زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا

بيتا دعائمه أعزّ وأطول

وقال معن بن أوس المزني :

لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل

على أينا تغدو المنيّة أوّل (١)

أي : وإنّي لوجل ، وقال غيره :

أصبحت أمنحك الصّدود وإنّني

قسما إليك مع الصّدود لأميل (٢)

وأنشدوا أيضا :

تمنّى رجال أن أموت وإن أمت

فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أي : بواحد ، هذا قول أبي عبيدة ، وهو مرويّ عن الحسن ، وقتادة. وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو عمران الجوني ، وجعفر بن محمّد : «وهو هيّن عليه». والثالث : أنه خاطب العباد بما يعقلون ، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحكمهم ، فمن قدر على الإنشاء كان البعث أهون عليه ، هذا اختيار الفرّاء ، والمبرّد ، والزّجّاج ، وهو قول مقاتل. وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الهاء في «عليه» عائدة إلى الله عزوجل. والرابع : أنّ الهاء تعود على المخلوق ، لأنه خلقه نطفة ثم علقة ثم مضغة ، ويوم القيامة يقول له كن فيكون ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وهو اختيار قطرب. قوله تعالى : (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) قال المفسّرون : أي : له الصّفة العليا (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وهي أنّه لا إله غيره.

قوله تعالى : (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً) سبب نزولها أنّ أهل الجاهلية كانوا يلبّون فيقولون : لبّيك لا شريك لك إلّا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فنزلت هذه الآية ، قاله سعيد بن جبير ، ومقاتل. ومعنى الآية : بيّن لكم أيّها المشركون شبها ، وذلك الشّبه (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ثم بيّنه فقال : (هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي : من عبيدكم (مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) من المال والأهل والعبيد ، أي : هل يشارككم عبيدكم في أموالكم (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ) أي : أنتم وشركاؤكم من عبيدكم سواء (تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي : كما تخافون أمثالكم من الأحرار ، وأقرباءكم كالآباء والأبناء؟ قال ابن عباس : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا؟ وقال غيره : تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشّركاء؟ والمعنى : هل يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التّصرّف في ذلك ، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرّف فيه كما يخاف غيره من الشّركاء الأحرار؟ ، فإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم ، فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي؟! (كَذلِكَ) أي : كما بيّنّا هذا المثل (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) عن الله تعالى. ثم بيّن أنّهم إنّما اتّبعوا الهوى في إشراكهم ، فقال : (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي : أشركوا بالله (أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ) وهذا يدلّ على أنهم إنما أشركوا بإضلال الله إيّاهم (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) أي : مانعين من عذاب الله تعالى.

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ

__________________

(١) في «اللسان» : الوجل : الفزع والخوف.

(٢) البيت للأحوص.

٤٢١

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨))

قوله تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) قال مقاتل : أخلص دينك الإسلام (لِلدِّينِ) أي : للتّوحيد. وقال أبو سليمان الدّمشقي : استقم بدينك نحو الجهة التي وجّهك الله تعالى إليها. وقال غيره : سدّد عملك. والوجه : ما يتوجّه إليه ، وعمل الإنسان ودينه : ما يتوجّه إليه لتسديده وإقامته.

قوله تعالى : (حَنِيفاً) قال الزّجّاج : الحنيف : الذي يميل إلى الشيء ولا يرجع عنه ، كالحنف في الرّجل ، وهو ميلها إلى خارجها خلقة ، لا يقدر الأحنف أن يردّ حنفه ، وقوله : (فِطْرَتَ اللهِ) منصوب ، بمعنى : اتّبع فطرة الله ، لأنّ معنى «فأقم وجهك» : اتّبع الدّين القيّم ، واتّبع فطرة الله تعالى ، أي : دين الله تعالى ؛ والفطرة : الخلقة التي خلق عليها البشر.

(١٠٩٩) وكذلك قوله عليه‌السلام : «كلّ مولود يولد على الفطرة»! ، أي : على الإيمان بالله تعالى. وقال مجاهد في قوله تعالى : (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) قال : الإسلام ، وكذلك قال قتادة. والذي أشار إليه الزّجّاج أصحّ ، وإليه ذهب ابن قتيبة ، فقال : فرق ما بيننا وبين أهل القدر في هذا الحديث ، أنّ الفطرة عندهم : الإسلام ، والفطرة عندنا : الإقرار بالله عزوجل والمعرفة به ، لا الإسلام ، ومعنى الفطرة : ابتداء الخلقة ، فالكلّ أقرّوا حين قوله تعالى : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) (١) ، ولست واجدا أحدا إلّا وهو مقرّ بأنّ له صانعا ومدبّرا وإن عبد شيئا دونه وسمّاه بغير اسمه ؛ فمعنى الحديث : إنّ كلّ مولود في العالم على ذلك العهد وذلك الإقرار الأول ، وهو الفطرة ، ثم يهوّد اليهود أبناءهم ، أي :

____________________________________

(١٠٩٩) صحيح. أخرجه مسلم ٢٦٥٨ وأحمد ٢ / ٢٧٥ وابن حبان ١٣٠ من طرق عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به. وهو في «مصنف عبد الرزاق» برقم ٢٠٠٨٧. وأخرجه مسلم ٢٦٥٨ وأحمد ٢ / ٢٣٣ من طريقين عن الزهري به. وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٣ / ٣٠٨ من طريق قتادة عن ابن المسيب به. وورد من وجه آخر مختصرا عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعا «كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجّسانه». أخرجه البخاري ١٣٥٨ و ١٣٥٩ و ١٣٨٥ و ٤٧٧٥ ومسلم ٢٦٥٨ وأحمد ٢ / ٣٩٣ ، وابن حبان. وورد أيضا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة باللفظ المذكور آنفا عند مسلم ٢٦٥٨ ح ٢٣ والترمذي ٢١٣٨ وأحمد ٢ / ٢٥٣ و ٤٨١ والطيالسي ٢٤٣٣ وأبو نعيم في «الحلية» ٩ / ٩٦ والبغوي في «شرح السنة» ٨٤.

__________________

(١) الأعراف : ١٧٢.

٤٢٢

يعلمونهم ذلك ، وليس الإقرار الأول ممّا يقع به حكم ولا ثواب ، وقد ذكر نحو هذا أبو بكر الأثرم ، واستدلّ عليه بأنّ الناس أجمعوا على أنه لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم ، ثم أجمعوا على أنّ اليهوديّ إذا مات له ولد صغير ورثه ، وكذلك النّصرانيّ ، والمجوسيّ ، ولو كان معنى الفطرة الإسلام ، ما ورثه إلّا المسلمون ، ولا دفن إلّا معهم ، وإنما أراد بقوله عليه‌السلام : «كلّ مولود يولد على الفطرة» أي : على تلك البداية التي أقرّوا له فيها بالوحدانيّة حين أخذهم من صلب آدم ، فمنهم من جحد ذلك بعد إقراره. ومثل هذا الحديث حديث عياض بن حمار عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :

(١١٠٠) «قال الله عزوجل : إني خلقت عبادي حنفاء» ، وذلك أنه لم يدعهم يوم الميثاق إلّا إلى حرف واحد ، فأجابوه.

قوله تعالى : (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) لفظه لفظ النّفي ، ومعناه النّهي ؛ والتقدير : لا تبدّلوا خلق الله عزوجل ، وفيه قولان : أحدهما : أنه خصاء البهائم ، قاله عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. والثاني : دين الله عزوجل ، قاله مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والنّخعيّ في آخرين ، وعن ابن عباس وعكرمة كالقولين. قوله تعالى : (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) يعني التّوحيد المستقيم (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) يعني كفّار مكّة (لا يَعْلَمُونَ) توحيد الله عزوجل.

