زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

بخفض رسول الله صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه ، فأنزل الله تعالى (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ). أي : بقراءتك ، فيسمع المشركون فيسبّوا القرآن ، (وَلا تُخافِتْ بِها) عن أصحابك ، فلا يسمعون ، قاله ابن عباس.

(٩٢٦) والثاني : أنّ الأعرابيّ كان يجهر في التّشهّد ويرفع صوته ، فنزلت هذه الآية ، هذا قول عائشة.

(٩٢٧) والثالث : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلي بمكّة عند الصّفا ، فجهر بالقرآن في صلاة الغداة ، فقال أبو جهل : لا تفتر على الله ، فخفض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صوته ، فقال أبو جهل للمشركين : ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة؟! رددته عن قراءته ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل.

فأمّا التّفسير ، فقوله تعالى : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) المعنى : إن شئتم فقولوا : يا الله ، وإن شئتم فقولوا : يا رحمن ، فإنهما يرجعان إلى واحد ، (أَيًّا ما تَدْعُوا) المعنى : أيّ أسماء الله تدعوا ؛ قال الفرّاء : و «ما» قد تكون صلة ، كقوله تعالى : (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) (١) ، وتكون في معنى : «أيّ» معادة لمّا اختلف لفظهما.

قوله تعالى : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ) فيه قولان :

أحدهما : أنها الصّلاة الشّرعية. ثم في المراد بالكلام ستّة أقوال : أحدها : لا تجهر بقراءتك ، ولا تخافت بها ، فكأنه نهي عن شدّة الجهر بالقراءة وشدّة المخافتة ، قاله ابن عباس. فعلى هذا في تسمية القراءة بالصّلاة قولان : ذكرهما ابن الأنباري : أحدهما : أن يكون المعنى : فلا تجهر بقراءة صلاتك.

والثاني : أنّ القراءة بعض الصّلاة ، فنابت عنها ، كما قيل لعيسى : كلمة الله ، لأنه بالكلمة كان. والثاني : لا تصل مراءاة للناس ، ولا تدعها مخافة الناس ، قاله ابن عباس أيضا. والثالث : لا تجهر بالتّشهّد في صلاتك ، روي عن عائشة في رواية ، وبه قال ابن سيرين. والرابع : لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا ولا تخافت بها شديد الاستتار ، قاله عكرمة. والخامس : لا تحسن علانيتها ، وتسئ سريرتها ، قاله الحسن. والسادس : لا تجهر بصلاتك كلّها ، ولا تخافت بجميعها ، فاجهر في صلاة الليل ، وخافت في صلاة النهار ، على ما أمرناك به ، ذكره القاضي أبو يعلى.

والقول الثاني : أنّ المراد بالصلاة : الدّعاء ، وهو قول عائشة ، وأبي هريرة ، ومجاهد.

قوله تعالى : (وَلا تُخافِتْ بِها) المخافتة : الإخفاء ، يقال : صوت خفيت. (وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً)

____________________________________

(٩٢٦) واه بمرة. عزاه المصنف تبعا للواحدي في «الأسباب» ٥٩٧ بدون إسناد لعائشة. أخرجه الطبري ٢٢٨٢١ عن عبد الله بن شداد ، وهذا مرسل فهو ضعيف ، والمتن منكر جدا ، شبه موضوع ، ثم إن السورة مكية ، والأعراب إنما أسلموا في المدينة. وإنما أخرج البخاري ٤٧٢٣ و ٦٣٢٧ و ٧٥٢٦ والنسائي في «التفسير» ٣٢١ والطبري ٢٢٨٣٩ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها) نزلت في الدعاء. ولم يذكر فيه الأعرابي. وانظر «أحكام القرآن» ٣ / ٢١٧ بتخريجنا.

(٩٢٧) باطل. عزاه المصنف لمقاتل ، وهو متهم بالكذب ، والمتن منكر جدا بهذا اللفظ ، فهو باطل.

__________________

(١) سورة المؤمنون : ٤٠.

٦١

أي : اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : نسخت هذه الآية بقوله تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) (١) ، وقال ابن السّائب : نسخت بقوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) (٢) ؛ وعلى التّحقيق ، وجود النّسخ ها هنا بعيد.

قوله تعالى : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، وطلحة بن مصرّف : «في الملك» بكسر الميم. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ) قال مجاهد : لم يحالف أحدا ، ولم يبتغ نصر أحد ؛ والمعنى : أنه لا يحتاج إلى موالاة أحد لذلّ يلحقه ، فهو مستغن عن الوليّ والنّصير. (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) أي : عظمه تعظيما تامّا. والله أعلم بالصّواب.

__________________

(١) سورة الأعراف : ٢٠٥.

(٢) سورة الحجر : ٩٤.

٦٢

سورة الكهف

فصل في نزولها : روى أبو صالح عن ابن عباس أنّ سورة الكهف مكّيّة ، وكذلك قال الحسن ، ومجاهد وقتادة. وهذا إجماع المفسرين من غير خلاف نعلمه ، إلّا أنه قد روي عن ابن عباس ، وقتادة أنّ فيها آية مدنيّة وهي قوله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) (١). وقال مقاتل : من أوّلها إلى قوله تعالى : (صَعِيداً جُرُزاً) (٢) مدنيّ ، وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) (٣) الآيتان مدنيّة ، وباقيها مكيّ.

(٩٢٨) وروى أبو الدّرداء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف ثم أدرك الدّجّال لم يضرّه ، ومن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦))

قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) قد شرحناه في أوّل «الفاتحة». والمراد بعبده ها هنا : محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبالكتاب : القرآن ، تمدّح بإنزاله ، لأنه إنعام على الرسول خاصّة ، وعلى الناس عامّة. قال العلماء باللغة والتّفسير : في هذه الآية تقديم وتأخير ، تقديرها : أنزل على عبده الكتاب (قَيِّماً) أي : مستقيما عدلا. وقرأ أبو رجاء ، وأبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، وابن يعمر ، والنّخعيّ ، والأعمش : «قيّما» بكسر القاف ، وفتح الياء ، وقد فسّرناه في الأنعام (٤).

____________________________________

(٩٢٨) صحيح. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ٧ / ٣٨ / ١٣٢ من حديث أبي الدرداء ، وإسناده على شرط مسلم. وأخرج مسلم ٨٠٩ وأبو داود ٤٣٢٣ والنسائي في «اليوم والليلة» ٩٥١ وأحمد ٦ / ٤٤٩ وابن حبان ٧٨٥ و ٧٨٦ من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجّال». وانظر «تفسير الشوكاني» ١٤٧٩ بتخريجنا.

__________________

(١) سورة الكهف : ٢٨.

(٢) سورة الكهف : ٨.

(٣) سورة الكهف : ١٠٧ و ١٠٨.

(٤) سورة الأنعام : ١٦١.

٦٣

قوله تعالى : (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً) أي : لم يجعل فيه اختلافا ، وقد سبق بيان العوج في سورة آل عمران (١). قوله تعالى : (لِيُنْذِرَ بَأْساً) أي : عذابا شديدا ، (مِنْ لَدُنْهُ) أي : من عنده ، ومن قبله ، والمعنى : لينذر الكافرين (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ) أي : بأنّ لهم (أَجْراً حَسَناً) وهو الجنّة. (ماكِثِينَ) أي : مقيمين ، وهو منصوب على الحال. (وَيُنْذِرَ) بعذاب الله (الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً) وهم اليهود حين قالوا : عزير ابن الله ، والنّصارى حين قالوا : المسيح ابن الله ، والمشركون حين قالوا : الملائكة بنات الله ، (ما لَهُمْ بِهِ) أي : بذلك القول (مِنْ عِلْمٍ) لأنهم قالوا افتراء على الله ، (وَلا لِآبائِهِمْ) الذين قالوا ذلك ، (كَبُرَتْ) أي : عظمت (كَلِمَةً) الجمهور على النّصب. وقرأ ابن مسعود ، والحسن ، ومجاهد ، وأبو رزين ، وأبو رجاء ، ويحيى بن يعمر ، وابن محيصن ، وابن أبي عبلة : «كلمة» بالرفع. قال الفرّاء : من نصب ، أضمر : كبرت تلك الكلمة كلمة ، ومن رفع ، لم يضمر شيئا ، كما تقول : عظم قولك. وقال الزّجّاج : من نصب ، فالمعنى : كبرت مقالتهم : اتّخذ الله ولدا كلمة ، و «كلمة» منصوب على التّمييز. ومن رفع ، فالمعنى : عظمت كلمة هي قولهم : اتّخذ الله ولدا.

