زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

الزّجّاج : أي : ذات لذّة. (لا فِيها غَوْلٌ) فيه سبعة أقوال : أحدها : ليس فيها صداع ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني : ليس فيها وجع بطن ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد وابن زيد. والثالث : ليس فيها وجع ولا صداع رأس ، قاله قتادة. والرابع : ليس فيها أذى ولا مكروه ، قاله سعيد بن جبير. والخامس : لا تغتال عقولهم ، قاله السّدّيّ. وقال الزّجّاج : لا تغتال عقولهم فتذهب بها ولا يصيبهم منها وجع. والسادس : ليس فيها إثم ، حكاه ابن جرير. والسابع : ليس فيها شيء من هذه الآفات ، لأنّ كلّ من ناله شيء من هذه الآفات قيل : قد غالته غول ، فالصواب أن يكون نفي الغول عنها يعمّ جميع هذه الأشياء ، هذا اختيار ابن جرير. قوله تعالى : (وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) قرأ حمزة ، والكسائيّ : بكسر الزاي ها هنا وفي الواقعة ، وفتح عاصم الزاي ها هنا ، وكسرها في الواقعة (١). وقرأ ابن كثير ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، بفتح الزاي في السّورتين ، قال الفرّاء : فمن فتح ، فالمعنى : لا تذهب عقولهم بشربها. يقال للسّكران : نزيف ومنزوف ؛ ومن كسر ، ففيه وجهان : أحدهما : لا ينفدون شرابهم ، أي : هو دائم أبدا. والثاني : لا يسكرون ، قال الشاعر :

لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم

لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا (٢)

قوله تعالى : (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ) فيه قولان : أحدهما : أنهنّ نساء قد قصرن طرفهنّ على أزواجهنّ فلا ينظرن إلى غيرهم. وأصل القصر : الحبس ، قال ابن زيد : إنّ المرأة منهنّ لتقول لزوجها : وعزّة ربّي ما أرى في الجنّة شيئا أحسن منك ، فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك زوجي. والثاني : أنهنّ قد قصرن طرف الأزواج عن غيرهنّ ، لكمال حسنهنّ ، سمعته من الشيخ أبي محمّد بن الخشّاب النّحوي.

وفي العين ثلاثة أقوال : أحدها : حسان العيون ، قاله مجاهد. والثاني : عظام الأعين ، قاله السّدّيّ. وابن زيد. والثالث : كبار العيون حسانها ، وواحدتهنّ عيناء ، قاله الزّجّاج.

قوله تعالى : (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) في المراد بالبيض ها هنا ثلاثة أقوال : أحدها : أنه اللؤلؤ ، رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال أبو عبيدة. والثاني : بيض النّعام ، قاله الحسن ، وابن زيد ، والزّجّاج. قال جماعة من أهل اللغة : والعرب تشبّه المرأة الحسناء في بياضها وحسن لونها ببيضة النّعامة ، وهو أحسن ألوان النساء ، وهو أن تكون المرأة بيضاء مشرّبة صفرة. والثالث : أنه البيض حين يقشر قبل أن تمسّه الأيدي ، قاله السّدّيّ ، وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن جرير. فأمّا المكنون ، فهو المصون. فعلى القول الأول : هو مكنون في صدفه ، وعلى الثاني : هو مكنون بريش النّعام ، وعلى الثالث : هو مكنون بقشره.

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ

__________________

(١) الواقعة : ١٩.

(٢) البيت للأبيرد الرياحي من بني محجل كما في «اللسان» ـ نزف ـ.

٥٤١

مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١))

قوله تعالى : (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) يعني أهل الجنّة (يَتَساءَلُونَ) عن أحوال كانت في الدنيا. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أنه الصّاحب في الدنيا. والثاني : أنه الشّريك ، رويا عن ابن عباس. والثالث : أنه الشيطان ، قاله مجاهد. والرابع : أنه الأخ ؛ قال مقاتل : وهما الأخوان المذكوران في سورة الكهف (١) في قوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ) ؛ والمعنى : كان لي صاحب أو أخ ينكر البعث ، (يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) قال الزّجّاج : هي مخفّفة الصاد ، من صدّق يصدّق فهو مصدّق ، ولا يجوز ها هنا تشديد الصاد ، قال المفسّرون : والمعنى : أإنّك لمن المصدّقين بالبعث؟ وقرأ بكر بن عبد الرّحمن القاضي عن حمزة : «المصدّقين» بتشديد الصاد. قوله تعالى : (أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) أي : مجزيّون بأعمالنا ، يقال : دنته بما صنع ، أي : جازيته. فأحبّ المؤمن أن يرى قرينه الكافر ، فقال لأهل الجنّة : (هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) أي : هل تحبّون الاطّلاع إلى النّار لتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهلها؟ وقرأ ابن عباس ، والضّحّاك ، وأبو عمران ، وابن يعمر : «هل أنتم مطلعون» بإسكان الطاء وتخفيفها «فأطلع» بهمزة مرفوعة وسكون الطاء. وقرأ أبو رزين وابن أبي عبلة : «مطلعون» بكسر النون ، قال ابن مسعود : اطّلع ثم التفت إلى أصحابه فقال : لقد رأيت جماجم القوم تغلي ؛ قال ابن عباس : وذلك أنّ في الجنّة كوى ينظر منها أهلها إلى النار. قوله تعالى : (فَرَآهُ) يعني قرينه الكافر (فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) أي : في وسطها. وقيل : إنما سمّي الوسط سواء ، لاستواء المسافة منه إلى الجوانب. قال خليد العصريّ : والله لو لا أنّ الله عرّفه إيّاه ، ما عرفه ، لقد تغيّر حبره وسبره. فعند ذلك (قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) قال المفسّرون : معناه : والله ما كدت إلّا تهلكني ؛ يقال : أرديت فلانا ، أي : أهلكته. (وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي) أي : إنعامه عليّ بالإسلام (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) معك في النار.

قوله تعالى : (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه إذا ذبح الموت ، قال أهل الجنّة : (أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى) التي كانت في الدنيا (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) فيقال لهم : لا ؛ فعند ذلك قالوا : (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فيقول الله تعالى : (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) ، قاله ابن السّائب. وقيل : يقول ذلك للملائكة. والثاني : أنه قول المؤمن لأصحابه ، فقالوا له : إنك لا تموت ، فقال : «إنّ هذا لهو الفوز العظيم» ، قاله مقاتل. وقال أبو سليمان الدّمشقيّ : إنما خاطب المؤمن أهل الجنّة بهذا على طريق الفرح بدوام النّعيم ، لا على طريق الاستفهام ، لأنه قد علم أنّهم ليسوا بميّتين ، ولكن أعاد الكلام ليزداد بتكراره على سمعه سرورا. والثالث : أنه قول المؤمن لقرينه الكافر على جهة التّوبيخ بما كان ينكره ، ذكره الثّعلبي.

قوله تعالى : (لِمِثْلِ هذا) يعني النّعيم الذي ذكره في قوله : (أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) (٢) ، (فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) ، وهذا ترغيب في طلب ثواب الله عزوجل بطاعته.

(أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ

__________________

(١) الكهف : ٣٢.

(٢) الصافات : ٤١.

٥٤٢

الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤))

(أَذلِكَ خَيْرٌ) يشير إلى ما وصف لأهل الجنّة (نُزُلاً) قال ابن قتيبة : أي : رزقا ، ومنه : إقامة الأنزال ، وإنزال الجنود : أرزاقها ، وقال الزّجّاج : النّزل ها هنا : الرّيع والفضل ، تقول : هذا طعام نزل ونزل ، بتسكين الزاي وضمّها ؛ والمعنى : أذلك خير في باب الأنزال التي تتقوّت ويمكن معها الإقامة ، أم نزل أهل النّار؟! وهو قوله تعالى : (أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ). واختلف العلماء هل هذه الشجرة في الدنيا ، أم لا؟ فقال قطرب : هي شجرة مرّة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر. وقال غيره : الزّقّوم : ثمرة شجرة كريهة الطّعم. وقيل : إنها لا تعرف في شجر الدنيا ، وإنما هي في النّار ، يكره أهل النّار على تناولها. قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ) يعني للكافرين ، وفي المراد بالفتنة ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لمّا ذكر أنها في النّار ، افتتنوا وكذّبوا ، فقالوا : كيف يكون في النّار شجرة ، والنّار تأكل الشجر؟ ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة (١) ، وقال السّدّيّ : فتنة لأبي جهل وأصحابه. والثاني : أنّ الفتنة بمعنى العذاب ، قاله ابن قتيبة. والثالث : أنّ الفتنة بمعنى الاختبار ، اختبروا بها فكذّبوا ، قاله الزّجّاج.

