد تقدم (١) في مسألة اتحاد الطلب والإِرادة ما يُجدي [ في ] المقام .

هذا إذا كان هناك إطلاق ، وأما إذا لم يكن ، فلا بد من الإِتيان به فيما إذا كان التكليف بما احتمل كونه شرطاً له فعليّاً ، للعلم بوجوبه فعلاً ، وإن لم يعلم جهة وجوبه ، وإلا فلا ، لصيرورة الشك فيه بدوياً ، كما لا يخفى .

تذنيبان

الأول : لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي وموافقته ، واستحقاق العقاب على عصيانه ومخالفته عقلاً ، وأما استحقاقهما على امتثال الغيري ومخالفته ، ففيه إشكال ، وإن كان التحقيق عدم الاستحقاق على موافقته ومخالفته ، بما هو موافقة ومخالفة ؛ ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق إلا لعقاب واحد ، أو لثواب كذلك ، فيما خالف الواجب ولم يأت بواحدة من مقدماته على كثرتها ، أو وافقه وأتاه بما له من المقدمات .

نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة عند ترك المقدمة ، وبزيادة المثوبة على الموافقة فيما لو أتى بالمقدمات بما هي مقدمات له ، من باب أنه يصير حينئذ من أفضل الأعمال ، حيث صار أشقّها ، وعليه ينزّل ما ورد في الأخبار (٢) من الثواب على المقدمات ، أو على التفضل فتأمل جيّداً ، وذلك لبداهة أن موافقة الأمر الغيري ـ بما هو أمر لا بما هو شروع في إطاعة الأمر النفسي ـ لا توجب قرباً ، ولا مخالفته ـ بما هو كذلك ـ بُعداً ، والمثوبة والعقوبة إنما تكونان من تبعات القُرب والبُعد .

____________________________

(١) راجع صفحة ٦٤ من الكتاب ، الجهة الرابعة ( في بحث الطلب والإِرادة ) .

(٢) كامل الزيارات / ١٣٣ ، فيما ورد في زيارة أبي عبد الله ، من أنه لكلّ قدم ثواب كذا .

١١٠
 &

إشكال ودفع :

أما الأول : فهو أنه إذا كان الأمر الغيري بما هو لا إطاعة له ، ولا قرب في موافقته ، ولا مثوبة على امتثاله ، فكيف حال بعض المقدمات ؟ كالطهارات ، حيث لا شبهة في حصول الإِطاعة والقرب والمثوبة بموافقة أمرها ، هذا مضافاً إلى أن الأمر الغيري لا شبهة في كونه توصلياً ، وقد اعتبر في صحتها إتيانها بقصد القربة .

وأما الثاني : فالتحقيق أن يقال : إن المقدمة فيها بنفسها مستحبة وعبادة ، وغاياتها إنما تكون متوقفة على إحدى هذه العبادات ، فلا بد أن يؤتى بها عبادة ، وإلا فلم يؤت بما هو مقدمة لها ، فقصد القربة فيها إنما هو لأجل كونها في نفسها أموراً عبادية ومستحبات نفسية ، لا لكونها مطلوبات غيرية والاكتفاء بقصد أمرها الغيري ، فإنما هو لأجل أنه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه حيث أنه لا يدعو إلا إلى ما هو المقدمة ، فافهم .

وقد تُفُصّي عن الإِشكال بوجهين آخرين (١) :

أحدهما ما ملخصه : إن الحركات الخاصة ربما لا تكون محصلة لما هو المقصود منها ، من العنوان الذي يكون بذاك العنوان مقدمة وموقوفاً عليها ، فلا بد في إتيانها بذاك العنوان من قصد أمرها ، لكونه لا يدعو إلا إلى ما هو الموقوف عليه ، فيكون عنواناً إجمالياً ومرآة لها ، فإتيان الطهارات عبادة وإطاعة لأمرها ليس لأجل أن أمرها المقدمي يقضي بالإِتيان كذلك ، بل إنما كان لأجل إحراز نفس العنوان ، الذي يكون بذاك العنوان موقوفا عليها .

وفيه : مضافاً إلى أن ذلك لا يقتضي الإِتيان بها كذلك ، لا مكان الإِشارة إلى عناوينها التي تكون بتلك العناوين موقوفاً عليها بنحو آخر ، ولو

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٧١ في تنبيهات الهداية ١٢ من القول في وجوب مقدمة الواجب .