قوله تعالى : (تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) أي : إنها قول بالفم لا صحّة لها ، ولا دليل عليها ، (إِنْ يَقُولُونَ) أي : ما يقولون (إِلَّا كَذِباً) ثم (٢) عاتبه على حزنه لفوت ما كان يرجو من إسلامهم ، فقال : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو الجوزاء ، وقتادة : «باخع نفسك» بكسر السين ، على الإضافة. قال المفسّرون واللغويون : فلعلّك مهلك نفسك ، وقاتل نفسك ، وأنشد أبو عبيدة لذي الرّمّة :

ألا أيّهذا الباخع الوجد نفسه

لشيء نحته عن يديه المقادر

أي : نحّته. فإن قيل : كيف قال : (فَلَعَلَّكَ) والغالب عليها الشّكّ ، والله عالم بالأشياء قبل كونها؟ فالجواب : أنها ليست بشكّ ، إنما هي مقدّرة تقدير الاستفهام الذي يعني به التّقرير ، فالمعنى : هل أنت قاتل نفسك؟! لا ينبغي أن يطول أساك على إعراضهم ، فإنّ من حكمنا عليه بالشّقوة لا تجدي عليه الحسرة ؛ ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى : (عَلى آثارِهِمْ) أي : من بعد تولّيهم عنك (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) يعني القرآن (أَسَفاً) وفيه أربعة أقوال : أحدها : حزنا ، قاله ابن عباس ، وابن قتيبة. والثاني : جزعا ، قاله مجاهد. والثالث : غضبا ، قاله قتادة. والرابع : ندما ، قاله السّدّيّ. وقال أبو عبيدة : ندما وتلهّفا وأسى. قال الزّجّاج : الأسف : المبالغة في الحزن ، أو الغضب ، يقال : قد أسف الرجل ، فهو أسيف ، قال الشاعر :

أرى رجلا منهم أسيفا كأنّما

يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضبا (٣)

__________________

(١) سورة آل عمران : ٩٩.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٩٣ : يقول تعالى مسليا رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في حزنه على المشركين ، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه ، كما قال تعالى : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) وقال : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). ولهذا قال (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) أي : لم يؤمنوا بالقرآن ، يقول : لا تهلك نفسك أسفا ، أي لا تأسف عليهم ، بل أبلغهم رسالة الله ، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.

(٣) البيت للأعشى الكبير ميمون بن قيس كما في «ديوانه» : ١١٥ و «اللسان» مادة ـ أسف ـ يقول : كأن يده قطعت فاختضبت بدمها ، والأسف هو الغضبان وقد يكون الأسيف : الغضبان مع الحزن.

٦٤

وهذه الآية يشير بها إلى نهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كثرة الحرص على إيمان قومه لئلّا يؤدّي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف.

(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨))

قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها) فيه أربعة أقوال : أحدها : أنهم الرجال ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني : العلماء ، رواه مجاهد عن ابن عباس. فعلى هذين القولين تكون «ما» في موضع «من» لأنها في موضع إبهام ، قاله ابن الأنباري. والثالث : أنّه ما عليها من شيء ، قاله مجاهد. والرابع : النّبات والشّجر ، قاله مقاتل. وقول مجاهد أعمّ ، يدخل فيه النّبات ، والماء ، والمعادن ، وغير ذلك.

فإن قيل : قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة. فالجواب : أنّا إن قلنا : إنّ المراد به شيء مخصوص ، فالمعنى : إنّا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها ، فخرج مخرج العموم ، ومعناه الخصوص. فإن قلنا : هم الرجال أو العلماء ، فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم. وإن قلنا : النبات والشّجر ، فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية. وإن قلنا : إنه عامّ في كلّ ما عليها ، فلكونه دالا على خالقه ، فكأنّه زينة الأرض من هذه الجهة.

قوله تعالى : (لِنَبْلُوَهُمْ) أي : لنختبر الخلق ، والمعنى : لنعاملهم معاملة المبتلي. قال ابن الأنباري : من قال إنّ ما على الأرض يعني به النّبات ، قال : الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزّينة ، ومن قال : «ما على الأرض» الرجال ، ردّ الهاء والميم على «ما على» لأنها بتأويل الجميع ، ومعنى الآية : لنبلوهم فنرى أيّهم أحسن عملا ، هذا ، أم هذا. قال الحسن : أيّهم أزهد في الدنيا. وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة هود (١). ثم أعلم الخلق أنه يفني جميع ذلك ، فقال تعالى : (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً) قال الزّجّاج : الصّعيد : الطريق الذي لا نبات فيه. وقال ابن الأنباري : قال اللغويون : الصّعيد : التّراب ، ووجه الأرض. فأمّا الجرز ، فقال الفرّاء : أهل الحجاز يقولون : أرض «جرز» ، وأسد تقول : «جرز» وجرز ، وتميم تقول : أرض «جرز» وجرز بالتّخفيف ، وقال أبو عبيدة : الصّعيد الجرز : الغليظ الذي لا ينبت شيئا. ويقال للسّنة المجدبة : جرز ، «وسنون أجراز» لجدوبتها ، وقلّة مطرها ، وأنشد :

قد جرفتهنّ السّنون الأجراز (٢)

وقال الزّجّاج : الجرز : الأرض التي لا ينبت فيها شيء ، كأنها تأكل النّبت أكلا. وقال ابن الأنباري : قال اللغويون : الجرز : الأرض التي لا يبقى بها نبات ، تحرق كلّ نبات يكون بها. قال المفسّرون : وهذا يكون يوم القيامة ، يجعل الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء.

__________________

(١) سورة هود : ٧.

(٢) هو في «اللسان» : مادة جرز و «مجاز القرآن» ١ / ٣٩٤ والطبري ٨ / ١٧٩ بلا نسبة.

٦٥

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢))

قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ) نزلت على سبب قد ذكرناه عند قوله تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) (١) قال ابن قتيبة : ومعنى «أم حسبت» : أحسبت. فأمّا «الكهف» فقال المفسّرون : هو المغارة في الجبل ، إلّا أنه واسع ، فإذا صغر ، فهو غار. قال ابن الأنباري : قال اللغويون : الكهف بمنزلة الغار في الجبل.

فأمّا الرّقيم ، ففيه ستة أقوال (٢) : أحدها : أنه لوح من رصاص كانت فيه أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطّلع عليهم يوما من الدّهر ما قصّتهم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال وهب بن منبّه ، وسعيد بن جبير في رواية. وقال السّدّيّ : الرّقيم : صخرة كتب فيها أسماء الفتية ، وجعلت في سور المدينة. وقال مقاتل : الرّقيم : كتاب كتبه رجلان صالحان ، وكانا يكتمان إيمانهما من الملك الذي فرّ منه الفتية ، كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص ، ثم جعلاه في تابوت من نحاس ، ثم جعلاه في البناء الذي سدّوا به باب الكهف ، فقالا : لعلّ الله أن يطلع على هؤلاء الفتية أحدا فيعلمون أمرهم إذا قرءوا الكتاب. وقال الفرّاء : كتب في اللوح أسماؤهم ، وأنسابهم ، ودينهم ، وممّن كانوا ، قال أبو عبيدة ، وابن قتيبة : الرّقيم : الكتاب ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، ومنه : كتاب مرقوم ، أي : مكتوب. والثاني : أنه اسم القرية التي خرجوا منها ، قاله كعب. والثالث : اسم الجبل ، قاله الحسن ، وعطيّة. والرابع : أنّ الرّقيم : الدّواة ، بلسان الرّوم ، قاله عكرمة ومجاهد في رواية. والخامس : اسم الكلب ، قاله سعيد بن جبير. والسادس : اسم الوادي الذي فيه الكهف ، قاله قتادة : والضّحّاك.

قوله تعالى : (كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) قال المفسّرون : ومعنى الكلام : أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا؟! قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم ، فإنّ خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصّتهم. وقال ابن عباس : الذي آتيتك من الكتاب والسّنّة والعلم ، أفضل من شأنهم.

قوله تعالى : (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ) قال الزّجّاج : معنى : أووا إليه : صاروا إليه ، وجعلوه مأواهم. والفتية : جمع فتى ، مثل غلام وغلمة ، وصبيّ وصبية. و «فعلة» من أسماء الجمع ، وليس ببناء يقاس عليه ؛ لا يجوز غراب وغربة ، ولا غنيّ وغنية ، قال بعض المفسّرين : الفتية : بمعنى الشبان. وقد ذكرنا عن القتيبي أنّ الفتى : بمعنى الكامل من الرجال ، وبيّنّاه في قوله تعالى : (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) (٣). قوله تعالى : (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ) أي : من عندك (رَحْمَةً) أي : رزقا (وَهَيِّئْ لَنا) أي : أصلح لنا

__________________

(١) سورة الإسراء : ٨٥.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٨ / ١٨٢ : وأولى هذه الأقوال بالصواب في الرقيم أن يكون معنيا به : لوح ، أو حجر أو شيء كتب فيه كتاب.