قوله تعالى : (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) قال الزّجّاج : زعم جميع النّحويين أنّ معنى هذا : فأقيموا وجوهكم منيبين ، لأنّ مخاطبة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تدخل معه فيها الأمّة ، ومعنى «منيبين» : راجعين إليه في كلّ ما أمر ، فلا يخرجون عن شيء من أمره. وما بعد هذا قد سبق تفسيره (١) إلى قوله تعالى : (وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً) وفيه قولان : أحدهما : أنه القحط ، والرّحمة : المطر. والثاني : أنه البلاء ، والرّحمة : العافية ، (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) وهم المشركون. والمعنى : إنّ الكلّ يلتجئون إليه في

____________________________________

(١١٠٠) صحيح. أخرجه مسلم ٢٨٦٥ وعبد الرزاق في «المصنف» ٢٠٠٨٨ وأحمد ٤ / ١٦٢ و ٢٦٦ والطيالسي ١٠٧٩ والطبراني ١٧ / ٩٨٧ و ٩٩٢ ـ ٩٩٧ والبغوي ٤١٠٥ والبيهقي ٩ / ٦٠ وابن حبان ٦٥٣ من طرق عن قتادة.

والحديث بتمامه بلفظ مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ذات يوم في خطبة : «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني ، يومي هذا كل مال نحلته عبدا ، حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب.

وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت : رب! إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال : استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك قال : وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق. ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم. وعفيف متعفف ذو عيال قال : وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له ، الذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع ، وإن دقّ إلا خانه ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك».

ومعنى لا يخفى : لا يظهر ويقول أهل اللغة خفيت الشيء إذا أظهرته وأخفيته إذا سترته وكتمته.

__________________

(١) البقرة : ٣ ، الأنعام : ١٥٩.

٤٢٣

شدائدهم ، ولا يلتفت المشركون حينئذ إلى أوثانهم.

قوله تعالى : (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ) قد شرحناه في آخر العنكبوت (١) ، وقوله تعالى : (فَتَمَتَّعُوا) خطاب لهم بعد الإخبار عنهم. قوله تعالى : (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ) أي : على هؤلاء المشركين (سُلْطاناً) أي : حجّة وكتابا من السماء (فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) أي : يأمرهم بالشّرك؟! وهذا استفهام إنكار ، ومعناه : ليس الأمر كذلك.

قوله تعالى : (وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ) قال مقاتل : يعني كفّار مكّة (رَحْمَةً) وهي المطر. والسيئة : الجوع والقحط ، وقال ابن قتيبة : الرحمة : النعمة ، والسيّئة : المصيبة. قال المفسّرون : وهذا الفرح المذكور ها هنا ، هو فرح البطر الذي لا شكر فيه. والقنوط : اليأس من فضل الله عزوجل ، وهذا خلاف وصف المؤمن ، فإنه يشكر عند النّعمة ، ويرجو عند الشّدة ؛ وقد شرحناه في بني إسرائيل (٢) ، إلى قوله تعالى : (ذلِكَ) يعني إعطاء الحقّ (خَيْرٌ) أي : أفضل من الإمساك (لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ) أي : يطلبون بأعمالهم ثواب الله.

(وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠))

قوله تعالى : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً) في هذه الآية أربعة أقوال (٣) : أحدها : أنّ الرّبا ها هنا : أن يهدي الرجل للرجل الشيء يقصد أن يثيبه عليه أكثر من ذلك ، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وطاوس والضّحّاك وقتادة والقرظي. قال الضّحّاك : فهذا ليس فيه أجر ولا وزر ، وقال قتادة : ذلك الذي لا يقبله الله عزوجل ولا يجزي به ، وليس فيه وزر. والثاني : أنه الرّبا المحرّم ، قاله الحسن البصري. والثالث : أن الرجل يعطي قرابته المال ليصير به غنيا لا يقصد بذلك ثواب الله تعالى ، قاله إبراهيم النخعي. والرابع : أنه الرجل يعطي من يخدمه لأجل خدمته ، لا لأجل الله تعالى ، قاله الشّعبيّ. قوله تعالى : (لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ) وقرأ نافع ويعقوب : «لتربو» بالتاء وسكون الواو ، أي : في اجتلاب أموال الناس واجتذابها (فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ) أي : لا يزكو ولا يضاعف لأنّكم قصدتم زيادة العوض ولم تقصدوا القربة. (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ) أي : ما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها المكافأة إنما تريدون بها ما عند الله تعالى : (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) قال ابن قتيبة : الذين يجدون التّضعيف والزّيادة. وقال

__________________

(١) العنكبوت : ٦٧.

(٢) الإسراء : ٢٦.

(٣) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٥٣٦ : من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم فهذا لا ثواب له عند الله ، وهذا الصنيع مباح ، وإن كان لا ثواب له فيه ، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة قاله الضحاك واستدل بقوله : (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) أي : لا تعطي العطاء تريد أكثر منه. وقال ابن عباس : الربا رباءان ، فربا لا يصحّ يعني ربا البيع ، وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها وإضعافها ، ثم تلا هذه الآية : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ) وإنما الثواب عند الله في الزكاة ، ولهذا قال : (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) أي : الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء.

٤٢٤

الزّجّاج : أي ذوو الأضعاف من الحسنات ، كما يقال : رجل مقو ، أي : صاحب قوّة ، وموسر : صاحب يسار.

(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣))

قوله تعالى : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) في هذا الفساد أربعة أقوال : أحدها : نقصان البركة ، قاله ابن عباس. والثاني : ارتكاب المعاصي ، قاله أبو العالية. والثالث : الشّرك ، قاله قتادة ، والسّدّيّ : والرابع : قحط المطر ، قاله عطيّة. فأما البرّ. فقال ابن عباس : البرّ : البرّيّة التي ليس عندها نهر ، وفي البحر قولان (١) : أحدهما : أنه ما كان من المدائن والقرى على شطّ نهر ، قاله ابن عباس. وقال عكرمة : لا أقول : بحركم هذا ، ولكن كلّ قرية عامرة. وقال قتادة : المراد بالبرّ : أهل البوادي ، وبالبحر : أهل القرى ، وقال الزّجّاج : المراد بالبحر : مدن البحر التي على الأنهار ، وكلّ ذي ماء فهو بحر. والثاني : أنّ البحر : الماء المعروف. قال مجاهد : ظهور الفساد في البرّ : قتل ابن آدم أخاه ، وفي البحر : ملك جائر يأخذ كلّ سفينة غصبا. وقيل لعطيّة : أيّ فساد في البحر؟ فقال : إذا قلّ المطر قلّ الغوص.

قوله تعالى : (بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) أي : بما عملوا من المعاصي (لِيُذِيقَهُمْ) وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي ، وعكرمة ، وقتادة ، وابن محيصن ، وروح عن يعقوب ، وقنبل عن ابن كثير : «لنذيقهم» بالنون (بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) أي : جزاء بعض أعمالهم ؛ فالقحط جزاء ، ونقصان البركة جزاء ، ووقوع المعصية منهم جزاء معجّل لمعاصيهم أيضا. قوله تعالى : (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) في المشار إليهم قولان : أحدهما : أنهم الذين أذيقوا الجزاء. ثم في معنى رجوعهم قولان : أحدهما : يرجعون عن المعاصي ، قاله أبو العالية. والثاني : يرجعون إلى الحقّ ، قاله إبراهيم. والثاني : أنهم الذين يأتون بعدهم ؛ فالمعنى : لعلّه يرجع من بعدهم ، قاله الحسن.