قوله تعالى : (تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) أي : في قعر النّار. قال الحسن : أصلها في قعر النّار ، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. (طَلْعُها) أي : ثمرها ، وسمّي طلعا ، لطلوعه (كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ). فإن قيل : كيف شبّهها بشيء لم يشاهد؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه قد استقرّ في النّفوس قبح الشياطين ـ وإن لم تشاهد ـ فجاز تشبيهها بما قد علم قبحه ، قال امرؤ القيس :

أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

قال الزّجّاج : هو لم ير الغول ولا أنيابها ، ولكنّ التمثيل بما يستقبح أبلغ في باب المذكّر أن يمثّل بالشياطين ، وفي باب المؤنّث أن يشبّه بالغول.

والثاني : أنّ بين مكّة واليمن شجرا يسمّى رؤوس الشياطين ، فشبّهها بها ، قاله ابن السّائب. والثالث : أنه أراد بالشياطين : حيّات لها رؤوس ولها أعراف ، فشبّه طلعها برءوس الحيّات ، ذكره الزّجّاج. قال الفرّاء : والعرب تسمّي بعض الحيّات شيطانا ، وهو حيّة ذو عرف قبيح الوجه.

قوله تعالى : (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها) أي : من ثمرها (فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ) وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم. (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) قال ابن قتيبة : أي : لخلطا من الماء الحارّ يشربونه عليها. قال أبو عبيدة : تقول العرب : كلّ شيء خلطته بغيره فهو مشوب. قال المفسّرون : إذا أكلوا الزّقّوم ثم شربوا عليه الحميم ، شاب الحميم الزّقّوم في بطونهم فصار شوبا له. (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ) أي : بعد أكل الزّقّوم وشرب الحميم (لَإِلَى الْجَحِيمِ) وذلك أنّ الحميم خارج من الجحيم ، فهم يوردونه

__________________

(١) مرسل. أخرجه الطبري ٢٩٣٩٨ عن قتادة مرسلا ، وتقدم في سورة الإسراء : ٦٠.

٥٤٣

كما تورد الإبل الماء ، ثم يردّون إلى الجحيم ؛ ويدلّ على هذا قوله : (يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) (١). و (أَلْفَوْا) بمعنى وجدوا. و (يُهْرَعُونَ) مشروح في هود (٢) ، والمعنى أنهم يتّبعون آباءهم في سرعة. (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ) أي : قبل هؤلاء المشركين (أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) من الأمم الخالية.

قوله تعالى : (إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) يعني الموحّدين ، فإنّهم نجوا من العذاب. قال ابن جرير : وإنما حسن الاستثناء ، لأنّ المعنى : فانظر كيف أهلكنا المنذرين إلّا عباد الله.

(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢))

(وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ) أي : دعانا. وفي دعائه قولان : أحدهما : أنه دعا مستنصرا على قومه. والثاني : أن ينجيه من الغرق (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) نحن ؛ والمعنى : إنّا أنجيناه ، وأهلكنا قومه. وفي (الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) قولان : أحدهما : أنه الغرق. والثاني : أذى قومه. (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وذلك أنّ نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده ، فالناس كلّهم من ولد نوح ، (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ) أي : تركنا عليه ذكرا جميلا (فِي الْآخِرِينَ) وهم الذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة. قال الزّجّاج : وذلك الذّكر الجميل قوله تعالى : (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) وهم الذين جاءوا من بعده ، والمعنى : تركنا عليه أن يصلّى عليه في الآخرين إلى يوم القيامة. قوله تعالى : (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) قال مقاتل : جزاه الله بإحسانه الثّناء الحسن في العالمين.

(وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١))

قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ) أي : من أهل دينه وملّته. والهاء في «شيعته» عائدة على نوح في قول الأكثرين ؛ وقال ابن السّائب : تعود إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واختاره الفرّاء. فإن قيل : كيف يكون من شيعته وهو قبله؟ فالجواب : أنه مثل قوله تعالى : (حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ) (٣) فجعلها ذرّيّتهم وقد سبقتهم ، وقد شرحنا هذا فيما مضى (٤). قوله تعالى : (إِذْ جاءَ رَبَّهُ) أي : صدّق الله وآمن به (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) من الشّرك وكلّ دنس ، وفيه أقوال ذكرناها في الشّعراء (٥).

__________________

(١) الرحمن : ٤٤.

(٢) هود : ٧٨.

(٣) يس : ٤١.

(٤) يس : ٤١.

(٥) الشعراء : ٨٩.

٥٤٤

قوله تعالى : (ما ذا تَعْبُدُونَ) هذا استفهام توبيخ ، كأنه وبّخهم على عبادة غير الله. (أَإِفْكاً) أي : أتأفكون إفكا وتعبدون آلهة سوى الله؟! (فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟! كأنه قال : فما ظنّكم أن يصنع بكم؟ (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) فيه قولان : أحدهما : أنه نظر في علم النّجوم ، وكان القوم يتعاطون علم النّجوم ، فعاملهم من حيث هم ، وأراهم أنّي أعلم من ذلك ما تعلمون ، لئلّا ينكروا عليه ذلك. قال ابن المسيّب : رأى نجما طالعا ، فقال : إنّي مريض غدا. والثاني : أنه نظر إلى النّجوم ، لا في علمها. فإن قيل : فما كان مقصوده؟ فالجواب أنه كان لهم عيد ، فأراد التّخلّف عنهم ليكيد أصنامهم ، فاعتلّ بهذا القول.

قوله تعالى : (إِنِّي سَقِيمٌ) من معاريض الكلام ، ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ معناه : سأسقم ، قاله الضّحّاك. قال ابن الأنباري : أعلمه الله عزوجل أنّه يمتحنه بالسّقم إذا طلع نجم يعرفه ، فلمّا رأى النّجم ، علم أنه سيسقم. والثاني : أنّي سقيم القلب عليكم إذ تكهّنتم بنجوم لا تضرّ ولا تنفع ، ذكره ابن الأنباري. والثالث : أنه سقم لعلّة عرضت له ، حكاه الماوردي. وذكر السّدّيّ أنه خرج معهم إلى يوم عيدهم ، فلمّا كان ببعض الطريق ، ألقى نفسه وقال : إنّي سقيم أشتكي رجلي ، (فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ) أي : مال إليها ـ وكانوا قد جعلوا بين يديها طعاما لتبارك فيه على زعمهم ـ (فَقالَ) إبراهيم استهزاء بها (أَلا تَأْكُلُونَ).

وقوله تعالى : (ضَرْباً بِالْيَمِينِ) في اليمين ثلاثة أقوال : أحدها : أنها اليد اليمنى ، قاله الضّحّاك. والثاني : بالقوّة والقدرة ، قاله السّدّيّ ، والفرّاء. والثالث : باليمين التي سبقت منه ، وهي قوله : (وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) (١). حكاه الماورديّ. قال الزّجّاج : «ضربا» مصدر ؛ والمعنى : فمال على الأصنام يضربها ضربا باليمين ؛ وإنما قال : «عليهم» ، وهي أصنام ، لأنهم جعلوها بمنزلة ما يميّز. (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائيّ : «يزفّون» بفتح الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء. وقرأ حمزة ، والمفضّل عن عاصم : «يزفّون» برفع الياء وكسر الزاي وتشديد الفاء. وقرأ ابن السميفع وأبو المتوكل والضحاك : «يزفون» بفتح الياء وكسر الزاء وتخفيف الفاء. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو نهيك : «يزفون» بفتح الياء وسكون الزاي وتخفيف الفاء. قال الزّجّاج : أعرب القراءات فتح الياء وتشديد الفاء ، وأصله من زفيف النّعام ، وهو ابتداء عدو النّعام ، يقال : زفّ النّعام يزفّ ؛ وأمّا ضمّ الياء ، فمعناه : يصيرون إلى الزّفيف ، وأنشدوا :

فأضحى حصين قد أذلّ وأقهرا (٢)

أي : صار إلى القهر. وأمّا كسر الزّاي مع تخفيف الفاء ، فهو من : وزف يزف ، بمعنى أسرع يسرع ، ولم يعرفه الكسائيّ ولا الفرّاء ، وعرفه غيرهما. قال المفسّرون : بلغهم ما صنع إبراهيم ، فأسرعوا ، فلمّا انتهوا إليه ، قال لهم محتجّا عليهم : (أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) بأيديكم (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) ، قال ابن جرير : في «ما» وجهان (٣) : أحدهما : أن تكون بمعنى المصدر ، فيكون المعنى : والله

__________________

(١) الأنبياء : ٥٧.