ووافقه ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٩٥ بقوله : وهذا هو الظاهر من الآية ، وهو اختيار ابن جرير.

(٣) سورة النساء : ٢٥.

٦٦

(مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) أي : أرشدنا إلى ما يقرّبنا منك. والمعنى : هيّئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرّشد. والرّشد والرّشد ، والرّشاد : نقيض الضّلالة.

تلخيص قصّة أصحاب الكهف

اختلف العلماء في بدوّ أمرهم ، وسبب مصيرهم إلى الكهف ، على ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم إلى عبادة الأصنام ، فمرّوا براع له كلب ، فتبعهم على دينهم ، فأووا إلى الكهف يتعبّدون ، ورجل منهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة ، إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا ، فبكوا وتعوّذوا بالله تعالى من الفتنة ، فضرب الله تعالى على آذانهم ، وأمر الملك فسدّ عليهم الكهف ، وهو يظنّهم أيقاظا ، وقد توفّى الله أرواحهم وفاة النّوم ، وكلبهم قد غشيه ما غشيهم. ثم إنّ رجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص ، وجعلاه في تابوت من نحاس في البنيان ، وقالا : لعلّ الله يطلع عليهم قوما مؤمنين ، فيعلمون خبرهم ، هذا قول ابن عباس. وقال عبيد بن عمير : فقدهم قومهم فطلبوهم ، فعمّى الله عليهم أمرهم ، فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح : فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا ، في سنة كذا ، في مملكة فلان ، ووضعوا اللوح في خزانة الملك ، وقالوا : ليكوننّ لهذا شأن. والثاني : أنّ أحد الحواريّين جاء إلى مدينة أصحاب الكهف ، فأراد أن يدخلها ، فقيل له : إنّ على بابها صنما لا يدخلها أحد إلّا سجد له ، فكره أن يدخلها ، فأتى حمّاما قريبا من المدينة ، فكان يعمل فيه بالأجر ، وعلقه فتية من أهل المدينة ، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض ، وخبر الآخرة ، فآمنوا به وصدّقوه ، حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة ، فدخل معها الحمّام ، فأنكر عليه الحواريّ ذلك ، فسبّه ودخل ، فمات وماتت المرأة في الحمّام ، فأتى الملك ، فقيل له : إنّ صاحب الحمّام قتل ابنك ، فالتمس فهرب ، فقال : من كان يصحبه؟ فسمّي له الفتية ، فالتمسوا فخرجوا من المدينة ، فمرّوا على صاحب لهم في زرع ، وهو على مثل أمرهم ، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف ، فدخلوه فقالوا : نبيت ها هنا ، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم ، فضرب الله على آذانهم فناموا ؛ وخرج الملك ، وأصحابه يتبعونهم ، فوجدوهم قد دخلوا الكهف ، فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف أرعب ، فقال قائل للملك : أليس قلت : إن قدرت عليهم قتلتهم؟ قال : بلى ، قال : فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا ، ففعل ، هذا قول وهب بن منبّه. والثالث : أنهم كانوا أبناء عظماء المدينة وأشرافهم ، خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد ، فقال رجل منهم : هو أسنّهم : إني لأجد في نفسي شيئا ما أظنّ أحدا يجده ، فقالوا : ما تجد؟ قال : أجد في نفسي أنّ ربّي ربّ السموات والأرض ، فقاموا جميعا فقالوا : ربّنا ربّ السموات والأرض. فأجمعوا أن يدخلوا الكهف ، فدخلوا ، فلبثوا ما شاء الله ، هذا قول مجاهد. وقال قتادة : كانوا أبناء ملوك الرّوم ، فتفرّدوا بدينهم في الكهف ، فضرب الله على آذانهم.

فصل : فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم ، فقال عكرمة : جاءت أمّة مسلمة ، وكان ملكهم مسلما ، فاختلفوا في الرّوح والجسد ، فقال قائل : يبعث الرّوح والجسد. وقال قائل : يبعث الرّوح وحده ، والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا ، فشقّ اختلافهم على الملك ، فانطلق فلبس المسوخ ، وقعد على الرّماد ، ودعا الله أن يبعث لهم آية تبيّن لهم ، فبعث الله أصحاب الكهف. قال

٦٧

وهب بن منبّه : جاء راع قد أدركه المطر إلى الكهف ، فقال : لو فتحت هذا الكهف ، وأدخلته غنمي من المطر ، فلم يزل يعالجه حتى فتحه ، وردّ الله إليهم أرواحهم حين أصبحوا من الغد. وقال ابن السّائب : احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني حظيرة لغنمه ، فهدم ذلك السّدّ ، فبنى به ، فانفتح باب الكهف. وقال ابن إسحاق : ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم ذلك البنيان فيبني به حظيرة لغنمه ، فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة ، فنزعاها ، وفتحا باب الكهف ، فجلسوا فرحين ، فسلّم بعضهم على بعض لا يرون في وجوههم ولا أجسادهم شيئا يكرهونه ، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أنّ ملكهم في طلبهم ، فصلّوا ، وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم : انطلق فاستمع ، ما نذكر به ، وابتغ لنا طعاما ، فوضع ثيابه ، وأخذ الثياب التي كان يتنكّر فيها ، وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف ، فعجب ، ثم مرّ مستخفيا متخوّفا أن يراه أحد فيذهب به إلى الملك ، فلما رأى باب المدينة رأى عليه علامة تكون لأهل الإيمان ، فعجب ، فخيّل إليه أنها ليست بالمدينة التي يعرف ، ورأى ناسا لا يعرفهم ، فجعل يتعجّب ويقول : لعلّي نائم ؛ فلمّا دخلها رأى قوما يحلفون باسم عيسى ، فقام مسندا ظهره إلى جدار ، وقال في نفسه : والله ما أدري ما هذا ، عشية أمس لم يكن على وجه الأرض من يذكر عيسى إلّا قتل ، واليوم أسمعهم يذكرونه ، لعلّ هذه ليست المدينة التي أعرف ، والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران ، وأخرج ورقا فأعطاه رجلا فقال : بعني طعاما ، فنظر الرجل إلى نقشه فعجب ، ثم ألقاه إلى آخر ، فجعلوا يتطارحونه بينهم ، ويتعجّبون ، ويتشاورون ، وقالوا : إنّ هذا قد أصاب كنزا ، ففرق منهم ، وظنّهم قد عرفوه ، فقال : أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه ، فقالوا له : من أنت يا فتى؟ والله لقد وجدت كنزا وأنت تريد أن تخفيه ، شاركنا فيه وإلّا أتينا بك إلى السّلطان فيقتلك. فلم يدر ما يقول ، فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول : فرّق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت. فأتوا به إلى رجلين كانا يديران أمر المدينة ، فقالا : أين الكنز الذي وجدت؟ قال : ما وجدت كنزا ، ولكن هذه ورق آبائي ، ونقش هذه المدينة وضربها ، ولكن والله ما أدري ما شأني ، ولا ما أقول لكم. قال مجاهد : كان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل ، فقالوا : من أنت ، وما اسم أبيك؟ فأخبرهم ، فلم يجدوا من يعرفه ، فقال له أحدهما : أتظنّ أنك تسخر منّا وخزائن هذه البلدة بأيدينا ، وليس عندنا من هذا الضّرب درهم ولا دينار؟! إني سآمر بك فتعذّب عذابا شديدا ، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز ، فقال يمليخا : أنبئوني عن شيء أسألكم عنه ، فإن فعلتم صدقتكم ، قالوا : سل ، قال : ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا : لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمّى دقيانوس ، وإنما هذا ملك كان منذ زمان طويل ، وهلكت بعده قرون كثيرة ، فقال : والله ما يصدّقني أحد بما أقوله ، لقد كنّا فتية ، وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان والذّبح للطّواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا ، فلمّا انتبهنا خرجت أشتري لأصحابي طعاما ، فإذا أنا كما ترون ، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي. فانطلقوا معه وسائر أهل المدينة ، وكان أصحابه قد ظنّوا لإبطائه عليهم أنه قد أخذ ، فبينما هم يتخوّفون ذلك ، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل ، فظنّوا أنهم رسل دقيانوس ، فقاموا إلى الصلاة ، وسلّم بعضهم على بعض ، فسبق يمليخا إليهم وهو يبكي ، فبكوا معه ، وسألوه عن شأنه ، فأخبرهم خبره ، وقصّ عليهم النّبأ كلّه ، فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى ، وأنّما أوقظوا ليكونوا آية للناس ، وتصديقا للبعث ، ونظر الناس إلى المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصّتهم ، فعجبوا ، وأرسلوا إلى ملكهم فجاء ،

٦٨

واعتنق القوم ، وبكى ، فقالوا له : نستودعك الله ونقرأ عليك السلام ، حفظك الله ، وحفظ ملكك. فبينا الملك قائم رجعوا إلى مضاجعهم ، وتوفّى الله عزوجل أنفسهم ، فأمر الملك أن يجعل لكلّ واحد منهم تابوت من ذهب ، فلمّا أمسوا رآهم في المنام ، فقالوا : إنّا لم نخلق من ذهب وفضة ، ولكن خلقنا من تراب ، فاتركنا كما كنّا في الكهف على التّراب حتى يبعثنا الله عزوجل منه ، وحجبهم الله عزوجل حين خرجوا من عندهم بالرعب ، فلم يقدر أحد أن يدخل عليهم ، وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلّى فيه ، وجعل لهم عيدا عظيما يؤتى كلّ سنة ، وقيل : إنه لمّا جاء يمليخا ومعه الناس ، قال : دعوني أدخل على أصحابي فأبشّرهم ، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم ، فدخل فبشّرهم ، وقبض الله روحه وأرواحهم ، فدخل الناس ، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا ، غير أنها لا أرواح فيها ، فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم.