قوله تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي : سافروا (فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) أي : الذين كانوا قبلكم ؛ والمعنى : انظروا إلى مساكنهم وآثارهم (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) المعنى : فأهلكوا بشركهم. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ) أي : أقم قصدك لاتّباع الدّين (الْقَيِّمِ) وهو الإسلام المستقيم (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ) يعني القيامة ، لا يقدر أحد على ردّ ذلك اليوم ، لأنّ الله تعالى قد قضى كونه (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) أي : يتفرّقون إلى الجنّة والنّار.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ١٠ / ١٩٢ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن الله تعالى ذكره أخبر أن الفساد قد ظهر في البر والبحر عند العرب في الأرض القفار ، والبحر بحران : بحر ملح ، وبحر عذب فهما جميعا بحر ، ولم يخصص جل ثناؤه الخبر عن ظهور ذلك في بحر دون بحر ، فذلك ما وقع عليه اسم بحر ، عذبا كان أو ملحا ، وإذا كان ذلك كذلك ، دخل القرى التي على الأنهار والبحار ، فتأويل الكلام إذن : إذا كان الأمر كما وصفت ، ظهرت معاصي الله في كل مكان من برّ وبحر بما كسبت أيدي الناس ، أي : بذنوب الناس ، وانتشر الظلم فيهما اه.

٤٢٥

(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥))

(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) أي : جزاء كفره (وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) أي : يوطئون. وقال مجاهد : يسوّون المضاجع في القبور ، قال أبو عبيدة : «من» تقع على الواحد والاثنين والجمع من المذكّر والمؤنّث ، ومجازها ها هنا مجاز الجميع ، و «يمهد» بمعنى يكتسب ويعمل ويستعدّ.

(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧))

قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) تبشّر بالمطر (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) وهو الغيث والخصب (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ) في البحر بتلك الرّياح (بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا) بالتّجارة في البحر (مِنْ فَضْلِهِ) وهو الرّزق ؛ وكلّ هذا بالرّياح. قوله تعالى : (فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي : بالدّلالات على صدقهم (فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) أي : عذّبنا الذين كذّبوهم (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا) أي : واجبا هو أوجبه على نفسه (نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) إنجاؤهم مع الرّسل من عذاب المكذّبين.

(اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧))

قوله تعالى : (يُرْسِلُ الرِّياحَ) وقرأ ابن مسعود ، وأبو رجاء ، والنّخعيّ ، وطلحة بن مصرّف ، والأعمش : «يرسل الرّيح» بغير ألف. قوله تعالى : (فَتُثِيرُ سَحاباً) أي : تزعجه (فَيَبْسُطُهُ) الله (فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ) إن شاء بسطه مسيرة يوم أو يومين أو أقلّ أو أكثر (وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً) أي : قطعا متفرّقة. والأكثرون فتحوا سين «كسفا» ؛ وقرأ أبو رزين ، وقتادة ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، وابن أبي عبلة :

٤٢٦

بتسكينها ؛ قال أبو عليّ : يمكن أن يكون مثل سدرة وسدر ، فيكون معنى القراءتين واحدا (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية : «من خلله» ؛ وقد شرحناه في النّور (١). (فَإِذا أَصابَ بِهِ) أي : بالودق ؛ ومعنى (يَسْتَبْشِرُونَ) يفرحون بالمطر ، (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) المطر (مِنْ قَبْلِهِ) وفي هذا التّكرير ثلاثة أقوال : أحدها : أنه للتأكيد ، كقوله تعالى : (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) (٢) ، قاله الأخفش في آخرين. والثاني : أنّ «قبل» الأولى للتّنزيل ، والثانية للمطر ، قاله قطرب. قال ابن الأنباري : والمعنى : من قبل نزول المطر ، من قبل المطر ، وهذا مثل ما يقول القائل : آتيك من قبل أن تتكلّم ، من قبل أن تطمئنّ في مجلسك ، فلا تنكر الإعادة ، لاختلاف الشيئين. والثالث : أنّ الهاء في قوله تعالى : «من قبله» ترجع إلى الهدى وإن لم يتقدّم له ذكر ، فيكون المعنى : كانوا يقنطون من قبل نزول المطر ، من قبل الهدى ، فلمّا جاء الهدى والإسلام زال القنوط ، ذكره ابن الأنباري عن أبي عمر الدريدي وأبي جعفر بن قادم. والمبلسون : الآيسون وقد سبق الكلام في هذا (٣). (فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم : «إلى أثر». وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «إلى آثار» على الجمع. والمراد بالرّحمة ها هنا : المطر ، وأثرها : النّبت والمنبت ؛ والمعنى : انظر إلى حسن تأثيره في الأرض (كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ) أي : كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت. وقرأ عثمان بن عفّان ، وأبو رجاء ، وأبو عمران الجوني ، وسليمان التّيمي ، «كيف تحيي» بتاء مرفوعة مكسورة الياء «الأرض» بفتح الضاد.

قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً) أي : ريحا باردة مضرّة ، والرّيح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها العذاب ، ولهذا كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول عند هبوب الرّيح :

(١١٠١) «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا».

(فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا) يعني النّبت ، والهاء عائدة إلى الأثر. قال الزّجّاج : المعنى : فرأوا النّبت قد اصفرّ وجفّ (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) ومعناه : ليظلّنّ ، لأنّ معنى الكلام الشّرط والجزاء ، فهم يستبشرون بالغيث ، ويكفرون إذا انقطع عنهم الغيث وجفّ النّبت. وقال غيره : المراد برحمة الله : المطر. و «ظلّوا» بمعنى صاروا «من بعده» أي : من بعد اصفرار النّبت يجحدون ما سلف من النّعمة. وما بعد هذا مفسّر في سورة النّمل (٤) إلى قوله تعالى : (اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) وقد ذكرنا الكلام فيه في الأنفال (٥) ، قال المفسّرون : المعنى : خلقكم من ماء ذي ضعف ، وهو المنيّ (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ) يعني ضعف الطّفولة قوّة الشّباب ، ثمّ جعل من بعد قوّة الشباب ضعف الكبر ، وشيبة ، (يَخْلُقُ ما يَشاءُ) أي : من ضعف وقوّة وشباب وشيبة (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بتدبير خلقه (الْقَدِيرُ) على ما يشاء. (وَيَوْمَ تَقُومُ

____________________________________

(١١٠١) ضعيف جدا ، أخرجه الشافعي ١ / ١٧٥ والبغوي في «التفسير» ١٢٣٤ من طريق الشافعي أنبأنا من لا أتهم بحديثه ثنا العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما هبت ريح قط إلا جثا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ركبتيه وقال : اللهم اجعلها ... ، وشيخ الشافعي هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، وهو متروك وكذبه القطان وابن معين ، وكان الشافعي يوثقه؟! وهذا إسناد ساقط ، والخبر شبه موضوع.

__________________

(١) النور : ٤٣.

(٢) الحجر : ٣٠.

(٣) الأنعام : ٤٤.

(٤) النمل : ٨٠ ـ ٨١.

(٥) الأنفال : ٦٦.