(٢) هو عجز بيت للمخبّل السعدي كما في «اللسان» ـ قهر ـ. وصدره : تمنّى حصين أن يسود جذاعه.

(٣) قال ابن كثير رحمه‌الله في «التفسير» ٤ / ١٨ : وكلا القولين متلازم ، والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب

٥٤٥

خلقكم وعملكم. والثاني : أن تكون بمعنى «الذي» ، فيكون المعنى : والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام ، وفي هذه الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه. فلمّا لزمتهم الحجّة (قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً) وقد شرحنا قصّته في سورة الأنبياء (١) ، وبيّنّا معنى الجحيم في البقرة (٢) ، والكيد الذي أرادوا به : إحراقه.

ومعنى قوله تعالى : (فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ) أنّ إبراهيم علاهم بالحجّة حيث سلّمه الله من كيدهم وحلّ الهلاك بهم. (وَقالَ) يعني إبراهيم (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي) في هذا الذّهاب قولان : أحدهما : أنه ذاهب حقيقة ، ثم في وقت قوله هذا قولان : أحدهما : أنه حين أراد هجرة قومه ؛ فالمعنى : إنّي ذاهب إلى حيث أمرني ربّي عزوجل (سَيَهْدِينِ) إلى حيث أمرني ، وهو الشّام ، قاله الأكثرون. والثاني : حين ألقي في النّار ، قاله سليمان بن صرد ؛ فعلى هذا ، في المعنى قولان : أحدهما : ذاهب إلى الله بالموت ، سيهدين إلى الجنّة. والثاني : ذاهب إلى ما قضى به ربّي سيهدين إلى الخلاص من النّار. والقول الثاني : إنّي ذاهب إلى ربّي بقلبي وعملي ونيّتي ، قاله قتادة.

فلمّا قدم الأرض المقدّسة ، سأل ربّه الولد فقال : (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) أي : ولدا صالحا من الصّالحين ، فاجتزأ بما ذكر عمّا ترك ، ومثله : (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) (٣) ، فاستجاب له ، وهو قوله تعالى : (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) وفيه قولان (٤) : أحدهما : أنه إسحاق. والثاني : أنه إسماعيل. قال الزّجّاج. هذه البشارة تدلّ على أنه مبشّر بابن ذكر ، وأنه يبقى حتى ينتهي في السنّ ويوصف بالحلم.

(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣))

قوله تعالى : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ المراد بالسّعي ها هنا : العمل ، قاله ابن عباس. والثاني : أنه المشي ، والمعنى : مشى مع أبيه ، قاله قتادة. قال ابن قتيبة : بلغ أن ينصرف معه

__________________

«أفعال العباد» عن حذيفة مرفوعا : «إن الله يصنع كل صانع وصنعته».

(١) الأنبياء : ٥٢ ـ ٧٤.

(٢) البقرة : ١١٩.

(٣) يوسف : ٢٠.

(٤) قال ابن كثير رحمه‌الله في «التفسير» ٤ / ١٩ : يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم ـ عليه‌السلام ـ أنه بعد ما نصره الله على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) يعني : أولادا مطيعين عوضا عن قومه وعشيرته الذين فارقهم. قال الله تعالى : (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) وهذا الغلام هو إسماعيل عليه‌السلام ، فإنه أول ولد بشّر به إبراهيم عليه‌السلام وهو أكبر من إسحاق باتّفاق المسلمين وأهل الكتاب ، بل نصّ كتابهم أن إسماعيل ولد لإبراهيم عليه‌السلام وعمره ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده ، وفي نسخة : بكره.

٥٤٦

ويعينه. قال ابن السّائب : كان ابن ثلاث عشرة سنة. والثالث : أنّ المراد بالسّعي : العبادة ، قاله ابن زيد ؛ فعلى هذا ، يكون قد بلغ.

قوله تعالى : (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) أكثر العلماء على أنه لم ير أنه ذبحه في المنام. وإنما المعنى أنه أمر في المنام بذبحه ، ويدلّ عليه قوله تعالى : (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ). وذهب بعضهم إلى أنه رأى أنه يعالج ذبحه ، ولم ير إراقة الدّم. قال قتادة : ورؤيا الأنبياء حقّ ، إذا رأوا شيئا ، فعلوه. وذكر السّدّيّ عن أشياخه أنه لمّا بشّر جبريل سارة بالولد ، قال إبراهيم : هو إذا لله ذبيح ، فلمّا فرغ من بنيان البيت ، أتي في المنام ، فقيل له : أوف بنذرك. واختلفوا في الذّبيح على قولين (١) : أحدهما : أنه إسحاق ، قاله عمر بن الخطّاب ، وعليّ بن أبي طالب ، والعبّاس بن عبد المطّلب ، وابن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وأبو هريرة ، وأنس ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ، ومسروق ، وعبيد بن عمير ، والقاسم بن أبي بزّة ، ومقاتل بن سليمان ، واختاره ابن جرير. وهؤلاء يقولون : كانت هذه القصة بالشام. وقيل : طويت له الأرض حتى حمله إلى المنحر بمنىّ في ساعة. والثاني : أنه إسماعيل ، قاله ابن عمر ، وعبد الله بن سلام ، والحسن البصريّ ، وسعيد بن المسيّب ، والشّعبيّ ، ومجاهد ، ويوسف بن مهران ، وأبو صالح ، ومحمّد بن كعب القرظي ، والرّبيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن سابط. واختلفت الرواية عن ابن عباس ، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق ، وروى عنه عطاء ، ومجاهد ، والشّعبيّ ، وأبو الجوزاء ، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل ، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين. وعن سعيد بن جبير ، وعكرمة ، والزّهري ، وقتادة ، والسّدّيّ روايتان. وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان. ولكلّ قوم حجّة ليس هذا موضعها ، وأصحابنا ينصرون القول الأول.

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «التفسير» ٤ / ١٩ ـ ٢١ : نصّ في كتاب أهل الكتاب أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة : بكره ، فأقحموا ها هنا كذبا وبهتانا «إسحاق» ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم ، وإنما أقحموا «إسحاق» لأنه أبوهم ، وإسماعيل أبو العرب ، فحسدوهم ، فزادوا ذلك وحرّفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره ، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة وهذا تأويل وتحريف باطل. فإنه لا يقال : وحيد إلا لمن ليس له غيره ، وأيضا فإن أول ولد له معزّة ما ليس لمن بعده من الأولاد ، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق ، وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا ، وليس ذلك في كتاب ولا سنة ، وما أظن ذلك تلقّي إلا عن أخبار أهل الكتاب ، وأخذ ذلك مسلّما من غير حجة. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل ، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم ، وذكر أنه الذبيح ، ثم قال بعد ذلك : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ). ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا : (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) وقال تعالى : (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) أي : يولد له في حياتهما ولد يسمّى يعقوب ، فيكون من ذريته عقب ونسل. ولا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير ، لأن الله وعدهما بأنه سيعقب ، ويكون له نسل ، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا.

وإسماعيل وصف ها هنا بالحلم ، لأنه مناسب لهذا المقام. وقوله : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) أي : كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه. وقد كان إبراهيم عليه‌السلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فارن وينظر في أمرهما وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك. والله أعلم. والصحيح أنه إسماعيل ، وهو المقطوع به اه.

٥٤٧

الإشارة إلى قصّة الذّبح

ذكر أهل السّير والتفسير (١) أنّ إبراهيم لمّا أراد ذبح ولده ، قال له : انطلق فنقرب قربانا إلى الله عزوجل ، فأخذ سكينا وحبلا ، ثم انطلق ، حتى إذا ذهبا بين الجبال ، قال له الغلام : يا أبت أين قربانك؟ قال : يا بني إني رأيت في المنام أنّي أذبحك ، فقال له : اشدد رباطي حتى لا أضطرب ، واكفف عنّي ثيابك حتى لا ينتضح عليك من دمي فتراه أمّي فتحزن ، وأسرع مرّ السّكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ ، فإذا أتيت أمّي فاقرأ عليها‌السلام منّي ؛ فأقبل عليه إبراهيم يقبّله ويبكى ويقول : نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله عزوجل ، ثم إنه أمرّ السّكّين على حلقه فلم يحك شيئا. وقال مجاهد : لمّا أمرّها على حلقه انقلبت ، فقال : ما لك؟ قال : انقلبت ، قال : اطعن بها طعنا. وقال السّدّيّ : ضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس ؛ وهذا لا يحتاج إليه ، بل منعها بالقدرة أبلغ. قالوا : فلمّا طعن بها ، نبت ، وعلم الله منهما الصّدق في التّسليم ، فنودي : يا إبراهيم قد صدّقت الرّؤيا ، هذا فداء ابنك ؛ فنظر إبراهيم ، فإذا جبريل معه كبش أملح.

