زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩))

(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ) أي : نبيّ ينذر (إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها) وهم أغنياؤها ورؤساؤها.

قوله تعالى : (وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً). في المشار إليهم قولان : أحدهما : أنهم المترفون من كلّ أمّة. والثاني : مشركو مكّة ، فظنّوا من جهلهم أنّ الله خوّلهم المال والولد لكرامتهم عليه ، فقالوا : (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) لأنّ الله أحسن إلينا بما أعطانا فلا يعذّبنا ، فأخبر أنّه (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) ؛ والمعنى أنّ بسط الرّزق وتضييقه ابتلاء وامتحان ، لا أنّ البسط يدلّ على رضى الله ، ولا التّضييق يدلّ على سخطه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ذلك. ثم صرّح بهذا المعنى بقوله تعالى : (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) قال الفرّاء : يصلح أن تقع «التي» على الأموال والأولاد جميعا ، لأنّ الأموال جمع والأولاد جمع ؛ وإن شئت وجّهت «التي» إلى الأموال ، واكتفيت بها من ذكر الأولاد ؛ وأنشد لمرّار الأسدي :

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راض والرّأي مختلف

وقد شرحنا هذا في قوله تعالى : (وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ) (١). وقال الزّجّاج : المعنى : وما أموالكم بالتي تقرّبكم ، ولا أولادكم بالذين يقرّبونكم ، فحذف اختصارا. وقرأ أبيّ بن كعب ، والحسن ، وأبو الجوزاء : «باللاتي تقرّبكم». قال الأخفش : و «زلفى» ها هنا اسم مصدر ، كأنه قال : تقرّبكم عندنا ازدلافا. وقال ابن قتيبة : «زلفى» أي : قربى ومنزلة عندنا.

قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ آمَنَ) قال الزّجّاج : المعنى : ما تقرّب الأموال إلّا من آمن وعمل بها في طاعة الله ، (فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ) والمراد به ها هنا عشر حسنات ، تأويله : لهم جزاء الضّعف الذي قد أعلمتكم مقداره. وقال ابن قتيبة : لم يرد فيما يرى أهل النّظر ـ والله أعلم ـ أنهم يجازون بواحد مثله ، ولا اثنين ، ولكنه أراد جزاء التّضعيف ، وهو مثل يضمّ إلى مثل ما بلغ ، وكأنّ الضّعف الزيادة ، فالمعنى : لهم جزاء الزّيادة. وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو المتوكّل ، ورويس ، وزيد عن يعقوب : «لهم جزاء» بالنصب والتنوين وكسر التنوين وصلا «الضّعف» بالرفع. وقرأ أبو الجوزاء ، وقتادة ؛ وأبو عمران الجوني : «لهم جزاء» بالرفع والتنوين «الضّعف» بالرفع.

قوله تعالى : (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ) يعني غرف الجنّة ، وهي البيوت فوق الأبنية. وقرأ حمزة : «في الغرفة» على التّوحيد ؛ أراد اسم الجنس. وقرأ الحسن ، وأبو المتوكّل : «في الغرفات» بضمّ الغين وسكون الراء مع الألف. وقرأ أبو الجوزاء ، وابن يعمر : بضمّ الغين وفتح الراء مع الألف (آمِنُونَ) من الموت والغير. وما بعد هذا قد تقدّم تفسيره (٢) إلى قوله تعالى : (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي : يأتي ببدله ، يقال : أخلف الله له وعليه : إذا أبدل ما ذهب عنه. وفي معنى الكلام أربعة أقوال. أحدها : ما أنفقتم من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه ، قاله سعيد بن جبير. والثاني : ما أنفقتم في طاعته ، فهو يخلفه في الآخرة بالأجر ، قاله السّدّيّ. والثالث : ما أنفقتم في الخير والبرّ فهو يخلفه ، إمّا أن يعجله في الدنيا ،

__________________

(١) التوبة : ٣٤.

(٢) الحج : ٥١ ـ الرعد : ٢٦.

٥٠١

أو يدّخره لكم في الآخرة ، قاله ابن السّائب. والرابع : أنّ الإنسان قد ينفق ماله في الخير ولا يرى له خلفا أبدا ؛ وإنما معنى الآية : ما كان من خلف فهو منه ، ذكره الثّعلبي. قوله تعالى : (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) لمّا دار على الألسن أنّ السلطان يرزق الجند ، وفلان يرزق عياله ، أي : يعطيهم ، أخبر أنه خير المعطين.

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥))

قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) يعني المشركين ؛ وقال مقاتل : يعني الملائكة ومن عبدها (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) وهذا استفهام تقرير وتوبيخ للعابدين ؛ فنزّهت الملائكة ربّها عن الشّرك ف (قالُوا سُبْحانَكَ) أي : تنزيها لك مما أضافوه إليك من الشّركاء (أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ) أي : نحن نتبرّأ إليك منهم ، ما تولّيناهم ولا اتّخذناهم عابدين ، ولسنا نريد وليّا غيرك (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ) أي : يطيعون الشياطين في عبادتهم إيّانا (أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ) أي : بالشياطين (مُؤْمِنُونَ) أي : مصدّقون لهم فيما يخبرونهم من الكذب أنّ الملائكة بنات الله ، فيقول الله تعالى : (فَالْيَوْمَ) يعني في الآخرة (لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ) يعني العابدين والمعبودين (نَفْعاً) بالشّفاعة (وَلا ضَرًّا) بالتّعذيب (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) فعبدوا غير الله (ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ ...) الآية. ثم أخبر أنهم يكذّبون محمّدا والقرآن بالآية التي تلي هذه ، وتفسيرها ظاهر. ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بيّنة ، ولم يكذّبوا محمّدا عن يقين ، ولم يأتهم قبله كتاب ولا نبيّ يخبرهم بفساد أمره ، فقال : (وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها) قال قتادة : ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن ولا بعث إليهم نبيّا قبل محمّد ؛ وهذا محمول على الذين أنذرهم نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وقد كان إسماعيل نذيرا للعرب.

ثم أخبر عن عاقبة المكذّبين قبلهم مخوّفا لهم ، فقال : (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني الأمم الكافرة (وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ) وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : ما بلغ كفّار مكّة معشار ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوّة والمال وطول العمر ، قاله الجمهور. والثاني : ما بلغ الذين من قبلهم معشار ما أعطينا هؤلاء من الحجّة والبرهان. والثالث : ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم ، حكاهما الماوردي. والمعشار : العشر. والنّكير : اسم بمعنى الإنكار. قال الزّجّاج : والمعنى : فكيف كان نكيري ؛ وإنما حذفت الياء لأنّه آخر آية.

(قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ

٥٠٢

(٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠))

قوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ) أي : آمركم وأوصيكم (بِواحِدَةٍ) وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها «لا إله إلّا الله» ، رواه ليث عن مجاهد. والثاني : طاعة الله ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثالث : أنها قوله تعالى : (أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى) ، قاله قتادة. والمعنى : أنّ التي أعظكم بها ، قيامكم وتشميركم لطلب الحقّ ، وليس بالقيام على الأقدام. والمراد بقوله تعالى : «مثنى» يجتمع اثنان فيتناظران في أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والمراد ب «فرادى» أن يتفكّر الرجل وحده ، ومعنى الكلام : ليتفكّر الإنسان منكم وحده ، وليخل بغيره ، وليناظر ، وليستشر ، فيستدلّ بالمصنوعات على صانعها ، ويصدّق الرسول على اتباعه ، وليقل الرجل لصاحبه : هلمّ فلنتصادق هل رأينا بهذا الرجل جنّة قطّ ، أو جرّبنا عليه كذبا قطّ. وتمّ الكلام عند قوله : (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) ، وفيه اختصار تقديره : ثم تتفكّروا لتعلموا صحّة ما أمرتكم به وأنّ الرسول ليس بمجنون ، (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) في الآخرة.

قوله تعالى : (قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) على تبليغ الرّسالة (فَهُوَ لَكُمْ) والمعنى : ما أسألكم شيئا ؛ ومثله قول القائل : ما لي في هذا فقد وهبته لك ، يريد : ليس لي فيه شيء.

قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ) أي : يلقي الوحي إلى أنبيائه (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وقرأ أبو رجاء : «علّام» بنصب الميم. (قُلْ جاءَ الْحَقُ) وهو الإسلام والقرآن. وفي المراد بالباطل ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الشيطان ، لا يخلق أحدا ولا يبعثه ، قاله قتادة. والثاني : أنه الأصنام ، لا تبدئ خلقا ولا تحيي ، قاله الضّحّاك. وقال أبو سليمان : لا يبتدئ الصّنم من عنده كلاما فيجاب ولا يردّ ما جاء من الحقّ بحجّة. والثالث : أنه الباطل الذي يضادّ الحقّ ؛ فالمعنى : ذهب الباطل بمجيء الحقّ ، فلم تبق منه بقيّة يقبل بها أو يدبر أو يبدئ أو يعيد ، ذكره جماعة من المفسّرين.

قوله تعالى (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي) أي : إثم ضلالتي على نفسي وذلك أنّ كفّار مكّة زعموا أنه قد ضلّ حين ترك دين آبائه (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) من الحكمة والبيان.

(وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤))

قوله تعالى : (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا) في زمان هذا الفزع قولان : أحدهما : أنه حين البعث من القبور ، قاله الأكثرون. والثاني : أنه عند ظهور العذاب في الدنيا ، رواه العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال قتادة. وقال سعيد بن جبير : هو الجيش الذي يخسف به بالبيداء ، يبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقوا ، وهذا حديث مشروح في التفسير ، وأنّ هذا الجيش يؤمّ البيت الحرام لتخريبه ، فيخسف بهم (١). وقال الضّحّاك وزيد بن أسلم : هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من المشركين. قوله تعالى : (فَلا فَوْتَ) المعنى : فلا فوت لهم ، أي : لا يمكنهم أن يفوتونا (وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها :

__________________

(١) هذا من بدع التأويل ، ولا يصح ، والصواب أن ذلك يوم يحشرون إلى جهنم.

٥٠٣

من مكانهم يوم بدر ، قاله زيد بن أسلم. والثاني : من تحت أقدامهم بالخسف ، قاله مقاتل. والثالث : من القبور ، قاله ابن قتيبة. وأين كانوا فهم من الله قريب.

قوله تعالى : (وَقالُوا) أي : حين عاينوا العذاب (آمَنَّا بِهِ) في هاء الكناية أربعة أقوال :

أحدها : أنها تعود إلى الله عزوجل ، قاله مجاهد. والثاني : إلى البعث ، قاله الحسن. والثالث : إلى الرّسول ، قاله قتادة. والرابع : إلى القرآن ، قاله مقاتل.

قوله تعالى : (وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : «التّناوش» غير مهموز. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ ، والمفضّل عن عاصم : بالهمز. قال الفرّاء : من همز جعله من «نأشت» ، ومن لم يهمز ، جعله من «نشت» ، وهما متقاربان ؛ والمعنى : تناولت الشيء ، بمنزلة : ذمت الشيء وذأمته : إذا عبته ؛ وقد تناوش القوم في القتال : إذا تناول بعضهم بعضا بالرّماح ، ولم يتدانوا كلّ التّداني ، وقد يجوز همز «التّناؤش» وهي من «نشت» لانضمام الواو ، مثل قوله تعالى : (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) (١). وقال الزّجّاج : من همز «التّناؤش» فلأنّ واو التّناوش مضمومة ، وكلّ واو مضمومة ضمّتها لازمة ، إن شئت أبدلت منها همزة ، وإن شئت لم تبدل نحو : أدؤر. وقال ابن قتيبة : معنى الآية : وأنّى لهم التّناوش لما أرادوا بلوغه ، وإدراك ما طلبوا من التّوبة (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وهو الموضع الذي تقبل فيه التّوبة. وكذلك قال المفسّرون : أنّى لهم بتناول الإيمان والتّوبة وقد تركوا ذلك في الدنيا والدنيا قد ذهبت؟! قوله تعالى : (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ) في هاء الكناية أربعة أقوال قد تقدّمت في قوله تعالى : (آمَنَّا بِهِ) ، ومعنى (مِنْ قَبْلُ) أي : في الدنيا من قبل معاينة أهوال الآخرة (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ) أ : يرمون بالظّنّ (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وهو بعدهم عن العلم بما يقولون. وفي المراد بمقالتهم هذه ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم يظنّون أنهم يردّون إلى الدنيا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : أنه قولهم في الدنيا : لا بعث لنا ولا جنّة ولا نار ، قاله الحسن ، وقتادة. والثالث : أنه قولهم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هو ساحر ، هو كاهن ، هو شاعر ، قاله مجاهد.

قوله تعالى : (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) أي : منع هؤلاء الكفّار ممّا يشتهون ، وفيه ستة أقوال : أحدها : أنه الرّجوع إلى الدنيا ، قاله ابن عباس. والثاني : الأهل والمال والولد ، قاله مجاهد. والثالث : الإيمان ، قاله الحسن. والرابع : طاعة الله ، قاله قتادة. والخامس : التّوبة. قاله السّدّيّ. والسادس : حيل بين الجيش الذي خرج لتخريب الكعبة وبين ذلك بأن خسف بهم ، قاله مقاتل (٢).

قوله تعالى : (كَما فُعِلَ) وقرأ ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وأبو عمران : «كما فعل» بفتح الفاء والعين (بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) قال الزّجّاج : أي : بمن كان مذهبه مذهبهم. قال المفسّرون : والمعنى : كما فعل بنظرائهم من الكفّار ، من قبل هؤلاء ، فإنهم حيل بينهم وبين ما يشتهون. وقال الضّحّاك : هم أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة (إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍ) من البعث ونزول العذاب بهم (مُرِيبٍ) أي : موقع للرّيبة والتّهمة. والله أعلم بالصّواب.

__________________

(١) المرسلات : ١١.

(٢) لا يصح كما تقدّم.

٥٠٤

سورة فاطر

وتسمّى سورة الملائكة ، وهي مكّيّة بإجماعهم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢))

قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي : خالقهما مبتدئا على غير مثال. قال ابن عباس : ما كنت أدري ما فاطر السّموات والأرض حتى اختصم أعرابيّان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي : ابتدأتها.

قوله تعالى : (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ) وروى الحلبيّ والقزّاز عن عبد الوارث : «جاعل» بالرفع والتنوين «الملائكة» بالنّصب (رُسُلاً) يرسلهم إلى الأنبياء وإلى ما شاء من الأمور (أُولِي أَجْنِحَةٍ) أي : أصحاب أجنحة (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) فبعضهم له جناحان ، وبعضهم له ثلاثة ، وبعضهم له أربعة ، و (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ) فيه خمسة أقوال : أحدها : أنه زاد في خلق الملائكة الأجنحة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : يزيد في الأجنحة ما يشاء ، رواه عبّاد بن منصور عن الحسن ، وبه قال مقاتل. والثالث : أنه الخلق الحسن ، رواه عوف عن الحسن. والرابع : أنه حسن الصّوت ، قاله الزّهري : وابن جريج. والخامس : الملاحة في العينين ، قاله قتادة.

قوله تعالى : (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) أي : من خير ورزق. وقيل : أراد بها المطر (فَلا مُمْسِكَ لَها) وقرأ أبيّ بن كعب ، وابن أبي عبلة : «فلا ممسك له». وفي الآية تنبيه على أنه لا إله إلّا هو ، إذ لا يستطيع أحد إمساك ما فتح وفتح ما أمسك.

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧))

٥٠٥

قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ) قال المفسّرون : الخطاب لأهل مكّة ، و «اذكروا» بمعنى احفظوا ، ونعمة الله عليهم : إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم. (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ) وقرأ حمزة والكسائيّ : «غير الله» بخفض الراء ، قال أبو عليّ : جعلاه صفة على اللفظ ، وذلك حسن لإتباع الجرّ. وهذا استفهام تقرير وتوبيخ ؛ والمعنى : لا خالق سواه (يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ) المطر (وَ) من (الْأَرْضِ) النّبات. وما بعد هذا قد سبق بيانه (١) إلى قوله تعالى : (إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ) أي : إنه يريد هلاككم (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) أي : أنزلوه من أنفسكم منزلة الأعداء ، وتجنّبوا طاعته (إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ) أي : شيعته إلى الكفر (لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ).