٤٢٧

السَّاعَةُ) قال الزّجّاج : الساعة في القران على معنى الساعة التي تقوم فيها القيامة ، فلذلك لم تعرف أيّ ساعة هي. قوله تعالى : (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ) أي : يحلف المشركون (ما لَبِثُوا) في القبور (غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) قال ابن قتيبة : يقال : أفك الرّجل : إذا عدل به عن الصّدق ، فالمعنى أنهم قد كذّبوه في هذا الوقت كما كذّبوه في الدنيا. وقال غيره : أراد الله تعالى أن يفضحهم يوم القيامة بين المؤمنين ، فحلفوا على شيء تبيّن للمؤمنين كذبهم فيه ، ويستدلّون على كذبهم في الدنيا. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم بقوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ) وفيهم قولان : أحدهما : أنهم الملائكة. والثاني : المؤمنون. قوله تعالى : (لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ) فيه قولان : أحدهما : أنّ فيه تقديما وتأخيرا ، تقديره : وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله عزوجل ، قاله ابن جريج في جماعة من المفسّرين. والثاني : أنه على نظمه. ثم في معناه قولان : أحدهما : لقد لبثتم في علم الله ، عزوجل ، قاله الفرّاء. والثاني : لقد لبثتم في خبر الكتاب ، قاله ابن قتيبة.

قوله تعالى : (فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ) أي : اليوم الذي كنتم تنكرونه (وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) في الدنيا أنه يكون. (فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «لا تنفع» بالتاء. وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ : بالياء ، لأنّ التأنيث غير حقيقي. قال ابن عباس : لا يقبل من الذين أشركوا عذر ولا توبة.

(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠))

قوله تعالى : (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ) أي : كعصا موسى ويده (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ) أي : ما أنتم يا محمّد وأصحابك (إِلَّا مُبْطِلُونَ) أي : أصحاب أباطيل ، وهذا بيان لعنادهم. (كَذلِكَ) أي : كما طبع على قلوبهم حتى لا يصدّقون الآيات (يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) توحيد الله عزوجل ؛ فالسبب في امتناع الكفار من التّوحيد ، الطّبع على قلوبهم.

قوله تعالى : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ) بنصرك وإظهارك على عدوك (حَقٌ). (وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ) وقرأ يعقوب إلّا روحا وزيدا : «يستخفّنك» بسكون النون. قال الزّجّاج : لا يستفزّنّك عن دينك (الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) أي : هم ضلّال شاكّون. وقال غيره : لا يوقنون بالبعث والجزاء. وزعم بعض المفسّرين أنّ هذه الآية منسوخة ؛ والله أعلم.

٤٢٨

سورة لقمان

وهي مكّيّة في قول الأكثرين. وروي عن عطاء أنه قال : هي مكّيّة سوى آيتين منها نزلتا بالمدينة ، وهما قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) والتي بعدها (١) ؛ وروى الحسن أنه قال : إلّا آية نزلت بالمدينة ، وهي قوله تعالى : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) (٢) ، لأنّ الصلاة والزّكاة مدنيّتان.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣))

قوله تعالى : (هُدىً وَرَحْمَةً) وقرأ حمزة وحده : «ورحمة» بالرّفع. قال الزّجّاج : القراءة بالنّصب على الحال ؛ المعنى : تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرّحمة ؛ ويجوز الرفع على إضمار «هو هدى ورحمة» وعلى معنى : «تلك هدى ورحمة». وقد سبق تفسير مفتتح هذه السّورة (٣) إلى قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية مغنّية. وقال مجاهد : نزلت في شراء القيان والمغنّيات.

__________________

(١) لقمان : ٢٧ ـ ٢٨.

(٢) لقمان : ٤.

(٣) البقرة : ١ ـ ٥.

٤٢٩

(١١٠٢) وقال ابن السّائب ومقاتل : نزلت في النّضر بن الحارث ، وذلك أنه كان تاجرا إلى فارس ، فكان يشتري أخبار الأعاجم فيحدّث بها قريشا ويقول لهم : إنّ محمّدا يحدّثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدّثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ، فنزلت فيه هذه الآية.

وفي المراد بلهو الحديث أربعة أقوال : أحدها : أنه الغناء ، كان ابن مسعود يقول : هو الغناء والذي لا إله إلّا هو ، يردّدها ثلاث مرات ؛ وبهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادة. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : اللهو : الطّبل. والثاني : أنه ما ألهى عن الله تعالى : قاله الحسن ، وعنه مثل القول الأول. والثالث : أنه الشّرك ، قاله الضّحّاك. والرابع : الباطل ، قاله عطاء. وفي معنى «يشتري» قولان : أحدهما : يشتري بماله ؛ وحديث النّضر يعضده. والثاني : يختار ويستحبّ ، قاله قتادة ، ومطر. وإنما قيل لهذه الأشياء : لهو الحديث ، لأنها تلهي عن ذكر الله تعالى.

قوله تعالى : «ليضلّ» المعنى : ليصير أمره إلى الضّلال ، وقد بيّنّا هذا الحرف في الحجّ (١). وقرأ أبو رزين ، والحسن ، وطلحة بن مصرّف ، والأعمش ، وأبو جعفر : (لِيُضِلَ) بضمّ الياء ، والمعنى : ليضلّ غيره ، وإذا أضلّ غيره فقد ضلّ هو أيضا.

قوله تعالى : (وَيَتَّخِذَها) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : «ويتّخذها» برفع الذال. وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : بنصب الذال. قال أبو عليّ : من نصب عطف على «ليضلّ» «ويتّخذ» ، ومن رفع عطفه على «من يشتري» «ويتخذ». وفي المشار إليه بقوله تعالى : (وَيَتَّخِذَها) قولان : أحدهما : أنها الآيات. والثاني : السّبيل. وما بعد هذا مفسّر في مواضع قد تقدّمت (٢) إلى قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) وفيها قولان (٣) : أحدهما : الفهم والعقل ، قاله الأكثرون. والثاني : النّبوّة. وقد اختلف في نبوّته على قولين : أحدهما : أنه كان حكيما ولم يكن نبيّا ، قاله سعيد بن المسيّب ، ومجاهد ، وقتادة. والثاني : أنه كان نبيّا ، قاله الشّعبيّ ، وعكرمة ، والسّدّيّ. هكذا حكاه عنهم الواحدي ، ولا يعرف ، إلّا أنّ هذا ممّا انفرد به عكرمة ؛ والقول الأول أصحّ. وفي صناعته ثلاثة أقوال : أحدها : أنه كان خيّاطا ، قاله سعيد بن المسيّب. والثاني : راعيا ، قاله ابن زيد. والثالث : نجّارا ، قاله خالد الرّبعي. فأمّا صفته ، فقال ابن عباس ؛ كان عبدا حبشيّا. وقال سعيد بن المسيّب : كان لقمان أسود من سودان مصر. وقال مجاهد : كان غليظ الشّفتين مشقّق

____________________________________

(١١٠٢) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» ٦٧٦ عن مقاتل والكلبي بدون إسناد. وكلاهما متهم بالكذب.

__________________

(١) الحج : ٩.

(٢) البقرة : ٢٥ ، الأنعام : ٢٥ ، الرعد : ١٥ ، النحل : ١٥ ، الإسراء : ٤٦ ، الشعراء : ٧.

(٣) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٥٤٨ : اختلف السلف في لقمان عليه‌السلام هل كان نبيا ، أو عبد صالحا من غير نبوة؟ على قولين والأكثرون على القول بأن لقمان كان من سودان مصر ، ذا مشافر ، أعطاه الله الحكمة ومنحه النبوة. وقوله : (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) أي : الفهم والعلم والتعبير ، (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) أي أمرناه أن يشكر لله ـ عزوجل ـ على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصّصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه.

٤٣٠

القدمين ، وكان قاضيا على بني إسرائيل.