قوله تعالى : (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ) قال الزّجّاج : المعنى : أنمناهم ومنعناهم السّمع ، لأنّ النائم إذا سمع انتبه. و (عَدَداً) منصوب على ضربين : أحدهما : على المصدر ، المعنى : تعدّ عددا. والثاني : أن يكون نعتا للسّنين ، المعنى : سنين ذات عدد ، والفائدة في ذكر العدد في الشيء المعدود ، توكيد كثرة الشيء ، لأنه إذا قلّ فهم مقداره ، وإذا كثر احتيج إلى أن يعدّ العدد الكثير. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ) من نومهم ، يقال لكلّ من خرج من الموت إلى الحياة ، أو من النّوم إلى الانتباه : مبعوث ، لأنه قد زال عنه ما كان يحبسه عن التّصرّف والانبعاث. وقيل : معنى (سِنِينَ عَدَداً) : أنه لم يكن فيها شهور ولا أيّام ، إنما هي كاملة ، ذكره الماوردي. قوله تعالى : (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) قال المفسّرون : أي : لنرى. وقال بعضهم : المعنى : لتعلموا أنتم أيّ الحزبين. وقرأ أبو الجوزاء ، وأبو عمران ، والنّخعيّ : «ليعلم» بضمّ الياء ، على ما لم يسمّ فاعله ويعني بالحزبين : المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف. (أَحْصى لِما لَبِثُوا) أي : لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء ، فكأنه وقع بينهم تنازع في مدّة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم ، فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر. قال قتادة : لم يكن للفريقين علم بلبثهم ، لا لمؤمنيهم ، ولا لكافريهم ، قال مقاتل : لمّا بعثوا زال الشّكّ وعرفت حقيقة اللبث. وقال القاضي أبو يعلى : معنى الكلام : بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدّة لبثهم ، لما في ذلك من العبرة.

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً (١٥))

قوله تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ) أي : خبر الفتية (بِالْحَقِ) أي : بالصّدق.

قوله تعالى : (وَزِدْناهُمْ هُدىً) أي : ثبّتناهم على الإيمان ، (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ) أي : ألهمناها الصّبر (إِذْ قامُوا) بين يدي ملكهم دقيانوس (فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام ، فعصم الله هؤلاء حتى عصوا ملكهم. وقال الحسن : قاموا في قومهم

٦٩

فدعوهم إلى التوحيد. وقيل : هذا قولهم بينهم لمّا اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا في أوّل القصة. فأمّا الشّطط ، فهو الجور. قال الزّجّاج : يقال : شطّ الرجل ، وأشطّ : إذ جار. ثم قال الفتية : (هؤُلاءِ قَوْمُنَا) يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس (اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أي : عبدوا الأصنام (لَوْ لا) أي : هلّا (يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ) أي : على عبادة الأصنام (بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) أي : بحجّة وإنما قال : عليهم والأصنام مؤنّثة ، لأنّ الكفّار نحلوها العقل والتّمييز ، فجرت مجرى المذكّرين من الناس.

قوله تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) فزعم أنّ له شريكا؟!

(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧))

قوله تعالى : (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ) قال ابن عباس : هذا قول يمليخا ، وهو رئيس أصحاب الكهف ، قال لهم : وإذ اعتزلتموهم ، أي : فارقتموهم ، يريد : عبدة الأصنام ، (وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) فيه قولان : أحدهما : واعتزلتم ما يعبدون ، إلّا الله ، فإنّ القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة ، فاعتزل الفتية عبادة الآلهة ، ولم يعتزلوا عبادة الله ، هذا قول عطاء الخراسانيّ ، والفرّاء. والثاني : وما يعبدون غير الله ؛ قال قتادة : هي في مصحف ، عبد الله : «وما يعبدون من دون الله» ، وهذا تفسيرها. قوله تعالى : (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) أي : اجعلوه مأواكم ، (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي : يبسط عليكم من رزقه ، (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً) قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائيّ : «مرفقا» بكسر الميم ، وفتح الفاء ، وقرأ نافع ، وابن عامر : «مرفقا» بفتح الميم وكسر الفاء ، قال الفراء : أهل الحجاز يقولون : «مرفقا» بفتح الميم وكسر الفاء في كلّ مرفق ارتفقت به ، ويكسرون مرفق الإنسان ، والعرب قد يكسرون الميم منهما جميعا. قال ابن الأنباري : معنى الآية : ويهيّئ لكم من أمركم الصّعب مرفقا ، قال الشاعر :

فليت لنا من ماء زمزم شربة

مبرّدة باتت على طهيان (١)

معناه : فليت لنا بدلا من ماء زمزم. قال ابن عباس : «ويهيّئ لكم» : يسهّل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرّفق واللّطف.

قوله تعالى : (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ) المعنى : لو رأيتها لرأيت ما وصفنا. (تَزاوَرُ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : «تزاور» بتشديد الزّاي. وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ : «تزاور» خفيفة. وقرأ ابن عامر : «تزورّ» مثل : «تحمرّ». وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو مجلز ، وأبو رجاء ، والجحدريّ : «تزوارّ» بإسكان الزّاي ، وبألف ممدودة بعد الواو من غير همزة ، مشددة الراء. وقرأ ابن مسعود ، وأبو المتوكّل ، وابن السّميفع : «تزوئرّ» بهمزة قبل الراء ، مثل : «تزوعرّ». وقرأ أبو الجوزاء ، وأبو السّمّال :

__________________

(١) البيت للأحول الكندي في «اللسان» ـ طها ـ و «البحر المحيط» ٦ / ١٠٣.

٧٠

«تزور» بفتح التاء والزّاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة الرّاء ، مثل : «تكوّر» والمعنى : تميل أو تعدل. قال الزّجّاج : «تزاور» : تتزاور ، فأدغمت التاء في الزاي ، و (تقرضهم) أي : تعدل عنهم وتتركهم ، وقال ذو الرّمّة :

إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف

شمالا وعن أيمانهنّ الفوارس (١)

يقرضن : يتركن. وأصل القرض : القطع والتّفرقة بين الأشياء ، ومنه : أقرضني درهما ، أي : اقطع لي من مالك درهما. قال المفسّرون : كان كهفهم بإزاء بنات نعش في أرض الرّوم ، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغيّر ألوانهم. ثم أخبر أنهم كانوا في متّسع من الكهف ينالهم فيه برد الرّيح ، ونسيم الهواء ، فقال : (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) قال أبو عبيدة : أي : في متّسع ، والجميع : فجوات ، وفجاء ، بكسر الفاء. وقال الزّجّاج : إنما صرف الشمس عنهم آية من الآيات ، ولم يرض قول من قال : كان كهفهم بإزاء بنات نعش.

قوله تعالى : (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ) يشير إلى ما صنعه بهم من اللطف في هدايتهم ، وصرف أذى الشمس عنهم ، والرّعب الذي ألقي عليهم حتى لم يقدر الملك الظالم ولا غيره على أذاهم. «من آيات الله» أي : من دلائله على قدرته ولطفه. (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) هذا بيان أنه هو الذي تولّى هداية القوم ، ولو لا ذلك لم يهتدوا.

