إعراب القرآن - ج ٥

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]

إعراب القرآن - ج ٥

المؤلف:

أبي جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النحّاس [ ابن النحّاس ]


المحقق: عبدالمنعم خليل إبراهيم
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ٢
الصفحات: ٣٢٠
  نسخة غير مصححة

قال : سمعت خالد بن عرعرة يقول : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : «الخنّس» النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل. فظاهر هذا القول عام لجميع النجوم ، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وعبد الرّحمن بن زيد. وروى عكرمة عن ابن عباس قال : الخنّس الظباء ، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك وقال جابر بن زيد وإبراهيم النخعي : الخنس بقر الوحش. قال أبو جعفر : إذا كان التقدير : فأقسم بربّ الخنس ، فالمعنى واحد إلا أن القول الأول أجلها وأعرفها ، وإنما يقال لبقر الوحش والظباء خنّس الواحد أخنس وخنساء كما قال :] الكامل]

٥٤٤ ـ خنساء ضيّعت الغرير فلم ترم

عرض الشّقائق طرفها ويغامها (١)

وواحد الخنس خانس والجمع خنس وخناس.

(الْجَوارِ الْكُنَّسِ) (١٦)

«الجواري» في موضع خفض حذفت الكسرة من الياء لثقلها فإن كان بغير ألف ولام حذفت الياء لسكونها وسكون التنوين إذ كان جمع جارية وكذا إن سمّيت به على قول الخليل وسيبويه (٢) ، وأما الكوفيون ويونس فيقولون إذا سمّيت رجلا بجوار لم تصرفها في النصب والخفض فقلت : رأيت بواري ومررت بجواري ، وقيل في الرفع هؤلاء جواري بإسكان الياء. قال الخليل : هذا خطأ لأنه كان يجب أن يقال على هذا : هذا جواري فأعلم بضم الياء ، قال : ولا يكون أثقل من فواعل إذا سميت به. قال سيبويه (٣) : سألت الخليل عن امرأة تسمى بقاض فقال : هي مجراة في الرفع والخفض ، تقول : مررت بقاض وهذه قاض. قال أبو جعفر : وقول يونس والكوفيين : مررت بقاضي وهذا قاضي فاعلم (الْكُنَّسِ) جمع كانس ويقال : كنّاس.

(وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) (١٨)

(وَاللَّيْلِ) عطف على «الخنس» ، وليست الواو واو قسم (إِذا عَسْعَسَ) قال الفرّاء : أجمع المفسرون على أنه إذا أقبل ، وهذا غلط. روى مجاهد عن ابن عباس «إذا عسعس» إذا أدبر. قال الضحّاك (إِذا تَنَفَّسَ) إذا أضاء وأقبل.

(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (١٩)

جواب القسم ، وأجاز الكسائي «أنه» بالفتح أي أقسم أنه وتابعه على ذلك محمد بن يزيد النحويّ.

__________________

(١) الشاهد للبيد في ديوانه ٣٠٨ ، ولسان العرب (بغم) ، وتاج العروس (خنس) و (شفق) و (بغم) ومقاييس اللغة ٣ / ١٧٢ ، والمخصّص ٨ / ٤١ ، وبلا نسبة في كتاب العين ٤ / ١٩٩.

(٢) انظر الكتاب ٣ / ٣٤٤.

(٣) انظر الكتاب ٣ / ٣٤٤.

١٠١

(ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (٢٠)

(ذِي قُوَّةٍ) نعت لرسول أي ذي قوة على أمر الله جلّ وعزّ وطاعته (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) نعت أيضا أي ذي منزلة رفيعة.

(مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (٢١)

(مُطاعٍ ثَمَ) أي مطاع في السموات (أَمِينٍ) على وحي الله جلّ وعزّ ورسالاته فهذا التمام.

(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (٢٢)

أي ليس خطابه ولا بيانه ولا فعله فعل مجنون.

(وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (٢٣)

والهاء تعود على الرسول وهو جبريل صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن يزيد بن هارون ثنا داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أم المؤمنين الله تعالى يقول : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (٢٣) فقالت أنا أول من سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «ذاك جبريل صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم أره على صورته التي خلق عليها إلا مرتين قد هبط من السماء قد سدّ عظم خلقه ما بين السماء والأرض» (١).

(وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (٢٤)

قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع ويحيى والأعمش وحمزة ، ويقال : إنها في حرف أبيّ بن كعب كذلك وقرأ ثلاثة من الصحابة «بظنين» (٢) كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله المديني عن سفيان عن عمرو ، قال : سمعت ابن عباس يقرأ «بظنين» بالظاء ، وروى شعبة عن مغيرة عن مجاهد قال : سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ بظنين بالظاء ، وقال عروة سمعت عائشة تقرأ بالظاء. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي ، ولا اختلاف بين أهل التفسير واللغة أن معنى «بظنين» بمتّهم و «بضنين» ببخيل فالقراءتان صحيحتان قد رواهما الجماعة إلّا أنه في السواد بالضاد ، وعدل أبو عمرو والكسائي وهما نحويا القراءة إلى القراءة. «بظنين» لأنه يقال : فلان ظنين على كذا أيّ متّهم عليه ، وظنين بكذا وإن كانت حروف الخفض يسهل فيها مثل هذا ، وعدل أبو عبيد أيضا إليها لأنه ذكر أنه جواب لأنهم كذّبوه. وهذا الّذي احتجّ به لا نعلم أحدا من أهل العلم يعرفه ولا يرى أنه جواب ، ولا هو عندهم

__________________

(١) مرّ في إعراب الآيات ١١ ـ ١٣ من سورة النجم.

