زاد المسير في علم التفسير - ج ٣

المؤلف:

أبي الفرج عبدالرحمن ابن علي ابن الجوزي


المحقق: عبدالرزاق المهدي
الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: دار الكتاب العربي
🚘 نسخة غير مصححة

المتقدّمة ، ومن كذّب نبيّا فقد كذّب سائر الأنبياء ، ولهذا قال : (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) ، وقال الزّجّاج : يجوز أن يكون المراد به نوح وحده ، وقد ذكر بلفظ الجنس ، كما يقال : فلان يركب الدّوابّ ، وإن لم يركب إلّا دابّة واحدة ؛ وقد شرحنا هذا في سورة هود عند قوله : (وَعَصَوْا رُسُلَهُ) (١). وقد سبق معنى التّدمير.

قوله تعالى : (وَأَصْحابَ الرَّسِ) في الرّسّ ثلاثة أقوال : أحدها : أنها بئر كانت تسمّى الرّسّ ، قاله ابن عباس في رواية العوفيّ. وقال في رواية عكرمة : هي بئر بأذربيجان. وزعم ابن السّائب أنها بئر دون اليمامة. وقال السّدّيّ : بئر بأنطاكيّة. والثاني : أنّ الرّسّ قرية من قرى اليمامة ، قاله قتادة. والثالث : أنها المعدن ، قاله أبو عبيدة ، وابن قتيبة.

وفي تسميتها بالرّسّ قولان : أحدهما : أنهم رسّوا نبيّهم في البئر ، قاله عكرمة. قال الزّجّاج : رسّوه ، أي : دسّوه فيها. والثاني : أنّ كلّ ركيّة لم تطو فهي رسّ ، قاله ابن قتيبة.

واختلفوا في أصحاب الرّسّ على خمسة أقوال (٢) : أحدها : أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة ، فبعث الله إليهم نبيّا من ولد يهوذا بن يعقوب ، فحفروا له بئرا وألقوه فيها ، فهلكوا ، قاله عليّ بن أبي طالب. والثاني : أنهم قوم كان لهم نبيّ يقال له : حنظلة بن صفوان ، فقتلوا نبيّهم فأهلكهم الله ، قاله سعيد بن جبير. والثالث : أنهم كانوا أهل بئر ينزلون عليها ، وكانت لهم مواش ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فبعث الله إليهم شعيبا ، فتمادوا في طغيانهم ، فانهارت البئر ، فخسف بهم وبمنازلهم ، قاله وهب بن منبّه. والرابع : أنهم الذين قتلوا حبيبا النّجّار ، قتلوه في بئر لهم ، وهو الذي قال : (يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (٣) ، قاله السّدّيّ. والخامس : أنهم قوم قتلوا نبيّهم وأكلوه ، وأول من عمل السّحر نساؤهم ، قاله ابن السّائب.

قوله تعالى : (وَقُرُوناً) المعنى : وأهلكنا قرونا (بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) أي : بين عاد وأصحاب الرّسّ. وقد سبق بيان القرون (٤) ؛ وفي هذه القصص تهديد لقريش.

قوله تعالى : (وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ) أي : أعذرنا إليه بالموعظة وإقامة الحجّة (وَكُلًّا تَبَّرْنا) قال الزّجّاج : التّتبير : التدمير ، وكلّ شيء كسرته وفتّتّه فقد تبّرته ، وكسارته : التّبر ، ومن هذا قيل لمكسور الزّجّاج : التّبر ، وكذلك تبر الذهب.

__________________

(١) هود : ٥٩.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٣٩٧ : واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود ، الذين ذكروا في سورة البروج ، والله أعلم.

(٣) يس : ٢٠.

(٤) الأنعام : ٦. قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٣٩٧ : وقوله (وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) أي : وأمما بين أصناف من ذكر أهلكناهم كثيرة ، والقرن : هو الأمة من الناس ، كقوله (ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) وحدّه بعض المفسّرين بمائة وعشرين سنة ، وقيل : بمائة سنة. وقيل : بثمانين سنة ، وقيل : أربعين. وقيل غير ذلك ، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد ، فإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهم قرن ثان ، كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم» ... الحديث.

٣٢١

(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤))

قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَتَوْا) يعني كفّار مكّة (عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) يعني قرية قوم لوط التي رميت بالحجارة (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها) في أسفارهم فيعتبروا؟! ثم أخبر بالذي جرّأهم على التكذيب ، فقال : (بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً) أي : لا يخافون بعثا ، هذا قول المفسّرين. وقال الزّجّاج : الذي عليه أهل اللغة أنّ الرّجاء ليس بمعنى الخوف ، وإنما المعنى : بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير ، فركبوا المعاصي.

قوله تعالى : (وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ) أي : ما يتّخذونك (إِلَّا هُزُواً) أي : مهزوءا به ، ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء : (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا) أي : ليصرفنا عن عبادة آلهتنا (لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها) أي : على عبادتها ؛ قال الله تعالى : (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ) في الآخرة (مَنْ أَضَلُ) أي : من أخطأ طريقا عن الهدى ، أهم ، أم المؤمنون. ثم عجّب نبيّه من جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى ، فقال : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) قال ابن عباس : كان أحدهم يعبد الحجر ، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال قتادة : هو الكافر لا يهوى شيئا إلّا ركبه. وقال ابن قتيبة : المعنى : يتّبع هواه ويدع الحقّ ، فهو له كالإله. قوله تعالى : (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) أي : حفيظا يحفظه من اتّباع هواه. وزعم الكلبيّ أنّ هذه الآية منسوخة بآية القتال.

قوله تعالى : (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ) يعني أهل مكّة ؛ والمراد : يسمعون سماع طالب للإفهام (أَوْ يَعْقِلُونَ) ما يعاينون من الحجج والأعلام (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) وفي وجه تشبيههم بالأنعام قولان : أحدهما : أنّ الأنعام تسمع الصوت ولا تفقه القول. والثاني : أنه ليس لها همّ إلّا المأكل والمشرب. قوله تعالى : (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) لأنّ البهائم تهتدي لمراعيها وتنقاد لأربابها وتقبل على المحسن إليها ، وهم على خلاف ذلك.

(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢))

٣٢٢

قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ) أي : إلى فعل ربّك. وقال الزّجّاج : معناه : ألم تعلم ، فهو من رؤية القلب ، ويجوز أن يكون من رؤية العين ، فالمعنى : ألم تر إلى الظّلّ كيف مدّه ربّك؟ والظّلّ من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً) أي : ثابتا لا يزول (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) فالشمس دليل على الظل ، فلو لا الشمس ما عرف أنه شيء ، كما أنه لو لا النّور ما عرفت الظّلمة ، فكلّ الأشياء تعرف بأضدادها. قوله تعالى : (ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا) يعني : الظّلّ (قَبْضاً يَسِيراً) وفيه قولان : أحدهما : سريعا ، قاله ابن عباس. والثاني : خفيّا ، قاله مجاهد. وفي وقت قبض الظّلّ قولان : أحدهما : عند طلوع الشمس يقبض الظل وتجمع أجزاؤه المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسجه شيئا فشيئا. والثاني : عند غروب الشمس تقبض أجزاء الظّلّ بعد غروبها ، ويخلّف كلّ جزء منه جزءا من الظلام.

قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً) أي : ساترا بظلمته ، لأنّ ظلمته تغشى الأشخاص وتشتمل عليها اشتمال اللباس على لابسه (وَالنَّوْمَ سُباتاً) قال ابن قتيبة : أي : راحة ، ومنه يوم السّبت ، لأنّ الخلق اجتمع يوم الجمعة ، وكان الفراغ منه في يوم السّبت ، فقيل لبني إسرائيل : استريحوا في هذا اليوم ولا تعملوا فيه شيئا ، فسمّي يوم السّبت ، أي : يوم الرّاحة ، وأصل السّبت : التّمدّد ، ومن تمدّد استراح. وقال ابن الأنباري : أصل السّبت ، القطع ، فالمعنى : وجعلنا النّوم قطعا لأعمالكم. قوله تعالى : (وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً) فيه قولان : أحدهما : تنتشرون فيه لابتغاء الرّزق ، قاله ابن عباس. والثاني : تنشر الرّوح باليقظة كما تنشر بالبعث ، حكاه الماوردي. قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ) قد شرحناه في الأعراف (١) إلى قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) يعني : المطر. قال الأزهريّ : الطّهور في اللغة : الطّاهر المطهّر. والطّهور ما يتطهّر به ، كالوضوء الذي يتوضّأ به ، والفطور الذي يفطر عليه.

قوله تعالى : (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، وأبو جعفر : «ميّتا» بالتشديد. قال الزّجّاج : لفظ البلدة مؤنّث ، وإنّما قيل : «ميتا» لأنّ معنى البلدة والبلد سواء. وقال غيره : إنما قال : «ميتا» ، لأنه أراد بالبلدة المكان. وقد سبق معنى صفة البلدة بالموت. ومعنى : «ونسقيه» (٢). وقرأ أبو مجلز ، وأبو رجاء ، والضّحّاك ، والأعمش ، وابن أبي عبلة : «نسقيه» بفتح النون. فأمّا الأناسيّ ، فقال الزّجّاج : هو جمع إنسيّ ، مثل كرسيّ وكراسي ، ويجوز أن يكون جمع إنسان ، وتكون الياء بدلا من النون ، الأصل : أناسين مثل سراحين. وقرأ أبو مجلز ، والضّحّاك ، وأبو العالية ، وعاصم الجحدري : «وأناسي» بتخفيف الياء.

قوله تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ) يعني المطر (بَيْنَهُمْ) مرّة لهذه البلدة ، ومرّة لهذه (لِيَذَّكَّرُوا) أي : ليتفكّروا في نعم الله عليهم فيه فيحمدوه. وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «ليذكروا» خفيفة الذال. قال أبو عليّ : يذّكّر في معنى يتذكّر ، (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) وهم الذين يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، كفروا بنعمة الله. (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) المعنى : إنّا بعثناك إلى جميع القرى لعظم كرامتك ، (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) ، وذلك أنّ كفّار مكّة دعوه إلى دين آبائهم ، (وَجاهِدْهُمْ بِهِ) أي : بالقرآن (جِهاداً كَبِيراً) أي : تامّا شديدا.

__________________

(١) الأعراف : ٥٧.

(٢) الحجر : ٢٤.

٣٢٣

(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥))

قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) قال الزّجّاج : أي : خلّى بينهما ؛ تقول : مرجت الدّابّة وأمرجتها : إذا خلّيتها ترعى. ومنه الحديث :

(١٠٥٢) «مرجت عهودهم وأماناتهم» أي : اختلطت.

قال المفسّرون : والمعنى (١) أنه أرسلهما في مجاريهما ، فما يلتقيان ، ولا يختلط الملح بالعذب ، ولا العذب بالملح ، وهو قوله تعالى : (هذا) يعني : أحد البحرين (عَذْبٌ) أي : طيّب ، يقال : عذب الماء يعذب عذوبة ، فهو عذب. قال الزّجّاج : والفرات صفة للعذب ، وهو أشدّ الماء عذوبة ، والأجاج صفة للملح ، وهو : المرّ الشديد المرارة. وقال ابن قتيبة : هو أشدّ الماء ملوحة ، وقيل : هو الذي

____________________________________

(١٠٥٢) صحيح. أخرجه أحمد ٢ / ٢١٢ وأبو داود ٤٣٤٣ من طريق يونس بن أبي إسحاق عن هلال بن خباب به من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهلال بن خباب حسن الحديث إذا لم يخالف ثقة. وأخرجه أحمد ٢ / ٢٢١ وأبو داود ٤٣٤٢ وابن ماجة ٣٩٥٧ من طريق أبي حازم ، حدثنا عمارة بن عمرو به. وصححه الحاكم ٤ / ٤٣٥ ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا. وأخرجه أحمد ٢ / ١٦٢ من طريق إسماعيل عن يونس عن الحسن أن عبد الله بن عمرو قال : وهذا إسناد فيه كلام. ويشهد له حديث أبي هريرة الذي أخرجه الدولابي في «الكنى» ٢ / ٣٥ وصححه ابن حبان ١٨٤٩. وأخرجه البخاري ٤٧٨ من طريق حامد بن عمر عن بشر ، عن عاصم عن واقد عن أبيه عن ابن عمر ـ أو ابن عمرو ـ «شبك النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أصابعه». وعلقه البخاري ٤٨٠. قال عبد الله : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «يا عبد الله بن عمرو ، كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ، بهذا». وقال الحافظ في الفتح ١ / ٥٦٦ بعد أن ذكر هذا : (وقد ساقه الحميدي في الجمع بين الصحيحين نقلا عن أبي مسعود) ، وزاد هو : «قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، واختلفوا فصاروا هكذا ، وشبك بين أصابعه». وأخرجه أبو يعلى ٥٥٩٣ بتمامه : وهو عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو قال : «بينما نحن حول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ ذكروا الفتنة أو ذكرت عنده» ، قال : «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم ، وخفّت أماناتهم ، وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه قال : فقمت إليه فقلت له : كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال : الزم بيتك ، واملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بأمر خاصة نفسك ، ودع عنك أمر العامة».

