إعراب القرآن - ج ٥

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]

إعراب القرآن - ج ٥

المؤلف:

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]


المحقق: عبدالمنعم خليل إبراهيم
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٢٠
  نسخة غير مصححة

(٩٠)

شرح إعراب سورة البلد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ) (١)

في (لا) ثلاثة أقوال : قال الأخفش : تكون صلة فهذا قول ، وقيل : هي بمعنى ألا ذكره أيضا الأخفش ، والقول الثالث قول أهل التأويل ، روى الحسن (١) عن مجاهد قال : «لا» ردّ لكلامهم ثم ابتدأ (أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ). قال أبو جعفر : في قوله جلّ وعزّ (الْبَلَدِ) ثلاثة أقوال : يكون نعتا لهذا ، ويكون بدلا ، وأولاها الثالث أن يكون عطف البيان والنحويون يذكرون عطف البيان على جملته وما علمت أن أحدا بيّنه والفرق بينه وبين البدل إلا ابن كيسان ، قال : الفرق بينهما أن معنى البدل أن تقدّر الثاني في موضع الأول وكأنك لم تذكر الأول ، ومعنى عطف البيان أن يكون تقدر أنك إن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني وإن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول فجئت مبينا للأول قائما له مقام النعت والتوكيد. قال : وبيان هذا في النداء يا أخانا زيد أقبل على البدل كأنك رفعت الأول وقلت : يا زيد : فإن أردت عطف البيان قلت : يا أخانا زيدا أقبل.

(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) (٢)

قال الأخفش : حلّ وحلال وحرم وحرام.

(وَوالِدٍ وَما وَلَدَ) (٣)

(وَوالِدٍ) واو عطف لا واو قسم ، وكذا (وَما وَلَدَ) وقال أبو عمران الجوني : (وَوالِدٍ) إبراهيم صلى‌الله‌عليه‌وسلم وولده ، وروي عن ابن عباس الوالد الذي ولد ، (وَما وَلَدَ) ولده. قال أبو جعفر : وهذا على أنه عام وكأنه أبين ما يقال : ويكون التقدير ووالد وولادته حتى يكون «ما» للمصدر.

__________________

(١) انظر الطبري ٣٠ / ١٩٥.

١٤١

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) (٤)

قال أبو جعفر : قد ذكرناه ، ومن أبين ما قيل في معناه قول عطاء قال : في كبد في مكابدة للأمور. قال الحسن : يكابد السرّاء والضرّاء ، وليس أحد يكابد الأمور ما يكابد ابن آدم ، وقال سعيد بن أبي الحسن : يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة وقال مجاهد : يكون نطفة وعلقة ولا يزال في مكابدة. فهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد ، وهو أبين ما قيل فيها أي يكابد الأمور ويعالجها. فهذا الظاهر من كلام العرب في معنى كبد. قال ذو الإصبع العدواني :] البسيط]

٥٦٣ ـ لي ابن عمّ لو أنّ النّاس في كبد

لظلّ محتجرا بالنّبل يرميني (١)

وقال لبيد :] المنسرح]

٥٦٤ ـ قمنا وقام الخصوم في كبدي (٢)

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) (٥)

قيل يعني بهذا الكافر أي أيحسب أن لن يقدر الله عليه فيعاقبه فخبر جلّ ثناؤه بجهله.

(يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً) (٦)

قيل : يدافع بهذا عن فعل الخيرات ، وقيل : قال هذا تندّما ، ويدلّ على هذا الجواب ما بعده. قال أبو جعفر : يكون لبد جمع لبدة ، وقد يكون واحدا مثل حطم ، وروي عن أبي جعفر أنه قرأ لبدا جمع لا بد ، وعن مجاهد أنه قال قرأ لبدا جمع لبود ، ولا نعلم اختلافا في معناه أنه الكثير.

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) (٧)

والأصل يرأه قلبت حركة الهمزة على الراء فانفتحت وسقطت الهمزة. قال أبو جعفر : وما علمت أحدا من النحويين تكلّم في علّة الهمزة لم تسقط إذا ألقيت حركتها على ما قبلها إلّا علي بن سليمان ، سألته عنه قال : لمّا سقطت حركة الهمزة وسكنت وكانت الراء قبلها ساكنة فحرّكت حركة عارضة فكان حكمها حكم الساكن وبعدها ساكن فحذف ما بعدها وهو الهمزة.

__________________

(١) الشاهد في ديوان المفضليات ٣٢٦ ، والمقاصد النحوية ٣ / ٢٨٨.

(٢) الشاهد للبيد في ديوانه ١٦٠ ، وتذكرة النحاة ص ١١٨ ، والخصائص ٣ / ٣١٨ ، ولسان العرب (كبد) ، وبلا نسبة في الخصائص ٢ / ٢٠٥ ولسان العرب (عدل) ، وصدره :

«يا عين هلّا بكيت أربد إذ»

١٤٢

(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ) (٩)

اللّسان يذكّر ويؤنّث فمن ذكره جمعه ألسنة ، ومن أنّثه قال : ألسن. قال : وفي تصغيره لسيّن بتشديد الياء ولسينة بتخفيفها. والأصل في شفة شفهة ، والدليل على ذلك جمعها وتصغيرها واشتقاق الفعل منها.

(وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) (١٠)

مفعول ثان حذفت منه إلى على قول البصريين ، وكذا أنشد سيبويه :] الكامل]

٥٦٥ ـ كما عسل الطّريق الثّعلب (١)

عنده أنه حذف منه الحرف ، وعند الكوفيين أنه ظرف مثل أمام وقدام.

(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (١١)

يقال : سبيل «لا» في مثل هذا أن تأتي متكررة مثل (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى)] القيامة : ٣١] ، وأن سيبويه قد أجاز إفرادها ، وأنشد :] مجزوء الكامل]

 ٥٦٦ ـ من صدّ عن نيرانها

فأنا ابن قيس لا براح (٢)

وخالفه محمد بن يزيد وجعل هذا اضطرارا. فأما الآية ففيها معنى التكرير ؛ لأنه جلّ وعزّ قد بيّن معنى العقبة بما هو مكرّر. قال قتادة : النار عقبة دون الجنة.

(وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ) (١٣)

التقدير اقتحام العقبة أن يفكّ رقبة كما روى أبو هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «من أعتق رقبة أعتق الله سبحانه بكل عضو منها عضوا منه من النار» (٣) قال أبو هريرة : حتّى ذكره بذكره ، وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو عمرو وابن كثير والكسائي (فَكُ) (٤) (رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) ثم تكلّم النحويون في هذا فاختار الفرّاء (٥) هذه القراءة واحتج بأن بعده ثم كانّ أي فلمّا عطف بكان وهي فعل ماض على الأول وجب أن يكون «فكّ» ليعطف فعلا ماضيا على فعل ماض ، واختار الأخفش وأبو حاتم وأبو عبيد القراءة الأخرى. قال أبو جعفر : الديانة تحظر الطعن على القراءة التي قرأ بها الجماعة ، ولا يجوز أن تكون مأخوذة إلا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد قالعليه‌السلام : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (٦) فهما قراءتان حسنتان لا

__________________

(١) مرّ الشاهد رقم (١٤٥).

(٢) مرّ الشاهد رقم (٣).

(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٨ / ١٨١ ، والترمذي في سننه ١٥٤١ ، والبغوي في شرح السنة ٩ / ٣٥١ ، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٥ / ٢٠٢.

(٤) انظر تيسير الداني ١٨١.

(٥) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٥.

(٦) أخرجه الترمذي في سننه ـ القراءات ١١ / ٦٠ وأبو داود الحديث رقم (١٤٧٥).

١٤٣

يجوز أن تقدّم إحداهما على الأخرى. فأما اعتراض الفرّاء (١) بكان وبالنسق على الأول فلا يلزم ؛ لأنه لا يجوز أن يكون معطوفا على المعنى : لأن المعنى فعل هذا ، وقد نقض هو قوله بأن أجاز القراءة الأخرى على إضمار «أن» ، وأنشد :] الطويل]

٥٦٧ ـ ألا أيّهذا اللّائمي أحضر الوغى

وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي (٢)

يريد أن أحضر ، ولو كان الأمر كما قال لنصب أحضر. وإضمار «أن» لا يجوز إلا بعوض لأنها بعض اسم. واعترض أبو عبيد فقال : الاختيار «فكّ رقبة» لأنه يتبين للعقبة ، وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال كلّ ما قال جلّ وعزّ وما أدراك فقد بيّنه ، وما قال فيه وما يدريك فلم يبيّنه. قال أبو جعفر : فهذا غلط قد قال الله عزوجل (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ)] القارعة : ٣] وقال تعالى ذكره : (ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ)] الحاقة : ٣] وليس بعد هذا يتبين. وروي عن الحسن وأبي رجاء أنهما قرءا «وأطعم في يوم ذا مسغبة» (٣) قال الفرّاء (٤) وإن كان لم يذكر من قرأ «ذا مسغبة» هو صفة ليتيم أي يتيما ذا مسغبة. قال أبو جعفر : والغلط في هذا بين جدا ؛ لأنه لا يجوز أن تتقدّم الصفة قبل الموصوف ، ولست أدري كيف وقع هذا له حتى ذكره في كتاب «المعاني»؟ ولكن يكون «ذا مسغبة» منصوبا بأطعم ويتيما بدلا منه.

(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) (١٧)

(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي ثبت على الإيمان ، وقيل : ثم للإخبار (وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) أعيد الفعل والباء توكيدا.

(أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) (١٨)

أي يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، وبأهل النار ذات الشمال إلى النار.

(عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ) (٢٠) (٥)

من أخذه من أصد فسبيله أن يهمز ، ومن أخذه من أوصد لم يجز همزه.

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٥.

(٢) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٣٢ ، والكتاب ٣ / ١١٥ ، والإنصاف ٢ / ٥٦٠ ، وخزانة الأدب ١ / ١١٩ ، والدرر ١ / ٧٤ ، وسرّ صناعة الإعراب ١ / ٢٨٥ ، وشرح شواهد المغني ٢ / ٨٠٠ ، ولسان العرب (أنن) و (دنا) ، والمقاصد النحوية ٤ / ٤٠٢ ، والمقتضب ٢ / ٨٥ ، وبلا نسبة في خزانة الأدب ١ / ٤٦٣ ، والدرر ٣ / ٣٣ ، ورصف المباني ١١٣ ، وشرح ابن عقيل ص ٥٩٧ ، وشرح المفصل ٢ / ٧ ومجالس ثعلب ٣٨٣ ، ومغني اللبيب ٢ / ٣٨٣.

(٣) انظر الإتحاف ٢٧١.

(٤) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٥.

(٥) انظر تيسير الداني ١٨١.

١٤٤

(٩١)

شرح إعراب سورة الشمس

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالشَّمْسِ وَضُحاها) (١)

المعروف في اللغة أن الضحى أول طلوع الشمس إذا أشرقت وإن كان مجاهد قد قال : الضحى النهار ، وهو قول الفرّاء (١).

(وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها) (٢)

المعروف في اللغة أن تلاها تبعها ، وإن كان الفرّاء (٢) قد حكى تلاها أخذ منها ، يذهب إلى أن القمر أخذ من ضوء الشمس.

(وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها) (٣)

(وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) (٣) الظاهر من معناه والبيّن إذا جلّى الشّمس أي إذا أظهرها وأبداها ؛ لأن الشمس لا تكون إلّا فيه وإن كان الفرّاء قد قال : والنهار إذا جلّى الظلمة. هو قول بعيد لأن الظلمة لم يتقدّم لها ذكر.

(وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) (٤)

يعود الضمير على الشمس أيضا.

(وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها) (٦)

(وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) ما) في موضع خفض أي وبنائها ، وكذا (وَالْأَرْضِ وَما طَحاها) (٦). روى إسماعيل عن أبي خالد عن أبي صالح طحاها بسطها ، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس طحاها قسمها.

__________________

(١) و (٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٦.

١٤٥

(وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها) (٧)

أي تسويتها. قال أبو جعفر : ومن قال : المعنى الذي سواها أراد الله جلّ وعزّ ، ولو كان كما قال لكان ومن.

(فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (٨)

مفعولان.

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) (٩)

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قد أفلح من زكّى الله نفسه.

(وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (١٠)

فأضلّها ، وقال قتادة : قد أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح. قال أبو جعفر : في هذا شيء من النحو غامض لم يذكره الفرّاء وإن كان قد ذكر القولين في المعنى ، وذلك أنه إذا كان الضمير يعود على الله جلّ وعزّ لم يعد على من من صلته شيء إلّا على حيلة بعيدة ، وذلك أنك إذا قدّرت قد أفلح الإنسان الذي زكّى النفس لم يعد على الذي شي من صلته ، وإن قدّرته قد أفلح الإنسان الذي زكّى الله نفسه لم يجز أن يكنّى عن النفس ، لأنه لا يعود على النفس شيء ، ولو قدّرت «من» للنفس كان بعيدا ؛ لأن من لا تكاد تقع في مثل هذا ، والحيلة التي يجوز عليه أن يحمل على المعنى أن تؤنّث «من» بمعنى النفس أو يكون المعنى قد أفلحت الفرقة التي زكاها الله فيكون «من» للجميع ومعنى زكاها الله طهّرها بالتوفيق لطاعته ، وزكّى فلان ماله ، في اشتقاقه قولان : أحدهما أنه من زكا الزرع إذا زاد ونما أي كثر ماله بإخراجه الزكاة والقول الآخر بيّن حسن يكون زكى ماله طهّره وخلّصه بإخراج سهمان المساكين منه. ومنه : (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً)] الكهف : ٧٤] أي طاهرة مخلصة من الذنوب ، ومنه عبد زكي أي طاهر «وقد خاب» أي لم يظفر بما يريد من دسى نفسه الله أي خذلها فارتكبت المعاصي. وعلى القول الآخر من دسّى نفسه أي سترها لركوب المعصية. فاشتقاقه من دسّ ودسس فأبدل ، من أحد السينين ياء كما قال:] الطويل]

٥٦٨ ـ رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت (١)

يريد أما.

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها) (١١)

__________________

(١) مرّ الشاهد رقم (١١).

١٤٦

الطّغوى الطغيان واحد إلا أن عطاء الخراساني روى عن ابن عباس قال : بطغواها بعذابها ، والطّغوى اسم العذاب. قال أبو جعفر : وهذا يصحّ على حذف أي بعذاب طغواها مثل (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)] يوسف : ٨٢] .

(إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها) (١٢)

حكى الفرّاء أنهما اثنان ، وأنشد :] الطويل]

 ٥٦٩ ـ ألا بكّر النّاعي بخيري بني أسد

بعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد (١)

يريد أنه جعل خبر الاثنين ، وشبهه بقولهم : هذان أفضل الناس ، وهذان خير الناس. قال أبو جعفر : هذا الذي حكاه خلاف ما قال الله جلّ وعزّ ، وقاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقاله أهل التأويل قال الله : أشقاها. فخبّر عن واحد فحكي أنهما اثنان وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : انتدب لها رجل ، ولم يقل رجلان ، وقال أهل التأويل انتدب لها قدار بن سالف. قال أبو جعفر : وله نظير أو أعظم منه في سورة الرّحمن.

(فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها) (١٣)

أي احذروا ناقة الله. قال الفرّاء (٢) : ولو قرأ قارئ «ناقة الله» بالرفع أي هذه ناقة الله لجاز. قال أبو جعفر : ولا يجوز الابتداع في القراءات.

(فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها) (١٤)

(فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها) قال الفرّاء : أراد فعقروها فكذبوه. وهذا خطأ في الفاء لأنها تدلّ على أن ثانيا بعد الأول ، وهذا عكس اللغة ، ومع هذا فليست ثم حال يضطر إليه لأنهم كذّبوا صالحا بأن قال لهم : إن عقرتموها انتقم الله منكم فكذبوه في ما قال فعقروها ، وقد قيل : «فكذبوه» كلام تام ثم عطف عليه فعقروها. قال أبو جعفر : وفي هذا من المشكل أن يقال : قد كانوا آمنوا وصدقوا ، وجعلوا للناقة يوما ولهم يوما في الشرب فزعم الفرّاء (٣) إن الجواب عن هذا أنهم أقروا به ولم يؤمنوا. وهذا القول الذي قاله مما لا يجب أن يجترأ عليه إلا برواية لأنه مغيّب ، والرواية بخلافه. روى سعيد عن قتادة قال : توقّف أحيمر ثمود عن عقر الناقة حتى اجتمعوا كلّهم معه على تكذيب صالح صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم فلهذا عمّم الله بالعذاب (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ) قال الفرّاء (٤) : أي أرجف ، وقال غيره : أي عذّبهم ، (فَسَوَّاها) قال أبو جعفر :

__________________

(١) الشاهد لسبرة بن عمرو الأسدي في التنبيه والإيضاح ٢ / ١١٩ ، وجمهرة اللغة ٦٥٧ ، وسمط اللآلي ٩٣٣ ، وبلا نسبة في لسان العرب (صمد) و (خير) ، والمخصّص ١٢ / ٣٠١ ، وديوان الأدب ١ / ٢٠٩ وتهذيب اللغة ١٢ / ١٥٠ ، وإصلاح المنطق ٤٩ ، وأمالي القالي ٢ / ٢٨٨.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٨.