قوله تعالى : (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) المعنى : وقلنا له : أن أشكر لله على ما أعطاك من الحكمة (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) أي : إنما يفعل لنفسه (وَمَنْ كَفَرَ) النّعمة ، فإنّ الله لغنيّ عن عبادة خلقه.

(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧))

قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) قال مقاتل : نزلت في سعد بن أبي وقّاص ، وقد شرحنا ذلك في العنكبوت (١). قوله تعالى : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ) وقرأ الضّحّاك ، وعاصم الجحدري : «وهنا على وهن» بفتح الهاء فيهما ، قال الزّجّاج : أي : ضعفا على ضعف. والمعنى لزمها بحملها إيّاه أن تضعف مرّة بعد مرّة. وموضع «أن» نصب «بوصيّنا» ؛ المعنى : ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك ، أي : وصّيناه بشكرنا وشكر والديه.

قوله تعالى : (وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) أي : فطامه يقع في انقضاء عامين. وقرأ إبراهيم النّخعيّ ، وأبو عمران ، والأعمش : «وفصاله» بفتح الفاء. وقرأ أبيّ بن كعب ، والحسن ، وأبو رجاء ، وطلحة بن مصرّف ، وعاصم الجحدري ، وقتادة ؛ «وفصله» بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف ؛ والمراد : التّنبيه على مشقّة الوالدة بالرّضاع بعد الحمل.

قوله تعالى : (وَإِنْ جاهَداكَ) قد فسّرنا ذلك في سورة العنكبوت إلى قوله تعالى : (وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً) قال الزّجّاج : أي : مصاحبا معروفا ، تقول : صاحبه مصاحبا ومصاحبة ، والمعروف : ما يستحسن من الأفعال.

قوله تعالى : (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ) أي : من رجع إليّ ؛ وأهل التّفسير يقولون : هذه الآية نزلت في سعد ، فهو المخاطب بها. وفي المراد بمن أناب ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أبو بكر الصّدّيق ، قيل لسعد : اتّبع سبيله في الإيمان ، هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء. وقال ابن إسحاق : أسلم على يدي أبي بكر الصّدّيق : عثمان بن عفّان ، وطلحة ، والزّبير ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف. والثاني : أنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قاله ابن السّائب. والثالث : من سلك طريق محمّد وأصحابه ، ذكره الثعلبي.

ثم رجع إلى الخبر عن لقمان فقال : (يا بُنَيَ). وقال ابن جرير : وجه اعتراض هذه الآيات بين الخبرين عن وصيّة لقمان أنّ هذا مما أوصى به لقمان ابنه. قوله تعالى : (إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ) وقرأ

__________________

(١) العنكبوت : ٨.

٤٣١

نافع وحده «مثقال حبّة» برفع اللام. وفي سبب قول لقمان لابنه هذا قولان : أحدهما : أنّ ابن لقمان قال لأبيه : أرأيت لو كانت حبّة في قعر البحر أكان الله تعالى يعلمها؟ فأجابه بهذه الآية ، قاله السّدّيّ. والثاني : أنه قال : يا أبت إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد ، كيف يعلمها الله؟ فأجابه بهذا ، قاله مقاتل. قال الزّجّاج : من قرأ برفع المثقال مع تأنيث «تك» فلأنّ «مثقال حبّة من خردل» راجع إلى معنى : خردلة ، فهي بمنزلة : إن تك حبّة من خردل ؛ ومن قرأ : «مثقال حبّة» فعلى معنى : إنّ التي سألتني عنها إن تك مثقال حبّة ، وعلى معنى : إنّ فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله عزوجل وقد بيّنّا معنى «مثقال حبّة من خردل» في الأنبياء (١). قوله تعالى : (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) قال قتادة : في جبل. وقال السّدّيّ : هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة ، ليست في السّموات ولا في الأرض. وفي قوله تعالى : (يَأْتِ بِهَا اللهُ) ثلاثة أقوال : أحدها : يعلمها الله تعالى : قاله أبو مالك. والثاني : يظهرها ، قاله ابن قتيبة. والثالث : يأت بها الله في الآخرة للجزاء عليها. (إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ) قال الزّجّاج : (لَطِيفٌ) باستخراجها (خَبِيرٌ) بمكانها. وهذا مثل لأعمال العباد ، والمراد أنّ الله تعالى يأتي بأعمالهم يوم القيامة ، من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره.

قوله تعالى : (وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) أي : في الأمر المعروف والنّهي عن المنكر من الأذى. وباقي الآية مفسّر في آل عمران (٢).

(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩))

قوله تعالى : (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، ويعقوب : «تصعّر» بتشديد العين من غير ألف. وقرأ نافع ، وحمزة ، والكسائيّ : بألف من غير تشديد. قال الفرّاء : هما لغتان ، ومعناهما الإعراض من الكبر. وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو رجاء وابن السّميفع ، وعاصم الجحدري : «ولا تصعر» بإسكان الصاد وتخفيف العين من غير ألف. وقال الزّجّاج : معناه : لا تعرض عن الناس تكبّرا ؛ يقال : أصاب البعير صعر : إذا أصابه داء يلوي منه عنقه. وقال ابن عباس : هو الذي إذا سلّم عليه لوى عنقه كالمستكبر. وقال أبو العالية : ليكن الغنيّ والفقير عندك في العلم سواء. وقال مجاهد : وهو الرجل يكون بينه وبين أخيه الحنة (٣) ، فيراه فيعرض عنه. وباقي الآية بعضه مفسّر في بني إسرائيل (٤) وبعضه في سورة النّساء (٥).

قوله تعالى : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي : ليكن مشيك قصدا ، لا تخيّلا ولا إسراعا. قال عطاء : امش بالوقار والسّكينة. قوله تعالى : (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أي : انقص منه. قال الزّجّاج : ومنه : غضضت بصري ، وفلان يغضّ من فلان ، أي : يقصر به. (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ) وقرأ أبو المتوكّل ، وابن أبي عبلة : «أنّ أنكر الأصوات» بفتح الهمزة. ومعنى «أنكر» : أقبح ؛ تقول : أتانا فلان بوجه منكر ، أي :

__________________

(١) الأنبياء : ٤٧.

(٢) آل عمران : ٢٨٦.

(٣) في «اللسان» : الحنة : هو من العداوة والإحنة : الحقد في الصدر ويقال في صدره عليّ إحنة ولا تقل حنة.

(٤) الإسراء : ٣٧.

(٥) النساء : ٣٦.

٤٣٢

قبيح. وقال المبرّد : تأويله : أنّ الجهر بالصوت ليس بمحمود ، وأنه داخل في باب الصوت المنكر ، وقال ابن قتيبة : عرّفه قبح رفع الأصوات في المخاطبة والملاحاة (١) بقبح أصوات الحمير ، لأنها عالية. قال ابن زيد : لو كان رفع الصوت خيرا ، ما جعله الله عزوجل للحمير. وقال سفيان الثّوري : صياح كلّ شيء تسبيح لله عزوجل ، إلّا الحمار ، فإنه ينهق بلا فائدة. فإن قيل : كيف قال : «لصوت» ولم يقل : «لأصوات الحمير»؟ فالجواب : أنّ لكلّ جنس صوتا ، فكأنه قال : إنّ أنكر أصوات الأجناس صوت هذا الجنس.

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١))

قوله تعالى : (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ) أي : أوسع وأكمل (نِعَمَهُ) قرأ نافع ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم : «نعمه» ، أرادوا جميع ما أنعم به. وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ؛ وحمزة ، والكسائيّ ، وأبو بكر عن عاصم : «نعمة» على التوحيد. قال الزّجّاج : هو ما أعطاهم من توحيده.