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٤٠٠ : وقوله (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ...) أي : خلق الماءين : الحلو والملح. والحلو كالأنهار والعيون والآبار ، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزلال ، واختاره ابن جرير وهذا لا شك فيه ، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات. والله سبحانه إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه ، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس ، فرّقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارا وعيونا في كل أرض ، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم. وقوله : (وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) أي : مالح مر زعاق لا يستساغ ، وذلك كالبحار المعروفة الساكنة التي لا تجري ولكن تموج وتضطرب ، وتغتلم في زمن الشتاء وشدة الرياح ، ومنها ما فيه مد وجزر ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض ، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت بعد الليلة الرابعة عشرة فأجرى الله تعالى ـ وله القدرة التامة ـ العادة بذلك فكل هذه البحار الساكنة مالحة الماء لئلا يحصل بسببها نتن الهواء ، فيفسد الجو بذلك ، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان ، ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة.

٣٢٤

يخالطه مرارة ، ويقال ماء ملح ، ولا يقال مالح ، والبرزخ : الحاجز. وفي هذا الحاجز قولان : أحدهما : أنه مانع من قدرة الله تعالى ، قاله الأكثرون ، قال الزّجّاج : فهما في مرأى العين مختلطان ، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر. قال أبو سليمان الدمشقي : ورأيت عند عبّادان من سواد البصرة الماء العذب ينحدر في دجلة نحو البحر ، ويأتي المدّ من البحر ، فيلتقيان ، فلا يختلط أحد الماءين بالآخر ، يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة ، وماء دجلة إلى الحمرة الخفيفة فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبا لا يخالطه شيء ، وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد. والثاني : أنّ الحاجز : الأرض واليبس ، وهو قول الحسن ، والأول أصحّ.

قوله تعالى : (وَحِجْراً مَحْجُوراً) قال الفرّاء : أي : حراما محرّما أن يغلب أحدهما صاحبه.

قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً) أي : من النطفة بشرا أي : إنسانا (فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) أي : ذا نسب وصهر. قال عليّ عليه‌السلام : النّسب : ما لا يحلّ نكاحه ، والصّهر : ما يحلّ نكاحه. وقال الضّحّاك : النّسب سبع ، وهو قوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) إلى قوله تعالى : (وَبَناتُ الْأُخْتِ) ، والصّهر خمس ، وهو قوله : (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) إلى قوله : (مِنْ أَصْلابِكُمْ) (١). وقال طاوس : الرّضاعة من الصّهر. وقال ابن قتيبة : «نسبا» أي : قرابة النّسب ، «وصهرا» أي : قرابة النّكاح. وكلّ شيء من قبل الزّوج ، مثل الأب والأخ ، فهم الأحماء ، واحدهم حما ، مثل : قفا ، وحمو مثل أبو ، وحمء مهموز ساكن الميم ، وحم مثل أب. وحماة المرأة : أمّ زوجها ، لا لغة فيها غير هذه ، وكلّ شيء من قبل المرأة ، فهم الأختان. والصّهر يجمع ذلك كلّه. وحكى ابن فارس عن الخليل ، أنه قال : لا يقال لأهل بيت الرجل إلّا أختان ، ولأهل بيت المرأة إلّا أصهار. ومن العرب من يجعلهم أصهارا كلّهم. والصّهر : إذابة الشيء. وذكر الماوردي أنّ المناكح سمّيت صهرا ، لاختلاط الناس بها كما يختلط الشيء إذا صهر.

قوله تعالى : (وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) فيه أربعة أقوال (٢) : أحدها : معينا للشيطان على ربّه ، لأنّ عبادته الأصنام معاونة للشيطان. والثاني : معينا للمشركين على أن لا يوحّدوا الله تعالى. والثالث : معينا على أولياء ربّه. والرابع : وكان الكافر على ربّه هيّنا ذليلا ، من قولك : ظهرت بفلان : إذا جعلته وراء ظهرك ولم تلتفت إليه. قالوا : والمراد بالكافر ها هنا أبو جهل.

(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا

__________________

(١) النساء : ٢٣.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٤١٠ : يقول الله تعالى ذكره ، ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهة لا تنفعهم إذا عبدوها ولا تضرهم إذا تركوا عبادتها ، ويتركون عبادة من أنعم عليهم هذه النعم التي لا كفاء لأدناها ، ومن إذا أراد عقاب بعض من عصاه من عباده أحل به ما أحل بالذين وصف صفتهم من قوم فرعون وعاد وثمود وأصحاب الرس ، فلم يكن لمن غضب عليه عنه ناصر ، ولا له عنه دافع (وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) فكان الكافر معينا للشيطان على ربه ، مظاهرا له على معصيته.

٣٢٥

قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠))

قوله تعالى : (ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي : على القرآن وتبليغ الوحي (مِنْ أَجْرٍ) وهذا توكيد لصدقه ، لأنه لو سألهم شيئا من أموالهم لاتّهموه ، (إِلَّا مَنْ شاءَ) معناه : لكن من شاء (أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) بإنفاق ماله في مرضاة الله ، فعل ذلك ، فكأنه قال : لا أسألكم لنفسي. وقد سبق تفسير الكلمات التي تلي هذه (١) ، إلى قوله تعالى : (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) ، و «به» بمعنى : «عنه» ، قال ابن أحمر (٢) :

فإن تسألوني بالنّساء فإنّي

بصير بأدواء النّساء طبيب

وفي هاء «به» ثلاثة أقوال : أحدها : أنها ترجع إلى الله تعالى. والثاني : إلى اسمه الرّحمن ، لأنهم قالوا : لا نعرف الرّحمن. الثالث : إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض وغير ذلك. وفي الخبير أربعة أقوال (٣) : أحدها : أنه جبريل ، قاله ابن عباس : والثاني : أنه الله تعالى ، والمعنى : سلني فأنا الخبير ، قاله مجاهد. والثالث : القرآن ، قاله شمر. والرابع : مسلمة أهل الكتاب ، قاله أبو سليمان ، وهذا يخرّج على قولهم : لا نعرف الرّحمن ، فقيل : سلوا مسلمة أهل الكتاب ، فإنّ الله خاطب موسى في التّوراة باسمه الرّحمن ، فعلى هذا ، الخطاب للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمراد سواه.

قوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ) يعني كفّار مكّة (اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ) قال المفسّرون : إنهم قالوا : لا نعرف الرّحمن إلّا رحمن اليمامة ، فأنكروا أن يكون من أسماء الله تعالى ، (أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا) وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «يأمرنا» بالياء ، أي : لما يأمرنا به محمّد ، وهذا استفهام إنكار ، ومعناها : لا نسجد للرّحمن الذي تأمرنا بالسّجود له ، (وَزادَهُمْ) ذكر الرّحمن (نُفُوراً) أي : تباعدا من الإيمان.

(تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢))

قوله تعالى : (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً) قد شرحناه في الحجر (٤) : والمراد بالسّراج : الشمس. وقرأ حمزة ، والكسائيّ : «سرجا» بضمّ السين والراء وإسقاط الألف. قال الزّجّاج : أراد : الشمس والكواكب العظام ؛ ويجوز «سرجا» بتسكين الراء ، مثل رسل ورسل. قال الماوردي : لمّا اقترن بضوء الشمس وهج حرّها ، جعلها لأجل الحرارة سراجا ، ولمّا عدم ذلك في القمر جعله نورا.