(٢) انظر البحر المحيط ٨ / ٤٢٦ ، وتيسير الداني ١٧٩.

١٠٢

إلا مبتدأ وخبر ، وقد قلنا : إن القراءتين صحيحتان ومجاز «ضنين» أنّ من العلماء من يضن بعلمه ، وفي الحديث «من كتم علما لجمه الله بلجام من نار» (١) فأخبر الله عن نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه ليس بضنين بشيء من أمر الدين ، وأنه لا يخصّ به أحدا دون أحد على خلاف ما يقول قوم أنه خصّ الإمام بما لم يلقه إلى غيره.

(وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (٢٥)

لو حذفت الباء لنصبت لشبه «ما» بليس.

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (٢٦)

ذكر الفرّاء (٢) أن المعنى فإلى أين تذهبون وحذفت «إلى» كما يقال : ذهبت الشام وذهبت إلى الشام ، وانطلقت إلى السوق وانطلقت السّوق ، وخرجت الشام وإلى الشام ، وحكى الكسائي : انطلق به الغور ، والتقدير عنده : إلى الغور فحذفت «إلى» فجعل الكوفيون هذه الأفعال الثلاثة انطلق وذهب وخرج يجوز معها حذف إلى ، وقاسوا على ما سمعوا من ذلك زعموا. فأما سيبويه فحكى منها واحدا ولا يجيز غيره وهو ذهبت الشام ، ولا يجيز ذهبت مصر ، وعلى هذا قول البصريين لا يقيسون من هذا شيئا. وروى أبو العباس على هذا شيئا فزعم أن قولهم : ذهبت الشام ومعناه الإبهام أي ذهبت شامة الكعبة ، غير أن هذا إنما يرجع فيه إلى قول من حكى ذلك عن العرب ولم يحكه سيبويه إلا على أنه الشام بعينها.

(إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) (٢٧)

أي ما في القرآن إلا عظة وتذكرة للعالمين.

(لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨)

(لِمَنْ) بدل من العالمين على إعادة اللام ، ولو كان بغير لام لجاز. قال مجاهد : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) أي أن يتبع الحق.

(وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٩)

(وَما تَشاؤُنَ) في معناه قولان أحدهما وما تشاؤون أن تستقيموا أي تتّبعوا الحقّ (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) والقول الآخر أنه منهم أي ما تشاؤون يشاء من الطاعة والمعصية (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ذلك منكم ، ولو لم يشأ لحال بينكم وبينه.

__________________

(١) أخرجه ابن ماجة في سننه باب ٢٤ الحديث (٢٦١) والدارمي في سننه ١ / ٧٣ ، وأبو داود في سننه الحديث (٣٦٥٨).

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٣.

١٠٣

(٨٢)

شرح إعراب سورة انفطرت (الانفطار)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) (٣)

(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) (١) لتأنيث السماء على اللغة الفصيحة ، وقد حكى الفرّاء(١) فيها التذكير ، فمن أنثها صغرها سميّة وإن كانت رباعية في الأصل لأنه قد حذف منها حرف ، والسماء مرفوعة بإضمار فعل ، وكذا (وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ) (٢) وكذا (وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) (٣) ولا يجوز أن تكون مرفوعة بالفعل الآخر إلا على شيء حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن يحيى ثعلب ، قال : زيد قام مرفوع بفعله ينوى به التأخير قيل : معنى (وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ) (٣) فجر بعضها إلى بعض لاضطراب الأرض بزوال الجبال والزلازل فاختلط بعض البحار ببعض.

(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) (٤)

روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : يقول بحثرت وتأوّله الفرّاء على أنّ الأرض بحثرت فألقت ما فيها من الكنوز والموتى ، واحتجّ الحديث «تلقي الأرض أفلاذ كبدها» (٢). قال أبو جعفر : وهذا غلط وليس في القرآن وإذا الأرض وفيه خصوص القبور «وتلقي أفلا كبدها» لا اختلاف بين أهل العلم أنه في آخر الزمان وليس هو يوم القيامة.

(عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) (٥)

تمام الكلام ، وهو جواب «إذا» وفي معناه قولان : قال ابن زيد ما قدمت ما عملت وما أخّرت تركت وضيّعت وأخرت مما أمرت بتقديمه من أمر الله جلّ وعزّ ، والقول الآخر أن معنى ما أخّرت ما سنّت من سنّة فعمل بها بعدها. قال أبو جعفر : هذا عن ابن عباس ، وهو أولى ، وبه يقول أصحاب الحديث ، وينكره بعض أهل الأهواء.

__________________

(١) انظر معاني الفراء ١ / ١٢٨.

(٢) انظر أمالي المرتضى ١ / ٩٥.

١٠٤

والدليل على صحته أن الإنسان إذا ضيع ما أمر به وأخره كان ذلك مما قدم من الشرّ لا مما أخّره.

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (٦)

(ما) في موضع رفع بالابتداء ، وهو اسم تام والكاف في موضع نصب بغرّ.