(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨))

قوله تعالى : (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً) أي : لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا. قال الزّجّاج : الأيقاظ : المنتبهون ، واحدهم : يقظ ، ويقظان ، والجميع : أيقاظ ؛ والرّقود : النّيام. وقال الفرّاء : واحد الأيقاظ : يقظ ، ويقظ. قال ابن السّائب : وإنما يحسبون أيقاظا ، لأنّ أعينهم مفتّحة وهم نيام. وقيل : لتقلّبهم يمينا وشمالا. وذكر بعض أهل العلم : أنّ وجه الحكمة في فتح أعينهم ، أنه لو دام طبقها لذابت. قوله تعالى : (وَنُقَلِّبُهُمْ) وقرأ الحسن وأبو رجاء : «وتقلبهم» بتاء مفتوحة ، وسكون القاف ، وتخفيف اللام المكسورة. وقرأ أبو الجوزاء ، وعكرمة : «ونقلبهم» مثلها ، إلّا أنه بالنون. (ذاتَ الْيَمِينِ) أي : على أيمانهم وعلى شمائلهم. قال ابن عباس : كانوا يقلّبون في كلّ عام مرّتين ، ستة أشهر على هذا الجنب ، وستة أشهر على هذا الجنب ، لئلّا تأكل الأرض لحومهم. وقال مجاهد : كانوا ثلاثمائة عام على شقّ واحد ، ثمّ قلّبوا تسع سنين.

قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) أخبر أنّ الكلب كان على مثل حالهم في النّوم ، وهو في رأي العين منتبه. وفي الوصيد أربعة أقوال (٢) : أحدها : أنه الفناء فناء الكهف ، رواه ابن أبي

__________________

(١) هو في «ديوانه» ٤٠٣ و «مجاز القرآن» ١ / ٣٩٦ ومشرف والفوارس : موضعان بنجد كما في «معجم من استعجم».

(٢) قال الإمام الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٨ / ١٩٥ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الوصيد : الباب ، أو فناء الباب حيث يغلق الباب ، وذلك أن الباب يوصد وإيصاده : إطباقه وإغلاقه من قوله تعالى :

٧١

طلحة عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضّحّاك ، وقتادة ، والفرّاء. قال الفرّاء : يقال : الوصيد والأصيد لغتان ، مثل الإكاف والوكاف. وأرّخت الكتاب وورّخت ، ووكّدت الأمر وأكّدت ؛ وأهل الحجاز يقولون : الوصيد ، وأهل نجد يقولون : الأصيد ، وهو : الحظيرة والفناء. والثاني : أنه الباب ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال السّديّ ، قال ابن قتيبة : فيكون المعنى : وكلبهم باسط ذراعيه بالباب ، قال الشاعر :

بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها

عليّ ومعروفي بها غير منكر (١)

والثالث : أنه الصّعيد ، وهو التراب ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير ، ومجاهد في رواية عنهما. والرابع : أنه عتبة الباب ، قاله عطاء. قال ابن قتيبة : وهذا أعجب إليّ ، لأنهم يقولون : أوصد بابك ، أي : أغلقه ، ومنه قوله تعالى : (إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) (٢) ، أي : مطبقة مغلقة ، وأصله أن يلصق الباب بالعتبة ، إذا أغلقته ، ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء ، كان خارجا من الكهف ، وإن جعلته بعتبة الباب ، أمكن أن يكون داخل الكهف ، والكهف وإن لم يكن له باب وعتبة ، فإنما أراد أنّ الكلب بموضع العتبة من البيت ، فاستعير.

قوله تعالى : (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ) وقرأ الأعمش وأبو حصين : «لو اطّلعت» بضمّ الواو ، أي لو أشرفت عليهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً) رهبة لهم (وَلَمُلِئْتَ) قرأ عاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ : «ولملئت» خفيفة مهموزة. وقرأ ابن كثير ونافع : «ولملئت» مشددة مهموزة ، (رُعْباً) أي فزعا وخوفا ، وذلك أنّ الله تعالى منعهم بالرّعب لئلّا يدخل إليهم أحد. وقيل : إنهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا فلذلك كان الرّائي لهم لو رآهم هرب مرعوبا ، حكاه الزّجّاج.

(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠))

قوله تعالى : (وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ) أي : وكما فعلنا بهم ما ذكرنا ، بعثناهم من تلك النّومة (لِيَتَساءَلُوا) أي : ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدّة لبثهم ، فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) أي : كم مرّ علينا منذ دخلنا هذا الكهف؟ (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وذلك أنهم دخلوا غدوة ، وبعثهم الله في آخر النهار ، فلذلك قالوا : «يوما» ، فلمّا رأوا الشمس قالوا : (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) ، (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) قال ابن عباس : القائل لهذا يمليخا رئيسهم ، ردّ علم ذلك إلى الله تعالى. وقال في رواية أخرى : إنما قاله مكسلمينا ، وهو أكبرهم. قال أبو سليمان :

__________________

(إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) الهمزة : ٨.

(١) البيت لعبيد بن وهب العبسي ، وهو في «غريب القرآن» ٢٦٥ و «تفسير القرطبي» ١٠ / ٣٢٤.

(٢) سورة الهمزة : ٨.

٧٢

وهذا يوجب أن تكون نفوسهم قد حدّثتهم أنهم قد لبثوا أكثر ممّا ذكروا. وقيل : إنما قالوا ذلك ، لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا.

قوله تعالى : (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ) قال ابن الأنباري : إنما قال : «أحدكم» ، ولم يقل : واحدكم ، لئلّا يلتبس البعض بالممدوح المعظّم ، فإنّ العرب تقول : رأيت أحد القوم ، ولا يقولون : رأيت واحد القوم ، إلّا إذا أرادوا المعظّم ، فأراد بأحدهم : بعضهم ، ولم يرد شريفهم.

قوله تعالى : (بِوَرِقِكُمْ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «بورقكم» الراء مكسورة خفيفة. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم ساكنة الراء. وعن أبيّ عمرو : «بورقكم» مدغمة يشمّها شيئا من التّثقيل ؛ قال الزّجّاج : تصير كافا خالصة. قال الفرّاء : الورق لغة أهل الحجاز ، وتميم يقولون : الورق ، وبعض العرب يكسرون الواو ، فيقولون : الورق. قال ابن قتيبة. الورق : الفضّة ، دراهم كانت أو غير دراهم ، يدلّك على ذلك حديث عرفجة أنه اتّخذ أنفا من ورق. قوله تعالى : (إِلَى الْمَدِينَةِ) يعنون التي خرجوا منها ، واسمها دقسوس ، ويقال : هي اليوم طرسوس. قوله تعالى : (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها) قال الزّجّاج : المعنى : أيّ أهلها (أَزْكى طَعاماً) ، وللمفسّرين في معناه ستة أقوال : أحدها : أحلّ ذبيحة ، قاله ابن عباس ، وعطاء ، وذلك أنّ عامّة أهل بلدهم كانوا كفّارا ، فكانوا يذبحون للطّواغيت ، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم. والثاني : أحلّ طعاما ، قاله سعيد بن جبير ؛ قال الضّحّاك : وكان أكثر أموالهم غصوبا. وقال مجاهد : قالوا لصاحبهم : لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا غصب. والثالث : أكثر ، قاله عكرمة. والرابع : خير ، أي : أجود ، قاله قتادة. والخامس : أطيب ، قاله ابن السّائب ، ومقاتل. والسادس : أرخص ، قاله يمان بن رئاب. قال ابن قتيبة : وأصل الزّكاء : النّماء والزّيادة.

قوله تعالى : (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) أي : بما تأكلونه. (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي : ليدقّق النّظر فيه ، وليحتل لئلّا يطّلع عليه. (وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ) أي : ولا يخبرنّ أحدا بمكانكم. (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا) أي : يطّلعوا ويشرفوا عليكم ، (يَرْجُمُوكُمْ) وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : يقتلوكم ، قاله ابن عباس. وقال الزّجّاج : يقتلوكم بالرّجم. والثاني : يرجموكم بأيديهم ، استنكارا لكم ، قاله الحسن. والثالث : بألسنتهم شتما لكم ، قاله مجاهد ، وابن جريج.

قوله تعالى : (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) أي : يردّوكم في دينهم ، (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) أي : إن رجعتم في دينهم ، لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة.