(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩))

قوله تعالى : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال :

(١١٨٧) أحدها : أنها نزلت في أبي جهل ومشركي مكّة ، قاله ابن عباس.

والثاني : في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى ، قاله سعيد بن جبير. والثالث : أنهم اليهود والنّصارى والمجوس ، قاله أبو قلابة. فإن قيل : أين جواب «أفمن زيّن له»؟. فالجواب من وجهين : ذكرهما الزّجّاج. أحدهما : أنّ الجواب محذوف ؛ والمعنى : أفمن زيّن له سوء عمله كمن هداه الله؟ ويدلّ على هذا قوله تعالى : (فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ). والثاني : أنّ المعنى : أفمن زيّن له سوء عمله فأضلّه الله ذهبت نفسك عليهم حسرات؟! ويدلّ على هذا قوله تعالى : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ). وقرأ أبو جعفر : «فلا تذهب» بضمّ التاء وكسر الهاء «نفسك» بنصب السين. وقال ابن عباس : لا تغتمّ ولا تهلك نفسك حسرة على تركهم الإيمان. قوله تعالى : (فَتُثِيرُ سَحاباً) أي : تزعجه من مكانه ؛ وقال أبو عبيدة : تجمعه وتجيء به ، و «سقناه» بمعنى «نسوقه» ؛ والعرب قد تضع «فعلنا» في موضع «نفعل» ؛ وأنشدوا :

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا

منّي وما سمعوا من صالح دفنوا (٢)

المعنى : يطيروا ويدفنوا.

قوله تعالى : (كَذلِكَ النُّشُورُ) وهو الحياة ، وفي معنى الكلام قولان :

أحدهما : كما أحيا الله الأرض بعد موتها يحيي الموتى يوم البعث.

____________________________________

(١١٨٧) واه بمرة. ورد في «أسباب النزول» للسيوطي ٩٢٨ برواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ، وهذا سند تالف ، جويبر متروك ، والضحاك لم يلق ابن عباس. والصحيح عموم الآية.

__________________

(١) البقرة : ٢١٠ ، آل عمران : ١٨٤ ، لقمان : ٣٣.

(٢) البيت لقعنب بن أم صاحب كما في «اللسان» ـ أذن ـ وقد سبق تخريجه.

٥٠٦

(١١٨٨) روى أبو رزين العقيلي ، قال : قلت : يا رسول الله ؛ كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال : «هل مررت بوادي أهلك محلا ، ثم مررت به يهتزّ خضرا؟» قلت : نعم ، قال : «فكذلك يحيي الله الموتى ، وتلك آيته في خلقه».

والثاني : كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء ، كذلك يحيي الله الموتى بالماء. قال ابن مسعود : يرسل الله تعالى ماء من تحت العرش كمنيّ الرّجال ، قال : فتنبت لحمانهم وجسمانهم من ذلك الماء ، كما تنبت الأرض من الثّرى ، ثم قرأ هذه الآية. وقد ذكرنا في الأعراف (١) نحو هذا الشّرح.

(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠))

قوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) فيه ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : من كان يريد العزّة بعبادة الأوثان (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) ، قاله مجاهد. والثاني : من كان يريد العزّة فليتعزّز بطاعة الله ، قاله قتادة. وقد روى أنس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال :

(١١٨٩) «إنّ ربّكم يقول كلّ يوم : أنا العزيز ، فمن أراد عزّ الدّارين فليطع العزيز».

والثالث : من كان يريد علم العزّة لمن هي ، فإنّها لله جميعا ، قاله الفرّاء.

قوله تعالى : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) وقرأ ابن مسعود ؛ وأبو عبد الرّحمن السّلمي ، والنّخعيّ ، والجحدري ، والشّيزري عن الكسائيّ : «يصعد الكلام الطّيّب» وهو توحيده وذكره (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال عليّ بن المديني : الكلم الطّيّب : لا إله إلّا الله ، والعمل الصّالح : أداء الفرائض واجتناب المحارم. وفي هاء الكناية في قوله تعالى : (يَرْفَعُهُ) ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها ترجع إلى الكلم الطّيّب ؛ فالمعنى : والعمل الصّالح يرفع الكلم الطّيّب ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضّحّاك. وكان الحسن يقول : يعرض القول على الفعل ، فإن وافق القول الفعل قبل ، وإن خالف ردّ. والثاني : أنها ترجع إلى العمل الصّالح ، فالمعنى : والعمل الصّالح يرفعه الكلم الطّيّب ، فهو عكس القول الأوّل ، وبه قال أبو صالح ، وشهر بن حوشب. فإذا قلنا : إنّ الكلم الطّيّب هو التوحيد ، كانت فائدة هذا القول أنه لا يقبل عمل صالح إلّا من موحّد.

____________________________________

(١١٨٨) ضعيف. أخرجه أحمد ٤ / ١١ والطيالسي ١٠٨٩ من حديث أبي رزين ، وفيه وكيع بن عدس ، قال الذهبي في «الميزان» لا يعرف ، تفرد عنه يعلى بن عطاء اه فالإسناد ضعيف ، وكيع مجهول العين.

(١١٨٩) باطل. أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» ١ / ١١٩ من حديث أنس ، وأعله بداود بن عفان ، وقال : قال ابن حبان : كان يضع الحديث على أنس. وكرره ١ / ١٢٠ من وجه آخر ، وأعله بسعيد بن هبيرة ، ونقل عن ابن عدي وابن حبان أنه كان يضع الحديث.

__________________

(١) الأعراف : ٥٧.

(٢) قال الطبري في «تفسيره» ١٠ / ٣٩٨ : وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال : من كان يريد العزة فبالله فليتعزز ، فلله العزة جميعا ، وقال ابن كثير في «تفسيره» ٣ / ٦٧٣ : من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله فإنه يحصل له مقصوده ، لأن الله مالك الدنيا والآخرة ، وله العزة جميعها.

٥٠٧

والثالث : أنها ترجع إلى الله عزوجل ، فالمعنى : والعمل الصالح يرفعه الله إليه ، أي : يقبله. قاله قتادة.

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ) قال أبو عبيدة : يمكرون : بمعنى يكتسبون ويجترحون. ثم في المشار إليهم أربعة أقوال : أحدها : أنّهم الذين مكروا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في دار النّدوة ، قاله أبو العالية. والثاني : أنّهم أصحاب الرّياء ، قاله مجاهد ، وشهر بن حوشب. والثالث : أنّهم الذين يعملون السّيّئات ، قاله قتادة ، وابن السّائب. والرابع : أنّهم قائلو الشّرك ، قاله مقاتل.

وفي معنى (يَبُورُ) قولان : أحدهما : يبطل ، قاله ابن قتيبة. والثاني : يفسد ، قاله الزّجّاج.

(وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤))

قوله تعالى : (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) يعني آدم (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) يعني نسله (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً) أي : أصنافا ، ذكورا وإناثا ؛ قال قتادة : زوّج بعضهم ببعض.

قوله تعالى : (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) أي : ما يطول عمر أحد (وَلا يُنْقَصُ) وقرأ الحسن ، ويعقوب : «ينقص» بفتح الياء وضمّ القاف (مِنْ عُمُرِهِ) في هذه الهاء قولان : أحدهما : أنها كناية عن آخر ، فالمعنى : ولا ينقص من عمر آخر ؛ وهذا المعنى في رواية العوفيّ عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد في آخرين. قال الفرّاء : وإنما كني عنه كأنّه الأول ، لأنّ لفظ الثاني لو ظهر كان كالأوّل ، كأنّه قال : ولا ينقص من عمر معمّر ، ومثله في الكلام : عندي درهم ونصفه ؛ والمعنى : ونصف آخر. والثاني : أنها ترجع إلى المعمّر المذكور ؛ فالمعنى : ما يذهب من عمر هذا المعمّر يوم أو ليلة إلّا وذلك مكتوب ؛ قال سعيد بن جبير : مكتوب في أوّل الكتاب : عمره كذا وكذا سنة ، ثم يكتب أسفل من ذلك : ذهب يوم ، ذهب يومان ، ذهبت ثلاثة ، إلى أن ينقطع عمره ؛ وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس ، وبه قال عكرمة وأبو مالك في آخرين.