(١١٠٣) وروى الضّحّاك عن ابن عباس ، قال : سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : يا رسول الله! ما هذه النّعمة الظاهرة والباطنة؟ فقال : «أمّا ما ظهر : فالإسلام ، وما سوّى الله من خلقك ، وما أفضل عليك من الرّزق. وأمّا ما بطن : فستر مساوئ عملك ، ولم يفضحك» وقال الضّحّاك : الباطنة : المعرفة ، والظّاهرة : حسن الصّوت ، وامتداد القامة ، وتسوية الأعضاء.

قوله تعالى : (أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ) هو متروك الجواب ، تقديره فيتبعونه؟.

(وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧))

قوله تعالى : (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ) وقرأ أبو عبد الرّحمن السّلمي ، وأبو العالية ، وقتادة : «ومن

____________________________________

(١١٠٣) باطل. لا أصل له في المرفوع. أخرجه البيهقي في «الشعب» ٤٥٠٥ والديلمي ٧١٦٧ من حديث ابن عباس ، وإسناده ضعيف جدا ، له ثلاث علل : عمار بن عمرو الجنبي ضعيف وجويبر بن سعيد متروك متهم بالوضع ، والضحاك لم يلق ابن عباس. والمتن باطل لا أصل له ، وحسبه أن يكون موقوفا.

وانظر «تفسير الشوكاني» ١٩٣٠ بتخريجنا.

__________________

(١) الملاحاة : المخاصمة والمقاولة.

٤٣٣

يسلّم» بفتح السين وتشديد اللام. وذكر المفسّرون أن قوله تعالى : (وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) منسوخ بآية السّيف ، ولا يصحّ ، لأنه تسلية عن الحزن ، وذلك لا ينافي الأمر بالقتال. وما بعد هذا قد تقدّم تفسير ألفاظه في مواضع (١) إلى قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) وفي سبب نزولها قولان :

(١١٠٤) أحدهما : أنّ أحبار اليهود قالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أرأيت قول الله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٢) إيّانا يريد ، أم قومك؟ فقال : «كلّا» ، فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنّا قد أوتينا التّوراة فيها تبيان كلّ شيء؟ فقال : «إنها في علم الله قليل» ، فنزلت هذه الآية ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني : أنّ المشركين قالوا في القرآن : إنّما هو كلام يوشك أن ينفد وينقطع ، فنزلت هذه الآية ، قاله قتادة.

ومعنى الآية : لو كانت شجر الأرض أقلاما ، وكان البحر ومعه سبعة أبحر مدادا ـ وفي الكلام محذوف تقديره : فكتب بهذه الأقلام وهذه البحور كلمات الله عزوجل ـ لتكسّرت الأقلام ونفدت البحور ، ولم تنفد كلمات الله ، أي : لم تنقطع. فأما قوله تعالى : (وَالْبَحْرُ) فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائيّ : «والبحر» بالرفع ، ونصبه أبو عمرو. وقال الزّجّاج : من قرأ : «والبحر» بالنّصب ، فهو عطف على «ما» ؛ المعنى : ولو أنّ ما في الأرض ، ولو أنّ البحر ؛ والرفع حسن على معنى : والبحر هذه حاله. قال اليزيدي : ومعنى «يمدّه من بعده» : يزيد فيه ؛ يقال : مدّ قدرك ، أي : زد في مائها ، وكذلك قال ابن قتيبة : «يمدّه» من المداد ، لا من الإمداد ، يقال : مددت دواتي بالمداد ، وأمددته بالمال والرجال.

(ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢))

قوله تعالى : (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ).

(١١٠٥) سبب نزولها أنّ أبيّ بن خلف في آخرين من قريش قالوا للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّ الله عزوجل خلقنا أطوارا : نطفة ، علقة ، مضغة ، عظاما ، لحما ، ثم تزعم أنّا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة؟! فنزلت هذه الآية.

____________________________________

(١١٠٤) أخرجه الطبري ٢٨١٤٨ بنحوه بسند مجهول عن ابن عباس. و ٢٨٤٠١ بنحوه عن عكرمة مرسلا و ٢٨١٥٠ عن عطاء بن يسار مرسلا أيضا ، فلعل هذه الروايات تتأيد بمجموعها والله أعلم.

(١١٠٥) عزاه المصنف لمقاتل ، وهو ساقط الرواية ، فهذا خبر لا شيء.

__________________

(١) البقرة : ٢٦٧ ، وهود : ٤٨ ، والعنكبوت : ٦١.

(٢) الإسراء : ٨٥.

٤٣٤

ومعناها : ما خلقكم أيّها الناس جميعا في القدرة إلّا كخلق نفس واحدة ، ولا بعثكم جميعا في القدرة إلّا كبعث نفس واحدة ، قاله مقاتل. وما بعد هذا قد تقدّم تفسيره (١) إلى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ) تجري في البحر بنعمة الله ، قال ابن عباس : من نعمه جريان الفلك (لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ) أي : ليريكم من صنعه وعجائبه في البحر ، وابتغاء الرّزق (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ) قال مقاتل : أي : لكلّ صبور على أمر الله عزوجل (شَكُورٍ) في نعمه.

وقوله تعالى : (وَإِذا غَشِيَهُمْ) يعني الكفّار ؛ وقال بعضهم : هو عامّ في الكفّار والمسلمين (مَوْجٌ كَالظُّلَلِ) قال ابن قتيبة : وهي جمع ظلّة ، يراد أنّ بعضه فوق بعض ، فله سواد من كثرته.

قوله تعالى : (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وقد سبق شرح هذا (٢) ، والمعنى : فإنهم لا يذكرون أصنامهم في شدائدهم إنما يذكرون الله وحده.

(١١٠٦) وجاء في الحديث أنّ عكرمة بن أبي جهل لمّا هرب يوم الفتح من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ركب البحر فأصابتهم ريح عاصف ، فقال أهل السفينة : أخلصوا ، فإنّ آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ها هنا ، فقال عكرمة : ما هذا الذي تقولون ، فقالوا : هذا مكان لا ينفع فيه إلّا الله تعالى : فقال : هذا إله محمّد الذي كان يدعونا إليه ، لئن لم ينجني في البحر إلّا الإخلاص ما ينجيني في البرّ غيره ، ارجعوا بنا ، فرجع فأسلم.

قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : مؤمن ، قاله الحسن. والثاني : مقتصد في قوله ، وهو كافر ، قاله مجاهد. يعني أنه يعترف بأنّ الله تعالى وحده القادر على إنجائه وإن كان مضمرا للشّرك. والثالث : أنه العادل في الوفاء بما عاهد الله عليه في البحر من التّوحيد ، قاله مقاتل. فأمّا «الختّار» فقال الحسن : هو الغدّار. قال ابن قتيبة : الختر : أقبح الغدر وأشدّه.

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤))

قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) قال المفسّرون : هذا خطاب لكفّار مكّة. وقوله تعالى : (لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) أي : لا يقضي عنه شيئا من جنايته ومظالمه. قال مقاتل : وهذا يعني به

____________________________________

(١١٠٦) أخرجه الواحدي في «الوسيط» ٣ / ٤٤٧ من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال : لما كان يوم الفتح هرب عكرمة بن أبي جهل فركب البحر ... فذكره. وكان قد أخرجه ٣ / ٤٤٦ من طريق أسباط بن نصر قال : زعم السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : لما كان يوم فتح مكة أمّن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس إلا أربعة نفر ، وقال : اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ، عكرمة ، وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي اليسر ؛ فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم بها ...