(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١))

قوله تعالى : (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) أي : وكما أنمناهم وبعثناهم ، أطلعنا وأظهرنا عليهم. قال ابن قتيبة : وأصل هذا أنّ من عثر بشيء وهو غافل ، نظر إليه حتى يعرفه ، فاستعير العثار مكان التّبيين والظّهور ، ومنه قول الناس : ما عثرت على فلان بسوء قطّ ، أي : ما ظهرت على ذلك منه. قوله تعالى : (لِيَعْلَمُوا) في المشار إليهم بهذا العلم قولان : أحدهما : أنهم أهل بلدهم حين اختصموا في البعث ،

٧٣

فبعث الله أهل الكهف ليعلموا (أَنَّ وَعْدَ اللهِ) بالبعث والجزاء (حَقٌ) وأنّ القيامة لا شكّ فيها ، هذا قول الأكثرين. والثاني : أنهم أهل الكهف ، بعثناهم ليروا بعد علمهم أنّ وعد الله حقّ ، ذكره الماوردي. قوله تعالى : (إِذْ يَتَنازَعُونَ) يعني : أهل ذلك الزّمان. قال ابن الأنباري : المعنى : إذ كانوا يتنازعون ، ويجوز أن يكون المعنى : إذ تنازعوا. وفي ما تنازعوا فيه خمسة أقوال : أحدها : أنهم تنازعوا في البنيان ، والمسجد. فقال المسلمون : نبني عليهم مسجدا ، لأنهم على ديننا ؛ وقال المشركون : نبني عليهم بنيانا ، لأنهم من أهل سنّتنا ، قاله ابن عباس. والثاني : أنهم تنازعوا في البعث ، فقال المسلمون : تبعث الأجساد والأرواح ، وقال بعضهم : تبعث الأرواح دون الأجساد ، فأراهم الله تعالى بعث الأرواح والأجساد ببعثه أهل الكهف ، قاله عكرمة. والثالث : أنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية ، قاله مقاتل. والرابع : أنهم تنازعوا في قدر مكثهم. والخامس : تنازعوا في عددهم ، ذكرهما الثّعلبيّ. قوله تعالى : (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) أي : استروهم من الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان. وفي القائلين لهذا قولان : أحدهما : أنهم مشركو ذلك الزمان ، وقد ذكرناه عن ابن عباس. والثاني : أنهم الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف ، قاله ابن السّائب. قوله تعالى : (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) قال ابن قتيبة : يعني المطاعين والرّؤساء ، قال المفسّرون : وهم الملك وأصحابه المؤمنين اتّخذوا عليهم مسجدا. قال سعيد بن جبير : بنى عليهم الملك بيعة.

(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤))

قوله تعالى : (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ) قال الزّجّاج : (ثَلاثَةٌ) مرفوع بخبر الابتداء ، المعنى : سيقول الذين يتنازعون في أمرهم هم ثلاثة. وفي هؤلاء القائلين قولان :

(٩٢٩) أحدهما : أنهم نصارى نجران ، ناظروا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في عدّة أهل الكهف ، فقالت الملكيّة : هم ثلاثة رابعهم كلبهم ، وقالت اليعقوبيّة : هم خمسة سادسهم كلبهم ، وقالت النّسطوريّة : هم سبعة وثامنهم كلبهم ، فنزلت هذه الآية : رواه الضّحّاك عن ابن عباس.

والثاني : أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم ، ذكره الماوردي.

قوله تعالى : (رَجْماً بِالْغَيْبِ) أي : ظنّا غير يقين ، قال زهير :

وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

فأمّا دخول الواو في قوله : (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) ولم تدخل فيما قبل هذا ، ففيه أربعة أقوال : أحدها : أنّ دخولها وخروجها واحد ، قاله الزّجّاج. والثاني : أنّ ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على

____________________________________

(٩٢٩) باطل. عزاه المصنف للضحاك عن ابن عباس ، والضحاك لم يلق ابن عباس ، ثم إن الراوي عن الضحاك على الدوام إنما هو جويبر ذاك المتروك.

٧٤

أنها مرادة في الجملتين المتقدّمتين ، فأعلم بذكرها ها هنا أنها مرادة فيما قبل ، وإنما حذفت تخفيفا ، ذكره أبو نصر في «شرح اللمع». والثالث : أنّ دخولها يدلّ على انقطاع القصة ، وأنّ الكلام قد تمّ ، ذكره الزّجّاج أيضا ، وهو مذهب مقاتل بن سليمان ، وإن الواو تدل على تمام الكلام قبلها ، واستئناف ما بعدها ؛ قال الثّعلبيّ : فهذه واو الحكم والتّحقيق ، كأنّ الله تعالى حكى اختلافهم ، فتمّ الكلام عند قوله : (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ) ، ثم حكم أنّ ثامنهم كلبهم. وجاء في بعض التّفسير أنّ المسلمين قالوا عند اختلاف النّصارى : هم سبعة ، فحقّق الله قول المسلمين. والرابع : أنّ العرب تعطف بالواو على السبعة ، فيقولون : ستة ، سبعة ، وثمانية ، لأنّ العقد عندهم سبعة ، كقوله : (التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ) ... إلى أن قال في الصّفة الثامنة : (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (١) ، وقوله في صفة الجنّة : (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) وفي صفة النّار : (فُتِحَتْ أَبْوابُها) (٢) ، لأنّ أبواب النار سبعة ، وأبواب الجنّة ثمانية ، ذكر هذا المعنى أبو إسحاق الثّعلبيّ.

وقد اختلف العلماء في عددهم على قولين : أحدهما : أنهم كانوا سبعة ، قاله ابن عباس. والثاني : ثمانية ، قاله ابن جريج ، وابن إسحاق. وقال ابن الأنباري : وقيل : معنى قوله : (وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) : صاحب كلبهم ، كما يقال : السّخاء حاتم ، والشّعر زهير ، أي : السّخاء سخاء حاتم ، والشّعر شعر زهير. فأمّا أسماؤهم (٣) ، فقال هشيم : مكسلمينا ، ويمليخا ، وطرينوس ، وسدينوس ، وسرينوس ، ونواسس ، ويرانوس ، وفي التّفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به.

واختلفوا في كلبهم لمن كان على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه كان لراع مرّوا به فتبعهم الرّاعي والكلب ، قاله ابن عباس. والثاني : أنه كان لهم يتصيّدون عليه ، قاله عبيد بن عمير. والثالث : أنهم مرّوا بكلب فتبعهم ، فطردوه ، فعاد ، ففعلوا ذلك به مرارا ، فقال لهم الكلب : ما تريدون مني؟! لا تخشوا جانبي أنا أحبّ أحبّاء الله تعالى ، فناموا حتى أحرسكم. قاله كعب الأحبار. وفي اسم كلبهم أربعة أقوال : أحدها : قطمير ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : أن اسمه الرّقيم ، وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير. والثالث : قطمور ، قاله عبد الله بن كثير. والرابع : حمران ، قاله شعيب الجبّائي (٤).

وفي صفته ثلاثة أقوال : أحدها : أحمر ، حكاه الثّوريّ. والثاني : أصفر ، حكاه ابن إسحاق. والثالث : أحمر الرأس ، أسود الظّهر ، أبيض البطن ، أبلق الذّنب ، ذكره ابن السّائب.

قوله تعالى : (رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) حرّك الياء ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وأسكنها الباقون.

قوله تعالى : (ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) أي : ما يعلم عددهم إلّا قليل من الناس. قال عطاء يعني بالقليل : هم سبعة ، إنّ الله عدّهم حتى انتهى إلى السبعة.

قوله تعالى : (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) قال ابن عباس ، وقتادة : لا تمار أحدا ، حسبك ما قصصت عليك من أمرهم. وقال ابن زيد : لا تمار في عدّتهم إلّا مراء ظاهرا أن تقول لهم : ليس كما

__________________

(١) سورة التوبة : ١١٢.

(٢) سورة الزمر : ٧١ ـ ٧٣.

(٣) الوقوف على أسمائهم ، والكشف عن صفاتهم وأحوالهم زيادة على ما ذكر القرآن إنما هو مجرد تخمين وكهانة ، وليس فيه كبير فائدة.

(٤) قال في «الميزان» ٢ / ٢٧٨ : شعيب الجبائي ، أخباري متروك ، قاله الأزدي ، وجبأ من أعمال الجند باليمن.

٧٥

تقولون ، ليس كما تعلمون. وقيل : «إلا مراء ظاهرا» بحجّة واضحة ، حكاه الماوردي. والمراء في اللغة : الجدال ؛ يقال : مارى يماري مماراة ومراء ، أي : جادل. قال ابن الأنباري : معنى الآية : لا تجادل إلّا جدال متيقّن عالم بحقيقة الخبر ، إذ الله تعالى ألقى إليك ما لا يشوبه باطل. وتفسير المراء في اللغة : استخراج غصب المجادل ، من قولهم : مريت الشّاة : إذا استخرجت لبنها. قوله تعالى : (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ) أي : في أصحاب الكهف ، (منهم) قال ابن عباس : يعني : من أهل الكتاب. قال الفرّاء : أتاه فريقان من النّصارى ، نسطوريّ ، ويعقوبيّ ، فسألهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عددهم ، فنهي عن ذلك.

قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ).

(٩٣٠) سبب نزولها أنّ قريشا سألوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذي القرنين ، وعن الرّوح ، وعن أصحاب الكهف ، فقال : غدا أخبركم بذلك ، ولم يقل : إن شاء الله ، فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء ، فشقّ ذلك عليه ، ثم نزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. ومعنى الكلام : ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدا ، إلّا أن تقول : إن شاء الله ، فحذف القول.