١١١
 &

بقصد أمرها وصفاً لا غاية وداعياً ، بل كان الداعي إلى هذه الحركات الموصوفة بكونها مأموراً بها شيئاً (١) آخر غير أمرها ، غير وافٍ بدفع إشكال ترتب المثوبة عليها ، كما لا يخفى .

ثانيهما : ما مُحَصّله أن لزوم وقوع الطهارات عبادة ، إنما يكون لأجل أن الغرض من الأمر النفسي بغاياتها ، كما لا يكاد يحصل بدون قصد التقرب بموافقته ، كذلك لا يحصل ما لم يؤت بها كذلك ، لا باقتضاء أمرها الغيري .

وبالجملة وجه لزوم إتيانها عبادة ، إنما هو لأجل أن الغرض في الغايات ، لا يحصل إلا بإتيان خصوص الطهارات من بين مقدماتها أيضاً ، بقصد الإِطاعة .

وفيه أيضاً : إنه غير وافٍ بدفع إشكال ترتب المثوبة عليها ، وأما ما ربما قيل (٢) في تصحيح اعتبار قصد الإِطاعة في العبادات ، من الالتزام بأمرين : أحدهما كان متعلقاً بذات العمل ، والثاني بإتيانه بداعي امتثال الأول ، لا يكاد يجزي في تصحيح اعتبارها في الطهارات ، إذ لو لم تكن بنفسها مقدمة لغاياتها ، لا يكاد يتعلق بها أمر من قبل الأمر بالغايات ، فمن أين يجيء طلب آخر من سنخ الطلب الغيري متعلق بذاتها ، ليتمكن به من المقدمة في الخارج . هذا مع أن في هذا الالتزام ما في تصحيح اعتبار قصد الطاعة في العبادة على ما عرفته مفصلاً سابقاً ، فتذكّر .

الثاني : إنه قد انقدح مما هو التحقيق ، في وجه اعتبار قصد القربة في الطهارات صحتها ولو لم يؤت بها بقصد التوصل بها إلى غاية من غاياتها ، نعم لو كان المصحح لاعتبار قصد القربة فيها امرها الغيري ، لكان قصد الغاية مما لا بد منه في وقوعها صحيحة ، فان الأمر الغيري لا يكاد يمتثل إلا إذا قصد

____________________________

(١) في « ب » : شيء .

(٢) مطارح الانظار / ٧١ ، في تنبيهات الهداية ١٢ .

١١٢
 &

التوصل إلى الغير ، حيث لا يكاد يصير داعياً إلا مع هذا القصد ، بل في الحقيقة يكون هو الملاك لوقوع المقدمة عبادة ، ولو لم يقصد أمرها ، بل ولو لم نقل بتعلق الطلب بها أصلاً .

وهذا هو السر في اعتبار قصد التوصل في وقوع المقدمة عبادة ، لا ما توهم (١) من أن المقدمة إنما تكون ماموراً بها بعنوان المقدمية ، فلا بد عند إرادة الامتثال بالمقدمة من قصد هذا العنوان ، وقصدها كذلك لا يكاد يكون بدون قصد التوصل إلى ذي المقدمة بها ، فإنه فاسد جداً ؛ ضرورة أن عنوان المقدمية ليس بموقوف عليه الواجب ، ولا بالحمل الشائع مقدمة له ، وإنما كان المقدمة هو نفس المعنونات بعناوينها الأولية ، والمقدمية إنما تكون علة لوجوبها .

الأمر الرابع : لا شبهة في أن وجوب المقدمة بناءً على الملازمة ، يتبع في الإِطلاق والاشتراط وجوب ذي المقدمة ، كما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا ، ولا يكون مشروطاً بإرادته ، كما يوهمه ظاهر عبارة صاحب المعالم (٢) ( رحمه الله ) في بحث الضد ، قال : وأيضاً فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما تنهض دليلاً على الوجوب ، في حال كون المكلف مريداً للفعل المتوقف عليها ، كما لا يخفى على من أعطاها حق النظر .