قوله تعالى : (فَانْظُرْ ما ذا تَرى) لم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله عزوجل ، ولكن أراد أن ينظر ما عنده من الرّأي. وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وخلف : «ماذا تري» بضمّ التاء وكسر الراء ؛ فيها قولان : أحدهما : ماذا تريني من صبرك أو جزعك ، قاله الفرّاء. والثاني : ماذا تبين ، قاله الزّجّاج. وقال غيره : ماذا تشير. قوله تعالى : (افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) قال ابن عباس : افعل ما أوحي إليك من ذبحي (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) على البلاء.

قوله تعالى : (فَلَمَّا أَسْلَما) أي : استسلما لأمر الله عزوجل فأطاعا ورضيا. وقرأ عليّ بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والأعمش وابن أبي عبلة : «فلمّا سلّما» بتشديد اللام من غير همز قبل السين ؛ والمعنى : سلّما لأمر الله عزوجل. وفي جواب قوله : «فلمّا أسلما» قولان : أحدهما : أنّ جوابه : «وناديناه» ، والواو زائدة ، قاله الفرّاء. والثاني : أنّ الجواب محذوف لأنّ في الكلام دليلا عليه ؛ والمعنى : فلمّا فعل ذلك ، سعد وأجزل ثوابه ، قاله الزّجّاج. قوله تعالى : (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) قال ابن قتيبة : أي : صرعه على جبينه فصار أحد جبينيه على الأرض ، وهما جبينان ، والجبهة بينهما ، وهي ما أصاب الأرض في السّجود ، والناس لا يكادون يفرّقون بين الجبين والجبهة ، فالجبهة مسجد الرجل الذي يصيبه ندب السّجود ، والجبينان يكتنفانها ، من كلّ جانب جبين. قوله تعالى : (وَنادَيْناهُ) قال المفسّرون : نودي من الجبل : (يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) وفيه قولان : أحدهما : قد عملت ما أمرت ، وذلك أنه قصد الذّبح بما أمكنه ، وطاوعه الابن بالتّمكين من الذّبح ، إلّا أنّ الله تعالى صرف ذلك كما شاء ، فصار كأنه قد ذبح وإن لم يتحقّق الذّبح. والثاني : أنه رأى في المنام معالجة الذّبح ، ولم ير إراقة الدّم ، فلمّا فعل في اليقظة ما رأى في المنام ، قيل له : «قد صدّقت الرّؤيا». وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، وأبو عمران ، والجحدريّ : «قد صدقت الرّؤيا» بتخفيف الدال ، وها هنا تمّ الكلام. ثم قال تعالى : (إِنَّا كَذلِكَ) أي : كما ذكرنا من العفو من ذبح ولده

__________________

(١) هو موقوف على ابن عباس ، انظر «تفسير البغوي» ٤ / ٣٣.

٥٤٨

(نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) فيه قولان : أحدهما : النّعمة البيّنة ، قاله ابن السّائب ، ومقاتل. والثاني : الاختبار العظيم ، قاله ابن زيد ، وابن قتيبة. فعلى الأول ، يكون قوله هذا إشارة إلى العفو عن الذّبح. وعلى الثاني ، يكون إشارة إلى امتحانه بذبح ولده.

قوله تعالى : (وَفَدَيْناهُ) يعني الذّبيح (بِذِبْحٍ) وهو بكسر الذّال اسم ما ذبح ، وبفتح الذّال مصدر ذبحت ، قاله ابن قتيبة. ومعنى الآية : خلّصناه من الذّبح بأن جعلنا الذّبح فداء له. وفي هذا الذّبح ثلاثة أقوال (١) : أحدها : أنه كان كبشا أقرن قد رعى في الجنّة قبل ذلك أربعين عاما ، قاله ابن عباس في رواية مجاهد ، وقال في رواية سعيد بن جبير : هو الكبش الذي قرّبه ابن آدم فتقبّل منه ، كان في الجنّة حتى فدى به. والثاني : أنّ إبراهيم فدى ابنه بكبشين أبيضين أعينين أقرنين ، رواه أبو الطّفيل عن ابن عباس. والثالث : أنه ما فدي إلّا بتيس من الأروى ، أهبط عليه من ثبير ، قاله الحسن. وفي معنى (عَظِيمٍ) أربعة أقوال : أحدها : لأنه كان قد رعى في الجنّة ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. والثاني : لأنه ذبح على دين إبراهيم وسنّته ، قاله الحسن. والثالث : لأنه متقبّل ، قاله مجاهد. وقال أبو سليمان الدّمشقي : لمّا قرّبه ابن آدم رفع حيّا فرعى في الجنّة ثم جعل فداء للذّبيح ، فقبل مرّتين. والرابع : لأنه عظيم الشّخص والبركة ، ذكره الماوردي.

قوله تعالى : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ) ... قد فسّرناه في هذه السّورة (٢).

قوله تعالى : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ) من قال : إن إسحاق الذّبيح ، قال : بشّر إبراهيم بنبوّة إسحاق ، وأثيب إسحاق بصبره النبوّة ، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة ، وبه قال قتادة ، والسّدّيّ. ومن قال : الذّبيح إسماعيل ، قال : بشّر الله إبراهيم بولد يكون نبيّا بعد هذه القصة ، جزاء لطاعته وصبره ، وهذا قول سعيد بن المسيّب. قوله تعالى : (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ) يعني بكثرة ذرّيّتهما ، وهم الأسباط كلّهم (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ) أي : مطيع لله (وَظالِمٌ) وهو العاصي له. وقيل : المحسن : المؤمن ، والظالم : الكافر.

(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ) أي : أنعمنا عليهما بالنبوّة. وفي (الْكَرْبِ

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «التفسير» ٤ / ٢٢ : والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فدي بكبش. اه.

(٢) الصافات : ٧٨.

٥٤٩

الْعَظِيمِ) قولان : أحدهما : استعباد فرعون وبلاؤه ، وهو معنى قول قتادة. والثاني : الغرق ، قاله السّدّيّ. قوله تعالى : (وَنَصَرْناهُمْ) فيه قولان : أحدهما : أنه يرجع إلى موسى وهارون وقومهما. والثاني : أنه يرجع إليهما فقط ، فجمعا ، لأنّ العرب تذهب بالرئيس إلى الجمع ، لجنوده وأتباعه ، ذكرهما ابن جرير. وما بعد هذا قد تقدّم بيانه (١) ، إلى قوله : (وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) فيه قولان : أحدهما : أنه نبيّ من أنبياء بني إسرائيل ، قاله الأكثرون. والثاني : أنه إدريس ، قاله ابن مسعود ، وقتادة ، وكذلك كان يقرأ ابن مسعود ، وأبو العالية ، وأبو عثمان النّهديّ : «وإن إدريس» مكان «إلياس». قوله تعالى : (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ) أي : ألا تخافون الله فتوحّدونه وتعبدونه؟! (أَتَدْعُونَ بَعْلاً) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه بمعنى الرّبّ ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو عبيدة ، وابن قتيبة. وقال الضّحّاك : كان ابن عباس قد أعياه هذا الحرف ، فبينا هو جالس ، إذ مرّ أعرابيّ قد ضلّت ناقته وهو يقول : من وجد ناقة أنا بعلها؟ فتبعه الصّبيان يصيحون به : يا زوج النّاقة ، يا زوج النّاقة ، فدعاه ابن عباس فقال : ويحك ، ما عنيت ببعلها؟ قال : أنا ربّها ، فقال ابن عباس : صدق الله : «أتدعون بعلا» : ربّا. وقال قتادة : هذه لغة يمانيّة. والثاني : أنه اسم صنم كان لهم ، قاله الضّحّاك ، وابن زيد. وحكى ابن جرير أنه به سمّيت «بعلبك». والثالث : أنها امرأة كانوا يعبدونها ، حكاه محمّد بن إسحاق. قوله تعالى : (اللهَ رَبَّكُمْ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم : «الله ربّكم» بالرّفع. وقرأ حمزة والكسائيّ وحفص عن عاصم وخلف ويعقوب : «الله» بالنصب. قوله تعالى : (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) النار (إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) الذين لم يكذّبوه ، فإنّهم لا يحضرون النّار.