(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (٧)

قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة وأهل الشام ، وقرأ الكوفيون (فَعَدَلَكَ) (١) مخففا ، واستبعدها الفرّاء وإن كانت قراءة أصحابه ؛ لأنه إنما يقال : عدلته إلى كذا وصرفته إليه ، ولا يكاد يقال : عدّلته في كذا ولا صرّفته. قال أبو جعفر فيه : وهذا غلط لأن الكلام تام عند «فعدلك» و «في» متعلقة بركّبك لا بعدلك فيكون كما قال. ومعنى عدلك في اللغة خلقك معتدلا لا يزيد رجل على رجل ، وكذا سائر خلقك. وقد يكون عدّلك تكثير عدلك فيكونان بمعنى واحد كما قال ابن الزبعرى :] الرمل]

٥٤٥ ـ وعدلنا مثل بدر فاعتدل (٢)

أي قتلنا منهم مثل من قتلوا منا ، وقد قيل : عدلك أمالك إلى ما شاء من حسن وقبيح وقبح وصحة وسقم.

(فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) (٨)

(ما) زائدة قال مجاهد : في صورة أب أو أمّ أو عمّ أو خال.

(كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) (١٠)

(كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) (٩) وحكى الفرّاء (٣) عن بعض أهل المدينة «بل يكذبون» وردّها ؛ لأن بعدها (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) (١٠) قال أبو جعفر : ولا أعرف ما حكاه عن بعض أهل المدينة ، ولا أعلم أحدا رواه غيره.

(كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (١٢)

(كِراماً كاتِبِينَ) (١١) نعت لحافظين وكذا (يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (١٢).

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) (١٣)

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٩ ، والبحر المحيط ٨ / ٤٢٨.

(٢) الشاهد عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى في ديوانه ٩٣ ، وبلا نسبة في لسان العرب (عدل) ، وتهذيب اللغة ٢ / ٢١١ ، وتاج العروس (عدل). وصدره :

«ليت أشياخي ببدر شهدوا»

(٣) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٤.

١٠٥

أي الذين برّوا بطاعة الله واجتناب معاصيه ، وقال الحسن : الأبرار الذين لا يؤذون الذرّ.

(وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ) (١٥)

على تأنيث النار وإن كان الجحيم مذكرا.

(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) (١٦)

قال الفرّاء (١) : أي إذا أدخلوها فليسوا بخارجين منها. قال قتادة : يوم يدان الناس بأعمالهم.

(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) (١٧)

قيل : ليس هذا تكريرا. والمعنى : وما أدراك ما في يوم الدين من العذاب والنكال للفجار ثم ما أدراك ما في يوم الدين من النعيم للأبرار.

(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (١٩)

(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي وقال الفرّاء (٢) : «في كتابه في المعاني» اجتمع القرّاء على نصب «يوم لا تملك». قال أبو جعفر. وهذا غلط. قرأ أبو عمرو وعبد الله بن أبي إسحاق وعبد الرّحمن الأعرج وهو أحد أستاذي نافع (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) (٣) بالرفع فمن رفع فتقديره هو (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) ، ويجوز أن يكون بدلا مما قبله (ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) ومن نصب فتقديره : الدين يوم لا تملك ومثله (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ)] القارعة : ٣ ، ٤] أي القارعة يوم يكون الناس ، ويجوز أن يكون التقدير : يصلونها يوم الدين (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) فهذان قولان الأول أولاهما ، وللفرّاء قول ثالث أجاز أن يكون «يوم» في موضع رفع فبناه كما قال :] الطويل]

٥٤٦ ـ على حين عاتبت المشيب على الصّبا (٤)

قال أبو جعفر : وهذا غلط لا يجوز أن يبنى الظروف عند الخليل وسيبويه مع شيء معرب والفعل المستقبل معرب فأما الكسائي فأجاز ذلك في الشعر على الاضطرار ولا يحمل كتاب الله جلّ وعزّ على مثل هذا ، ولكن تبنى ظروف الزمان مع الفعل الماضي كما مرّ في البيت لأن ظروف الزمان منقضية غير ثابتة فلك أن تبنيها مع ما

__________________

(١) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٤.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٤.

(٣) انظر تيسير الداني ١٧٩.

(٤) مرّ الشاهد رقم (١٢٩).

١٠٦

بعدها إذا كان غير معرب ، وأن تعربها على أصلها نحو قول الله جلّ وعزّ (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ)] هود : ٦٦] بإعراب يوم ، وإن شئت (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) وعلى هذا تبنى يوم مع «إذ» في موضع الرفع والخفض والنصب على الفتح ، وكذا (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).

١٠٧

(٨٣)

شرح إعراب سورة المطففين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (١)

رفعت ويلا بالابتداء «للمطففين» خبره أي تأنيب ، ويجوز النصب في غير القرآن ؛ لأن ويلا بمعنى المصدر ، وكان الاختيار الرفع لأنه لا ينطق منه بفعل إلا شيئا شاذا أنشده محمد بن الوليد وهو :] الهزج]

٥٤٧ ـ فما وال ولا واح

ولا واس أبو هند (١)

فإن كان مشتقا من فعل فالاختيار النصب عند النحويين نحو : بؤسا له ، وإن لم يأت بالخبر في الأول نصبت فقلت : ويله وويحه.

(الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) (٢)

(الَّذِينَ) في موضع خفض نعت للمطففين أو نصب على الذمّ وهو أولى بالآية وربما توهّم الضعيف في العربية أن معنى اكتلت عليه واكتلت منه واحد وتقديرهما مختلف فمعنى اكتلت عليه أخذت ما عليه ، ومعنى اكتلت منه استوفيت منه.

(وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (٣)

اختلف النحويون في موضع الهاء والميم فقال جلتهم أبو عمرو بن العلاء والكسائي والأخفش وغيرهم : موضع الهاء والميم موضع نصب ، وهو مذهب سيبويه قياسا على قوله : كلتك وصدتك ولا يجيز وهبتك ؛ لأنه يشكل فإن قلت : وهبتك دينارا جاز. وقال عيسى بن عمر : الهاء والميم في موضع رفع ، وعبرّ عنه أبو حاتم بأن المعنى عنده : هم إذا كالوا أو وزنوا يخسرون لأن عيسى قال : الوقف «وإذا كالوا» ثم تبتدئ «هم أو وزنوا» ، وعبرّ غيره : أن «هم» توكيد كما تقول : قاموا هم. قال أبو

__________________

(١) الشاهد بلا نسبة في شرح التصريح ١ / ٣٣٠ ، والممتع في التصريف ٢ / ٥٦٧ ، والمنصف ٢ / ١٩٨ وشرح مشكلات الحماسة ٣١٢.

١٠٨

جعفر : والصواب أن الهاء والميم في موضع نصب ؛ لأنه في السواد بغير ألف ، ونسق الكلام يدل على ذلك لأن قبله (إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ) فيجب أن يكون بعده وإذا كالوا لهم ، وحذفت اللام كما قال ، أنشده أبو زيد :] الكامل]

٥٤٨ ـ ولقد جنيتك أكموءا وعساقلا

ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (١)

وحرف الخفض يحذف فيما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف كما قال :] البسيط]

٥٤٩ ـ أمرتك الخير فافعل ما أمرت به

فقد تركتك ذا مال وذا نشب (٢)

وقال آخر :] الطويل]

 ٥٥٠ ـ نبّيت عبد الله بالجوّ أصبحت

كراما مواليها لئيما صميمها (٣)

وقال الآخر :] البسيط]

 ٥٥١ ـ أستغفر الله ذنبا لست محصيه

ربّ العباد إليه الوجه والعمل (٤)

(أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (٤)

أنّ وما عملت فيه في موضع المفعولين.

(لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٦)

(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٦) في نصبه أقوال : يكون التقدير : لمبعوثون يوم يقوم النّاس لربّ العالمين ، وقال الأخفش سعيد هو مثل قولك : الآن وجعله الفرّاء (٥) مبنيا. قال أبو جعفر : وذلك غلط أن يبنى مع الفعل المستقبل ، ويجوز في العربية خفضه على البدل ، ورفعه بإضمار مبتدأ فهذا ما فيه من الإعراب. وقرئ على بكر بن سهل عن عبد الله بن يوسف عن عيسى بن يونس عن ابن عون عن ابن عمر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في

__________________

(١) الشاهد بلا نسبة في الاشتقاق ص ٤٠٢ ، والإنصاف ١ / ٣١٩ ، وأوضح المسالك ١ / ١٨٠ ، وتخليص الشواهد ١٦٧ ، وجمهرة اللغة ٣٣١ ، والخصائص ٣ / ٥٨ ، ورصف المباني ص ٧٨ ، وسرّ صناعة الإعراب ٣٦٦ ، وشرح الأشموني ١ / ٨٥ ، وشرح التصريح ١ / ١٥١ ، وشرح شواهد المغني ١ / ١٦٦ وشرح ابن عقيل ٩٦ ، ولسان العرب (جوت) و (حجر) و (سور) و (وبر) و (جحش) ، والمحتسب ٢ / ٢٢٤ ومغني اللبيب ١ / ٥٢ ، والمقاصد النحوية ١ / ٤٩٨ والمقتضب ٤ / ٢٨ ، والمنصف ٣ / ١٣٤.

(٢) مرّ الشاهد رقم (٥١).

(٣) مرّ الشاهد رقم (٣٢١).

(٤) الشاهد بلا نسبة في أدب الكاتب ٥٢٤ ، والكتاب ١ / ٧١ ، والأشباه والنظائر ٤ / ١٦ ، وأوضح المسالك ٢ / ٢٨٣ ، وتخليص الشواهد ٤٠٥ وخزانة الأدب ٣ / ١١١ ، والدرر ٥ / ١٨٦ ، وشرح أبيات سيبويه ١ / ٤٢٠ ، وشرح التصريح ١ / ٣٩٤ وشرح المفصّل ٧ / ٦٣ ، والصاحبي في فقه اللغة ١٨١ ، ولسان العرب (غفر) ، والمقاصد النحوية ٣ / ٢٢٦ ، والمقتضب ٢ / ٣٢١ ، وهمع الهوامع ٢ / ٨٢.

(٥) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٦.

١٠٩

قول الله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٦) قال : «يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم» (١) قال أبو جعفر : فهذا حديث مجمل صحيح الإسناد ، وروى عقبة بن عامر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم مشروحا قال : «تدنو الشمس يوم القيامة من الأرض فمن الناس من يغرق إلى كعبيه ومنهم من يغرق إلى أنصاف ساقيه ومنهم من يغرق إلى منكبيه ومنهم من يغرق إلى عنقه ومنهم من يغرق إلى نصف فمه ملجما به ومنهم يشتمله الغرق».

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) (٧)

من قال : إنّ (كَلَّا) تمام في كل القرآن ، قال : المعنى ليس الأمر كما يذهب إليه الكافرون من أنهم لا يبعثون ولا يعذّبون ، وتكلم العلماء في معنى سجّين فقال أبو هريرة : (سِجِّينٍ) جبّ في جهنم مفتوح ، وقال سعيد بن جبير : «سجين» تحت حد إبليس ، وقيل «سجين» من السجل والنون مبدلة من اللام أي في ما كتب عليهم ، وقال أبو عبيدة : في سجين في حبس فقيل من السجن ، وقال بعض النحويين : «سجين» الصخرة التي تحت الأرض السفلى ، وزعم أن هذا يروى وأنه صفة لأنه لو كان اسما للصخرة لم ينصرف ، قال : ويجوز أن تجعله اسما للحجر فتصرفه. قال أبو جعفر : وأولى ما قيل في سجين ، ما صحّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قرئ على أحمد بن محمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان عن ابن فضيل وأبي معاوية عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنّ العبد الكافر أو الفاجر إذا مات صعد بروحه إلى السّماء الدنيا فيقول الله جلّ وعزّ اكتبوا كتابه في (سِجِّينٍ) (٢) قال : وهي الأرض السفلى.

(وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ) (٨)

على التعظيم ، وهو مبتدأ وخبره.

(كِتابٌ مَرْقُومٌ) (٩)

إضمار مبتدأ أي هو كتاب مرقوم.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) (١١)

نعت للمكذبين ويجوز النصب على ما مرّ.

(وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) (١٢)

قال الحسن بن واقد : أي معتد في قوله أثيم عند ربّه.

(إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (١٣)

__________________

(١) انظر تفسير الطبري ٣٠ / ٩٢.

(٢) انظر تفسير القرطبي ١٧ / ٢٥٥.

١١٠

على إضمار مبتدأ.

(كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤)

بإدغام اللام في الراء وترك الإمالة قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو ، وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي بإدغام غير أنهم أمالوا ، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق (بَلْ رانَ) (١) بغير إدغام. قال أبو جعفر : والإدغام في هذا أولى لقرب اللام من الراء وترك الإمالة أولى لأنه لا ياء فيه ولا كسرة ، وإنما الإمالة محمولة على المعنى ؛ لأنه من ران يرين مشتق من الرّين كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن عارم قال : سألت الأصمعي عن حديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله عزوجل مائة مرة» (٢) فقال : التوقي في الكلام في حديث رسول الله كالتوقي في القرآن ولكن العرب تسمي الغيم إذا كان دون الغيم رقيقا الغين والرّين. قال أبو جعفر : فهذا الإعراب والاشتقاق فأما المعنى فقال فيه مجاهد : للقلب أصابع فإذا أذنب عبد انقبض منها إصبع ثم إن أذنب انقبضت منها أخرى حتى تنقبض كلّها ، ويطبع على قلبه فلا ينفع فيه موعظة. قال أبو جعفر : وأولى ما قيل في هذا ما صحّ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قرئ على أحمد بن شعيب عن قتيبة عن الليث عن محمد بن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي قال : «إذا أخطأ العبد خطيئة وكت في قلبه وكتة يعني سوداء فإن نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتّى يعلو قلبه فذلك الرين الذي ذكره جلّ وعزّ (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) (٣).

(كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (١٥)

في معناه قولان : أحدهما أنه دلّ بهذا على أنّ المؤمنين لا يحجبون عن النظر إليه جلّ وعزّ. قال أبو جعفر : وقد ذكرنا ما قاله مالك بن أنس في ذلك وسئل الشافعي رحمه‌الله عن النظر إلى الله جلّ وعزّ يوم القيامة فقال : يدل عليه (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (١٥) والقول الآخر أنّ التقدير : عن كرامة ربّهم مثل (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)] يوسف : ٨٢] . قال أبو جعفر : وهذا خطأ على مذهب النحويين منهم الخليل وسيبويه ، ولا يجوز عندهما ولا عند غيرهما من النحويين : جاءني زيد ، بمعنى جاءني غلامه وجاءتني كرامته.

(ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) (١٦)

(ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ) لأنه للمستقبل فمن حذف النون تخفيفا قال : لصالو الجحيم بالخفض على الإضافة ومن حذفها لالتقاء الساكنين نصب.

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٩.

(٢) انظر إتحاف السادة المتقين ٨ / ٥١٧.

(٣) انظر مستدرك الحاكم ١ / ٥ ، وتفسيري الطبري ٣٠ / ٦٢ ، وكنز العمال (١٢٨٨).

١١١

(ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (١٧)

اسم ما لم يسمّ فاعله على قول سيبويه (١) في الجملة وكذا قال في (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ)] يوسف : ٣٥] في موضع الفاعل. وهذا عند أبي العباس خطأ ؛ لأن الجملة لا تقوم مقام الفاعل ولكن الفعل دلّ على المصدر ، وقام المصدر مقام الفاعل.

(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) (١٩)

(وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ) (١٩) فيه خمسة أقوال وفي إعرابه قولان فأكثر أهل التفسير منهم كعب ومجاهد وزيد بن أسلم يقولون : علّيّون السماء السابعة ، وحكى الفرّاء (٢) إنه السماء الدنيا ، وقال قتادة : قائمة العرش اليمنى ، وقال الضحّاك : علّيّون سدرة المنتهى وقيل : علّيّون الملائكة. قال أبو جعفر. القول الأول عليه الجماعة فأما الإعراب فالقولان اللذان فيه أحدهما أن عليين أشبه عشرين وما أشبهها ؛ لأنه لا واحد له ، وإنما هو بمعنى من علوّ إلى علو فأعرب كإعراب عشرين. قال أبو جعفر : فهذا قول موافق لتأويل الذين قالوا علّيّون السماء السابعة ، والقول الآخر أن عليين صفة للملائكة فلذلك جمع بالواو والنون.