(٣) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٩.

(٤) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٦٩.

١٤٧

سألت علي بن سليمان عن هذا الضمير فقال : يعود على الدمدمة التي دلّ عليها دمدم ، وقال غيره : أي سوّى بينهم في العقوبة فأهلكهم جميعا.

(وَلا يَخافُ عُقْباها) (١٥)

هكذا قرأ أهل البصرة وأهل الكوفة وقرأ أهل الحجاز (١) (وَلا يَخافُ عُقْباها) ، وزعم الفرّاء (٢) أن الواو أجود. وهذا عظيم من القول أن يقال في ما قرأت به الجماعة ووقع للسواد المنقول عن الصحابة الذين أخذوه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أجود أو خير. والقراءتان جميعا نقلهما الجماعة عن الجماعة ، فهما بمنزلة آيتين لأن معناهما مختلف. قال أبو جعفر : سمعت إبراهيم بن محمد نفطويه يقول : من قرأ بالفاء فالمعنى لله لا غير ، وهذا كما قال ، وعليه أهل التأويل وهو صحيح عن ابن عباس قال إبراهيم بن محمد : ومن قرأ بالواو ذهب إلى أن المعنى للعاقر أي انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها أي وهذه حاله. والذي قال حسن غير أنه لا يجوز أن يكون بالواو لله جلّ وعزّ الذي قاله بيّن والله أعلم بما أراد.

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٨١ (قرأ نافع وابن عامر بالفاء والباقون بالواو).

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٠.

١٤٨

(٩٢)

شرح إعراب سورة الليل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى) (١)

حذف المفعول كما يقال : ضرب زيد ، ولا يجيء بالمضروب إمّا لمعرفة السامع وإمّا أن تريد أن تبهم عليه. قيل : المعنى والليل إذا يغشى كل شيء بظلمته فيصير له كالغشاء ، وليس كذا النهار ، وعلى هذا قول الذبياني :] الطويل]

٥٧٠ ـ فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركي

وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع (١)

(وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى) (٢)

خفض على العطف وليست بواو قسم.

(وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) (٣)

(ما) مصدر أي وخلقه الذكر والأنثى ، قيل «ما» بمعنى الذي ، وأجاز الفرّاء : وما خلق الذكر والأنثى بمعنى والذي خلق الذكر والأنثى. قال أبو جعفر : وجه بعيد أن تكون «ما» بمعنى «من» وأيضا لا نعرف أحدا قرأ به ، ولكن روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «والنّهار إذا تجلّى وما خلق الذكر والأنثى» وهو عطف.

(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (٤)

جواب القسم. قال محمد بن كعب : سعيكم عملكم.

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) (٦)

(مَنْ) في موضع رفع بالابتداء عند البصريين ، وعند الكوفيين بالهاء العائدة

__________________

(١) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ٣٨ ، ولسان العرب (طور) و (نأى) ، وكتاب العين ٨ / ٣٩٣ ، وتاج العروس (نأى) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ٥ / ٣٧٨ ، ومجمل اللغة ٤ / ٣٦٨.

١٤٩

عليه. قال الحسين بن واقد : فأما من أعطى زكاته واتّقى ربّه. ومن أحسن ما قيل في معنى (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) ما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص بن راشد عن يوسف بن موسى عن ابن عليّة قال : أخبرنا داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) قال : بالحلف فهذا إسناد مستقيم ، ومعنى ملائم لسياق الكلام.

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) (٧)

قال جويبر عن الضحّاك قال : للجنة.

(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى) (٨)

على ذلك القول بخل بزكاته واستغنى عن ثواب ربه جلّ وعزّ.

(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠)

قال الضحّاك : (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠) قال : النار ، فإن قيل : التيسير إنما يكون للخير فكيف جاء للعسر؟ فالجواب أنه مثل (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)] آل عمران : ٢١] أي اجعل ما يا قوم لهم مقام البشارة وأنشد سيبويه :] الوافر]

٥٧١ ـ تحيّة بينهم ضرب وجيع (١)

هذا قول البصريين ، وقول الفرّاء إنه إذا اجتمع خير وشرّ فوقع للخير تبشير جاز أن يقع للشرّ مثله.

(وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى) (١١)

(ما) في موضع نصب بيغني أي وأيّ شيء يدفع عنه ماله إذا سقط في النار ، وذهب مجاهد إذا هلك وإنما يقال في الهلاك. ردى يردي وتردّى إذا سقط وردؤ الرجل يردؤ رداءة وهو رديء مردئ.

(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) (١٢)

لام توكيد دخلت على الهدى فحذف الألف لئلا يشبه «لا» التي للنفي ولاتصال اللام بما بعدها.

(وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) (١٣)

وكذا (وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) (١٣)

(فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى) (١٤)

__________________

(١) مرّ الشاهد رقم (٤٠٥).

١٥٠

فعل مستقبل الأصل تتلظّى وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنه قرأ «تتلظّى» (١) وبعض الحفّاظ يروي عن ابن عيينة بهذا الإسناد إدغام التاء في التاء. قال أبو جعفر: ويجب أن يحرّك التنوين لالتقاء الساكنين. قال مجاهد : تلظّى توهج.

(لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (١٦)

(لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) (١٥) فيه قولان : قال أبو عبيدة (الْأَشْقَى) بمعنى الشقي ، وقال الفرّاء (٢) : الأشقى الشقيّ في علم الله سبحانه ، فالقول الآخر : فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلّا أشقى أهل النار ، وأشقى أهل النار الكفار. ودلّ بهذا على أن غير الكفار يدخلون النار بذنوبهم. قال الفرّاء : (الَّذِي كَذَّبَ) أي قصّر أخذه من قول العرب : حمل فلان على فلان فما.

(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) (١٨)

أي يتطهّر من الذنوب.

(وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى) (١٩)

أي ليس يتصدّق ليكافئ إنسانا على نعمة أنعم بها عليه. وفي معناه قول آخر ذكره الفرّاء يكون للمستقبل أي ليس يتصدّق ليكافأ على صدقته. على أنّ الفراء (٣) جعله من المقلوب بمعنى وما له عند أحد نعمة تجزى ، وأنشد :] الطويل]

 ٥٧٢ ـ وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي

على وعل في ذي المطارة عاقل (٤)

وتأوّله بمعنى حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي. قال أبو جعفر : لا يجوز أن يحمل كتاب الله على القلب والاضطرارات البعيدة.

(إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى) (٢١)

(إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) (٢٠) منصوب لأنه استثناء ليس من الأول لم يذكر البصريون غير هذا. وأجاز الفرّاء (٥) أن يكون التقدير : ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربّه ، وأجاز (إِلَّا

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٢ ، والبحر المحيط ٨ / ٤٧٨.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٢.

(٣) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٢.

(٤) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ١٤٤ ، وأما لي المرتضى ١ / ٢٠٢ ، ومعجم ما استعجم ١٠٢٦ ، وبلا نسبة في أما لي المرتضى ١ / ٢١٦ ، والإنصاف ١ / ٣٧٢ ، ولسان العرب (خوف) ، ومجالس ثعلب ص ٦١٨ والمقتضب ٣ / ٢٣١.

(٥) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٣.

١٥١

ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) (١) بالرفع لأن المعنى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربّه. قال أبو جعفر : ولم يقرأ بهذا ، وهو أيضا بعيد وإن كان النحويون قد أجازوه ، كما قال :] الرجز]

 ٥٧٣ ـ وبلدة ليس بها أنيس

إلّا اليعافير وإلّا العيس (٢)

وأنشد بعضهم للنابغة (٣) :] البسيط]

٥٧٤ ـ وقفت فيها أصيلا كي أسائلها

عيّت جوابا وما بالرّبع من أحد

إلّا أواريّ لأيا ما أبيّنها

والنّؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

والرفع في هذا مثل و (ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) (٢٠) وهذا مجاز أي إلّا طلب رضوانه. (وَلَسَوْفَ يَرْضى) (٢١) أي بالثواب.

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٨ / ٤٧٩.

(٢) مرّ الشاهد رقم (١١٠).

(٣) الشاهد للنابغة الذبياني في ديوانه ١٤ ، ١٥ ، والكتاب ٢ / ٣٣٢ ، وخزانة الأدب ٤ / ١٢٢ والدرر ١ / ٢٧٤ ، وجمهرة اللغة ٩٣٤ ، وشرح أبيات سيبويه ٢ / ٥٤ ، والصاحبي في فقه اللغة ٢١٥ ، وشرح شواهد الإيضاح ١٩١ ، والمقاصد النحوية ٤ / ٣١٥ ، والمحتسب ١ / ٢٥١ ، والمقتضب ٤ / ٤١٤ ، وبلا نسبة في رصف المباني ٤٥٢ ، وشرح الأشموني ٢ / ٤٩٣ ، وشرح التصريح ١ / ١٤٠ ، ولسان العرب (سند) ، وشرح المفصل ٨ / ١٢٩.

١٥٢

(٩٣)

شرح إعراب سورة الضحى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) (٢)

قال الفرّاء (١) (وَالضُّحى) (١) النهار كلّه. قال أبو جعفر : والمعروف عند العرب ما رواه أبو روق عن الضحّاك قال : الضّحى ضحى النهار. قال أبو جعفر : قال محمد بن يزيد : والضّحى يكتب بالألف لا غير ، لأنه من ضحا يضحو. قال أبو جعفر : وقول الكوفيين إنه بالياء لضمّ أوله ، وهذا قول لا يصحّ في معقول ولا قياس لأنه إن كتب على اللفظ فلفظه الألف ، وإن كتب على المعنى فهو راجع إلى الواو وعلى أنه قد حدثنا علي بن سليمان قال : سمعت محمد بن يزيد يقول لا يجوز أن يكتب شيء من ذوات الياء مثل رمى وقضى إلّا بالألف ، والعلة في ذلك بيّنة من جهة المعقول والقياس واللغة ؛ لأنا قد عقلنا أن الكتابة إنما هي نقل ما في اللفظ كما أن اللفظ نقل ما في القلب فإذا قلنا رمى فليس في اللفظ إلّا الألف. فإن قيل : أصلها الياء فكتبها بالياء قيل : هذا خطأ من غير جهة فمنها أنه لو وجب أن تكتب على أصلها لوجب أن تكتب غزا بالواو ؛ لأن أصلها الواو ، وأيضا فقد أجمعوا على أن كتبوا رماه بالألف والألف منقلبة من ياء. وهذه مناقضة ، وأيضا فإن في هذا بابا من الإشكال ؛ لأنه يجوز أن يقال : رمي ثم نقضوا هذا كلّه فكتبوا ذوات الواو بالياء نحو ضحىّ وكسىّ جمع كسوة. قال أبو إسحاق : وهذا معنى كلامه ، وما أعظم هذا الخطأ يعني قولهم : يكتب ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالألف ، فلا هم اتّبعوا اللفظ كما يجب في الخط ، ولا هم اتبعوا المصحف فقد كتب في المصحف ما زكي بالياء. قال أبو إسحاق : وأعظم من خطأهم في الخطّ خطؤهم في التثنية ؛ لأنهم يثنّون ربا ربيان ، وهذا مخالف على كتاب الله جلّ وعزّ قال : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ)] الروم : ٣٩] أي فجاء القرآن بالواو وجاءوهم بالياء. قال أبو جعفر : وسمعت

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٣.