__________________

(١) البقرة : ٣٠ وآل عمران : ١٥٩ والأعراف : ٥٤.

(٢) بل هو علقمة بن عبدة والبيت في ديوانه ١١ و «أدب الكاتب» ٥٠٥.

(٣) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٤٠٢ : وقوله : (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) أي : استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به ، وقد علم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فهو سيد ولد آدم على الإطلاق ، في الدنيا والآخرة ، لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ـ فهو حق ، وما أخبر به فهو صدق ، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب ردّ نزاعهم إليه ، فما يوافق أقواله أفعاله فهو الحق ، وما يخالفها فهو مردود على قائله وفاعله ، كائنا من كان. قال تعالى : (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) ، وقال : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ).

(٤) الحجر : ١٦.

٣٢٦

قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً) فيه قولان : أحدهما : أنّ كلّ واحد منهما يخالف الآخر في اللون ، فهذا أبيض ، وهذا أسود ، روى هذا المعنى الضّحّاك عن ابن عباس ، وابن أبي نجيح عن مجاهد ، وبه قال قتادة. والثاني : أنّ كلّ واحد منهما يخلف صاحبه ، رواه عمرو بن قيس الملائي عن مجاهد ، وبه قال ابن زيد وأهل اللغة ، وأنشدوا قول زهير :

بها العين والآرام يمشين خلفة

وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم (١)

أي : إذا ذهبت طائفة جاءت طائفة.

قوله تعالى : (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) أي : يتّعظ ويعتبر باختلافهما. وقرأ حمزة : «يذكر» خفيفة الذال مضمومة الكاف ، وهي في معنى : يتذكّر ، (أَوْ أَرادَ) شكر الله تعالى فيهما.

(وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧))

قوله تعالى : (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ) وقرأ عليّ ، وأبو عبد الرّحمن السّلمي ، وابن السّميفع : «يمشّون» برفع الياء وفتح الميم والشين وبالتشديد. قال ابن قتيبة : إنما نسبهم إليه لاصطفائه إيّاهم ، كقوله تعالى : (ناقَةُ اللهِ) (٢) ، ومعنى «هونا» : مشيا رويدا. ومنه يقال : أحبب حبيبك هونا ما. وقال مجاهد : يمشون بالوقار والسّكينة. (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) أي : سدادا. وقال الحسن : لا يجهلون على أحد ، وإن جهل عليهم حلموا. وقال مقاتل بن حيّان : «قالوا سلاما» أي : قولا يسلمون فيه من الإثم. وهذه الآية محكمة عند الأكثرين. وزعم قوم أنّ المراد بها أنهم يقولون للكفّار : ليس بيننا وبينكم غير السّلام ، ثم نسخت بآية السّيف.

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ) قال الزّجّاج : كلّ من أدركه الليل فقد بات ، نام أو لم ينم ؛ يقال : بات فلان قلقا ، إنما المبيت إدراك الليل.

قوله تعالى : (كانَ غَراماً) فيه خمسة أقوال تتقارب معانيها :

(١٠٥٣) أحدها : دائما ، رواه أبو سعيد الخدريّ ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والثاني : موجعا ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. والثالث : ملحّا ، قاله ابن السّائب ؛ وقال ابن جريج :

____________________________________

(١٠٥٣) أخرجه عبد بن حميد كما في «الدر» ٥ / ١٤٢ ، ولم أقف على إسناده ، وتفرده به يدل على وهنه ، ولم يذكره القرطبي ولا ابن كثير ولا غيرهما. وانظر «تفسير الشوكاني» ١٧٩٨ بتخريجنا.

__________________

(١) في «اللسان» العين : جمع عيناء ، وهي واسعة العين ، وهي بقر الوحش. والآرام : جمع رئم ، وهو الظبي الخالص البياض. والأطلاء : جمع الطلا : وهو الولد من ذوات الظلف والخف ، والطلو والطلا : الصّغير من كل شيء. والمجثم : المربض. وهو الموضع الذي يجثم فيه ، أي يقام فيه.

(٢) الأعراف : ٧٣.

٣٢٧

لا يفارق. والرابع : هلاكا ، قاله أبو عبيدة : والخامس : أنّ الغرام في اللغة : أشدّ العذاب ، قال الشاعر :

ويوم النّسار ويوم الجفا

ركانا عذابا وكانا غراما (١)

قاله الزّجّاج.

قوله تعالى : (ساءَتْ مُسْتَقَرًّا) أي : بئس موضع الاستقرار وموضع الإقامة هي.

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : «يقتروا» مفتوحة الياء مكسورة التاء. وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ : «يقتروا» بفتح الياء وضمّ التاء. وقرأ نافع ، وابن عامر : «يقتروا» بضمّ الياء وكسر التاء. وفي معنى الكلام قولان (٢) : أحدهما : أنّ الإسراف : مجاوزة الحدّ في النّفقة ، والإقتار : التّقصير عما لا بدّ منه ، ويدلّ على هذا قول عمر بن الخطّاب : كفى بالمرء سرفا أن يأكل كلّ ما اشتهى. والثاني : أنّ الإسراف : الإنفاق في معصية الله وإن قلّ ، والإقتار : منع حقّ الله تعالى ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج في آخرين. قوله تعالى : (وَكانَ) يعني الإنفاق (بَيْنَ ذلِكَ) أي : بين الإسراف والإقتار (قَواماً) أي : عدلا ؛ قال ثعلب : القوام ، بفتح القاف : الاستقامة والعدل ، وبكسرها : ما يدوم عليه الأمر ويستقرّ.

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠))

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) في سبب نزولها ثلاثة أقوال :

(١٠٥٤) أحدها : ما رواه البخاريّ ومسلم من حديث ابن مسعود ، قال : سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أيّ الذّنب أعظم؟ قال : «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» ، قلت : ثم أيّ؟ قال : «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» ، قلت : ثم أيّ؟ قال : «أن تزاني حليلة جارك» ، فأنزل الله تعالى تصديقها : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) الآية.

(١٠٥٥) والثاني : أنّ ناسا من أهل الشّرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ، ثم أتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : إنّ الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارة ، فنزلت هذه الآية إلى قوله

____________________________________

(١٠٥٤) صحيح. أخرجه البخاري ٧٥٢٠ ومسلم ١ / ٩٠ ح ٨٦ والترمذي ٣١٨٣ والنسائي ٧ / ٩٠ وأحمد ١ / ٣٨٠ و ٤٣١ و ٤٣٤ من حديث ابن مسعود. وانظر «تفسير الشوكاني» ١٧٩٩ و «تفسير القرطبي» ٤٧٢٠.

(١٠٥٥) صحيح. أخرجه البخاري ٤٨١٠ ومسلم ١٢٢ وأبو داود ٤٢٧٤ والنسائي في «التفسير» ٤٦٩ والحاكم ٢ / ٤٠٣ والبيهقي ٩ / ٩٨ والواحدي في أسباب النزول ٦٥٨ من طريق يعلى بن مسلم به.