فأما الكتاب ، فهو اللّوح المحفوظ. وفي قوله تعالى (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) قولان :

أحدهما : أنه يرجع إلى كتابة الآجال. والثاني : إلى زيادة العمر ونقصانه.

قوله تعالى : (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ) يعني العذب والملح ؛ وهذه الآية وما بعدها قد سبق بيانه (١) إلى قوله : (ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) قال ابن عباس : هو القشر الذي يكون على ظهر النّواة. قوله تعالى : (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) لأنهم جماد (وَلَوْ سَمِعُوا) بأن يخلق الله لهم أسماعا (مَا

__________________

(١) آل عمران : ٢٧ ، الرعد : ٢ ، الفرقان : ٥٣ ، النحل : ١٤.

٥٠٨

اسْتَجابُوا لَكُمْ) أي : لم يكن عندهم إجابة (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) أي : يتبرّؤون من عبادتكم (وَلا يُنَبِّئُكَ) يا محمّد (مِثْلُ خَبِيرٍ) أي : عالم بالأشياء ، يعني نفسه عزوجل ؛ والمعنى أنه لا أخبر منه عزوجل بما أخبر أنّه سيكون.

(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦))

(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ) أي : المحتاجون إليه (وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُ) عن عبادتكم (الْحَمِيدُ) عند خلقه بإحسانه إليهم. وما بعد هذا قد تقدّم بيانه (١) إلى قوله تعالى : (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) أي : نفس مثقلة بالذّنوب (إِلى حِمْلِها) الذي حملت من الخطايا (لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ) الذي تدعوه (ذا قُرْبى) ذا قرابة (إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي : يخشونه ولم يروه ؛ والمعنى : إنما تنفع بإنذارك أهل الخشية ، فكأنّك تنذرهم دون غيرهم لمكان اختصاصهم بالانتفاع ، (وَمَنْ تَزَكَّى) أي : تطهّر من الشّرك والفواحش ، وفعل الخير (فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) أي : فصلاحه لنفسه (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) فيجزي بالأعمال. (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) يعني المؤمن والمشرك ، (وَلَا الظُّلُماتُ) يعني الشّرك والضّلالات (وَلَا النُّورُ) الهدى والإيمان ، (وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ) فيه قولان : أحدهما : ظلّ اللّيل وسموم النّهار ، قاله عطاء. والثاني : الظّلّ : الجنّة ، والحرور : النّار ، قاله مجاهد. قال الفرّاء : الحرور بمنزلة السّموم ، وهي الرّياح الحارّة. والحرور تكون بالنّهار وبالليل ، والسّموم لا تكون إلّا بالنّهار. وقال أبو عبيدة : الحرور تكون بالنّهار مع الشمس ، وكان رؤبة يقول : الحرور باللّيل ، والسّموم بالنّهار.

قوله تعالى : (وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) فيهم قولان : أحدهما : أنّ الأحياء : المؤمنون ، والأموات : الكفّار. والثاني : أنّ الأحياء ، العقلاء : والأموات : الجهّال. وفي «لا» المذكورة في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها زائدة مؤكّدة. والثاني : أنها نافية لاستواء أحد المذكورين مع الآخر. قال قتادة : هذه أمثال ضربها الله تعالى للمؤمن والكافر ، يقول : كما لا تستوي هذه الأشياء ، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. (إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ) أي : يفهم من يريد إفهامه (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي ، والحسن ، والجحدري : «بمسمع من» على الإضافة ؛ يعني الكفّار ، شبّههم بالموتى ، (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) قال بعض المفسّرين : نسخ معناها بآية السّيف. قوله

__________________

(١) إبراهيم : ١٩ ـ ٧١ ، الأنعام : ١٦٤.

٥٠٩

تعالى : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) أي : ما من أمّة إلّا قد جاءها رسول. وما بعد هذا قد سبق بيانه (١) إلى قوله تعالى : (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أثبت فيها الياء في الحالين يعقوب ، وافقه في الوصل ورش.

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨))

قوله تعالى : (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ) أي : وممّا خلقنا من الجبال جدد. قال ابن قتيبة : الجدد : الخطوط والطّرائق تكون في الجبال ، فبعضها بيض ، وبعضها حمر ، وبعضها غرابيب سود ، والغرابيب جمع غربيب ، وهو الشّديد السّواد ، يقال : أسود غربيب ، وتمام الكلام عند قوله : «كذلك» ، يقول : من الجبال مختلف ألوانه ، (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ) أي : كاختلاف الثّمرات. قال الفرّاء : وفي الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : وسود غرابيب ، لأنه يقال : أسود غربيب ، وقلّما يقال : غربيب أسود. وقال الزّجّاج : المعنى : ومن الجبال غرابيب سود ، وهي ذوات الصّخر الأسود. وقال ابن دريد : الغربيب : الأسود ، أحسب أنّ اشتقاقه من الغراب. وللمفسّرين في المراد بالغرابيب ثلاثة أقوال : أحدها : الطّرائق السّود ، قاله ابن عباس. والثاني : الأودية السّود ، قاله قتادة. والثالث : الجبال السّود ، قاله السّدّيّ.

ثم ابتدأ فقال : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) يعني العلماء بالله عزوجل. قال ابن عباس : يريد : إنّما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقال مجاهد والشّعبيّ : العالم من خاف الله. وقال الرّبيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم.

(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١))

قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ) يعني قرّاء القرآن ، فأثنى عليهم بقراءة القرآن ؛ وكان مطرف يقول : هذه آية القرّاء. وفي قوله تعالى (يَتْلُونَ) قولان : أحدهما : يقرءون. والثاني : يتّبعون. قال أبو عبيدة : (وَأَقامُوا الصَّلاةَ) بمعنى ويقيمون وهو إدامتها لمواقيتها وحدودها. قوله تعالى : (يَرْجُونَ تِجارَةً) قال الفرّاء : هذا جواب قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ). قال المفسّرون : والمعنى : يرجون بفعلهم هذا تجارة لن تفسد ولن تهلك ولن تكسد (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ) أي : جزاء أعمالهم (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) قال ابن عباس : سوى الثّواب ما لم تر عين ولم تسمع أذن. فأمّا الشّكور ، فقال الخطّابيّ : هو الذي يشكر اليسير من الطاعة ، فيثيب عليه الكثير من الثواب ، ويعطي الجزيل من النّعمة ، ويرضى باليسير من الشّكر ؛ ومعنى الشّكر المضاف إليه : الرّضى بيسير الطّاعة من العبد ، والقبول له ، وإعظام الثّواب عليه ؛ وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على الله بالشّكور ترغيب

__________________

(١) آل عمران : ١٨٤.

٥١٠

الخلق في الطاعة قلّت أو كثرت ، لئلّا يستقلّوا القليل من العمل ، ولا يتركوا اليسير منه.