قوله تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) قال ابن الأنباري : معناه : واذكر ربّك بعد تقضي النّسيان ، كما تقول : اذكر لعبد الله ـ إذا صلّى ـ حاجتك ، أي : بعد انقضاء الصّلاة.

وللمفسّرين في معنى الآية ثلاثة أقوال (١) : أحدها : أن المعنى : إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت ،

____________________________________

(٩٣٠) عزاه المصنف لأبي صالح عن ابن عباس ، ورواية أبي صالح هو الكلبي ، وهو ممن يضع الحديث ، فالخبر من هذا الوجه ليس بشيء. وذكره الواحدي في «الوسيط» ٣ / ١٤٣ نقلا عن المفسرين. وذكره ابن هشام في «السيرة» ١ / ٢٣٥ ـ ٢٣٨ ـ ٢٤٤ عن ابن إسحاق مطوّلا ، وهذا معضل ، فهو ضعيف. وأخرجه الطبري ٢٢٨٦١ والبيهقي في «الدلائل» ٢ / ٢٦٩ ـ ٢٧١ كلاهما عن ابن إسحاق حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، فذكره بنحو ما ذكره ابن هشام ، وإسناده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق وليس فيه سبب نزول هذه الآية. ولبعضه شواهد ، وبعضه الآخر غريب.

وأما سؤال قريش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخرجه الترمذي ٣١٤٠ وأحمد ١ / ٢٥٥ وابن حبان ٩٩ والحاكم ٢ / ٥٣١ والبيهقي في «الدلائل» ٢ / ٢٦٩ وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب اه. عن عكرمة عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل ، فقالوا : سلوه عن الروح ، قال : فسألوه عن الروح ، فأنزل الله : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) قالوا : أوتينا علما كثيرا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ، فأنزلت (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ) إلى آخر الآية. لفظ الترمذي. وليس في الحديث سبب نزول هذه الآية. انظر «أحكام القرآن» ١٤٦٠ و ١٤٦١ بتخريجنا.

__________________

(١) قال الحافظ ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ١٠٢ في تفسير هذه الآية : هذا إرشاد من الله تعالى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يردّ ذلك إلى مشيئة الله عزوجل علّام الغيوب.

وقوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) قيل معناه : إذا نسيت الاستثناء ، فاستثن عند ذكرك له ، وعن ابن عباس في الرجل يحلف؟ قال : له أن يستثني ولو إلى سنة. ومعنى قول ابن عباس إذا نسي أن يقول في حلفه أو كلامه «إن شاء الله» وذكر ولو بعد سنة ، ولو بعد الحنث فالسّنة أن يقول ذلك ليكون آتيا بسنّة الاستثناء. ولا يكون ذلك رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة ، فأما الكفارة فله لازمة بالحنث بكل حال ، إلا أن يكون استثناؤه موصولا بالحلف. قاله ابن جرير وهو الصحيح والأليق بحمل كلام ابن عباس عليه ، والله أعلم. اه.

٧٦

فقل : إن شاء الله ، ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة ، قاله سعيد بن جبير ، والجمهور. والثاني : أنّ معنى «إذا نسيت» : إذا غضبت ، قاله عكرمة ، قال ابن الأنباري : وليس ببعيد ، لأنّ الغضب ينتج النّسيان. والثالث : إذا نسيت الشيء فاذكر الله ليذكّرك إيّاه ، حكاه الماوردي.

فصل : وفائدة الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل ما حلف عليه ، كقوله تعالى في قصة موسى : (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً) (١) ، ولم يصبر ، فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقّه. ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصحّ الاستثناء في الطلاق والعتاق ، وأنه إذا قال : أنت طالق إن شاء الله ، وأنت حرّ إن شاء الله ، أنّ ذلك يقع ، وهو قول مالك ؛ وقال أبو حنيفة والشّافعيّ : لا يقع شيء من ذلك. وأمّا اليمين بالله تعالى ، فإنّ الاستثناء فيها يصحّ ، بخلاف الطّلاق ، وكذلك الاستثناء في كلّ ما يكفّر ، كالظّهار ، والنّذر ، لأنّ الطّلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع ، وإذا علّق به المشيئة ، علمنا وجودها ، لوجود لفظ الإيقاع من جهته ، بخلاف سائر الأيمان ، لأنها ليست بموجبات للحكم ، وإنما تتعلّق بأفعال مستقبلة. وقد اختلف في الوقت الذي يصحّ فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يصحّ الاستثناء إلّا موصولا بالكلام ، وقد روي عن أحمد نحو هذا ، وبه قال أكثر الفقهاء. والثاني : أنه يصحّ ما دام في المجلس قاله الحسن وطاوس ، وعن أحمد نحوه. والثالث : أنه لو استثنى بعد سنة ، جاز ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وقال ابن جرير الطّبري : الصّواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه ، فيقول : إن شاء الله ، ليخرج بذلك ممّا ألزمه الله في هذه الآية ، فيسقط عنه الحرج ، فأمّا الكفّارة فلا تسقط عنه بحال ، إلّا أن يكون الاستثناء موصولا بيمينه ، ومن قال : له ثنياه ولو بعد سنة ، أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاستثناء دون الكفّارة.

قوله تعالى : (وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي) قرأ نافع ، وأبو عمرو : «يهديني ربّي» بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء في الحالين. وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائيّ بغير ياء في الحالين. وفي معنى الكلام قولان : أحدهما : عسى أن يعطيني ربّي من الآيات والدّلالات على النّبوّة ما يكون أقرب في الرّشد وأدلّ من قصّة أصحاب الكهف ، ففعل الله له ذلك ، وآتاه من علم غيوب المرسلين ما هو أوضح في الحجّة وأقرب إلى الرّشد من خبر أصحاب الكهف ؛ هذا قول الزّجّاج. والثاني : أنّ قريشا لمّا سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يخبرهم خبر أصحاب الكهف ، قال : «غدا أخبركم» (٢) كما شرحنا في سبب نزول الآية ، فقال الله تعالى له : (وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي) أي : عسى أن يعرفني جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حدّدته لكم ، ويعجّل لي من جهته الرّشاد ، هذا قول ابن الأنباري.

(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦))

قوله تعالى : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم وابن عامر : «ثلاثمائة سنين» منوّنا وقرأ حمزة والكسائيّ : «ثلاثمائة سنين» مضافا غير منوّن. قال أبو

__________________

(١) سورة الكهف : ٦٩.

(٢) انظر الحديث المتقدم ٩٤٩.

٧٧

عليّ : العدد المضاف إلى الآحاد قد جاء مضافا إلى الجميع ، قال الشاعر :

وما زوّدوني غير سحق عمامة

وخمسمئ منها قسيّ وزائف(١)

وفي هذا الكلام قولان (٢) : أحدهما : أنه حكاية عمّا قال الناس في حقّهم ، وليس بمقدار لبثهم ، قاله ابن عباس ، واستدلّ عليه فقال : لو كانوا لبثوا ذلك لما قال : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) وكذلك قال قتادة ، هذا قول أهل الكتاب. والثاني : أنه مقدار ما لبثوا ، قاله عبيد بن عمير ومجاهد والضّحّاك وابن زيد ؛ والمعنى : لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أنّ بعثهم الله وأطلع الخلق عليهم. قوله تعالى : (سِنِينَ) قال الفرّاء وأبو عبيدة والكسائيّ والزّجّاج : التّقدير : سنين ثلاثمائة. قال ابن قتيبة : المعنى : أنها لم تكن شهورا ولا أيّاما ، إنما كانت سنين. وقال أبو عليّ الفارسيّ : «سنين» بدل من قوله : «ثلاثمائة». قال الضّحّاك : نزلت (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ) فقالوا : أيّاما أو شهورا أو سنين؟ فنزلت : «سنين» فلذلك قال : «سنين» ، ولم يقل : سنة.

قوله تعالى : (وَازْدَادُوا تِسْعاً) يعني : تسع سنين ، فاستغنى عن ذكر السّنين بما تقدّم من ذكرها. ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدّة لبثهم من أهل الكتاب المختلفين فيها ، فقال : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) قال ابن السّائب : قالت نصارى نجران : أمّا الثلاثمائة ، فقد عرفناها ، وأما التّسع ، فلا علم لنا بها (٣) ، فنزل قوله تعالى : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) وقيل : إنّ أهل الكتاب قالوا : إنّ للفتية منذ دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين ، فردّ عليهم ذلك ، وقال : (قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) بعد أن قبض أرواحهم إلى يومكم هذا ، لا يعلم بذلك غير الله. وقيل : إنما زاد التّسع ، لأنه تفاوت ما بين السّنين الشّمسيّة والسّنين القمريّة ، حكاه الماوردي.