وأنت خبير بأن نهوضها على التبعية واضح لا يكاد يخفى ، وإن كان نهوضها على أصل الملازمة لم يكن بهذه المثابة ، كما لا يخفى .

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٧٢ .

(٢) معالم الدين / ٧٤ ، في آخر مبحث الضد .

هو الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن الشيخ زين الدين ، ولد سنة ٩٥٩ هـ ، كان عالماً فاضلاً عاملاً جامعاً للفنون ، اعرف أهل زمانه بالفقه والحديث والرجال ، يروي عن جماعة من تلامذة أبيه ، منهم الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي ، له كتب ورسائل منها « منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان » و « معالم الدين وملاذ المجتهدين » توفي سنة ١٠١١ هـ .

( أمل الآمل ١ / ٥٧ رقم ٤٥ )

١١٣
 &

وهل يعتبر في وقوعها على صفة الوجوب أن يكون الإِتيان بها بداعي التوصل بها إلى ذي المقدمة ؟ كما يظهر مما نسبه إلى شيخنا العلامة ـ أعلى الله مقامه ـ بعض أفاضل (١) مقرري بحثه ، أو ترتب ذي المقدمة عليها ؟ بحيث لو لم يترتب عليها لكشف (٢) عن عدم وقوعها على صفة الوجوب ، كما زعمه صاحب الفصول (٣) ( قدس سره ) أو لا يعتبر في وقوعها كذلك شيء منهما .

الظاهر عدم الاعتبار : أما عدم اعتبار قصد التوصل ، فلأجل أن الوجوب لم يكن بحكم العقل إلا لأجل المقدمية والتوقف ، وعدم دخل قصد التوصل فيه واضح ، ولذا اعترف (٤) بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدمات العبادية ، لحصول ذات الواجب ، فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصل من المقدمة بلا مخصص ، فافهم .

نعم انما اعتبر ذلك في الامتثال ، لما عرفت (٥) من انه لا يكاد يكون الآتي بها بدونه ممتثلاً لأمرها ، وآخذاً في امتثال الأمر بذيها ، فيُثاب بثواب أشقِّ الأعمال ، فيقع الفعل المقدمي على صفة الوجوب ، ولو لم يقصد به التوصل ، كسائر الواجبات التوصلية ، لا على حكمه السابق الثابث له ، لولا عروض صفة توقف الواجب الفعلي المنجز عليه ، فيقع الدخول في ملك الغير واجبا إذا كان مقدمة لإِنقاذ غريق أو إطفاء حريق واجب فعليّ لا حراماً ، وإن لم يلتفت إلى التوقف والمقدمية ، غاية الأمريكون حينئذ متجرِّئاً فيه ، كما أنه مع الالتفات يتجرّأ بالنسبة إلى ذي المقدمة ، فيما لم يقصد التوصل إليه أصلاً .

____________________________

(١) مطارح الأنظار / ٧٢ .

(٢) في « ب » : يكشف .

(٣) الفصول / ٨٦ ، في مقدمة الواجب .

(٤) مطارح الأنظار / ٧٢ .

(٥) راجع صفحة ١١٢ .

١١٤
 &

وأما إذا قصده ، ولكنه لم يأت بها بهذا الداعي ، بل بداعٍ آخر أكّده بقصد التوصل ، فلا يكون متجرِّئاً أصلاً .

وبالجملة : يكون التوصل بها إلى ذي المقدمة من الفوائد المترتبة على المقدمة الواجبة ، لا أن يكون قصده قيداً وشرطاً لوقوعها على صفة الوجوب ، لثبوت ملاك الوجوب في نفسها بلا دخل له فيه أصلاً ، وإلا لما حصل ذات الواجب ولما سقط الوجوب به ، كما لا يخفى .

ولا يقاس على ما إذا أتى بالفرد المحرّم منها ، حيث يسقط به الوجوب ، مع أنه ليس بواجب ، وذلك لأن الفرد المحرم انما يسقط به الوجوب ، لكونه كغيره في حصول الغرض به ، بلا تفاوت أصلاً ، إلا أنّه لأجل وقوعه على صفة الحرمة لا يكاد يقع على صفة الوجوب ، وهذا بخلاف [ ما ] ها هنا ، فإنه إن كان كغيره في حصول الغرض به ، بلا تفاوت أصلاً ، إلا [ أنّه ] لأجل وقوعه على صفة الوجوب مثله ، لثبوت المقتضي فيه بلا مانع ، وإلا لما كان يسقط به الوجوب ضرورة ، والتالي باطل بداهة ، فيكشف هذا عن عدم اعتبار قصده في الوقوع على صفة الوجوب قطعاً ، وانتظر لذلك تتمة (١) توضيح .