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣))

قوله تعالى : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ) في «ثمّ» وجهان : أحدهما : أنها بمعنى الواو. والثاني : أنها للتّرتيب. والمعنى : أنزلنا الكتب المتقدّمة ، ثمّ أورثنا الكتاب (الَّذِينَ اصْطَفَيْنا) وفيهم قولان : أحدهما : أنهم أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قاله ابن عباس. والثاني : أنهم الأنبياء وأتباعهم ، قاله الحسن. وفي الكتاب قولان : أحدهما : أنه اسم جنس ، والمراد به الكتب التي أنزلها الله عزوجل ، وهذا يخرّج على القولين. فإن قلنا : الذين اصطفوا أمّة محمّد ، فقد قال ابن عباس : إنّ الله أورث أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلّ كتاب أنزله. وقال ابن جرير الطّبري : ومعنى ذلك : أورثهم الإيمان بالكتب كلّها ـ وجميع الكتب تأمر باتّباع القرآن ـ فهم مؤمنون بها عاملون بمقتضاها ؛ واستدلّ على صحة هذا القول بأنّ الله تعالى قال في الآية التي قبل هذه : (وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُ) وأتبعه بقوله تعالى : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ) فعلمنا أنهم أمّة محمّد ، إذ كان معنى الميراث : انتقال شيء من قوم إلى قوم ، ولم تكن أمّة على عهد نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم انتقل إليهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمّته. فإن قلنا : هم الأنبياء وأتباعهم ، كان المعنى : أورثنا كلّ كتاب أنزل على نبيّ ذلك النبيّ وأتباعه. والقول الثاني : أنّ المراد بالكتاب القرآن. وفي معنى «أورثنا» قولان : أحدهما : أعطينا ، لأنّ الميراث ، عطاء ، قاله مجاهد. والثاني : أخّرنا ، ومنه الميراث ، لأنه تأخّر عن الميت ؛ فالمعنى : أخّرنا القرآن عن الأمم السّالفة وأعطيناه هذه الأمّة ، إكراما لها ، ذكره بعض أهل المعاني.

قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) فيه أربعة أقوال (١) : أحدها : أنه صاحب الصغائر ؛

(١١٩٠) روى عمر بن الخطّاب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له».

(١١٩١) وروى أبو سعيد الخدريّ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الآية ، قال : «كلّهم في الجنّة».

____________________________________

(١١٩٠) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» ١٤٩١ من طريق محمد بن أيوب عن عمرو بن الحصين به ، وإسناده ضعيف جدا لأجل عمرو بن حصين ، فإنه متروك. وأخرجه البيهقي في «البعث» ٦٥ من طريق حفص بن خالد عن ميمون بن سياه عن عمر به. وقال البيهقي : فيه إرسال بين ميمون ، وعمر. وانظر ما بعده.

(١١٩١) حسن. أخرجه الترمذي ٣٢٢٥ وأحمد ٣ / ٧٨ والطبري ٢٩٠١٢ والطيالسي ٢٢٣٦ والبيهقي في «البعث» ٦١ من حديث أبي سعيد ، وإسناده ضعيف. فيه رجل من ثقيف عن رجل من كنانة ، وكلاهما لم يسمّ ، فالخبر واه ، وضعفه الترمذي ، بقوله : غريب اه لكن له شواهد. وانظر «تفسير الشوكاني» ٢٠٦٥.

ـ وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» ٢٥٧٧ ، وفيه نظر ، وحسبه الحسن.

__________________

(١) قال ابن كثير في «تفسيره» ٣ / ٦٨٠ : والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة ، وهو اختيار ابن جرير ، فقد قال : وأما الظالم لنفسه فإنه من أهل الذنوب والمعاصي التي هي دون النفاق والشرك.

٥١١

والثاني : أنه الذي مات على كبيرة ولم يتب منها ، رواه عطاء عن ابن عباس.

والثالث : أنه الكافر ، رواه عمرو بن دينار عن ابن عباس.

(١١٩٢) وقد رواه ابن عمر مرفوعا إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فعلى هذا يكون الاصطفاء لجملة من أنزل عليه الكتاب ، كما قال : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (١) أي : لشرف لكم ، وكم من مكرم لم يقبل الكرامة! والرابع : أنه المنافق ، حكي عن الحسن. وقد روي عن الحسن أنه قال : الظّالم : الذي ترجح سيّئاته على حسناته ، والمقتصد : الذي قد استوت حسناته وسيّئاته ، والسّابق : من رجحت حسناته. وروي عن عثمان بن عفّان أنه تلا هذه الآية ، فقال : سابقنا أهل جهادنا ، ومقتصدنا أهل حضرنا ، وظالمنا أهل بدونا.

قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ سابِقٌ) وقرأ أبو المتوكل والجحدري وابن السميفع : «سبّاق» مثل : فعّال (بِالْخَيْراتِ) أي : بالأعمال الصّالحة إلى الجنّة ، أو إلى الرّحمة (بِإِذْنِ اللهِ) أي : بإرادته وأمره (ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) يعني إيراثهم الكتاب.

ثم أخبر بثوابهم ، فجمعهم في دخول الجنّة فقال : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها) قرأ أبو عمرو وحده : «يدخلونها» بضمّ الياء ؛ وفتحها الباقون ، وقرأ نافع ، وأبو بكر عن عاصم : (وَلُؤْلُؤاً) بالنّصب. وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان يهمز الواو الثانية ولا يهمز الأولى ؛ وفي رواية أخرى أنه كان يهمز الأولى ولا يهمز الثانية. والآية مفسّرة في سورة الحج (٢). قال كعب : تحاكّت مناكبهم وربّ الكعبة ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.

(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩))

ثم أخبر عمّا يقولون عند دخولها ، وهو قوله تعالى : (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) الحزن والحزن واحد ، كالبخل والبخل. وفي المراد بهذا الحزن خمسة أقوال (٣) : أحدها : أنه الحزن

____________________________________

(١١٩٢) باطل ، أخرجه ابن مردويه كما في «الدر» ٥ / ٤٧٤ عن عمر مرفوعا ، وتفرد ابن مردويه به دليل وهنه ، ويخالفه ما تقدم من أحاديث ، فهو متن باطل.

__________________

(١) الزخرف : ٤٤.

(٢) الحج : ٢٣.

(٣) قال الطبري في «تفسيره» ١٠ / ٤١٦ : وأولى الأقوال عندي بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن

٥١٢

لطول المقام في المحشر.

(١١٩٣) روى أبو الدّرداء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «أمّا السّابق ، فيدخل الجنّة بغير حساب ، وأمّا المقتصد ، فيحاسب حسابا يسيرا ، وأمّا الظّالم لنفسه ، فإنه حزين في ذلك المقام» ، فهو الحزن والغمّ ، وذلك قوله تعالى : «الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن».

(١١٩٤) والثاني : أنه الجوع ، رواه أبو الدّرداء أيضا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يصحّ ، وبه قال شمر بن عطيّة. وفي لفظ عن شمر أنه قال : الحزن : همّ الخبز ، وكذلك روي عن سعيد بن جبير أنه قال : الحزن : همّ الخبز في الدنيا.

والثالث : أنه حزن النّار ، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والرابع : حزنهم في الدنيا على ذنوب سلفت منهم ، رواه عكرمة عن ابن عباس. والخامس : حزن الموت ، قاله عطيّة.

والآية عامّة في هذه الأقوال وغيرها ، ومن القبيح تخصيص هذا الحزن بالخبز وما يشبهه ، وإنما حزنوا على ذنوبهم وما يوجبه الخوف.

قوله تعالى : (الَّذِي أَحَلَّنا) أي : أنزلنا (دارَ الْمُقامَةِ) قال الفرّاء : المقامة هي الإقامة ، والمقامة : المجلس ، بالفتح لا غير ، قال الشاعر :

يومان يوم مقامات وأندية

ويوم سير إلى الأعداء تأويب (١)

قوله تعالى : (مِنْ فَضْلِهِ) قال الزّجّاج : أي : بتفضّله ، لا بأعمالنا. والنّصب : التّعب. واللّغوب : الإعياء من التّعب. ومعنى (لُغُوبٌ) : شيء يلغب ؛ أي : لا نتكلّف شيئا نعنّى منه.

قوله تعالى : (لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) أي : لا يهلكون فيستريحوا ممّا هم فيه ، ومثله : (فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (٢). قوله تعالى : (كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) وقرأ أبو عمرو : «يجزى» بالياء «كلّ»

____________________________________

(١١٩٣) حديث حسن أو شبه حسن بطرقه وشواهده دون لفظ «فإنه حزين ...» فهذا ضعيف ، ليس له شواهد.