__________________

(١) آل عمران : ٢٧ ، الرعد : ٢ ، الحج : ٦٢.

(٢) يونس : ٢٢.

٤٣٥

الكفّار. وقد شرحنا هذا في البقرة (١). قال الزّجّاج : وقوله تعالى : (هُوَ جازٍ) جاءت في المصحف بغير ياء ، والأصل «جازي» بضمّة وتنوين. وذكر سيبويه والخليل أنّ الاختيار في الوقف هو «جاز» بغير ياء ، هكذا وقف الفصحاء من العرب ليعلموا أنّ هذه الياء تسقط في الوصل. وزعم يونس أنّ بعض العرب الموثوق بهم يقف بياء ، ولكن الاختيار اتّباع المصحف.

قوله تعالى : (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ) أي : بالبعث والجزاء (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) بزينتها عن الإسلام والتّزوّد للآخرة (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ) أي : بحلمه وإمهاله (الْغَرُورُ) يعني : الشيطان ، وهو الذي من شأنه أن يغرّ. قال الزّجّاج : «الغرور» على وزن الفعول ، وفعول من أسماء المبالغة ، يقال : فلان أكول : إذا كان كثير الأكل ، وضروب : إذا كان كثير الضّرب ، فقيل للشيطان غرور ، لأنه يغرّ كثيرا. وقال ابن قتيبة : الغرور بفتح الغين : الشيطان ، وبضمّها : الباطل.

قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ).

(١١٠٧) سبب نزولها أنّ رجلا من أهل البادية جاء إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : إنّ امرأتي حبلى ، فأخبرني ماذا تلد؟ وبلدنا مجدب ، فأخبرني متي ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت ، فأخبرني متى أموت ، فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد.

ومعنى الآية : «إنّ الله» عزوجل «عنده علم الساعة» متى تقوم ، لا يعلم سواه ذلك (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر : «وينزّل» بالتشديد ، فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ، أليلا أم نهارا (وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ) لا يعلم سواه ما فيها ، أذكر أم أنثى ، أبيض أو أسود (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً) أخيرا أم شرّا (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي : بأيّ مكان. وقرأ ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، وابن أبي عبلة : «بأيّة أرض» بتاء مكسورة. والمعنى : ليس أحد يعلم أين مضجعه من الأرض حين يموت ، أفي برّ أو بحر أو سهل أو جبل. وقال أبو عبيدة : يقال : بأيّ أرض كنت ، وبأية أرض كنت ، لغتان ، وقال الفرّاء : من قال : بأيّ أرض ، اجتزأ بتأنيث الأرض من أن يظهر في «أيّ» تأنيثا آخر. قال ابن عباس : هذه الخمس لا يعلمها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل مصطفى. قال الزّجّاج : فمن ادّعى أنه يعلم شيئا من هذه كفر بالقرآن لأنه خالفه.

____________________________________

(١١٠٧) ضعيف. أخرجه الطبري ٢٨١٧٣ عن مجاهد مرسلا ، والمرسل من قسم الضعيف.

__________________

(١) البقرة : ٤٨.

٤٣٦

سورة السّجدة

وتسمّى سورة المضاجع ، وهي مكّيّة بإجماعهم وقال الكلبيّ : فيها من المدنيّ ثلاث آيات ، أوّلها قوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً) (١). وقال مقاتل : فيها آية مدنيّة ، وهي قوله تعالى : (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ) الآية (٢). وقال غيرهما : فيها خمس آيات مدنيّات ، أوّلها (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤))

قوله تعالى : (تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ) قال مقاتل : المعنى : لا شكّ فيه أنّه تنزيل (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ). (أَمْ يَقُولُونَ) بل يقولون ، يعني المشركين (افْتَراهُ) محمّد عليه‌السلام من تلقاء نفسه ، (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) يعني العرب الذين أدركوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يأتهم نذير من قبل محمّد عليه‌السلام. وما بعده قد سبق تفسيره (٣) إلى قوله تعالى : (ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ) يعني الكفّار ؛ يقول : ليس لكم من دون عذابه من وليّ ، أي : قريب يمنعكم فيردّ عذابه عنكم (وَلا شَفِيعٍ) يشفع لكم (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) فتؤمنون.

(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩))

قوله تعالى : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ) في معنى الآية قولان (٤) : أحدهما : يقضي

__________________

(١) السجدة : ١٨.

(٢) السجدة : ١٦.

(٣) الأعراف : ٥٤.

(٤) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ١٠ / ٢٣٢ : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : معناه :

٤٣٧

القضاء من السماء فينزّله مع الملائكة إلى الأرض (ثُمَّ يَعْرُجُ) الملك (إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ) من أيام الدنيا ، فيكون الملك قد قطع في يوم واحد من أيام الدنيا في نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة الآدميّ. والثاني : يدبّر أمر الدنيا مدّة أيّام الدنيا ، فينزّل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض «ثم يعرج إليه» أي : يعود إليه الأمر والتّدبير حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكّام وينفرد الله تعالى بالأمر (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ) وذلك في يوم القيامة ، لأنّ كلّ يوم من أيام الآخرة كألف سنة. وقال مجاهد : يقضي أمر ألف سنة في يوم واحد ، ثم يلقيه إلى ملائكته فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى ، ثم كذلك أبدا. وللمفسّرين في المراد بالأمر ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الوحي ، قاله السّدّيّ. والثاني : القضاء ، قاله مقاتل. والثالث : أمر الدنيا. و «يعرج» بمعنى يصعد. قال الزّجّاج : يقال : عرجت في السّلّم أعرج ، وعرج الرجل يعرج : إذا صار أعرج. وقرأ معاذ القارئ ، وابن السّميفع ، وابن أبي عبلة : «ثم يعرج إليه» بياء مرفوعة وفتح الراء ، وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء «يعرج» بياء مفتوحة وكسر الراء ، وقرأ أبو عمران الجوني ، وعاصم الجحدري : «ثم تعرج» بتاء مفتوحة ورفع الراء.

قوله تعالى : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) فيه خمسة أقوال (١) : أحدها : جعله حسنا. والثاني : أحكم كلّ شيء ، رويا عن ابن عباس ، وبالأول قال قتادة ، وبالثاني قال مجاهد. والثالث : أحسنه ، ولم يتعلّمه من أحد ، كما يقال : فلان يحسن كذا : إذا علمه ، قاله السّدّيّ ومقاتل. والرابع : أنّ المعنى ألهم خلقه كلّ ما يحتاجون إليه ، كأنه أعلمهم كلّ ذلك وأحسنهم ، قاله الفرّاء. والخامس : أحسن إلى كلّ شيء خلقه ، حكاه الماوردي. وفي قوله تعالى : «خلقه» قراءتان. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : «خلقه» ساكنة اللام. وقرأ الباقون بتحريك اللام. وقال الزّجّاج : فتحها على الفعل الماضي وتسكينها على البدل ، فيكون المعنى أحسن خلق كلّ شيء خلقه. وقال أبو عبيدة : المعنى أحسن خلق كلّ شيء ، والعرب تفعل مثل هذا ، يقدّمون ويؤخّرون.

قوله تعالى : (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ) يعني آدم ، (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ) أي : ذرّيته وولده ، وقد سبق شرح الآية (٢). ثم رجع إلى آدم فقال : (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) وقد سبق بيان ذلك (٣). ثم عاد إلى ذريّته فقال : (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) أي : بعد كونكم نطفا.

(وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ

__________________

يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم يعرج إليه في يوم ، كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه ، ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم ، خمس مائة في النزول وخمس مائة في الصعود ، لأن ذلك أظهر معانيه ، وأشبهها بظاهر التنزيل.