١٥٣

علي بن سليمان يقول : قلت لأبي العباس محمد بن يزيد لمّا احتجّ بهذه الحجج التي لا تدفع : ما هذا الذي قد وقع للكتّاب وأنس به الخاصّ والعامّ من كتب ذوات الياء بالياء حتى صار التعارف عليه فقال : الأصل في هذا أن أبا الحسن الأخفش كان رجلا محتالا لشيء يأخذه ، فقال لأبي الحسن الكسائي : قد استغنى من نحتاج إليه من النحو فنحتاج أن نجتمع على شيء نضطرهم إليه فاتّفقا على هذا وأحدثاه ، ولم يكن قبلهما ، وشاع في الناس لتمكن الكسائي من السلطان. ولعلّ بعض من لا يحصّل يتوهّم أنّ هذا مذهب سيبويه لأنه أشكل عليه شيء من كلامه في مثله قوله الياء في مثل سكرى وإنما أراد سيبويه أنها تثنّى بالياء ، وليس من كلام سيبويه الاعتلال في الخطوط. قال أبو جعفر : ثم رجعنا إلى الإمالة فحمزة يميل ما كان من ذوات الياء ويفخم ما كان من ذوات الواو ، والكسائي يميل الكل وأبو عمرو بن العلاء يتبع بعض الكلام بعضا فإن كانت السورة فيها ذوات الياء وذوات الواو أمال الكل ، والمدنيون يتوسطون فلا يميلون كلّ الميل ولا يفخمون كل التفخيم. قال أبو جعفر : وليس في هذه المذاهب خطأ ؛ لأن ذوات الواو في الأفعال جائز إمالتها ؛ لأنها ترجع إلى الياء فيجوز «والضحى» (وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) (٢) ممالا ، وإن كان يقال : سجا يسجو ؛ لأنه يرجع إلى الياء في قولك : سجيت.

(ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (٣)

قال الضحّاك : وما قلاك. قال أبو جعفر : العرب تحذف من الثاني لدلالة الأولى. يقال : أعطيتك وأكرمت ، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ما ودّعك ربّك وما قلى قال : يقول : ما تركك وما أبغضك وحكى أبو عبيدة (١) : ودعك مخفّفا ، ومنع سيبويه (٢) أن يقال : ودع ، قال : استغنوا عنه بترك. قال أبو جعفر : والعلّة عند غيره أن العرب تستثقل الواو في أول الكلمة لثقلها يدلّ على ذلك أنها لا توجد زائدة في أوّل الكلام ، وتوجد أختها الياء نحو يعملة ويربوع ، وأنك إذا صغّرت واصلا قلت : أو يصل لا غير ، وفي الجمع أواصل ، ويقال : قلاه يقلّيه إذا أبغضه ، ويقال أيضا : يقلاه.

(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) (٤)

الأصل أخير ثم خفّف لكثرة الاستعمال.

(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (٥)

__________________

(١) انظر مجاز القرآن ٢ / ٣٠٢ ، والبحر المحيط ٨ / ٤٨٠.

(٢) انظر الكتاب ١ / ٥٠.

١٥٤

وفي حرف عبد الله «وسيعطيك» (١) وهما واحد عند سيبويه ، وقال الفرّاء : حذفت الواو والفاء كما قالوا : أيش عندها وكما قالوا : لاب لشانئك ، ولاب لك ، يريدون : لا أب لشانئك ولا أب لك. قال أبو جعفر : حذف المفعول الثاني ، كما تقول : أعطيت زيدا ، ولا تبيّن العطية.

(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى) (٧)

(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى) (٦) مفعول لا يجد. ويجد في كلام العرب تنقسم أقساما منها أن يكون بمعنى يرى وتعلم وكذا (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) (٧).

(وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى) (٨)

وقد عال يعيل عيلة إذا افتقر وأعال يعيل إذا كثر عياله لا نعلم بين أهل اللغة فيه اختلافا.

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (١٠)

(فَأَمَّا الْيَتِيمَ) نصب بتقهر ، ولو كان تقهره بالهاء لكان الاختيار النصب أيضا ؛ لأنه نهي ، وكذا (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (١٠)

(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (١١)

قيل ؛ أي بلّغ أي أظهرها واحمد الله عزوجل عليها فإن ذلك من الشكر.

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٧.

١٥٥

(٩٤)

شرح إعراب سورة ألم نشرح (الشرح)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (١)

(نَشْرَحْ) جزم بلم ، وعلامة الجزم حذف الضمة. من النحويين من يقول : «ألم» من حروف الجزم ، وذلك خطأ ؛ لأن الألف للاستفهام. والمعنى على الإيجاب ؛ لأن ألف الاستفهام هاهنا يؤدي عن معنى التقرير والتوقيف فيصير النفي إيجابا والإيجاب نفيا. قال الفرّاء : أي ألم نلن لك قلبك ، وقال الحسين بن واقد : ألم نوسّع لك صدرك. قال أبو جعفر : وهذا قول بيّن ، ومنه يقال : فلان ضيّق الصدر ، وصدره واسع وقد شرح الله صدور الأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين ثوابا على أعمالهم الحسنة فصاروا يقبلون الحق ولا تضيق له صدورهم. ومن هذا الحديث المستقيم الإسناد ، رواه يونس عن الزهري عن أنس عن أبي ذرّ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال «فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبرائيل صلى‌الله‌عليه‌وسلم ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم أتى بطست مملوءة حكمة وإيمانا فأقرّه في صدري ثم عرج بي إلى السّماء» (١) (لَكَ) الكاف في موضع جر باللام ، وفتحت اللام على أصلها. ومن النحويين من يقول : أصلها الكسر ولكن فتحت في قولهم له لئلا يجمع بين كسرة وضمّة ثم أتبع «لك» له ، وإن لم يكن فيه تلك العلّة (صَدْرَكَ) منصوب بنشرح. وقال العلماء : الصدر محل القرآن والعلم ، واستدلّوا في ذلك بقول الله عزوجل (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)] العنكبوت : ٤٩] .

(وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ) (٢)

قال الحسن : وزره ذنبه في الجاهلية. يقال : وزر يزر وزرا والمفعول موزور ، وفي الحديث «ارجعن موزورات غير مأجورات» (٢) ومن أهل الحديث

__________________

(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١ / ٩٧ ، ومسلم في الإيمان ٢٦٣ ، وأحمد في مسنده ٥ / ١٢٢ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ١ / ٦٥ ، والمتّقي في كنز العمال ٣١٨٣٩ ، وابن كثير في تفسيره ٥ / ١٥.

(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ١٥٧٨ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٤ / ٧٧ ، والبغوي في شرح السنة ٥ / ٤٦٥ ، والمتقي في كنز العمال ٤٢٥٨١ ، والمنذري في الترهيب والترغيب ٤ / ٣٥٩.

١٥٦

من يقول : «مأزورات» فإن صح نقله فهو اتباع.

(الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) (٣)

أهل التفسير يقولون : أثقله فإن قال قائل : كيف وصف هذا الوزر بالثقل وهو مغفور غير مطالب به؟ فالجواب أن سبيل الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحين إذا ذكروا ذنوبهم أن يشتدّ غمّهم وبكاؤهم ، فلهذا وصف ذنوبهم بالثقل. قال أبو جعفر : وهذا الجواب عن سؤال السائل : لم يغتمّ الصالحون إذا ذكروا ذنوبهم التي قد تابوا منها وقد علموا أن المغفرة بعد التوبة واجبة؟ وفي هذا جواب آخر وهو أنهم يخافون أن يكونوا قد بقي عليهم شيء يلزمهم من تمام التوبة.

(وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) (٤)

بيان هذا في الحديث المسند عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : قال لي جبرائيلصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن ربّي وربّك عزوجل يقول لك كيف رفعت ذكرك؟ قال قلت الله أعلم ، قال إذا ذكرت معي» (١).

(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (٦)

وقرأ عيسى بن عمر بضمّ السين فيهما. قيل : المعنى أن نعم الله تعالى ، وهي اليسر أكثر من الشدائد ، وهي العسر ، وقيل : خوطب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه سيظفر فذلك الظفر ، وهو اليسر بالمشركين الذين لحقت منهم الشدة.

(فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) (٧)

قال أبو جعفر : وقد ذكرنا ما قيل في التكرير وما قيل في معنى (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) (٧) (٢) ومن أحسن ما قيل فيه ، وهو جامع لجميع الأقوال ، أنه ينبغي إذا فرغ الإنسان من شغله أن ينتصب لله جلّ وعزّ وأن يرغب إليه وأن لا يشتغل بما يلهيه عن ذكر الله سبحانه فهذا أدب الله عزوجل. وقد قال عبد الله بن مسعود : ما يعجبني الإنسان أراه فارغا لا يشتغل بأمر الدنيا ، ولا بأمر الآخرة.

__________________

(١) انظر تفسير القرطبي ٢ / ١٠٦.

(٢) انظر البحر المحيط ٨ / ٤٨٤ (قرأ الجمهور بفتح الراء ، وأبو السمال بكسرها).

١٥٧

(٩٥)

شرح إعراب سورة التين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (١)

أدغمت اللام في التاء والزاي لقربها منهما ، ولا يجوز الإظهار مع لام التعريف لكثرتها في الكلام ، ويجوز في غيرها وإن كانت هذه اللام قد قيل : إنها مع ما هي هاهنا اسم علم. قال محمد بن كعب : «التين» مسجد أصحاب الكهف ، والزيتون «مسجد إيليا» فإن أصلها التعريف ثم وقعت التسمية وكذا قول من قال : التين دمشق ، والزيتون بيت المقدس ، وقول من قال : هما مسجدان أحدهما الذي كلّم الله عزوجل عليه موسى صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فأما داود بن أبي هند فروى عن عكرمة وعن ابن عباس قال : التين تينكم هذا ، والزيتون زيتونكم ، قال أبو جعفر : وهذه الأقوال إذا حصّلت آلت إلى معنى واحد ؛ لأن القسم إنما هو بربّ العالمين جلّ وعزّ فالتقدير : وربّ التين والزيتون.

(وَطُورِ سِينِينَ) (٢)

قيل : هو طور سينا بلغات ، وقيل : غير هذا مما ذكرناه (١).

(وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (٣)

وهذه اللغة الفصيحة. والاسم منه ذا عند البصريين ، وها للتنبيه ، وعند الكوفيين الاسم الذال. ولم يعرب لأنه اسم غير متمكّن ينتقل فأشبه الحروف لأنه غير ثابت على مسمّى فوجب أن لا يعرب ، وقال بعض النحويين : لأن في آخره ألفا والألف لا يتحرك. قال الفرّاء : ولو حرّكت صارت همزة ، وقال الخليل رحمه‌الله : الألف حرف هوائي فمحال أن يحرك ؛ لأنه بمنزلة الحركة ولا تحرك الحركة. قال أبو جعفر : و «ذا» اسم ظاهر يدلّ على ذلك كسر اللام معه. وقد قال بعض النحويين ـ جوابا لمن سأل لم

__________________

(١) انظر إعراب الآية ١٣٠ ـ الصافات.