أخرجه أحمد ٥ / ١٩٤ و ٦ / ٤٤٤ من طريق وكيع عن سفيان به. وأخرجه الحاكم ٢ / ٤٢٦ ومن طريقه البيهقي في «البعث» ٦٢ من طريق جرير عن الأعمش به. وأخرجه أحمد ٥ / ١٩٨ من طريق أنس بن عياض الليثي عن موسى بن عقبة عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء به. وقال الهيثمي في «المجمع» ٧ / ٩٥ ـ (١٢٢٩٠) : رواه الطبراني ، وأحمد باختصار إلا أنه قال عن ثابت أو أبي ثابت ... وثابت بن عبيد ومن قبله من رجال الصحيح ، وفي إسناد الطبراني رجل غير مسمى. وقد فصّل الحاكم في اختلاف طرق هذا الحديث ، وقال : إذا كثرت الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلا. وللحديث شواهد منها الضعيف ، وانظر «فتح القدير» ٢٠٦٦ و ٢٠٦٧.

(١١٩٤) لم أره مسندا ، وأمارة الوضع لائحة عليه ، فإنه من بدع التأويل ، واكتفى المصنف رحمه‌الله بقوله : لا يصح.

وورد من كلام شمر بن عطية أحد علماء التفسير ، أخرجه ابن أبي حاتم كما في «الدر» ٤ / ٤٧٦.

ـ والصحيح عموم الآية في كل ما يحزن الإنسان من مصائب وهموم ونصب ، وهو الذي اختاره المصنف.

__________________

هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) وخوف دخول النار من الحزن ، والجزع من الموت من الحزن ، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن ولم يخصص الله إذ أخبر عنهم أنهم حمدوه على إذهابه الحزن عنهم نوعا دون نوع.

(١) البيت لسلامة بن جندل كما في «اللسان» ـ أوب ـ.

(٢) القصص : ٥١.

٥١٣

برفع اللام. وقرأ الباقون : «نجزي» بالنون «كلّ» بنصب اللام.

قوله تعالى : (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها) وهو افتعال من الصّراخ : والمعنى : يستغيثون ، فيقولون : (رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً) أي : نوحّدك ونطيعك (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) من الشّرك والمعاصي ؛ فوبّخهم الله تعالى بقوله : (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ) قال أبو عبيدة : معناه التّقرير ، وليس باستفهام ؛ والمعنى : أو لم نعمّركم عمرا يتذكّر فيه من تذكّر؟! وفي مقدار هذا التّعمير أربعة أقوال : أحدها : أنّه سبعون سنة ، قال ابن عمر : هذه الآية تعيير لأبناء السّبعين. والثاني : أربعون سنة. والثالث : ستون سنة ، رواهما مجاهد عن ابن عباس ، وبالأوّل منهما قال الحسن ، وابن السّائب. والرابع : ثماني عشرة سنة ، قاله عطاء ، ووهب بن منبّه ، وأبو العالية ، وقتادة.

قوله تعالى : (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أنه الشّيب ، قاله ابن عمر وعكرمة وسفيان بن عيينة ؛ والمعنى : أو لم نعمركم حتى شبتم؟! والثاني : النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قاله قتادة وابن زيد وابن السّائب ومقاتل. والثالث : موت الأهل والأقارب. والرابع : الحمّى ، ذكرهما الماوردي.

قوله تعالى : (فَذُوقُوا) يعني العذاب (فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) أي : من مانع يمنع عنهم. وما بعد هذا قد تقدّم بيانه (١) إلى قوله تعالى : (خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ) وهي الأمّة التي خلفت من قبلها ورأت فيمن تقدّمها ما ينبغي أن تعتبر به (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي : جزاء كفره.

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١))

قوله تعالى : (أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ) المعنى : أخبروني عن الذين عبدتم من دون الله واتّخذتموهم شركاء بزعمكم ، بأيّ شيء أوجبتم لهم الشّركة في العبادة؟! أبشيء خلقوه من الأرض ، أم شاركوا خالق السّموات في خلقها؟! ثم عاد إلى الكفّار فقال : (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً) يأمرهم بما يفعلون (فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، وحفص عن عاصم : «على بيّنة» على التوحيد. وقرأ نافع ، وابن عامر ، والكسائيّ ، وأبو بكر عن عاصم : «بيّنات» جمعا. والمراد : البيان بأنّ مع الله شريكا (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ) يعني المشركين يعد (بَعْضُهُمْ بَعْضاً) أنّ الأصنام تشفع لهم ، وأنّه لا حساب عليهم ولا عقاب. وقال مقاتل : ما يعد الشيطان الكفّار من شفاعة الآلهة إلّا باطلا. قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) أي : يمنعهما من الزّوال والذّهاب والوقوع. قال الفرّاء (وَلَئِنْ) بمعنى «ولو» ، و «إن» بمعنى «ما» ، فالتقدير : ولو زالتا ما أمسكهما من أحد. وقال الزّجّاج : لمّا قالت النّصارى : المسيح ابن الله ، وقالت اليهود : عزير ابن الله ، كادت السموات يتفطّرن والجبال أن تزول والأرض أن تنشقّ ، فأمسكها الله عزوجل ؛ وإنّما وحّد «الأرض» مع جمع «السموات» ، لأنّ الأرض تدلّ على الأرضين. (وَلَئِنْ زالَتا) تحتمل وجهين : أحدهما : زوالهما يوم القيامة. والثاني : أن يقال

__________________

(١) المائدة : ٧.

٥١٤

تقديرا : وإن لم تزولا ، وهذا مكان يدلّ على القدرة ، غير أنه ذكر الحلم فيه ، لأنه لمّا أمسكهما عند قولهم : (اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً) (١) ، حلم فلم يعجّل لهم العقوبة.

(وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣))

قوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) يعني كفّار مكّة حلفوا بالله قبل إرسال محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي : رسول (لَيَكُونُنَّ أَهْدى) أي : أصوب دينا (مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) يعني : اليهود والنّصارى والصّابئين (فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ) وهو محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم (ما زادَهُمْ) مجيئه (إِلَّا نُفُوراً) أي : تباعدا عن الهدى ، (اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ) أي : عتوّا على الله وتكبّرا عن الإيمان به. قال الأخفش : نصب «استكبارا» على البدل من النّفور. قال الفرّاء : المعنى : فعلوا ذلك استكبارا (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) ، فأضيف المكر إلى السّيئ ، كقوله : (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) (٢) ، وتصديقه في قراءة عبد الله : «ومكرا سيّئا» ، والهمزة في «السّيئ» مخفوضة ، وقد جزمها الأعمش وحمزة ، لكثرة الحركات ؛ قال الزّجّاج : وهذا عند النّحويّين الحذّاق لحن ، إنّما يجوز في الشّعر اضطرارا. وقال أبو جعفر النّحاس : كان الأعمش يقف على «مكر السّيّ» فيترك الحركة ، وهو وقف حسن تامّ ، فغلط الراوي ؛ فروى أنه كان يحذف الإعراب في الوصل ، فتابع حمزة الغلط ، فقرأ في الإدراج بترك الحركة. وللمفسّرين في المراد ب «مكر السيّئ» قولان : أحدهما : أنه الشّرك. قال ابن عباس : عاقبة الشرك لا تحلّ إلا بمن أشرك. والثاني : أنه المكر برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حكاه الماوردي. قوله تعالى : (فَهَلْ يَنْظُرُونَ) أي : ينتظرون (إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) أي : إلّا أن ينزل العذاب بهم كما نزل بالأمم المكذّبة قبلهم (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ) في العذاب (تَبْدِيلاً) وإن تأخّر (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً) أي : لا يقدر أحد أن يحوّل العذاب عنهم إلى غيرهم.

(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥))

قوله تعالى : (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا) هذا عامّ ، وبعضهم يقول : أراد بالناس المشركين. والمعنى : لو واخذهم بأفعالهم لعجّل لهم العقوبة. وقد شرحنا هذه الآية في «النّحل» (٣). وما أخللنا به فقد سبق بيانه (٤). قوله تعالى : (فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً) قال ابن جرير : بصيرا بمن يستحقّ العقوبة ومن يستوجب الكرامة.

__________________

(١) مريم : ٨٨.

(٢) الحاقة : ٥١.

(٣) النحل : ٦١.

(٤) يوسف : ١٠٩ ، الروم : ٩ ، الأعراف : ٣٤ ، النحل : ٦١.