الإشارة إلى القصّة

ذكر أهل العلم بالتفسير والسّير أنه لمّا كثرت الأحداث بعد قبض حزقيل ، وعبدت الأوثان ، بعث الله تعالى إليهم إلياس. قال ابن إسحاق : وهو إلياس بن تشبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ، فجعل يدعوهم فلا يسمعون منه ، فدعا عليهم بحبس المطر ، فجهدوا جهدا شديدا ، واستخفى إلياس خوفا منهم على نفسه. ثم إنه قال لهم يوما : إنكم قد هلكتم جهدا ، وهلكت البهائم والشجر بخطاياكم ، فاخرجوا بأصنامكم وادعوها ، فإن استجابت لكم ، فالأمر كما تقولون ، وإن لم تفعل ، علمتم أنكم على باطل فنزعتم عنه ، ودعوت الله ففرّج عنكم ، فقالوا : أنصفت ، فخرجوا بأوثانهم ، فدعوا فلم تستجب لهم ، فعرفوا ضلالهم ، فقالوا : ادع الله لنا ، فدعا لهم فأرسل المطر وعاشت بلادهم ، فلم ينزعوا عمّا كانوا عليه ، فدعا إلياس ربّه أن يقبضه إليه ويريحه منهم ، فقيل له : اخرج يوم كذا إلى مكان كذا ، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه ، فخرج ؛ فأقبل فرس من نار ، فوثب عليه ، فانطلق به ، وكساه الله الرّيش وألبسه النّور وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب ، فطار في الملائكة ، فكان إنسيّا ملكيّا ، أرضيّا سماويّا (٢).

قوله تعالى : (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ :

__________________

(١) الأنبياء : ٤٨.

(٢) هذا من حماقات الإسرائيليين. وهو باطل.

٥٥٠

«إلياسين» موصولة مكسورة الألف ساكنة اللام ، فجعلوها كلمة واحدة ؛ وقرأ الحسن مثلهم ، إلّا أنه فتح الهمزة ، وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعبد الوارث ، ويعقوب إلّا زيدا : «إل ياسين» مقطوعة ، فجعلها كلمتين. وفي قراءة الوصل قولان : أحدهما : أنه جمع لهذا النبيّ وأمّته المؤمنين ، به ، وكذلك يجمع ما ينسب إلى الشيء بلفظ الشيء ، فتقول : رأيت المهالبة ، تريد : بني المهلّب ، والمسامعة ، تريد : بني مسمع. والثاني : أنه اسم النبيّ وحده ، وهو اسم عبرانيّ ، والعجميّ من الأسماء قد يفعل به هذا ، كما يقال : ميكال وميكائيل ، ذكر القولين الفرّاء والزّجّاج. فأمّا قراءة من قرأ : «إل ياسين» مفصولة ، ففيها قولان : أحدهما : أنهم آل هذا النبيّ المذكور ، وهو يدخل فيهم ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم :

(١٢١٠) «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» ، فهو داخل فيهم ، لأنه هو المراد بالدّعاء.

والثاني : أنهم آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ قاله الكلبي. وكان عبد الله بن مسعود يقرأ : «سلام على إدراسين» وقد بيّنّا مذهبه في أنّ إلياس هو إدريس.

فإن قيل : كيف قال : «إدراسين» وإنما الواحد إدريس ، والمجموع إدريسيّ ، لا إدراس ولا إدراسيّ؟. فالجواب : أنه يجوز أن يكون لغة ، كإبراهيم وإبراهام ، ومثله :

قدني من نصر الخبيبين قدي (١)

وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو نهيك : «سلام على ياسين» بحذف الهمزة واللام.

(وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨))

قوله تعالى : (إِذْ نَجَّيْناهُ) «إذ» ها هنا لا يتعلّق بما قبله ، لأنه لم يرسل إذ نجي ، ولكنه يتعلّق بمحذوف ، تقديره : واذكر يا محمّد إذ نجّيناه. وقد تقدّم تفسير ما بعد هذا (٢) إلى قوله تعالى : (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) هذا خطاب لأهل مكّة ، كانوا إذا ذهبوا إلى الشّام وجاءوا ، مرّوا على قرى قوم لوط صباحا ومساء ، (أَفَلا تَعْقِلُونَ) فتعتبرون؟!

____________________________________

(١٢١٠) صحيح. أخرجه البخاري ١٤٩٧ و ٤١٦٦ ومسلم ١٠٧٨ وأبو داود ١٥٩٠ والنسائي ٥ / ٣١ وأبو نعيم في «الحلية» ٥ / ٩٦ والطيالسي ٨١٩ والبيهقي في «السنن» ٢ / ١٥٢ و ٤ / ١٥٧ وابن حبان ٩١٧ من طرق عن شعبة ، به. وكلهم من حديث ابن أبي أوفى قال : كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أتاه قوم بصدقة ، قال : «اللهم صلّ عليهم» فأتاه أبي بصدقته فقال : «اللهم صل على آل أبي أوفى». لفظ البخاري في الرواية الثانية.

__________________

(١) الرجز لحميد الأرقط كما في «اللسان» ـ قدد.

(٢) الشعراء : ١٧١. وقال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٢٦ : يخبر الله تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه‌السلام أنه بعثه إلى قومه فكذّبوه ، فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها ، فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح ، وجعلها بسبيل مقيم يمرّ بها المسافرون ليلا ونهارا ، ولهذا قال تعالى : (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي : أفلا تعتبرون بهم كيف دمّر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟!

٥٥١

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨))

قوله تعالى : (إِذْ أَبَقَ) قال المبرّد : تأويل «أبق» : تباعد ؛ وقال أبو عبيدة : فزع ؛ وقال الزّجّاج : هرب ؛ وقال بعض أهل المعاني : خرج ولم يؤذن له ، فكان بذلك كالهارب من مولاه. قال الزّجّاج : والفلك : السّفينة ، والمشحون : المملوء ، وساهم بمعنى قارع ، (مِنَ الْمُدْحَضِينَ) أي : المغلوبين ؛ قال ابن قتيبة : يقال : أدحض الله حجّته ، فدحضت ، أي : أزالها فزالت ، وأصل الدّحض : الزّلق.

الإشارة إلى قصّته

قد شرحنا بعض قصّته في آخر يونس وفي الأنبياء (١) على قدر ما تحتمله الآيات ، ونحن نذكر ها هنا ما تحتمله. قال عبد الله بن مسعود : لمّا وعد يونس قومه العذاب بعد ثلاث ، جأروا إلى الله عزوجل واستغفروا ، فكفّ عنهم العذاب ، فانطلق مغاضبا حتى انتهى إلى قوم في سفينة ، فعرفوه فحملوه ، فلمّا ركب السفينة وقفت ، فقال : ما لسفينتكم؟ قالوا : لا ندري ، قال : لكنّي أدري ، فيها عبد آبق من ربّه ، وإنّها والله لا تسير حتى تلقوه ، فقالوا : أمّا أنت يا نبيّ الله فو الله لا نلقيك ، قال : فاقترعوا ، فمن قرع فليقع ، فاقترعوا ، فقرع يونس ، فأبوا أن يمكنوه من الوقوع ، فعادوا إلى القرعة حتى قرع يونس ثلاث مرّات. وقال طاوس : إنّ صاحب السّفينة هو الذي قال : إنّما يمنعها أن تسير أنّ فيكم رجلا مشؤوما فاقترعوا لنلقي أحدنا ، فاقترعوا فقرع يونس ثلاث مرّات.

قال المفسّرون : وكلّ الله به حوتا ، فلمّا ألقى نفسه في الماء التقمه ، وأمر أن لا يضرّه ولا يكلمه ، وسارت السفينة حينئذ. ومعنى التقمه : ابتلعه. (وَهُوَ مُلِيمٌ) قال ابن قتيبة : أي : مذنب ، يقال : ألام الرجل : إذا أتى ذنبا يلام عليه ، قال الشاعر :

ومن يخذل أخاه فقد ألاما (٢)

قوله تعالى : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) فيه ثلاثة أقوال (٣) : أحدها : من المصلين ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير. والثاني : من العابدين ، قاله مجاهد ، ووهب بن منبه. والثالث : قول (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٤) ، قاله الحسن. وروى عمران القطّان عن الحسن قال : والله ما كانت إلّا صلاة أحدثها في بطن الحوت ؛ فعلى هذا القول ، يكون تسبيحه في بطن الحوت.

__________________

(١) الأنبياء : ٨٦.

(٢) هو عجز بيت لأم عمير بن سلمى الحنفي كما في «اللسان» ـ لوم ـ. وصدره : تعدّ معاذرا لا عذر فيها.