وأخرجه الطبري ٢٦٥١٢ من طريق منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير به.

__________________

(١) البيت لبشر بن أبي خازم ، كما في «تفسير الطبري» ٩ / ٤١٠ وفي «اللسان» ـ غرم ـ نسبه للطرماح.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ٤١٢ : والصواب من القول أن معنى الإسراف الذي عناه الله في هذا الموضع : ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه ، والإقتار : ما قصر عما أمر الله به ، والقوام بين ذلك.

٣٢٨

تعالى : (غَفُوراً رَحِيماً) ، أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.

(١٠٥٦) والثالث : أنّ وحشيّا أتى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا محمّد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : قد كنت أحبّ أن أراك على غير جوار ، فأمّا إذا أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله ، قال : فإنّي أشركت بالله وقتلت النّفس التي حرّم الله وزنيت ، فهل يقبل الله منّي توبة؟ فصمت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى نزلت هذه الآية ، فتلاها عليه ، فقال : أرى شرطا ، فلعلّي لا أعمل صالحا ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله ، فنزل : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) ، فدعاه فتلاها عليه ، فقال : ولعلّي ممّن لا يشاء ، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله ، فنزلت : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) الآية (١) ، فقال : نعم ، الآن لا أرى شرطا ، فأسلم ، رواه عطاء عن ابن عباس ؛ وهذا وحشيّ هو قاتل حمزة ؛ وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر ، وهو بعيد الصحّة ، والمحفوظ في إسلامه غير هذا ، وأنه قدم مع رسل الطّائف فأسلم من غير اشتراط.

وقوله تعالى : (يَدْعُونَ) معناه : يعبدون. وقد سبق بيان قتل النفس بالحقّ في الأنعام (٢).

قوله تعالى : (يَلْقَ أَثاماً) وقرأ سعيد بن جبير ، وأبو المتوكّل : «يلقّ» برفع الياء وفتح اللام وتشديد القاف مفتوحة. قال ابن عباس : يلق جزاء. وقال مجاهد ، وعكرمة : هو واد في جهنّم. وقال ابن قتيبة : يلق عقوبة ، وأنشد :

جزى الله ابن عروة حيث أمسى

عقوقا والعقوق له أثام (٣)

قال الزّجّاج : وقوله تعالى : (يَلْقَ أَثاماً) جزم على الجزاء. قال أبو عمرو الشّيباني : يقال : قد لقي أثام ذلك ، أي : جزاء ذلك ، وسيبويه والخليل يذهبان إلى أنّ معناه : يلقى جزاء الأثام. قال سيبويه : وإنما جزمت «يضاعف له العذاب» لأنّ مضاعفة العذاب لقيّ الآثام ، فلذلك جزمت ، كما قال الشاعر :

متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا

تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا

لأنّ الإتيان هو الإلمام ، فجزم «تلمم» لأنه بمعنى «تأتي». وقرأ الحسن : «يضعّف» ، وهو جيّد بالغ ؛ تقول : ضاعفت الشيء وضعّفته. وقرأ عاصم : «يضاعف» بالرّفع على تفسير «يلق أثاما» كأنّ قائلا قال : ما لقيّ الأثام؟ فقيل : يضاعف للآثم العذاب. وقرأ أبو المتوكّل ، وقتادة ، وأبو حيوة : «يضعف» برفع الياء وسكون الضاد وفتح العين خفيفة من غير ألف. وقرأ أبو حصين الأسدي ، والعمري عن أبي

____________________________________

(١٠٥٦) واه. أخرجه الواحدي ٦٦٠ والطبراني ١١٤٨٠ من حديث ابن عباس ، قال في المجمع ٧ / ١٠١ : فيه أبين بن سفيان ضعفه الذهبي اه. والمتن بهذا اللفظ ، وأن وحشيا تردد حتى نزل فيه آيات باطل لا أصل له ، وله علة ثانية وهي عنعنة ابن جريج. وانظر «تفسير القرطبي» ٣٥١٧ بتخريجنا.

__________________

(١) الزمر : ٥٣.

(٢) الأنعام : ١٥١.

(٣) البيت لبلعاء بن قيس الكناني كما في «غريب القرآن» ٣١٥. ونسبه في «اللسان» ـ أثم ـ إلى شافع الليثي.

والعقوق : عدم بر الوالدين وقطع صلتهما.

٣٢٩

جعفر مثله ، إلّا أنّ العين مكسورة ، و «العذاب» بالنصب.

قوله تعالى : (وَيَخْلُدْ) وقرأ أبو حيوة وقتادة والأعمش : «ويخلد» برفع الياء وسكون الخاء وفتح اللام مخفّفة. وقرأ عاصم الجحدري وابن يعمر وأبو المتوكّل مثله ، إلّا أنهم شدّدوا اللام.

فصل : ولعلماء النّاسخ والمنسوخ في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها منسوخة ؛ وفي ناسخها ثلاثة أقوال : أحدها : أنه قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) (١) ، قاله ابن عباس. وكان يقول : هذه مكّيّة ، والتي في النّساء مدنيّة. والثاني : أنها نسخت بقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) الآية (٢). والثالث : أنّ الأولى نسخت بالثانية ، وهي : (إِلَّا مَنْ تابَ). والقول الثاني : أنها محكمة ؛ والخلود إنما كان لانضمام الشّرك إلى القتل والزّنا. وفساد القول الأول ظاهر ، لأنّ القتل لا يوجب تخليدا عند الأكثرين ؛ وقد بيّنّاه في سورة النّساء (٣) ، والشّرك لا يغفر إذا مات المشرك عليه ، والاستثناء ليس بنسخ.

قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ تابَ). قال ابن عباس :

(١٠٥٧) قرأنا على عهد رسول الله سنتين : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) ثم نزلت (إِلَّا مَنْ تابَ) فما رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فرح بشيء فرحه بها ، وب (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً).

قوله تعالى : (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) اختلفوا في كيفية هذا التّبديل وفي زمان كونه ، فقال ابن عباس : يبدّل الله شركهم إيمانا ، وقتلهم إمساكا ، وزناهم إحصانا ؛ وهذا يدلّ : أولا : على أنه يكون في الدنيا ، وممّن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، والضّحّاك ، وابن زيد. والثاني : أنّ هذا يكون في الآخرة ، قاله سلمان رضي الله عنه ، وسعيد بن المسيّب ، وعليّ بن الحسين. وقال عمرو بن ميمون : يبدّل الله سيئات المؤمن إذا غفرها له حسنات ، حتى إنّ العبد يتمنّى أن تكون سيئاته أكثر ممّا هي. وعن الحسن كالقولين. وروي عن الحسن أنه قال : ودّ قوم يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا استكثروا من الذّنوب ؛ فقيل : من هم؟ قال : هم الذين قال الله تعالى فيهم : (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ).