قوله تعالى : (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) فيه قولان : أحدهما : أنه على مذهب التّعجّب ، فالمعنى : ما أسمع الله وأبصره ، أي : هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم ، هذا قول الزّجّاج ، وذكر أنه إجماع العلماء. والثاني : أنه في معنى الأمر ، فالمعنى : أبصر بدين الله وأسمع ، أي : أبصر بهدى الله واسمع ، فترجع الهاء إمّا على الهدى ، وإمّا على الله عزوجل ، ذكره ابن الأنباري. قوله تعالى : (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ) أي : ليس لأهل السّموات والأرض من دون الله من ناصر ، (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما حكم به ، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكا لله عزوجل في حكمه. وقرأ ابن عامر : «ولا تشرك» جزما بالتاء ، والمعنى : لا تشرك أيّها الإنسان.

(وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ

__________________

(١) البيت لمزرّد كما في «اللسان» مادة ـ مأي ـ سحق. والسّحق : الثوب الخلق البالي. ودرهم قسيّ : رديء.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله ٨ / ٢١١ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عز ذكره : ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودا إلى أن بعثهم الله ، ليتساءلوا بينهم وإلى أن أعثر عليهم من أعثر ثلاث مائة سنين وتسع سنين ثم قال الله جل ثناؤه لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قل يا محمد : الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض الله أرواحهم ، من بعد أن بعثهم من رقدتهم إلى يومهم هذا ، لا يعلم بذلك غير الله ، وغير من أعلمه الله ذلك. وهو اختيار ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ١٠٣.

(٣) عزاه المصنف لابن السائب ، وهو الكلبي ، وهو ساقط الرواية.

٧٨

نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨))

قوله تعالى : (وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ) في هذه التّلاوة قولان : أحدهما : أنها بمعنى القراءة. والثاني : بمعنى الاتّباع. فيكون المعنى على الأول : اقرأ القرآن ، وعلى الثاني : اتّبعه واعمل به. وقد شرحنا في سورة الأنعام معنى (لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) (١). قوله تعالى : (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) قال مجاهد ، والفرّاء : ملجأ. وقال الزّجّاج : معدلا عن أمره ونهيه. وقال غيرهم : موضعا تميل إليه في الالتجاء. قوله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) سبب نزولها :

(٩٣١) أنّ المؤلّفة قلوبهم جاءوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، وذووهم ، فقالوا : يا رسول الله : لو أنك جلست في صدر المجلس ، ونحّيت هؤلاء عنّا ، ـ يعنون سليمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصّوف ـ جلسنا إليك ، وأخذنا عنك ، فنزلت هذه الآية إلى قوله : (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً) ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلتمسهم ، حتى إذا أصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون الله ، قال : «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمّتي ، معكم المحيا ومعكم الممات». هذا قول سلمان الفارسيّ.

ومعنى قوله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) أي : احبسها معهم على أداء الصّلوات (بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ). وقد فسّرنا هذه الآية في سورة الأنعام (٢) إلى قوله تعالى : (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ) أي : لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشّرف ؛ وكان عليه‌السلام حريصا على إيمان الرّؤساء ليؤمن أتباعهم ، ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قطّ ، فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين. قوله تعالى : (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) سبب نزولها أنّ أميّة بن خلف الجمحي ، دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى طرد الفقراء عنه ، وتقريب صناديد أهل مكّة ، فنزلت هذه الآية (٣) ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. وفي رواية أخرى عنه أنه قال : هو عيينة وأشباهه. ومعنى «أغفلنا قلبه» : جعلناه غافلا. وقرأ أبو مجلز : «ومن أغفلنا» بفتح اللام ، ورفع باء القلب. «عن ذكرنا» : أي عن التّوحيد والقرآن والإسلام ، (وَاتَّبَعَ

____________________________________

(٩٣١) باطل. أخرجه الطبري ٢٣٠٢٢ وأبو نعيم ١ / ٣٤٥ والواحدي وفي «أسباب النزول» ٦٠٠ والبيهقي في «الشعب» ١٠٤٩٤ من حديث سلمان الفارسي وإسناده ضعيف جدا ، فيه سليمان بن عطاء ، قال البخاري : منكر الحديث. والمتن باطل ، فإن السورة مكية ، وإسلام سلمان مدني ، وكذا عيينة بن حصن وفد في المدينة. والمرفوع منه لا بأس به. أخرجه الطبري ٢٣٠٢٠ عن قتادة مرسلا فهو ضعيف وأخرجه البيهقي في «الدلائل» ١ / ٣٥١ ـ ٣٥٢ من حديث أبي سعيد الخدري وإسناده ضعيف ، فيه العلاء بن بشير ، وهو مجهول ، ومع ذلك ليس فيه ذكر سلمان وعيينة ولا نزول الآية. عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم ، وإن بعضهم يستتر ببعض من العري ، وقارئ لنا يقرأ علينا ، فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم نفسي» كما في «الدلائل».

__________________

(١) سورة الأنعام : ١١٥.

(٢) سورة الأنعام : ٥٢.

(٣) ضعيف جدا. أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» ٦٠١ من طريق جويبر بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس ، وجويبر متروك ، والضحاك لم يلق ابن عباس ، فالخبر واه بمرة.

٧٩

هَواهُ) في الشّرك. (وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) فيه أربعة أقوال (١) : أحدها : أنها أفرط في قوله ، لأنه قال : إنّا رؤوس مضر ، وإن نسلم يسلم الناس بعدنا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : ضياعا ، قاله مجاهد. وقال أبو عبيدة : سرفا وتضييعا. والثالث : ندما ، حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة. والرابع : كان أمره التّفريط ، والتّفريط : تقديم العجز ، قاله الزّجّاج.

(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩))

قوله تعالى : (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) قال الزّجّاج : المعنى : وقل الذي أتيتكم به ، الحقّ من ربّكم. قوله تعالى : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) فيه ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : فمن شاء الله فليؤمن ، روي عن ابن عباس. والثاني : أنه وعيد وإنذار ، وليس بأمر ، قاله الزّجّاج. والثالث : أنّ معناه : لا تنفعون الله بإيمانكم ، ولا تضرّونه بكفركم ، قاله الماوردي. وقال بعضهم : هذا إظهار للغنى ، لا إطلاق في الكفر.

قوله تعالى : (إِنَّا أَعْتَدْنا) أي : هيّأنا وأعددنا ، وقد شرحناه في قوله : (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) (٣) فأمّا الظالمون ، فقال المفسّرون : هم الكافرون. فأمّا السّرادق ، فقال الزّجّاج : السّرادق : كلّ ما أحاط بشيء ، نحو الشّقّة في المضرب ، أو الحائط المشتمل على الشيء. وقال ابن قتيبة : السّرادق : الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي ، قال : السّرادق فارسيّ معرّب ، وأصله بالفارسيّة سرادار ، وهو الدّهليز ، قال الفرزدق :

تمنّيتهم حتّى إذا ما لقيتهم

تركت لهم قبل الضّراب السّرادقا (٤)

وفي المراد بهذا السّرادق قولان : أحدهما : أنه سرادق من نار ، قاله ابن عباس.

(٩٣٢) روى أبو سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «لسرادق النار أربعة جدر كثف ، كلّ جدار منها مسيرة أربعين سنة». وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس ، قال : السّرادق : لسان من النار ، يخرج من النار فيحيط بهم حتى يفرغ من حسابهم.

____________________________________

(٩٣٢) ضعيف. أخرجه الترمذي ٢٥٨٤ والطبري ٢٣٠٣٧ من طريق ابن المبارك به. وأخرجه الحاكم ٤ / ٦٠٠ و ٦٠١ والطبري ٢٣٠٣٨ من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث به ، وصححه! وسكت عنه الذهبي! مع أنه من رواية دراج عن أبي الهيثم ، لكن قال الذهبي في مواضع كثيرة : دراج ذو مناكير. وأخرجه أحمد ٣ / ٢٩ وأبو يعلى ١٣٨٩ والواحدي في «الوسيط» ٣ / ١٤٦ من طريق الحسن بن موسى عن ابن لهيعة عن درّاج به. فالإسناد ضعيف.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله ٨ / ٢١٦ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : ضياعا وهلاكا من قولهم : أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا ، إذا أسرف فيه وتجاوز.

(٢) قال الحافظ ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ١٠٥ : يقول الله تعالى لرسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ، ولهذا قال : (إِنَّا أَعْتَدْنا) أي : أرصدنا (لِلظَّالِمِينَ) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه (ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) أي : سورها.

(٣) سورة يوسف : ٣١.

(٤) كما في «ديوانه» ٢ / ٥٨٦ و «المعرّب» : ٢٠٠.

٨٠