والعجب أنه شدّد النكير على القول بالمقدمة الموصلة ، واعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب ، على ما حرره بعض مقرري (٢) بحثه ( قدس سره ) بما يتوجه على اعتبار قصد التوصل في وقوعها كذلك ، فراجع تمام كلامه زيد في علو مقامه ، وتأمّل في نقضه وإبرامه .

وأما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب ، فلأنه لا يكاد يعتبر في الواجب إلا ما له دخل في غرضه الداعي إلى إيجابه

____________________________

(١) في « ب »: جهة .

(٢) راجع مطارح الأنظار / ٧٤ و ٧٥ في المقدمة الموصلة .

١١٥
 &

والباعث على طلبه ، وليس الغرض من المقدمة إلا حصول ما لولاه لما أمكن حصول ذي المقدمة ، ضرورة أنه لا يكاد يكون الغرض إلا ما يترتب عليه من فائدته وأثره ، ولا يترتب على المقدمة إلا ذلك ، ولا تفاوت فيه بين ما يترتب عليه الواجب ، وما لا يترتب عليه أصلاً ، وأنه لا محالة يترتب عليهما ، كما لا يخفى .

وأما ترتب الواجب ، فلا يعقل أن يكون الغرض الداعي إلى إيجابها والباعث على طلبها ، فإنه ليس بأثر تمام المقدمات ، فضلاً عن إحداها في غالب الواجبات ، فإن الواجب إلا ما قلّ في الشرعيات والعرفيات فعل اختياري ، يختار المكلف تارة إتيانه بعد وجود تمام مقدماته ، وأخرى عدم إتيانه ، فكيف يكون اختيار إتيانه غرضاً من إيجاب كل واحدة من مقدماته ، مع عدم ترتبه على تمامها (١) ، فضلاً عن كل واحدة منها ؟

نعم فيما كان الواجب من الأفعال التسبيبية والتوليدية ، كان مترتباً لا محالة على تمام مقدماته ، لعدم تخلّف المعلول عن علته .

ومن هنا [ قد ] (٢) انقدح أن القول بالمقدمة الموصلة ، يستلزم إنكار وجوب المقدمة في غالب الواجبات ، والقول بوجوب خصوص العلة التامة في خصوص الواجبات التوليدية .

فإن قلت : ما من واجب إلّا وله علة تامة ؛ ضرورة استحالة وجود الممكن بدونها ، فالتخصيص بالواجبات التوليدية بلا مخصص .

قلت : نعم وإن استحال صدور الممكن بلا علة ، إلا أن مبادىء اختيار الفعل الاختياري من أجزاء علته ، وهي لا تكاد تتصف بالوجوب ، لعدم كونها

____________________________

(١) في « ب » : عامّها .

(٢) أثبتناها من « ب » .

١١٦
 &

بالاختيار ، وإلا لتسلسل ، كما هو واضح لمن تأمل ، ولأنه لو كان معتبراً فيه الترتب ، لما كان الطلب يسقط بمجرد الإِتيان بها ، من دون انتظار لترتب الواجب عليها ، بحيث لا يبقى في البين إلا طلبه وإيجابه ، كما إذا لم تكن هذه بمقدمته (١) ، أو كانت حاصلة من الأول قبل إيجابه ، مع أن الطلب لا يكاد يسقط إلا بالموافقة ، أو بالعصيان والمخالفة ، أو بارتفاع موضوع التكليف ، كما في سقوط الأمر بالكفن أو الدفن ، بسبب غرق الميت أحياناً أو حرقه ، ولا يكون الإِتيان بها بالضرورة من هذه الأمور غير الموافقة .

إن قلت : كما يسقط الأمر في تلك الأمور ، كذلك يسقط بما ليس بالمأمور به فيما يحصل به الغرض منه ، كسقوطه في التوصليات بفعل الغير ، أو المحرمات .