(١٠٥٨) ويؤكّد هذا القول حديث أبي ذرّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يؤتى بالرّجل يوم القيامة ، فيقال :

____________________________________

(١٠٥٧) ضعيف. أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» ٩٧٢ والطبراني في «الكبير» ١٢٩٣٥ والواحدي ٣ / ٣٤٧ من حديث ابن عباس ، وإسناده ضعيف. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٧ / ٨٤ وقال : رواه الطبراني من رواية علي بن زيد عن يوسف بن مهران ، وقد وثقا ، وفيهما ضعف ، وبقية رجاله ثقات. كذا قال رحمه‌الله ، وما ذكره لعله يصدق على يوسف بن مهران ، فقد قال عنه الحافظ. لين الحديث ، وأما علي بن زيد فضعيف. وقد ضعفه الجمهور ، وجزم الحافظ في «التقريب» بضعفه ، وقد روى مناكير كثيرة ، وشيخه يوسف بن مهران ، وثقة أبو زرعة وابن حبان ، وقال أحمد : لا يعرف.

(١٠٥٨) صحيح. أخرجه مسلم ١٩٠ والترمذي ٢٥٩٦ وأحمد ٥ / ١٧٠ وابن حبان ٧٣٧٥ وأبو عوانة ١ / ١٦٩ ـ ١٧٠ وابن مندة في «الإيمان» ٨٤٧ ـ ٨٤٩ من طرق عن الأعمش به. وأخرجه الترمذي في «الشمائل» ٢٢٩ والبغوي ٤٢٥٦ من طرق كلهم من حديث أبي ذر.

__________________

(١) النساء : ٩٣.

(٢) النساء : ٤٨.

(٣) النساء : ٩٣.

٣٣٠

اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، فتعرض عليه صغار ذنوبه ، وتنحّى عنه كبارها ، فيقال : عملت يوم كذا ، كذا وكذا ، وهو مقرّ لا ينكر ، وهو مشفق من الكبار ، فيقال : أعطوه مكان كلّ سيئة عملها حسنة» ، أخرجه مسلم في «صحيحه».

(وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤))

قوله تعالى : (وَمَنْ تابَ) ظاهر هذه التّوبة أنها عن الذّنوب المذكورة. وقال ابن عباس : يعني : ممّن لم يقتل ولم يزن ، (وَعَمِلَ صالِحاً) فإنّي قد قدّمتهم وفضّلتهم على من قاتل نبيّي واستحلّ محارمي.

قوله تعالى : (فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً) قال ابن الأنباري : معناه : من أراد التّوبة وقصد حقيقتها ، فينبغي له أن يريد الله بها ولا يخلط بها ما يفسدها ؛ وهذا كما يقول الرّجل : من تجر فإنه يتّجر في البزّ ، ومن ناظر فإنه يناظر في النّحو ، أي : من أراد ذلك ، فينبغي أن يقصد هذا الفنّ ؛ قال : ويجوز أن يكون معنى هذه الآية : ومن تاب وعمل صالحا ، فإنّ ثوابه وجزاءه يعظمان له عند ربّه الذي أراد بتوبته ، فلمّا كان قوله : (فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً) يؤدّي عن هذا المعنى ، كفى منه ، وهذا كما يقول الرجل للرجل : إذا تكلّمت فاعلم أنك تكلّم الوزير ، أي تكلم من يعرف كلامك ويجازيك ، ومثله قوله تعالى : (إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ) ، أي : فإنّي أتوكّل على من ينصرني ولا يسلمني. وقال قوم : معنى الآية : فإنه يرجع إلى الله مرجعا يقبله منه.

قوله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) فيه ثمانية أقوال (١) : أحدها : أنه الصّنم ، روى الضّحّاك عن ابن عباس أنّ الزّور صنم كان للمشركين. والثاني : أنه الغناء ، قاله محمّد ابن الحنفيّة ، ومكحول ؛ وروى ليث عن مجاهد قال : لا يسمعون الغناء. والثالث : الشّرك ، قاله الضّحّاك ، وأبو مالك. والرابع : لعب كان لهم في الجاهلية ، قاله عكرمة. والخامس : الكذب ، قاله قتادة ، وابن جريج. والسادس : شهادة الزّور ، قاله عليّ بن أبي طلحة. والسابع : أعياد المشركين ، قاله الرّبيع بن أنس. والثامن : أنه الخنا ، قاله عمرو بن قيس. وفي المراد باللّغو ها هنا خمسة أقوال (٢) : أحدها : المعاصي ، قاله الحسن. والثاني : أذى المشركين إيّاهم ، قاله مجاهد. والثالث : الباطل ، قاله قتادة. والرابع : الشّرك ، قاله الضّحّاك. والخامس : إذا ذكروا النّكاح كنّوا عنه ، قاله مجاهد. وقال محمّد بن عليّ : إذا ذكروا الفروج كنّوا عنها.

__________________

(١) قال الطبري رحمه‌الله في «تفسيره» ٩ / ٤٢١ : وأصل الزور تحسين الشيء ، ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه ، أنه خلاف ما هو به ، والشرك قد يدخل بذلك لأنه محسن لأهله ، حتى ظنوا أنه حق ، وهو باطل ، ويدخل فيه الغناء ، لأنه أيضا مما يعنيه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه ، والكذب أيضا قد يدخل فيه ، لتحسين صاحبه أنه حق ، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور فالتأويل : الذين لا يشهدون شيئا من الباطل ، وكل ما لزمه اسم الزور.

(٢) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ٤٢٢ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ، أن يقال : إن الله أخبر عن هؤلاء

٣٣١

قوله تعالى : (مَرُّوا كِراماً) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : مرّوا حلماء ، قاله ابن السّائب. والثاني : مرّوا معرضين عنه ، قاله مقاتل. والثالث : أنّ المعنى إذا مرّوا باللّغو جاوزوه ، قاله الفرّاء. قوله تعالى : (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا) أي : وعظوا (بِآياتِ رَبِّهِمْ) وهي القرآن (لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) قال ابن قتيبة : لم يتغافلوا عنها فكأنّهم صمّ لم يسمعوها ، عمي لم يروها. وقال غيره من أهل اللغة : لم يثبتوا على حالتهم الأولى كأنّهم لم يسمعوا ولم يروا ، وإن لم يكونوا خرّوا حقيقة ؛ تقول العرب : شتمت فلانا فقام يبكي ، وقعد يندب ، وأقبل يعتذر ، وظلّ يتحيّر ، وإن لم يكن قام ولا قعد. قوله تعالى : (هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : «وذرّيّاتنا» على الجمع. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ ، وأبو بكر ، عن عاصم : «وذرّيّتنا» على التوحيد ، (قُرَّةَ أَعْيُنٍ) وقرأ ابن مسعود ، وأبو حيوة : «قرّات أعين» يعنون : من يعمل بطاعتك فتقرّ به أعيننا في الدنيا والآخرة. وسئل الحسن عن قوله : «قرّة أعين» في الدنيا ، أم في الآخرة؟ قال : لا ، بل في الدنيا ، وأيّ شيء أقرّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله ، والله ما طلب القوم إلّا أن يطاع الله فتقرّ أعينهم. قال الفرّاء : إنما قال : «قرّة» لأنها فعل ، والفعل لا يكاد يجمع ، ألا ترى إلى قوله : (وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) (١) فلم يجمعه ؛ والقرّة مصدر ، تقول : قرّت عينه قرّة ، ولو قيل : قرّة عين أو قرّات أعين كان صوابا. وقال غيره : أصل القرّة من البرد ، لأنّ العرب تتأذّى بالحرّ ، وتستروح إلى البرد.