١٥٨

حرّكت المضمرات ولم تحرّك المبهمة؟ : إن المضمرات في مواضع الأسماء المعربة وكانت لها مزيّة فحرّكت. قال أبو جعفر : وسمعت أبا بكر بن شقير يحكي هذا ، وهو جواب حسن محصّل فأما الفرّاء فخلط الجميع فقال : من قال : هو زيد ، بإسكان الواو قال : هذا زيد ، ومن قال : هو زيد ، قال : هذا أي زيد ، ومن قال : هو زيد ، بتشديد الواو قال هذاه زيد. قال أبو جعفر : وبيان التخطيط في هذا بيّن لأن قولك : هو بإسكان الواو لغة شاذة ، وقولك : هذا لغة بها جاء القرآن فكيف تحاذي إحداهما الأخرى إلا أن يتجازيا من جهة أخرى على قوله وذلك أن قولك : هو ، الاسم منه عنده الهاء ، والاسم من هذا الذال ، وهذا قوله بلا اختلاف عنه. ومن التخليط أن قولك هذّاه الهاء عنده فيه لبيان الحركة وقد أثبتها في الوصل. وزعم الفرّاء : أن الدليل على أن الاسم الذال في هذا قول العرب في التثنية هذان فأسقطوا الألف. وهذا لا يلزم لأن الألف إنما سقطت في التثنية لالتقاء الساكنين ولم يجز قلبها فيقال : هذيان ولا هذوان ؛ لأنه لا يعلم أنها منقلبة من ياء ، ولا واو فتقلب إلى إحداهما فلم يبق إلا الحذف. (الْبَلَدِ الْأَمِينِ) نعت وإن شئت بدل ، وإن شئت عطف البيان. وزعم الفرّاء (١) إن الأمين بمعنى الآمن ، وأنشد :] الطويل]

٥٧٥ ـ ألم تعلمي يا أسم ويحك أنّني

حلفت يمينا لا أخون أميني (٢)

قال أبو جعفر : وخولف الفرّاء في هذا فقيل : أمين بمعنى مأمون في الآية والبيت جميعا.

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤)

تكلّم العلماء في معناه فعن ابن عباس قال : خلق كل شيء منكبّا إلّا الإنسان وقال عكرمة (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) الشباب والقوة والجلد ، وقال مجاهد والنخعي (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) في أحسن صورة. وهذا أحسن ما قيل فيه ؛ لأن التقدير في العربية : في تقويم أحسن تقويم أقيم مقام المنعوت أي في تقويم أعدل تقويم وصورة.

(ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) (٥)

فيه اختلاف أيضا. فعن ابن عباس إلى أرذل العمر ، وعن عكرمة إلى النار ، وزعم محمد بن جرير : إن الصّواب إلى أرذل العمر أي إلى الهرم ، ويكون هذا لخاص من الناس ، واستدل على صواب هذا إن الله جلّ وعزّ إنما عدد ما شاهدوه من قدرته من

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٧٦.

(٢) الشاهد بلا نسبة في مقاييس اللغة ١ / ١٣٤ ، وتاج العروس (أمن) ، ومعاني الفراء ٣ / ٢٧٦ ، وتفسير الطبري ٣٠ / ٢٤١.

١٥٩

خروج الإنسان من الشباب إلى الهرم ولا يعدّد عليهم ما لا يقرون به من دخول النار. وقال غيره : هذا لا يلزم ؛ لأن حجج الله ظاهرة ، وقد ظهرت آيات نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فوجب أن يكون كل ما أخبر به بمنزلة المعاين.

(إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (٦)

من قال : المعنى إلى أسفل سافلين إلى النار جعل (الَّذِينَ آمَنُوا) في موضع نصب استثناء من الهاء التي في رددناه لأنها بمعنى جمع ، ومن قال إلى أسفل سافلين : إلى أرذل العمر جعل «الذين» استثناء ليس من الأول ، وقيل في الكلام حذف الاستثناء منه. والتقدير ثم رددناه إلى الهرم والخرف حتى صار لا يقدر على عبادة الله جلّ وعزّ وأداء فرائضه ، ولا يكتب له شيء لهم مثل ما كانوا يعملون. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) قال يقول غير منقوص.

(فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) (٧)

تكلّم النحويون في هذه الكلمة وفي بيانها واختلاف حركتها وتنوينها وغير تنوينها ببضعة عشر جوابا : فمن ذلك أن النحويين مجمعون على أن قبل وبعد إذا كانا غايتين فأصلهما إلا يعربا ، وأجابوا في علّة ذلك بأجوبة فمن أصحّها أن سبيل تعريف الأسماء أن تكون الألف واللام أو بالإضافة إلى معرفة فلمّا كانتا قد عرّفتا بغير تعريف الأسماء وجب بناؤهما ، وقال علي بن سليمان : لمّا كانتا متعلّقتين بما بعدهما ، وقيل : لما لم يتصرّفا بوجوه الإعراب ولم يتمكّنا وجب لهما البناء ، فهذه ثلاثة أجوبة فإن قيل : لم وجبت لهما الحركة؟ فالجواب أن سيبويه (١) قال : وأما المتمكن الذي جعل في موضع بمنزلة غير المتمكّن فقولهم : ابدأ بهذا أوّل ، ويا حكم أقبل ، وشرح هذا أن أول وقبل وبعد لما وجب ألا يعربن في موضع وقد كنّ يعربن في غيره كره أن يخلين من حركة فضممن فإن قيل : فلم لا فتحن أو كسرن؟ في هذا السؤال خمسة أجوبة منها أن الظروف يدخلها النصب والخفض إذا لم تعتلّ فلا يدخلها الرفع فلما اعتلّت ضمّت ؛ لأن الضمة من جنس الرفع الذي لا يدخلها في حال سلامتها ، وقيل : لمّا أشبهت المنادى المفرد أعطيت حركته ، وقيل : لما كانت غاية أعطيت غاية الحركات ، فهذه ثلاثة أجوبة في الضم للبصريين لا نعلم لهم غيرها ، والجوابان الآخران للكوفيين : قال الفرّاء (٢) : لما تضمّنت قبل وبعد معنيين ضمّتا. قال أبو جعفر : وشرح هذا أنهما تضمّنتا معناهما في أنفسهما ومعنى ما بعدهما فأعطيتا أثقل الحركات ، وقال هشام: لم يجز أن يفتحا فيكونا كأنهما مضافتان إلى ما بعدهما ولا يكسران فيكونا كالمضاف إلى

__________________

(١) انظر الكتاب ٣ / ٣١٩.

(٢) انظر معاني الفراء ٢ / ٣٢١.

١٦٠