قلت : نعم ، ولكن لا محيص عن أن يكون ما يحصل به الغرض ، من الفعل الاختياري للمكلف متعلقاً للطلب فيما لم يكن فيه مانع ، وهو كونه بالفعل محرماً ، ضرورة أنه لا يكون بينهما تفاوت أصلاً ، فكيف يكون أحدهما متعلقاً له فعلاً دون الآخر ؟

وقد استدل صاحب الفصول (٢) على ما ذهب إليه بوجوه ، حيث قال بعد بيان أن التوصل بها إلى الواجب ، من قبيل شرط الوجود لها لا من قبيل شرط الوجوب ، ما هذا لفظه :

( والذي يدلّك على هذا ـ يعني الاشتراط بالتوصل ـ أن وجوب المقدمة لما كان من باب الملازمة العقلية ، فالعقل لا يدل عليه زائداً على القدر المذكور ، وأيضاً لا يأبى العقل أن يقول الآمر الحكيم : أريد الحج ، وأريد المسير الذي

____________________________

(١) في « ب » : بمقدمة .

(٢) الفصول / ٨٦ . في التنبيه الأول من تنبيهات مقدمة الواجب .

١١٧
 &

يتوصل به إلى فعل الواجب ، دون ما لم يتوصل به إليه ، بل الضرورة قاضية بجواز تصريح الآمر بمثل ذلك ، كما أنها قاضية بقبح التصريح بعدم مطلوبيتها له مطلقاً ، أو على تقدير التوصل بها إليه ، وذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه ووجوب مقدماته على تقدير عدم التوصل بها إليه ، وأيضاً حيث أن المطلوب بالمقدمة مجرد التوصل بها إلى الواجب وحصوله ، فلا جرم يكون التوصل بها إليه وحصوله معتبراً في مطلوبيتها ، فلا تكون مطلوبة إذا انفكت عنه ، وصريح الوجدان قاضٍ بأن من يريد شيئاً بمجرد حصول شيء آخر ، لا يريده إذا وقع مجرداً عنه ، ويلزم منه أن يكون وقوعه على وجه المطلوب منوطاً بحصوله ) . انتهى موضع الحاجة من كلامه ، زيد في علو مقامه .

وقد عرفت بما لا مزيد عليه ، أن العقل الحاكم بالملازمة دل على وجوب مطلق المقدمة ، لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب ، فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه ، كما إذا كان بعض مصاديقه محكوماً فعلاً بالحرمة ، لثبوت مناط الوجوب حينئذ في مطلقها ، وعدم اختصاصه بالمقيد بذلك منها .

وقد انقدح منه ، أنه ليس للآمر الحكيم غير المجازف بالقول ذلك التصريح ، وأن دعوى أن الضرورة قاضية بجوازه (١) مجازفة ، كيف يكون ذا مع ثبوت الملاك في الصورتين بلا تفاوت أصلاً ؟ كما عرفت .

نعم إنما يكون التفاوت بينهما في حصول المطلوب النفسي في إحداهما ، وعدم حصوله في الأخرى ، من دون دخل لها في ذلك أصلاً ، بل كان بحسن اختيار المكلف وسوء اختياره ، وجاز للآمر أن يصرِّح بحصول هذا المطلوب في إحداهما ، وعدم حصوله في الأخرى ، [ بل من ] (٢) حيث أن الملحوظ بالذات هو

____________________________

(١) ادّعاه صاحب الفصول ، حيث قال : ولا يأبى أن يقول الآمر الحكيم .. الخ ... / الفصول / ٨٦ .

(٢) أثبتناها من « أ » .

١١٨
 &

هذا المطلوب ، وإنما كان الواجب الغيري ملحوظاً إجمالاً بتبعه ، كما يأتي أن وجوب المقدمة على الملازمة تبعيّ ، جاز في صورة عدم حصول المطلوب النفسي التصريح بعدم حصول المطلوب أصلاً ؛ لعدم الإِلتفات إلى ما حصل من المقدمة ، فضلاً عن كونها مطلوبة ، كما جاز التصريح بحصول الغيري مع عدم فائدته لو التفت اليها ، كما لا يخفى ، فافهم .