قوله تعالى : (وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) فيه قولان : أحدهما : اجعلنا أئمة يقتدى بنا ، قاله ابن عباس. وقال غيره : هذا من الواحد الذي يراد به الجمع ، كقوله : (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٢) ، وقوله : (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) (٣). والثاني : اجعلنا مؤتمين بالمتّقين مقتدين بهم ، قاله مجاهد ؛ فعلى هذا يكون الكلام من المقلوب ، فالمعنى : واجعل المتّقين لنا إماما.

(أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧))

قوله تعالى : (أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ) قال ابن عباس : يعني الجنّة. وقال غيره : الغرفة : كلّ بناء عال مرتفع ، والمراد غرف الجنّة ، وهي من الزّبرجد والدّرّ والياقوت ، (بِما صَبَرُوا) على دينهم وعلى أذى المشركين. قوله تعالى : (وَيُلَقَّوْنَ فِيها) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم : «ويلقّون» بضمّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم : «ويلقون» بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ، (تَحِيَّةً وَسَلاماً) قال ابن عباس : يحيي بعضهم بعضا بالسّلام ، ويرسل إليهم الرّبّ عزوجل بالسّلام. وقال مقاتل : «تحية» يعني السّلام ، «وسلاما» أي : سلّم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم. قوله تعالى : (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي) فيه ثلاثة أقوال :

__________________

المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا باللغو مرّوا كراما ، واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل ، أو ما يستقبح ، وكل ما يدخل في معنى اللغو ، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو ، أن يقال : عني به بعض ذلك دون بعض.

(١) الفرقان : ٤٤.

(٢) الشعراء : ١٦.

(٣) الشعراء : ٧٧.

٣٣٢

أحدها : ما يصنع بكم! قاله ابن عباس. والثاني : أيّ وزن يكون لكم عنده ؛ تقول : ما عبأت بفلان ، أي : ما كان له عندي وزن ولا قدر ، قاله الزّجّاج. والثالث : ما يعبأ بعذابكم ، قاله ابن قتيبة. وفي قوله تعالى : (لَوْ لا دُعاؤُكُمْ) أربعة أقوال : أحدها : لو لا إيمانكم ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني : لو لا عبادتكم ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. والثالث : لو لا دعاؤه إيّاكم لتعبدوه ، قاله مجاهد ؛ والمراد نفع الخلق ، لأنّ الله تعالى غير محتاج. والرابع : لو لا توحيدكم ، حكاه الزّجّاج. وعلى قول الأكثرين ليس في الآية إضمار ؛ وقال ابن قتيبة : فيها إضمار تقديره : ما يعبأ بعذابكم لو لا ما تدعونه من الشّريك والولد ، ويوضح ذلك قوله تعالى : (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) يعني : العذاب ، ومثله قول الشاعر :

من شاء دلّى النّفس في هوّة

ضنّك ولكن من له بالمضيق

أي : بالخروج من المضيق. وهل هذا خطاب للمؤمنين ، أو للكفّار؟ فيه قولان. فأمّا قوله تعالى : (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) فهو خطاب لأهل مكّة حين كذّبوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، (فَسَوْفَ يَكُونُ) يعني : تكذيبكم (لِزاماً) أي : عذابا لازما لكم ؛ وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه قتلهم يوم بدر ، فقتلوا يومئذ ، واتّصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم ، وهذا مذهب ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب ، ومجاهد في آخرين. والثاني : أنه الموت ، قاله ابن عباس. والثالث : أنّ اللّزام : القتال ، قاله ابن زيد. والله أعلم بالصّواب.

٣٣٣

سورة الشّعراء

وهي مكّيّة كلّها ، إلّا أربع آيات منها نزلت بالمدينة ، من قوله تعالى : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤)) إلى آخرها ، قاله ابن عباس ، وقتادة.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

(طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩))

قوله تعالى : (طسم) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : «طسم» بفتح الطاء وإدغام النون من هجاء «سين» عند الميم. وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وخلف ، وأبان ، والمفضّل : «طسم» و «طس» (١) بإمالة الطاء فيهما. وأظهر النون من هجاء «سين» عند الميم حمزة ها هنا وفي «القصص». وفي معنى «طسم» أربعة أقوال (٢) :

أحدها : أنها حروف من كلمات ، ثم فيها ثلاثة أقوال :

(١٠٥٩) أحدها : رواه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لمّا نزلت «طسم» قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الطاء : طور سيناء ، والسين : الإسكندريّة ، والميم : «مكّة». والثاني : أنّ الطاء : طيبة ، وسين : بيت المقدس ، وميم : مكّة ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس. والثالث : الطاء : شجرة طوبى ، والسين : سدرة المنتهى ، والميم : محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قاله جعفر الصّادق.

والثاني : أنه قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقد بيّنّا كيف يكون مثل هذا من أسماء الله تعالى في فاتحة (مريم). وقال القرظيّ : أقسم الله بطوله وسنائه

____________________________________

(١٠٥٩) لا أصل له في المرفوع ، ولم يذكره سوى المصنف ، وهو من بدع التأويل ، ولو صح مثل هذا ما اختلف المفسّرون في تأويل الحروف في أوائل السور.

__________________

(١) النمل : ١.

(٢) تقدم في سورة البقرة أن الراجح في ذلك كله هو أن نكل علم ذلك إلى الله تعالى ، فهو أعلم بمراده.

٣٣٤

وملكه. والثالث : أنه اسم للسّورة ، قاله مجاهد. والرابع : أنه اسم من أسماء القرآن ، قاله قتادة ، وأبو روق. وما بعد هذا قد سبق تفسيره (١) إلى قوله : (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) والمعنى : لعلّك قاتل نفسك لتركهم الإيمان.