٥١٥

سورة يس

وفيها قولان (١) : أحدهما : أنها مكّيّة ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا : إنها مكّيّة إلّا آية منها ، وهي قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) (٢). والثاني : أنها مدنيّة ، حكاه أبو سليمان الدّمشقي ، وقال : ليس بالمشهور.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦))

وفي قوله تعالى : (يس) خمسة أقوال :

(١١٩٥) أحدها : أنّ معناها : يا إنسان ، بالحبشيّة ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومقاتل.

والثاني : أنها قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه ، رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث : أنّ معناها : يا محمّد ، قاله ابن الحنفيّة ، والضّحّاك. والرابع : أنّ معناها : يا رجل ، قاله الحسن. والخامس : اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة. وقرأ الحسن ، وأبو الجوزاء : «يسن» بفتح الياء وكسر النون. وقرأ أبو المتوكّل وأبو رجاء وابن أبي عبلة بفتح الياء والنون جميعا. وقرأ أبو حصين الأسدي بكسر الياء وإظهار النون. قال الزّجّاج : والذي عند أهل العربية أنّ هذا بمنزلة افتتاح السّور ، وبعض العرب يقول : «يسن والقرآن» بفتح النون ، وهذا جائز في العربية لوجهين : أحدهما : أنّ «يس» اسم للسّورة ، فكأنه قال : اتل يس ، وهو على وزن هابيل وقابيل لا ينصرف. والثاني : أنه فتح لالتقاء السّاكنين ، والتسكين أجود لأنه حرف هجاء. قوله تعالى : (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) هذا قسم ، وقد سبق معنى

____________________________________

(١١٩٥) أخرجه الطبري ٢٩٠٤٨ بسند رجاله ثقات عن عكرمة عن ابن عباس ، والله أعلم.

__________________

(١) قال القرطبي في «تفسيره» ١٥ / ٥ : هي مكية بإجماع ، إلا أن فرقة قالت : إن قوله تعالى (وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ) [الآية ١٢] نزلت في بني سلمة من الأنصار ... قلت : وفي هذا نظر وسيأتي.

(٢) يس : ٤٥.

٥١٦

«الحكيم» (١) ، قال الزّجّاج : وجوابه : (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ؛ وأحسن ما جاء في العربيّة أن يكون «لمن المرسلين» خبر «إنّ» ، ويكون قوله تعالى : (عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) خبرا ثانيا ، فيكون المعنى : إنّك لمن المرسلين ، إنّك على صراط مستقيم. ويجوز أن يكون «على صراط» من صلة «المرسلين» ، فيكون المعنى : إنّك لمن المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة. قوله تعالى : (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : «تنزيل» برفع اللام. وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ : «تنزيل» بنصب اللام. وعن عاصم كالقراءتين. قال الزّجّاج : من قرأ بالنّصب ، فعلى المصدر ، على معنى : نزّل الله ذلك تنزيلا ، ومن قرأ بالرفع ، فعلى معنى : الذي أنزل إليك تنزيل العزيز. وقال الفرّاء : من نصب ، أراد : إنّك لمن المرسلين تنزيلا حقّا منزلا ويكون الرفع على الاستئناف ، كقوله : «ذلك تنزيل العزيز». وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو رزين ، وأبو العالية ، والحسن ، والجحدري : «تنزيل» بكسر اللام. وقال مقاتل : هذا القرآن تنزيل العزيز في ملكه ، الرّحيم بخلقه.

قوله تعالى : (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ) في «ما» قولان : أحدهما : أنها نفي ، وهو قول قتادة والزّجّاج في الأكثرين. والثاني : أنها بمعنى «كما» ، قاله مقاتل. وقيل : هي بمعنى «الذي».

قوله تعالى : (فَهُمْ غافِلُونَ) أي : عن حجج التوحيد وأدلّة البعث.

(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢))

(لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) فيه قولان : أحدهما : وجب العذاب. والثاني : سبق القول بكفرهم.

قوله تعالى : (عَلى أَكْثَرِهِمْ) يعني أهل مكّة ، وهذه إشارة إلى إرادة الله تعالى السّابقة لكفرهم (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) لما سبق من القدر بذلك. (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً) فيه ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : أنها مثل ، وليس هناك غلّ على حقيقة ، قاله أكثر المحققين ، ثم لهم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنها مثل لمنعهم عن كلّ خير ، قاله قتادة. والثاني : لحبسهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال ، قاله الفرّاء ، وابن قتيبة. والثالث : لمنعهم من الإيمان بالله ، قاله أبو سليمان الدّمشقي. والقول الثاني : أنها موانع حسّيّة منعت ما يمنع الغلّ.

__________________

(١) البقرة : ٣٢.

(٢) قال ابن كثير في «تفسيره» ٣ / ٦٩٢ : يقول الله تعالى : إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غلّ ، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه ، فارتفع رأسه فصار مقمحا ، ولهذا قال : (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) ، والمقمح هو الرافع رأسه ، كما قالت أم زرع في كلامها : «وأشرب فأتقمح» ، أي : أشرب فأروى ، وأرفع رأسي تهنيئا وترويا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين ، وإن كانتا مرادتين ، لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق ، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.

٥١٧

(١١٩٦) قال مقاتل بن سليمان : حلف أبو جهل لئن رأى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلّي ليدمغنّه ، فجاءه وهو يصلّي ، فرفع حجرا فيبست يده والتصق الحجر بيده ، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم الخبر ، فقام رجل منهم فأخذ الحجر ، فلمّا دنا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم طمس الله على بصره فلم يره ، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه ، فنزل في أبي جهل : (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً) الآية. ونزل في الآخر : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا).

والقول الثالث : أنه على حقيقته ، إلّا أنّه وصف لما سينزله الله تعالى بهم في النار ، حكاه الماوردي.

قوله تعالى : (فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ) قال الفرّاء : «فهي» كناية عن الأيمان ، ولم تذكر ، لأنّ الغلّ لا يكون إلّا في اليمين والعنق جامعا لهما ، فاكتفي بذكر أحدهما عن صاحبه. وقال الزّجّاج : «هي» كناية عن الأيدي ، ولم يذكرها إيجازا ، لأنّ الغلّ يتضمّن اليد والعنق ، وأنشد :

وما أدري إذا يمّمت أرضا

أريد الخير أيّهما يليني

وإنما قال : أيّهما ، لأنه قد علم أنّ الخير والشرّ معرّضان للإنسان. قال الفرّاء : والذّقن : أسفل اللحيين ، والمقمح : الغاضّ بصره بعد رفع رأسه. قال أبو عبيدة : كلّ رافع رأسه فهو مقامح وقامح ، والجمع : قماح ، فإن فعل ذلك بإنسان فهو مقمح ، ومنه هذه الآية. وقال ابن قتيبة : يقال : بعير قامح ، وإبل قماح : إذا رويت من الماء فقمحت ، قال الشاعر ـ وذكر سفينة ـ :

ونحن على جوانبها قعود

نغضّ الطّرف كالإبل القماح (١)

وقال الأزهري : المراد أنّ أيديهم لمّا غلّت عند أعناقهم ، رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم ، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إيّاها.

قوله تعالى : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) قرأ حمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : بفتح السين ، والباقون : بضمّها ، وقد تكلّمنا على الفرق بينهما في سورة الكهف (٢). وفي معنى الآية قولان : أحدهما : منعناهم عن الإيمان بموانع ، فهم لا يستطيعون الخروج عن الكفر. والثاني : حجبناهم عن أذى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالظّلمة لمّا قصدوه بالأذى.

____________________________________

(١١٩٦) عزاه المصنف لمقاتل بن سليمان ، وهو ممن يضع الحديث. وأخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» ١٥٦ من طريق إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس مطوّلا بنحوه ، وليس فيه ذكر رجل ، ولا ذكر نزول الآية ، وإسناده ضعيف فيه من لم يسمّ. وأخرج أبو نعيم ١٥٢ من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه : أن رجلا من بني مخزوم قام إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي يده مهز ، ليرمي به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ...». وهذا مرسل. وليس فيه أن الآية نزلت بسبب ذلك. وأخرج الطبري ٢٩٠٦٤ عن عكرمة مرسلا «قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا لأفعلن ، ولأفعلن» فأنزلت (إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً ...).