إن قلت : لعل التفاوت بينهما في صحة اتصاف إحداهما بعنوان الموصلية دون الأخرى ، أوجب التفاوت بينهما في المطلوبية وعدمها ، وجواز التصريح بهما ، وإن لم يكن بينهما تفاوت في الأثر ، كما مرّ .

قلت : إنما يوجب ذلك تفاوتاً فيهما ، لو كان ذلك لأجل تفاوت في ناحية المقدمة ، لا فيما إذا لم يكن في ناحيتها أصلاً ـ كما ها هنا ـ ضرورة أن الموصلية إنما تنتزع من وجود الواجب ، وترتبه عليها من دون اختلاف في ناحيتها ، وكونها في كلا الصورتين على نحو واحد وخصوصية واحدة ، ضرورة أن الإِتيان بالواجب بعد الإِتيان بها بالاختيار تارة ، وعدم الإِتيان به كذلك أخرى ، لا يوجب تفاوتاً فيها ، كما لا يخفى .

وأما ما أفاده (١) ( قدس سره ) من أن مطلوبية المقدمة حيث كانت بمجرد التوصل بها ، فلا جرم يكون التوصل بها إلى الواجب معتبراً فيها .

ففيه : إنه إنما كانت مطلوبيتها لأجل عدم التمكن من التوصل بدونها ، لا لأجل التوصل بها ، لما عرفت من أنه ليس من آثارها ، بل مما يترتب عليها أحياناً بالاختيار بمقدمات أخرى ، وهي مبادىء اختياره ، ولا يكاد يكون مثل ذا غاية لمطلوبيتها وداعياً إلى إيجابها ، وصريح الوجدان إنما يقتضي بأن ما أريد لأجل غاية ، وتجرد عن الغاية بسبب عدم حصول سائر ما له دخل في حصولها ،

____________________________

(١) الفصول / ٨٦ ، في تنبيهات مقدمة الواجب .

١١٩
 &

يقع على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية ، كيف ؟ وإلا يلزم أن يكون وجودها من قيوده ، ومقدمة لوقوعه على نحو يكون الملازمة بين وجوبه بذاك النحو ووجوبها .

وهو كما ترى ، ضرورة أن الغاية لا تكاد تكون قيداً لذي الغاية ، بحيث كان تخلفها موجباً لعدم وقوع ذي الغاية على ما هو عليه من المطلوبية الغيرية ، وإلا يلزم أن تكون مطلوبة بطلبه كسائر قيوده ، فلا يكون وقوعه على هذه الصفة منوطاً بحصولها ، كما أفاده .

ولعل منشأ توهمه ، خلطه بين الجهة التقييدية والتعليلية ، هذا مع ما عرفت من عدم التخلف ها هنا ، وأن الغاية إنما هو حصول ما لولاه لما تمكن من التوصل إلى المطلوب النفسي ، فافهم واغتنم .

ثم إنه لا شهادة على الاعتبار في صحة منع المولى عن مقدماته بأنحائها ، إلا فيما إذا رتّب عليه الواجب لو سلم أصلاً ، ضرورة أنه وإن لم يكن الواجب منها حينئذ غير الموصلة ، إلا أنه ليس لأجل اختصاص الوجوب بها في باب المقدمة ، بل لأجل المنع عن غيرها المانع عن الاتصاف بالوجوب ها هنا ، كما لا يخفى .

مع أن في صحة المنع عنه كذلك نظراً ، وجهه أنه يلزم أن لا يكون ترك الواجب حينئذ مخالفة وعصياناً ، لعدم التمكن شرعاً منه ، لاختصاص جواز مقدمته بصورة الإِتيان به .

وبالجملة يلزم أن يكون الإِيجاب مختصاً بصورة الإِتيان ، لاختصاص جواز المقدمة بها وهو محال (١) فإنه يكون من طلب الحاصل المحال ، فتدبر جيدا .

____________________________

(١) حيث كان الإِيجاب فعلاً متوقفاً على جواز المقدمة شرعاً ، وجوازها كذلك كان متوقفاً على إيصالها المتوقف على الإِتيان بذي المقدمة بداهة ، فلا محيص إلّا عن كون إيجابه على تقدير الإِتيان به ، وهو من طلب الحاصل الباطل « منه قدس سره » .

١٢٠