(٣) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٢٧ : لو لا ما تقدّم له من العمل في الرخاء وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك. واختاره ابن جرير.

(٤) الأنبياء : ٨٧.

٥٥٢

وجمهور العلماء على أنه أراد : لو لا ما تقدّم له قبل التقام الحوت إيّاه من التّسبيح ، (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) قال قتادة : لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة ، ولكنّه كان كثير الصلاة في الرّخاء ، فنجّاه الله تعالى بذلك.

وفي قدر مكثه في بطن الحوت خمسة أقوال (١) : أحدها : أربعون يوما ، قاله أنس بن مالك ، وكعب ، وأبو مالك ، وابن جريج ، والسّدّي. والثاني : سبعة أيام ، قاله سعيد بن جبير ، وعطاء. والثالث : ثلاثة أيام ، قاله مجاهد ، وقتادة. والرابع : عشرون يوما ، قاله الضّحّاك. والخامس : بعض يوم ، التقمه ضحى ، ونبذه قبل غروب الشمس ، قاله الشّعبيّ.

قوله تعالى : (فَنَبَذْناهُ) قال ابن قتيبة : أي ألقيناه (بِالْعَراءِ) وهي الأرض التي لا يتوارى فيها بشجر ولا غيره ، فكأنّه من عري الشّيء. قوله تعالى : (وَهُوَ سَقِيمٌ) أي : مريض ؛ قال ابن مسعود : كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس له ريش. وقال سعيد بن جبير : أوحى الله تعالى إلى الحوت أن ألقه في البرّ ، فألقاه لا شعر عليه ولا جلد ولا ظفر. قوله تعالى : (وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) قال ابن عباس : هو القرع ، وقد قال أميّة بن أبي الصّلت قبل الإسلام :

فأنبت يقطينا عليه برحمة

من الله لو لا الله ألفي ضاحيا

قال الزّجّاج : كلّ شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتدّ على وجه الأرض نحو القرع والبطيخ والحنظل ، فهي يقطين ، واشتقاقه من : قطن بالمكان : إذا أقام ، فهذا الشجر ورقه كلّه على وجه الأرض ، فلذلك قيل له : يقطين. قال ابن مسعود : كان يستظلّ بها ويصيب منها فيبست فبكى عليها ، فأوحى الله إليه : أتبكي على شجرة أن يبست ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ وقال يزيد بن عبد الله بن قسيط : قيّض الله له أروية من الوحش تروح عليه بكرة وعشيّا فيشرب من لبنها حتى نبت لحمه. فإن قيل : ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟ فالجواب : أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا ، وجلده قد ذاب ، فأدنى شيء يمرّ به يؤذيه ، وفي ورق اليقطين خاصيّة ، وهي أنه إذا ترك على شيء ، لم يقربه ذباب ، فأنبته الله عليه ليغطّيه ورقها ويمنع الذّباب ريحه أن يسقط عليه فيؤذيه.

قوله تعالى : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ) اختلفوا ، هل كانت رسالته قبل التقام الحوت إيّاه ، أم بعد ذلك؟ على قولين : أحدهما : أنها كانت بعد نبذ الحوت إيّاه ، على ما ذكرنا في سورة يونس (٢) ، وهو مرويّ عن ابن عباس. والثاني : أنها كانت قبل التقام الحوت له ، وهو قول الأكثرين ، منهم الحسن ، ومجاهد ، وهو الأصحّ ، والمعنى : وكنّا أرسلناه إلى مائة ألف ، فلمّا خرج من بطن الحوت ، أمر أن يرجع إلى قومه الذين أرسل إليهم. وفي قوله : (أَوْ) ثلاثة أقوال : أحدها : أنها بمعنى «بل» ، قاله ابن عباس ، والفرّاء. والثاني : أنها بمعنى الواو ، قاله ابن قتيبة ، وقد قرأ أبيّ بن كعب ، ومعاذ القارئ ، وأبو المتوكّل ، وأبو عمران الجوني : «ويزيدون» من غير ألف. والثالث : أنها على أصلها ، والمعنى : أو يزيدون في تقديركم ؛ إذا رآهم الرّائي قال : هؤلاء مائة ألف أو يزيدون. وفي زيادتهم أربعة أقوال :

__________________

(١) هذا الخلاف ليس بشيء لأن مرجعه كتب الإسرائيليات ، والله أعلم بمقدار ذلك.

(٢) يونس : ٩٨.

٥٥٣

(١٢١١) أحدها : أنهم كانوا مائة ألف يزيدون عشرين ألفا ، رواه أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والثاني : أنهم كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا. والثالث : مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا ، رويا عن ابن عباس. والرابع : أنهم كانوا يزيدون سبعين ألفا ، قاله سعيد بن جبير ، ونوف.

قوله تعالى : (فَآمَنُوا) في وقت إيمانهم قولان : أحدهما : عند معاينة العذاب. والثاني : حين أرسل إليهم يونس (فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) إلى منتهى آجالهم.

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣))

قوله تعالى : (فَاسْتَفْتِهِمْ) أي : سل أهل مكّة سؤال توبيخ وتقرير ، لأنهم زعموا أنّ الملائكة بنات الله (وَهُمْ شاهِدُونَ) أي : حاضرون. (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ) أي : كذبهم (لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ) حين زعموا أنّ الملائكة بناته.

قوله تعالى : (أَصْطَفَى الْبَناتِ) قال الفرّاء : هذا استفهام فيه توبيخ لهم ، وقد تطرح ألف الاستفهام من التّوبيخ ، ومثله : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) و «أذهبتم» يستفهم بها ولا يستفهم ، ومعناهما واحد. وقرأ أبو هريرة وابن المسيّب والزّهري وابن جماز عن نافع ، وأبو جعفر ، وشيبة : «لكاذبون اصطفى» بالوصل غير مهموز ولا ممدود ؛ وقال أبو علي : وهو على وجه الخير ، كأنه قال : اصطفى البنات على البنين فيما يقولون ؛ كقوله : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (١).

قوله تعالى : (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين؟! (أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ) أي : حجّة بيّنة على ما تقولون ، (فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ) الذي فيه حجّتكم. (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم قالوا : هو وإبليس أخوان ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ؛ قال الماورديّ : وهو قول الزّنادقة والذين يقولون : الخير من الله ، والشّرّ من إبليس. والثاني : أنّ كفار قريش قالوا : الملائكة بنات الله ، والجنّة صنف من الملائكة يقال لهم : الجنّة ، قاله مجاهد. والثالث : أنّ اليهود قالت : إنّ الله تعالى

____________________________________

(١٢١١) ضعيف جدا. أخرجه الترمذي ٣٢٢٩ من طريق الوليد عن زهير به. وأخرجه الطبري ٢٩٦٣٥ من طريق عمرو بن أبي سلمة قال : سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية قال : حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قوله : (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) قال : يزيدون عشرين ألفا. وإسناده ضعيف جدا ، وله علتان : فيه راو لم يسم ، فهذه علة ، والثانية زهير روى عنه أهل الشام مناكير كثيرة ، وهذا الحديث من رواية أهل الشام عنه ، وحسبه الوقف ، والله أعلم.

__________________

(١) الدخان : ٤٩.

٥٥٤

تزوّج إلى الجنّ فخرجت من بينهم الملائكة ، قاله قتادة ، وابن السّائب. فخرج في معنى الجنّة قولان : أحدهما : أنهم الملائكة. والثاني : الجنّ. فعلى الأول ، يكون معنى قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ) أي : علمت الملائكة (إِنَّهُمْ) أي : إنّ هؤلاء المشركين (لَمُحْضَرُونَ) النّار. وعلى الثاني : «ولقد علمت الجنّة إنهم» أي : إنّ الجنّ أنفسها «لمحضرون» الحساب.

قوله تعالى : (إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) يعني الموحّدين. وفيما استثنوا منه قولان : أحدهما : أنهم استثنوا من حضور النّار ، قاله مقاتل. والثاني : ممّا يصف أولئك ، وهو معنى قول ابن السّائب.

قوله تعالى : (فَإِنَّكُمْ) يعني المشركين (وَما تَعْبُدُونَ) من دون الله ، (ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) أي : على ما تعبدون (بِفاتِنِينَ) أي : بمضلّين أحدا ، (إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ) أي : من سبق له في علم الله أنه يدخل النّار.

(وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢))

ثم أخبر عن الملائكة بقوله تعالى : (وَما مِنَّا) والمعنى : ما منا ملك (إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) أي : مكان في السّموات مخصوص يعبد الله فيه (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) قال قتادة : صفوف في السماء. وقال السّدّيّ : هو الصّلاة. وقال ابن السّائب : صفوفهم في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض. قوله تعالى : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) فيه قولان : أحدهما : المصلّون. والثاني : المنزّهون لله عزوجل عن السّوء. وكان عمر بن الخطّاب إذا أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه وقال : يا أيّها الناس استووا ، فإنّما يريد الله بكم هدي الملائكة ، وإنّا لنحن الصّافّون ، وإنّا لنحن المسبّحون.

ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين ، فقال : (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ) اللام في «ليقولون» لام توكيد ؛ والمعنى : وقد كان كفّار قريش يقولون قبل بعثة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً) أي : كتابا (مِنَ الْأَوَّلِينَ) أي : مثل كتب الأوّلين ، وهم اليهود والنّصارى ، (لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) أي : لأخلصنا العبادة لله عزوجل. (فَكَفَرُوا بِهِ) فيه اختصار تقديره : فلمّا آتاهم ما طلبوا كفروا به (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) عاقبة كفرهم ، وهذا تهديد لهم. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا) أي : تقدّم وعدنا للمرسلين بنصرهم ، والكلمة قوله تعالى : (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (١) ، (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) بالحجّة ، (وَإِنَّ جُنْدَنا) يعني حزبنا المؤمنين (لَهُمُ الْغالِبُونَ) بالحجّة أيضا والظّفر. (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي : أعرض عن كفّار مكّة (حَتَّى حِينٍ) أي : حتى تنقضي مدّة إمهالهم. وقال مجاهد : حتى نأمرك بالقتال ؛ فعلى هذا ، الآية محكمة. وقال في رواية : حتى

__________________

(١) المجادلة : ٢١.

٥٥٥

الموت ، وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد : حتى القيامة ؛ فعلى هذا ، يتطرّق نسخها. وقال مقاتل بن حيّان : نسختها آية السّيف.

قوله تعالى : (وَأَبْصِرْهُمْ) أي : انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب. قال مقاتل بن سليمان ، هو العذاب ببدر ؛ وقيل : أبصر حالهم بقلبك (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) ما أنكروا ، وكانوا يستعجلون بالعذاب تكذيبا به ، فقيل : (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ). (فَإِذا نَزَلَ) يعني العذاب. وقرأ ابن مسعود ، وأبو عمران ، والجحدري ، وابن يعمر : «فإذا نزّل» برفع النون وكسر الزاي وتشديدها (بِساحَتِهِمْ) أي : بفنائهم وناحيتهم. والسّاحة : فناء الدّار. قال الفرّاء : العرب تكتفي بالسّاحة والعقوة من القوم ، فيقولون : نزل بك العذاب ، وبساحتك. قال الزّجّاج : فكان عذاب هؤلاء القتل (فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) أي : بئس صباح الذين أنذروا بالعذاب.

ثم كرّر ما تقدّم توكيدا لوعده بالعذاب ، فقال : (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ) الآيتين.

ثم نزّه نفسه عن قولهم بقوله تعالى : (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ) قال مقاتل : يعني عزّة من يتعزّز من ملوك الدنيا. قوله تعالى : (عَمَّا يَصِفُونَ) أي : من اتّخاذ النساء والأولاد. (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) فيه وجهان : أحدهما : تسليمه عليهم إكراما لهم. والثاني : إخباره بسلامتهم. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) على هلاك المشركين ونصرة الأنبياء والمؤمنين. والله أعلم بالصّواب.

٥٥٦

سورة ص

ويقال لها : سورة داود ، وهي مكّيّة كلّها بإجماعهم.

(١٢١٢) فأمّا سبب نزولها : فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ قريشا شكوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي ، ما تريد من قومك؟ فقال : «يا عمّ ، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب وتؤدّي إليهم الجزية بها العجم» ، قال : كلمة؟ قال : «كلمة واحدة» ، قال : ما هي؟ قال : «لا إله إلّا الله» ، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ، فنزلت فيهم : (ص وَالْقُرْآنِ) إلى قوله تعالى : (إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣))

واختلفوا في معنى «ص» على سبعة أقوال (١) :. أحدها : أنه قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني : أنه بمعنى : صدق محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثالث : صدق الله ، قاله الضّحّاك ، وقد روي عن ابن عباس أنه قال : معناه : صادق فيما وعد. وقال الزّجّاج : معناه : الصّادق الله تعالى. والرابع : أنه اسم من أسماء القرآن ، أقسم الله به ، قاله قتادة. والخامس : أنه اسم حيّة رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السّفلى ، حكاه أبو سليمان الدّمشقي ، وقال : أظنّه عن عكرمة. والسادس : أنه بمعنى : حادث القرآن ، أي : انظر فيه ، قاله الحسن ، وهذا على قراءة من كسروا ، منهم ابن عباس ، والحسن ، وابن أبي عبلة ، قال ابن جرير : فيكون المعنى : صاد

____________________________________

(١٢١٢) حديث حسن بطرقه وشواهده. أخرجه أحمد ١ / ٢٢٧ وأبو يعلى ٢٥٨٣ والترمذي ٣٢٣٢ والنسائي في «التفسير» ٤٥٦ والحاكم ٢ / ٤٣٢ والبيهقي ٩ / ١٨٨ والواحدي في «أسباب النزول» ٧٢٢ عن ابن عباس به ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، مع أن فيه يحيى بن عمارة ، وهو مقبول. وتوبع في رواية ثانية للنسائي ٤٥٧ وأحمد ٢ / ٣٦٢. وفيه أيضا عباد بن جعفر ، وهو مجهول. وورد من وجه ثالث ، أخرجه الحاكم ٢ / ٤٣٢ وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي. وهو حسن لأجل ابن إسحاق ، وقد صرح بالتحديث.

__________________

(١) تقدم الكلام على الحروف التي في أوائل السور ، وقد تكلم المصنف على ذلك في أول سورة البقرة. وهو مما استأثر الله تعالى بعلمه ، وهو الراجح ، والله تعالى أعلم.

٥٥٧

بعملك القرآن ، أي : عارضه. وقيل : اعرضه على عملك ، فانظر أين هو منه. والسابع : أنه بمعنى : صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبّوه ، حكاه الثّعلبي ، وهذا على قراءة من فتح ، وهي قراءة أبي رجاء ، وأبي الجوزاء ، وحميد ، ومحبوب عن أبي عمرو. قال الزّجّاج : والقراءة «صاد» بتسكين الدال ، لأنها من حروف التّهجّي. وقد قرئت بالفتح وبالكسر ، فمن فتحها ، فعلى ضربين : أحدهما : لالتقاء السّاكنين. والثاني : على معنى : أتل «صاد» ، وتكون صاد اسما للسّورة لا ينصرف ؛ ومن كسر ، فعلى ضربين : أحدهما : لالتقاء السّاكنين أيضا. والثاني : على معنى : صاد القرآن بعملك ، من قولك : صادى يصادي : إذا قابل وعادل ، يقال : صاديته : إذا قابلته.

قوله تعالى : (ذِي الذِّكْرِ) في المراد بالذّكر ثلاثة أقوال (١) : أحدها : أنه الشّرف ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسّدّيّ. والثاني : البيان ، قاله قتادة. والثالث : التّذكير ، قاله الضّحّاك.

فإن قيل : أين جواب القسم بقوله تعالى : (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)؟ فعنه خمسة أجوبة : أحدها : أنّ «ص» جواب لقوله : «والقرآن» ، ف «ص» في معناها ، كقولك : وجب والله ، نزل والله ، حقّ والله ، قاله الفرّاء ، وثعلب. والثاني : أنّ جواب «ص» قوله تعالى (كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) ومعناه : لكم ، فلمّا طال الكلام ، حذفت اللام ، ومثله : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها) ... (قَدْ أَفْلَحَ) (٢) ، فإنّ المعنى : لقد أفلح ، غير أنه لمّا اعترض بينهما كلام ، تبعه قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ) ، حكاه الفرّاء وثعلب أيضا. والثالث : أنه قوله تعالى : (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ) (٣) ، حكاه الأخفش. والرابع : أنه قوله تعالى : (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) (٤) قاله الكسائيّ ، وقال الفرّاء : لا نجده مستقيما في العربية ، لتأخّره جدّا عن قوله تعالى : (وَالْقُرْآنِ). والخامس : أنّ جوابه محذوف تقديره : والقرآن ذي الذّكر ما الأمر كما يقول الكفّار ، ويدلّ على هذا المحذوف قوله تعالى : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) ، ذكره جماعة من المفسّرين ، وإلى نحوه ذهب قتادة. والعزّة : الحميّة والتّكبّر عن الحقّ. وقرأ عمرو بن العاص وأبو رزين وابن يعمر وعاصم الجحدري ومحبوب عن أبي عمرو : «في غرّة» بغين معجمة وراء غير معجمة. والشّقاق : الخلاف والعداوة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا (٥).