وانظر «صحيح البخاري» ٤٩٥٨ حديث ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأنّ على عنقه. فبلغ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «لو فعله لأخذته الملائكة».

__________________

(١) البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي ، كما في «تفسير القرطبي» ١٥ / ١٢ و «اللسان» ـ قمح ـ.

(٢) الكهف : ٩٤.

٥١٨

قوله تعالى : (فَأَغْشَيْناهُمْ) قال ابن قتيبة : أغشينا عيونهم وأعميناهم عن الهدى. وقرأ ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، ويحيى بن يعمر : «فأعشيناهم» بعين غير معجمة. ثم ذكر أنّ الإنذار لا ينفعهم لإضلاله إيّاهم بالآية التي بعد هذه. ثم أخبر عمّن ينفعه الإنذار بقوله تعالى : (إِنَّما تُنْذِرُ) أي : إنما ينفع إنذارك (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) وهو القرآن ، فعمل به (وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) وقد شرحناه في الأنبياء (١) ، والأجر الكريم : الحسن ، وهو الجنّة. (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى) للبعث (وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا) من خير وشرّ في دنياهم. وقرأ النّخعيّ ، والجحدري : «ويكتب» بياء مرفوعة وفتح التاء «وآثارهم» برفع الراء.

وفي آثارهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنها خطاهم بأرجلهم ، قاله الحسن ، ومجاهد ، وقتادة.

(١١٩٧) قال أبو سعيد الخدريّ : شكت بنو سلمة إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد منازلهم من المسجد ، فأنزل الله تعالى : (وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ) ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «عليكم منازلكم ، فإنّما يكتب آثاركم» ، وقال قتادة وعمر بن عبد العزيز : لو كان الله مغفلا شيئا ، لأغفل ما تعفي الرّياح (٢) من أثر قدم ابن آدم.

والثاني : أنّها الخطا إلى الجمعة ، قاله أنس بن مالك. والثالث : ما أثروا من سنّة حسنة أو سيّئة يعمل بها بعدهم ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، واختاره الفرّاء ، وابن قتيبة ، والزّجاج.

قوله تعالى : (وَكُلَّ شَيْءٍ) وقرأ ابن السّميفع ، وابن أبي عبلة : «وكلّ» برفع اللام ، أي : من الأعمال (أَحْصَيْناهُ) أي : حفظناه (فِي إِمامٍ مُبِينٍ) وهو اللّوح المحفوظ.

____________________________________

(١١٩٧) ذكر نزول الآية ضعيف ، وأصل الحديث صحيح. أخرجه الترمذي ٣٢٢٦ والطبري ٢٩٠٧٣ وعبد الرزاق في «المصنف» ١٩٨٢ من طريق سفيان الثوري عن أبي سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ومداره على طريف بن شهاب ، وهو ضعيف. قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري ، وأبو سفيان هو طريف السعدي. وأخرجه الحاكم ٢ / ٤٢٨ والواحدي في «أسباب النزول» ٧٢٠ وفي «الوسيط» ٣ / ٥١٠ ـ ٥١١ من طريق الثوري ، عن سعد بن طريف عن أبي نضرة به ، وفي الإسناد قلب ، والصواب طريف بن شهاب كما تقدم. وقال ابن كثير في «التفسير» عند هذه الآية : فيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكاملها مكية ، فالله أعلم. وورد من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس عند ابن ماجة ٧٨٥ والطبري ٢٩٠٦٩ و ٢٩٧٠ وقال البوصيري في «الزوائد» هذا موقوف ، فيه سماك ، وهو ابن حرب ، وإن وثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، فقد قال أحمد : مضطرب الحديث ، وقال يعقوب بن شيبة : روايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وروايته عن غيره صالحة. وأشار الحافظ في «الفتح» ٢ / ١٤٠ إلى هذه الرواية وقال : وإسناده قوي. وفيه نظر ، والصواب أن إسناده ضعيف لضعف سماك في عكرمة ، فقد روى عنه مناكير. والسورة مكية كلها كما قال الحافظ ابن كثير ، والصواب حديث أنس بن مالك في «صحيح البخاري» وغيره ، وحديث جابر عند مسلم ، وليس فيه نزول الآية. قال أنس رضي الله عنه : أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تعرى المدينة وقال : «يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟» فأقاموا. أخرجه البخاري ٦٥٥ ـ ٦٥٦ ـ ١٨٨٧ وابن ماجة ٧٨٤ وأحمد ٣ / ١٠٦ و ١٨٢ و ٢٦٣ والبيهقي ٣ / ٦٤ والبغوي في «شرح السنة» ٤٧٠ من طرق عن حميد به. وحديث جابر ، أخرجه مسلم ٦٦٥ وأحمد ٣ / ٣٣٢ و ٣٣٣ و ٣٧١ و ٣٩٠ وابن حبان ٢٠٤٢ وأبو عوانة ١ / ٣٨٧ والبيهقي ٣ / ٦٤ وأبو يعلى ٢١٥٧.

__________________

(١) الأنبياء : ٤٩.

(٢) عفت الرياح الأثر : إذا طمسته ومحته.

٥١٩

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩))

قوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً) المعنى : صف لأهل مكّة مثلا ؛ أي : شبها. وقال الزّجّاج : المعنى : مثل لهم مثلا (أَصْحابَ الْقَرْيَةِ) وهو بدل من مثل ، كأنه قال : اذكر لهم أصحاب القرية. وقال عكرمة ، وقتادة : هذه القرية هي أنطاكيّة (١). (إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) وفي اسميهما ثلاثة أقوال (٢) : أحدها : صادق وصدوق ، قاله ابن عباس ، وكعب. والثاني : يوحنّا وبولس ، قاله وهب بن منبّه. والثالث : تومان وبولس ، قاله مقاتل.

قوله تعالى : (فَعَزَّزْنا) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «فعزّزنا» بتشديد الزاي ، قال ابن قتيبة : المعنى : قوّينا وشدّدنا ، يقال : تعزّز لحم النّاقة : إذا صلب. وقرأ أبو بكر ، والمفضّل عن عاصم : «فعززنا» خفيفة ، قال أبو عليّ : أراد : فغلبنا. قال مقاتل : واسم هذا الثالث شمعون ، وكان من الحواريّين ، وهو وصيّ عيسى عليه‌السلام. قال وهب : وأوحى الله إلى شمعون يخبره خبر الاثنين ويأمره بنصرتهما ، فانطلق يؤمّهما. وذكر الفرّاء أنّ هذا الثالث كان قد أرسل قبلهما ؛ قال : ونراه في التّنزيل كأنه بعدهما ، وإنما المعنى : فعزّزنا بالثالث الذي قبلهما ، والمفسّرون على أنه إنما أرسل لنصرتهما ، ثمّ إنّ الثالث إنما يكون بعد ثان ، فأمّا إذا سبق الاثنين فهو أوّل ؛ وإنّي لأتعجّب من قول الفرّاء.

واختلف المفسّرون فيمن أرسل هؤلاء الرّسل على قولين (٣) : أحدهما : أنّ الله تعالى أرسلهم ،

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «التفسير» ٣ / ٦٩٥ ـ ٦٩٨ : وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سيأتي في نهاية القصة وهو أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم ، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة ، وهن القدس لأنها بلد المسيح ، وأنطاكية لأنها أول بلد آمنت بالمسيح عن آخر أهلها ، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت ، فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذّبوا رسله ، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم. وإن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة ، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف : أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم ، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ، ذكروه عند قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى) فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية ، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة ، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(٢) هذه الأقوال لا حجة فيها جميعا لأن مصدرها كتب الأقدمين ، فالله أعلم بالصواب.

(٣) قال ابن كثير في «التفسير» ٣ / ٦٩٨ : إن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ـ عزوجل ـ لا من

٥٢٠