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : أحكم وأتقن لأنه لا معنى لذلك إذا قرئ بفتح لام (خَلَقَهُ) إلا أحد الوجهين : إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان أو معنى التحسين الذي هو معنى الجمال والحسن ، فلما كان في خلقه ما لا يشك في قبحه وسماجته ، علم أنه لم يعن به أنه أحسن كل ما خلق ، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته.

وقراءة من قرأ (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) بفتح اللام هي عندي أولى الأقوال في ذلك بالصواب.

(٢) المؤمنون : ١٢.

(٣) الحجر : ٢٩.

٤٣٨

 الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢))

قوله تعالى : (وَقالُوا) يعني منكري البعث (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ) وقرأ عليّ بن أبي طالب وعليّ بن الحسين وجعفر بن محمّد وأبو رجاء وأبو مجلز وحميد وطلحة : «ضللنا» بضاد معجمة وكسر اللام الأولى. قال الفرّاء : ضللنا وضللنا لغتان ، والمعنى : إذا صارت عظامنا ولحومنا ترابا كالأرض ؛ تقول : ضلّ الماء في اللبن ، وضلّ الشيء في الشيء : إذا أخفاه وغلب عليه. وقرأ أبو نهيك وأبو المتوكّل وأبو الجوزاء وأبو حيوة وابن أبي عبلة : «ضلّلنا» بضمّ الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى وكسرها. وقرأ الحسن وقتادة ومعاذ القارئ : «صللنا» بصاد غير معجمة مفتوحة ، وذكر لها الزّجّاج معنيين : أحدهما : أنتنّا وتغيّرنا وتغيّرت صورنا ؛ يقال : صلّ اللحم وأصلّ : إذا أنتن وتغيّر. والثاني : صرنا من جنس الصّلّة ، وهي الأرض اليابسة.

قوله تعالى : (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)؟! هذا استفهام إنكار. قوله تعالى : (الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) أي : بقبض أرواحكم (ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) يوم الجزاء. ثم أخبر عن حالهم في القيامة فقال : (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ) أي : مطأطئوها حياء وندما ، (رَبَّنا) فيه إضمار «يقولون ربّنا» (أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا) أي : علمنا صحّة ما كنّا به مكذّبين (فَارْجِعْنا) إلى الدنيا ؛ وجواب «لو» متروك ، تقديره : لو رأيت حالهم لرأيت ما يعتبر به ، ولشاهدت العجب.

(وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧))

قوله تعالى : (وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) أي : وجب وسبق ؛ والقول هو قوله تعالى لإبليس : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ). قوله تعالى : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي : من كفّار الفريقين. (فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) قال مقاتل : إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة : فذوقوا العذاب. وقال غيره : إذا اصطرخوا فيها قيل لهم : ذوقوا بما نسيتم ، أي بما تركتم العمل للقاء يومكم هذا ، (إِنَّا نَسِيناكُمْ) أي : تركناكم من الرّحمة.

قوله تعالى : (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها) أي : وعظوا بها (خَرُّوا سُجَّداً) أي : سقطوا على وجوههم ساجدين. وقيل : المعنى : إنّما يؤمن بفرائضنا من الصّلوات الخمس الذين إذا ذكّروا بها بالأذان والإقامة خرّوا سجّدا.

قوله تعالى : (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ) اختلفوا فيمن نزلت وفي الصلاة التي تتجافى لها جنوبهم على أربعة أقوال : أحدها : أنها نزلت في المتهجّدين بالليل.

٤٣٩

(١١٠٨) روى معاذ بن جبل عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله : «تتجافى جنوبهم» قال : «قيام العبد من الليل». وفي لفظ آخر أنه قال لمعاذ : «إن شئت أنبأتك بأبواب الخير» ، قال : قلت أجل يا رسول الله ، قال : «الصّوم جنّة ، والصّدقة تكفّر الخطيئة ، وقيام الرّجل في جوف الليل يبتغي وجه الله» ، ثم قرأ : «تتجافى جنوبهم عن المضاجع». وكذلك قال الحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وأبو العالية ، وقتادة ، وابن زيد أنها في قيام الليل. وقد روى العوفيّ عن ابن عباس قال : تتجافى جنوبهم لذكر الله تعالى ، كلّما استيقظوا ذكروا الله تعالى ، إمّا في الصلاة ، وإمّا في قيام ، أو في قعود ، أو على جنوبهم ، فهم لا يزالون يذكرون الله عزوجل.

(١١٠٩) والثاني : أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلّون ما بين المغرب

____________________________________

(١١٠٨) حديث حسن ، وهو قطعة من حديث مطوّل ، رجاله ثقات إلا أنه منقطع ، أبو وائل لم يسمع من معاذ.

أخرجه الترمذي ٢٦١٦ والنسائي في «الكبرى» ١١٣٩٤ و «التفسير» ٤١٤ وابن ماجة ٣٩٧٣ وأحمد ٥ / ٢٣١ والطبراني ٢٠ / (٢٦٦) والبغوي ١١ وعبد الرزاق في «التفسير» ٢٣٠٢ من طرق عن معمر به.

وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

ـ وأخرجه أحمد ٥ / ٢٤٨ والطبراني ٢٠ (٢٠٠) من طريق عاصم عن شهر عن معاذ به ، رواية أحمد مختصرة ، وهذا منقطع أيضا.

ـ وأخرجه أحمد ٥ / ٢٤٥ ٢٤٦ من طريق شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به ، وهذا إسناد موصول ، وشهر لا بأس به ، وهو حسن الحديث في المتابعات ، ولا يوجد في لفظة (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) قال : «قيام العبد من الليل» ولا ذكر أبواب الخير.

ـ وأخرجه أحمد ٥ / ٢٣٣ وابن أبي شيبة في «الإيمان» / ٢ والحاكم ٢ / ٧٦ و ٤١٢ والطبراني ٢٠ / ٢٩١ ـ ٢٩٤ ، والطبري ٢٨٢٣٩ والبيهقي ٩ / ٢٠ من طريقين عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ به مطولا ومختصرا.

وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! وهذا منقطع بين ميمون ومعاذ.

الخلاصة : هو حديث حسن بمجموع طرقه ، ولفظ الحديث عند الترمذي : عن معاذ بن جبل قال : كنت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في سفر. فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير ، فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال : لقد سألتني عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسّره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان وتحج البيت. ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير : الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وصلاة الرجل في جوف الليل قال : ثم تلا : (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ) حتى بلغ (يَعْمَلُونَ) ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده ، وذروة سنامه؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد ، ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت : بلى يا نبي الله ، فأخذ بلسانه قال : كفّ عليك هذا ، فقلت يا نبي الله ، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكبّ الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.

(١١٠٩) ضعيف. أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٢ / ١٩٣ والطبري ٢٨٢٢٥ من طريق الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار : سألت أنس رضي الله عنه عن قوله (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ) قال : ... فذكره.

وأعله ابن عدي بالحارث بن وجيه الراسبي ونقل عن النسائي قوله الحارث بن وجيه ضعيف.

ـ وذكره الواحدي في «الأسباب» ٦٨٤ عن مالك بن دينار به دون إسناد.

ـ وورد بدون ذكر الآية ، وإنما هو رأي لأنس يبين المراد بالآية. أخرجه أبو داود ١٣٣١ والطبري ٢٨٢٢٦ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، عن أنس : «كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون». ورجاله ، ثقات لكنه رأي لأنس رضي الله عنه ، والراجح في معنى الآية قيام الليل وهو المتقدم.

٤٤٠