ثم خوّفهم بقوله تعالى : (كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) يعني الأمم الخالية (فَنادَوْا) عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء قولان : أحدهما : أنه الدّعاء. والثاني : الاستغاثة.

قوله تعالى (٦) : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) وقرأ الضّحّاك ، وأبو المتوكّل ، وعاصم الجحدري ، وابن

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ١٠ / ٥٤٦ : الصواب قول من قال : معناه : ذي التذكير لكم ، لأن الله أتبع ذلك قوله : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) فكان معلوما بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرا لعباده ذكرهم به ، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق.

(٢) الشمس : ١ ، ٩.

(٣) ص : ١٤.

(٤) ص : ٦٤.

(٥) البقرة : ٢٠٦ ـ ١٣٨.

(٦) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٤ / ٣٣ : في قوله تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) وهذه الكلمة وهي «لات» هي «لا» التي للنفي ، زيدت معها التاء ، كما تزاد في ثمّ فيقولون : «ثمت» ، و «رب» فيقولون : «ربت» وهي مفصولة ، والوقف عليها ، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين : «ولا تحين مناص» والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب «حين» تقديره : وليس الحين حين مناص. ومنهم من

٥٥٨

يعمر : «ولات حين» بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عباس : ليس حين يروه فرار. وقال عطاء : في لغة أهل اليمن «لات» بمعنى «ليس». وقال وهب بن منبّه : هي بالسّريانيّة. وقال الفرّاء : «لات» بمعنى «ليس» ، فالمعنى : ليس بحين فرار. ومن القرّاء من يخفض «لات» ، والوجه النّصب ، لأنها في معنى «ليس» ؛ أنشدني المفضّل :

تذكّر حبّ ليلى لات حينا

وأضحى الشّيب قد قطع القرينا

قال ابن الأنباري : كان الفرّاء والكسائيّ والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون إلى أنّ التاء في قوله تعالى : «ولات» منقطعة من «حين» ، قال : وقال أبو عبيدة : الوقف عندي على هذا الحرف «ولا» ، والابتداء «تحين» لثلاث حجج : إحداهنّ : أنّ تفسير ابن عباس يشهد لها ، لأنه قال : ليس حين يروه فرار ؛ فقد علم أنّ «ليس» هي أخت «لا» وبمعناها. والحجّة الثانية : أنّا لا نجد في شيء من كلام العرب «ولات» ، إنما المعروفة «لا». والحجّة الثالثة : أنّ هذه التاء ، إنما وجدناها تلحق مع «حين» ومع «الآن» ومع ال «أوان» ، فيقولون : كان هذا تحين كان ذلك ، وكذلك : «تأوان» ، ويقال : اذهب تلان ، ومنه قول أبي وجزة السّعدي :

العاطفون تحين ما من عاطف

والمطعمون زمان ما من مطعم

وذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أنّ معنى هذا البيت : «العاطفونه» بالهاء ، ثم تبتدئ : «حين ما من عاطف» ؛ قال ابن الأنباري : وهذا غلط ، لأنّ الهاء إنما تقحم على النّون في مواضع القطع والسّكون ، فأمّا مع الاتّصال ، فإنه غير موجود ، وقال عليّ بن أحمد النّيسابوري : النّحويّون يقولون في قوله تعالى : «ولات» : هي «لا» زيدت فيها التاء كما قالوا : ثمّ وثمّت ، وربّ وربّت ، وأصلها هاء وصلت ب «لا» ، فقالوا : «لاه» فلمّا وصلوها ، جعلوها تاء ؛ والوقف عليها بالتاء عند الزّجّاج ؛ وأبي عليّ ، وعند الكسائيّ بالهاء ، وعند أبي عبيد الوقف على «لا». فأمّا المناص ، فهو الفرار. قال الفرّاء : النّوص في كلام العرب : التّأخّر ، والبوص : التّقدّم ، قال امرؤ القيس :

أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص

فتقصر عنها خطوة وتبوص

وقال أبو عبيدة : المناص : مصدر ناص ينوص ، وهو المنجى والفوز.

(وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١))

__________________

جوز النصب بها ، وأهل اللغة يقولون : النّوص : التأخر ، والبوص : التقدم. ولهذا قال تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) ، أي : ليس الحين حين فرار ولا ذهاب اه.

٥٥٩

قوله تعالى : (وَعَجِبُوا) يعني الكفّار (أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم النّار. (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً) لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة آلهتهم.

(١٢١٣) وهذا قولهم لمّا اجتمعوا عند أبي طالب ، وجاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «أتعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ، وهي «لا إله إلّا الله» ، فقاموا يقولون : «أجعل الآلهة إلها واحدا» ، ونزلت هذه الآية فيهم.

(إِنَّ هذا) الذي يقول محمّد من أنّ الآلهة إله واحد (لَشَيْءٌ عُجابٌ) أي : لأمر عجب. وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي ، وأبو العالية ، وابن يعمر ، وابن السّميفع : «عجاب» بتشديد الجيم. قال اللغويون : العجاب والعجّاب والعجيب بمعنى واحد ، كما يقال : كبير وكبار وكبّار ، وكريم وكرام وكرّام ، وطويل وطوال وطوّال ، وأنشد الفرّاء :

جاءوا بصيد عجب من العجب

أزيرق العينين طوّال الذّنب

قال قتادة : عجب المشركون أن دعي الله وحده وقالوا : أيسمع لحاجاتنا جميعا إله واحد!

قوله تعالى : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ) قال المفسّرون : لمّا اجتمع أشراف قريش عند أبي طالب وشكوا إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما سبق بيانه ، نفروا من قول : «لا إله إلّا الله» ، وخرجوا من عند أبي طالب ، فذلك قوله تعالى : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ). والانطلاق : الذّهاب بسهولة ، ومنه طلاقة الوجه. والملأ : أشراف قريش. فخرجوا يقول بعضهم لبعض : (امْشُوا). و (أَنِ) بمعنى «أي» ؛ فالمعنى : أي : امشوا. قال الزّجّاج : ويجوز أن يكون المعنى : انطلقوا بأن امشوا ، أي : انطلقوا بهذا القول. وقال بعضهم : المعنى : انطلقوا يقولون : امشوا إلى أبي طالب فاشكوا إليه ابن أخيه ، (وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ) أي : اثبتوا على عبادتها (إِنَّ هذا) الذي نراه من زيادة أصحاب محمّد (لَشَيْءٌ يُرادُ) أي : لأمر يراد بنا.

(ما سَمِعْنا بِهذا) الذي جاء به محمّد من التوحيد (فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) وفيها ثلاثة أقوال :

أحدها : النّصرانيّة ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وإبراهيم بن المهاجر عن مجاهد ، وبه قال محمّد بن كعب القرظيّ ، ومقاتل. والثاني : أنها ملّة قريش ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وبه قال قتادة. والثالث : اليهوديّة والنّصرانيّة ، قاله الفرّاء ، والزّجّاج ؛ والمعنى أنّ اليهود أشركت بعزير ، والنّصارى ، قالت : ثالث ثلاثة ، فلهذا أنكرت التوحيد.

(إِنَّ هذا) الذي جاء به محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (إِلَّا اخْتِلاقٌ) أي : كذب. (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) يعنون القرآن. «عليه» يعنون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، (مِنْ بَيْنِنا) أي : كيف خصّ بهذا دوننا وليس بأعلانا نسبا ولا أعظمنا شرفا؟! قال الله تعالى : (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي) أي : من القرآن ؛ والمعنى أنهم ليسوا على يقين ممّا يقولون ، إنما هم شاكّون (بَلْ لَمَّا) قال مقاتل : «لمّا» بمعنى «لم» كقوله تعالى : (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ). وقال غيره : هذا تهديد لهم ؛ والمعنى أنه لو نزل بهم العذاب ، علموا أنّ ما قاله محمّد حقّ. وأثبت ياء (عَذابِ) في الحالين يعقوب.

قال الزّجّاج : ولمّا دلّ قولهم : «أأنزل عليه الذّكر» على حسدهم له ، أعلم الله عزوجل أنّ الملك

____________________________________

(١٢١٣) هو الحديث المتقدم ١٢١٢.

٥٦٠