(كِتابٌ مَرْقُومٌ) (٢٠)

أي ذلك الكتاب كتاب أي مكتوب وفسّر ذلك الضحّاك قال : إذا خرج روح المؤمن أخذه الملك فصعد به إلى السماء الدنيا فتبعه الملائكة المقربون ثم كذلك من سماء إلى سماء حتى ينتهي به إلى السماء السابعة إلى سدرة المنتهى فيوافيهم كتاب من الله جلّ وعزّ مختوم فيه أمان من الله لفلان ابن فلان من عذاب النار يوم القيامة وبالفوز بالجنة. قال ابن زيد : المقربون الملائكة.

(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ) (٢٢)

قيل : سمّوا أبرارا لكثرة ما يأتونه من الصدق لأن الصدق يقال له برّ.

(عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (٢٤)

(عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) (٢٣) أي إلى ما لهم من القصور والحور وغير ذلك. قال أبو جعفر : (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) (٢٤) وأجاز الفرّاء (٣) يعرف لأنه تأنيث غير حقيقي.

(يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ) (٢٥)

__________________

(١) انظر الكتاب ٣ / ١٢٤.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٧.

(٣) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٨.

١١٢

(مِنْ رَحِيقٍ) في موضع نصب على خبر ما لم يسمّ فاعله على غير قول الأخفش.

(خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) (٢٦)

(خِتامُهُ مِسْكٌ) مبتدأ وخبره. هذه قراءة أكثر الناس. وقرأ الكسائي رواه عنه أبو عبيد «خاتمه مسك» (١) وزعم أن هذه القراءة قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه لم يجد أحدا يعرف هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد عن محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرّحمن السلميّ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ «خاتمه مسك» (٢) قال أبو جعفر : ختامه بمعنى واحد إلا أن ختاما مصدر وخاتم اسم الفاعل ، وأكثر كلام العرب في الناس وما أشبههم هو خاتمهم كما قال جلّ وعزّ (وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)] الأحزاب : ٤٠] ، وكذا خاتم وفي غير الناس ختام كما قال :] الكامل]

 ٥٥٢ ـ أغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق

أو جونة قدحت وفضّ ختامها (٣)

(وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) أي فليحرص وليطلب. وأصل هذا من نفست عليه بالشيء أي أردت أن يكون لي دونه ، واشتقاقه من النّفس أي الذي تفرح به النفس وتميل إليه.

(وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (٢٨)

(عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) (٢٨) في نصب عين خمسة أقوال : قول الأخفش إنها منصوبة بيسقون ، وقال محمد بن يزيد حكاه لنا علي بن سليمان : لا يصحّ لي أن تكون منصوبة إلّا بمعنى أعني ، وقال الفرّاء (٤) : أي من تسنيم عين ثم نوّنت فتنصب مثل (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ)] البلد : ١٤] والقول الرابع «تسنيم عينا» ، والقول الخامس أن يكون تسنيم اسما للماء معرفة وعين نكرة فنصب لذلك. قال أبو جعفر : وهذا القول أولى بالصواب لأنه صحيح على قول أهل التأويل ، كما قرأ محمد بن جعفر عن حفص بن يوسف بن موسى ثنا سلمة ثنا نهشل عن الضحّاك قال : «تسنيم» عين تتسنّم من أعلى الجنة ليس في الجنة عين أشرف منها. قال أبو جعفر :

__________________

(١) و (٢) انظر تيسير الداني ١٧٩ ، ومعاني الفراء ٣ / ٢٤٨.

(٣) الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ٣١٤ ، وأسرار العربية ٣٠٣ ، وخزانة الأدب ٣ / ١٠٥ ، وسرّ صناعة الإعراب ٦٣٢ ، وشرح المفصّل ٨ / ٩٢ ولسان العرب (قدح) و (عتق) ، و (دكن) ، والمعاني الكبير ١ / ٤٥٢ ، والمقاصد النحوية ٤ / ١٢٥ ، وأساس البلاغة (سبأ) ، وكتاب العين ٧ / ٣١٥ ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ٤٠٢ ، ورصف المباني ص ٤١١.

(٤) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٩.

١١٣

وقول مجاهد أيضا يدلّ على هذا قال : تسنيم علو وكذا الاشتقاق يقال : تسنّمت الماء أتسنّمه تسنيما إذا أجريته من موضع عال ، وقبر مسنم أي مرتفع ، ومن هذا سنام البعير فإن قال قائل فلم انصرف تسنيم وهو معرفة اسم للمؤنث؟ قيل : تقديره أنه اسم لمذكّر للماء الجاري من ذلك الموضع العالي ومعنى عينا جاريا فقد صارت في موضع الحال.

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) (٢٩)

(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) أي اكتسبوا الإثم. يقال : جرم وأجرم إذا اكتسب إلا أنّ الأكثر في اكتساب الإثم أجرم وفي غيره جرم. (الَّذِينَ) اسم إنّ (أَجْرَمُوا) صلته (كانُوا) خارج من الصلة لأنه خبر «إن» أي كانوا في الدنيا (مِنَ الَّذِينَ) صدقوا بتوحيد الله (يَضْحَكُونَ) استهزءوا بهم ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه.

(وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ) (٣٠)

استهزءوا بهم.

(وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) (٣١) (١)

وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فاكهين يقول معجبين. قال أبو جعفر : أي معجبين بما يفعلون مسرورين به ، وقال ابن زيد : فاكهين ناعمين ، وزعم الفرّاء (٢) أن فاكهين بمعنى واحد وحكى أبو عبيد أن أبا زيد الأنصاري حكى عن العرب أن الفكه الضحوك الطيب النفس. قال محمد بن يزيد : كان الأصمعي يرفع بأبي زيد في اللغة ويذكر محلّه وتقدّمه ويذكر صدقه وأمانته قال: وكان خلف بن حيان أبو محرز على جلالته يحضر حلقته.

(وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ) (٣٢)

هذا قول الكفار في الدنيا أي لضالّون عن طريق الصواب.

(وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) (٣٣)

أي لم يرسلوا ليحفظوا عليهم أعمالهم وإنما أمروا بطاعة الله تعالى.

(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) (٣٦)

(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) (٣٤) وذلك بعد دخولهم الجنة. قال ابن عباس : يفتح لهم أبواب إلى النار فينظرون إلى الذين كانوا يسخرون في الدنيا

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٩ ، والبحر المحيط ٨ / ٤٣٥.

(٢) انظر معاني الفراء ٣ / ٢٤٩.

١١٤

ويضحكون بهم فإذا رأوهم في النار سرّوا بانتقام الله تعالى من أعدائه وضحكوا بهم إذ ذاك (عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) (٣٥) إليهم. وقال غيره : على الأرائك ينظرون إلى قصورهم وأزواجهم ، ويقول بعضهم لبعض (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) (٣٦) وقيل (هَلْ) مبتدأة منقطعة مما قبلها أي هل جزي الكفار بأعمالهم ، و (ما) في موضع نصب على هذا المعنى.

١١٥

(٨٤)

شرح إعراب سورة انشقت (الانشقاق)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) (١)

(إِذَا) في موضع نصب وقد ذكرنا قول النحويين في جواب «إذا» ، وقد قيل : المعنى: اذكروا إذا السّماء انشقّت ، فعلى هذا لا تحتاج إلى جواب أي اذكر خبر ذلك الوقت.

(وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) (٢)

قال سعيد بن جبير : حقّ لها أن تأذن. قال أبو جعفر : حقيقة هذا أن المعنى حقّق الله جلّ وعزّ عليها فانقادت إلى أمره وانشقت أي تصدّعت فصارت أبوابا.

(وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ) (٣)

رفعت الأرض بإضمار فعل يفسره الثاني.

(وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) (٥)

(وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ) (٤) معطوف على الأول ، وكذا (وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ) (٥).

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (٦)

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ) نعت لأي ، والأخفش يقول صلة لأنه لا بدّ منه (إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً) مصدر فيه معنى التوكيد (فَمُلاقِيهِ) في موضع رفع والأصل ضمّ الياء فحذفت الضمة لثقلها. فهذا قول ، وقيل : حذفت لأن الياء هاهنا حرف مد ولين فأشبهت الألف فحذفت منه الضمة والكسرة ، ومن العرب من يحذف منها الفتحة فيجريها مجرى الألف فلا يحركها بحال.

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) (٨)

(فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) (٨) أي يثاب بحسناته ويتجاوز عن سيئاته.

(وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) (٩)

١١٦

نصب على الحال.

(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) (١١)

(فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً) (١١) مفعول به أي يقول يا ثبوراه. قال سيبويه : في نظير هذا أي احضر فهذا من إبانك.

(وَيَصْلى سَعِيراً) (١٢) (١)

من صلي يصلى ويصلى من صلاه يصليه إذا أحرقه ، وكذا أصلاه.

(إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً) (١٣)

خبر كان ، ويبعد أن يكون منصوبا على الحال إلّا أنه جائز كما نقول : زيد في أهله ضاحكا.

(إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) (١٤)

(أَنْ) وما بعدها تقوم مقام المفعولين ، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس (أَنْ لَنْ يَحُورَ) قال : يقول : أن لن يبعث ، وقال مجاهد : أن لن يرجع إلينا. يقال : حار يحور إذا رجع وفي الحديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «اللهمّ إني أعوذ بك من الحور بعد الكور» (٢) قيل : معناه أعوذ بك من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان ، وقيل أعوذ بك من النقصان بعد الزيادة.

(بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً) (١٥)

أي بلى ليحورنّ وليبعثنّ أنّ ربه كان به بصيرا بعمله وبما يصير إليه لأنه كان يرتكب المعاصي مجترئا عليها إذ كان عنده أنه لا يبعث.

(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) (١٦)

الباء هي الأصل في القسم ، وتبدل منها الواو.

(وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) (١٨)

(وَاللَّيْلِ) واو عطف لا واو قسم (وَما وَسَقَ). (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ) (١٨) كلّه معطوف.

(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٠)

(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) (١٩) مفتوحة الباء صحيحة عن ابن عباس كما قرئ على

__________________

(١) انظر تيسير الداني ١٧٩ (قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو «ويصلى» بفتح الياء وإسكان الصاد مخفّفا والباقون بضمّ الياء وفتح الصاد وتشديد اللام).

(٢) انظر تفسير الطبري ٣٠ / ٧٥ ، والقرطبي ١٩ / ٢٧٣.

١١٧

إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله عن سفيان عن عمرو عن ابن عباس أنه قرأ (لَتَرْكَبُنَ) (١) بفتح الباء ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود والشعبي ومجاهد والأعمش وحمزة والكسائي ، وقرأ المدنيون (لَتَرْكَبُنَ) بضم الباء ، وهي قراءة الحسن وأبي عمرو ، وقال الفرّاء : وقرئت «ليركبنّ» قال أبو جعفر : القراءة الأولى مخاطبة للواحد وبني الفعل مع النون على الفتح لخفّته ، وأكثر أهل التفسير يقول : المخاطبة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومنهم من يقول المخاطبة لجميع الناس ، والمعنى : يا أيّها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا. (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) (١٩) أي حالا بعد حال ، وقيل : سماء بعد سماء إذا كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والكادح العامل وقد كدح لأهله إذا اكتسب لهم ، وأنشد سيبويه :] الطويل]

 ٥٥٣ ـ وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما

أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح (٢)

و «لتركبنّ» بضم الباء مخاطبة للجماعة والضمة تدلّ على الواو المحذوفة ، وليركبن إخبار عن جماعة لأن بعده (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٠) وقبله ذكر من يؤتى كتابه بيمينه ، ومن يؤتاه كتابه من وراء ظهره : (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٠) في موضع نصب على الحال.

(وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) (٢١)

أهل التفسير على أن المعنى لا يخضعون ولا يذلّون بالانتهاء إلى طاعة الله جلّ وعزّ.

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) (٢٢)

بالخروج من حديث إلى حديث يقع بعد الإيجاب والنفي عند البصريين.

(وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ) (٢٣)

من أوعى الشيء إذا جمعه ، ووعى حفظه.

(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (٢٥)

(الصَّالِحاتِ الَّذِينَ) في موضع نصب استثناء من الهاء والميم ، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول ، كما روى عكرمة عن ابن عباس (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) ، قال الشيخ الكبير إذا كبر وضعف وقد كان يعمل شيئا من الخير وقت قوته كتب له مثل أجر ما كان يعمل قال : (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي لا يمنّ به عليهم.

__________________

(١) انظر البحر المحيط ٨ / ٤٤٠ ، ومعاني الفراء ٣ / ٢٥١.

(٢) مرّ الشاهد رقم (٥٢).

١١٨

(٨٥)

شرح إعراب سورة البروج

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١)

(وَالسَّماءِ) خفض بواو القسم (ذاتِ الْبُرُوجِ) نعت للسماء ، واختلف النحويون في جواب القسم فمنهم من قال : هو محذوف ، ومنهم من قال : التقدير لقتل أصحاب الأخدود وحذفت اللام ، ومنهم من قال : الجواب (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (١٢) ، وقال أبو حاتم : التقدير قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. قال أبو جعفر : وهذا غلط بيّن وقد أجمع النحويون على أنه لا يجوز والله قام زيد بمعنى قام زيد والله وأصل هذا في العربية أنّ القسم إذا ابتدئ به لم يجز أن يلغى ولا ينوى به التأخير ، وإذا توسّط أو تأخّر جاز أن يلغى ، وفيها جواب خامس أن يكون التقدير (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١) (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ)] الآية : ١٠] وما اعترض بينهما معطوف وتوطئة للقسم قال محمد بن يزيد : واعلم أن القسم قد يؤكد بما يصدّق الخبر قبل ذكر المقسم عليه ثم يذكر ما يقع عليه القسم فمن ذلك (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١) ثم ذكر قصّة أصحاب الأخدود ، وإنما وقع القسم على قوله (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (١٢).

(وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) (٣)

(وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) (٢) واو عطف لا واو قسم ، وكذا (وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) (٣) قال أبو جعفر : قد ذكرنا معناه ، وقد قيل : لا يخلو الناس يوم القيامة من شاهد ومشهود فالمعنى وربّ الناس.

(قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ) (٥)

(النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ) (٥) خفض على بدل الاشتمال. وفيه تقديران : أحدهما نارها والألف واللام عوض من المضمر ، والآخر النار التي فيها ، وهذا بدل الاشتمال. وفي معنى (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (٤) قولان : أحدهما أنهم المؤمنون قتلهم الكفار ، والآخر أنهم الكفار ، ويكون معنى قتلوا أو لعنوا أو أهلكوا. وأجاز «النحويون» قتل أصحاب

١١٩

الأخدود النار ذات الوقود ، بالرفع كما قرأه أبو عبد الرّحمن السلمي (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ)] الأنعام : ١٣٧] . قال أبو جعفر : وهذا باب من النحو دقيق قد ذكره سيبويه وذلك أنه يجوز : ضرب زيد عمرو لأنك إذا قلت : ضرب زيد ، دل على أنه له ضاربا ، والتقدير ضربه عمرو ، وكذا (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (٤) قتلتهم النار ، وأنشد سيبويه :] الطويل]

٥٥٤ ـ ليبك يزيد ضارع لخصومة

وأشعث ممّن طوّحته الطّوائح (١)

أي يبكيه ضارع. قال الأخفش : الوقود بالفتح الحطب ، والوقود بالضم الفعل : يريد المصدر أي الإيقاد.

(إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ) (٦)

قال قتادة : المؤمنون ، وهذا على أحد التّأويلين.

(وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ) (٧)

أي ليس هم بغيب.

(وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (٨)

(وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ) ويقال : نقموا أي وما وجدوا عليهم في شيء إلا في إيمانهم بالله العزيز الحميد بانتقامه (الْحَمِيدِ) أي المحمود عند عباده بأفعاله الجميلة.

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (٩)

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) نعت فيه معنى المدح في موضع خفض ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح ، ورفع على إضمار مبتدأ. (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي قد شهد على فعلهم وفعل غيرهم وعلمه ليجازيهم عليه.

(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ) (١٠)

(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) قال قتادة : أحرقوهم (ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) أي من فعلهم ذلك (فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ) قال محمد بن إسحاق احترقوا في الدنيا ، وكذا قال أبو العالية ولهم عذاب جهنم في الآخرة.

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (١١)

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أمروا بتوحيد الله سبحانه. (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) انتهوا إلى أمر الله ونهيه. (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) وهي أنهار الماء وأنهار الخمر واللبن والعسل (ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) أي الظفر بما طلبوا.

__________________

(١) مرّ الشاهد رقم (١٣٢).

١٢٠