ثم أخبر أنه لو أراد أن ينزّل عليهم ما يضطرّهم إلى الإيمان لفعل ، فقال : (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ) وقرأ أبو زرين ، وأبو المتوكّل : «إن يشأ ينزّل» بالياء فيهما ، (عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) جعل الفعل أولا للأعناق ، ثم جعل «خاضعين» للرّجال ، لأنّ الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون. وقيل : لمّا وصف الأعناق بالخضوع ، وهو من صفات بني آدم ، أخرج الفعل مخرج الآدميّين كما بيّنّا في قوله تعالى : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (٢) ، وهذا اختيار أبي عبيدة. وقال الزّجّاج : قوله : «فظلّت» معناه : فتظلّ ، لأنّ الجزاء يقع فيه لفظ الماضي في معنى المستقبل ، كقولك : إن تأتني أكرمتك ، معناه : أكرمك ؛ وإنّما قال : «خاضعين» لأنّ خضوع الأعناق هو خضوع أصحابها ، وذلك أنّ الخضوع لمّا لم يكن إلّا بخضوع الأعناق ، جاز أن يخبر عن المضاف إليه ، كما قال الشاعر :

رأت مرّ السّنين أخذن منّي

كما أخذ السّرار من الهلال (٣)

فلمّا كانت السّنون لا تكون إلّا بمرّ ، أخبر عن السّنين ، وإن كان أضاف إليها المرور. قال : وجاء في التّفسير أنه يعني بالأعناق كبراءهم ورؤساءهم. وجاء في اللغة أنّ أعناقهم جماعاتهم ؛ يقال : جاءني عنق من الناس ، أي : جماعة. وما بعد هذا قد سبق تفسيره (٤) إلى قوله : (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ) يعني المكذّبين بالبعث (كَمْ أَنْبَتْنا فِيها) بعد أن لم يكن بها نبات (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) قال ابن قتيبة : من كلّ جنس حسن. وقال الزّجّاج : الزّوج : النّوع ، والكريم : المحمود.

قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ) الإنبات (لَآيَةً) تدلّ على وحدانيّة الله وقدرته (وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي : ما كان أكثرهم يؤمن في علم الله ، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) المنتقم من أعدائه (الرَّحِيمُ) بأوليائه.

(وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢))

قوله تعالى : (وَإِذْ نادى) المعنى : واتل هذه القصّة على قومك. قوله تعالى : (أَنْ يُكَذِّبُونِ) ياء

__________________

(١) المائدة : ١٥ ، والكهف : ٦.

(٢) يوسف : ٤.

(٣) البيت لجرير ، كما في ديوانه ٤٢٦ و «اللسان» ـ خضع ـ و «تفسير القرطبي» ١٣ / ٨٧.

(٤) الأنبياء : ٢.

٣٣٥

«يكذّبون» محذوفة ، ومثلها (أَنْ يَقْتُلُونِ) (١) «سيهدين» (٢) «فهو يهدين» (٣) «ويسقين» (٤) «فهو يشفين» (٥) «ثم يحيين» (٦) «كذّبون» (٧) «وأطيعون» (٨) فهذه ثماني آيات أثبتهنّ في الحالين يعقوب.

قوله تعالى : (وَيَضِيقُ صَدْرِي) أي : بتكذيبهم إيّاي (وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي) للعقدة التي كانت بلسانه. وقرأ يعقوب : «ويضيق» «ولا ينطلق» بنصب القاف فيهما ، (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) المعنى : ليعينني ، فحذف ، لأنّ في الكلام دليلا عليه. (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) وهو القتيل الذي وكزه فقضى عليه ؛ والمعنى : ولهم عليّ دعوى ذنب (فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) به (قالَ كَلَّا) وهو ردع وزجر عن الإقامة على هذا الظّنّ ؛ والمعنى : لن يقتلوك لأنّي لا أسلّطهم عليك ، (فَاذْهَبا) يعني : أنت وأخوك (بِآياتِنا) وهي : ما أعطاهما من المعجزة (إِنَّا) يعني نفسه عزوجل (مَعَكُمْ) فأجراهما مجرى الجماعة (مُسْتَمِعُونَ) نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به.

قوله تعالى : (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) قال ابن قتيبة : الرّسول يكون بمعنى الجميع ، كقوله : (هؤُلاءِ ضَيْفِي) (٩) وقوله : (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً) (١٠). وقال الزّجّاج : المعنى : إنّا رسالة رب العالمين ، أي : ذوو رسالة ربّ العالمين ، قال الشاعر :

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم

بسرّ ولا أرسلتهم برسول (١١)

أي : برسالة.

قوله تعالى : (أَنْ أَرْسِلْ) المعنى : بأن أرسل (مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) أي : أطلقهم من الاستعباد ، فأتياه فبلّغاه الرّسالة ، ف (قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً) أي : صبيّا صغيرا (وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) وفيها ثلاثة أقوال. أحدها : ثماني عشرة سنة ، قاله ابن عباس. والثاني : أربعون سنة ، قاله ابن السّائب. والثالث : ثلاثون سنة ، قاله مقاتل ، والمعنى : فجازيتنا على أن ربّيناك أن كفرت نعمتنا ، وقتلت منّا نفسا ، وهو قوله : (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ) وهي قتل النّفس. قال الفرّاء : وإنّما نصبت الفاء ، لأنها مرّة واحدة ، ولو أريد بها مثل الجلسة والمشية جاز كسرها.

وفي قوله : (وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) قولان (١٢) : أحدهما : من الكافرين لنعمتي ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والضّحّاك وابن زيد. والثاني : من الكافرين بإلهك ، كنت معنا على ديننا الذي تعيب ، قاله الحسن ، والسّدّيّ. فعلى الأول : وأنت من الكافرين الآن. وعلى الثاني : وكنت. وفي قوله : (وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) ثلاثة أقوال : أحدها : من الجاهلين ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن

__________________

(١) الشعراء : ١٤.

(٢) الشعراء : ٦٢.

(٣) الشعراء : ٧٨.

(٤) الشعراء : ٧٩.

(٥) الشعراء : ٨٠.

(٦) الشعراء : ٨١.

(٧) الشعراء : ١١٧.

(٨) الشعراء : ١٠٨.

(٩) الحجر : ٦٨.

(١٠) الحج : ٥.

(١١) البيت لكثير عزة ، كما في «اللسان» ـ رسل ـ.

(١٢) قال الطبري رحمه‌الله ٩ / ٤٣٧ : وأشبه الأقوال بتأويل الآية أن يقال : من الكافرين لنعمتي ، لأن فرعون لم يكن مقرا لله بالربوبية وإنما كان يزعم أنه هو الرب ، فغير جائز أن يقول لموسى إن كان موسى عنده على دينه يوم قتل القتيل. إلا أن يقول قائل : إنما أراد : وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى على قولك اليوم فيكون ذلك وجها يتوجه.

٣٣٦

جبير ، وقتادة. وقال بعض المفسّرين : المعنى : إنّي كنت جاهلا لم يأتني من الله شيء. والثاني : من الخاطئين ؛ والمعنى : إني قتلت النّفس خطأ ، قاله ابن زيد. والثالث : من النّاسين ؛ ومثله : (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما) (١) ، قاله أبو عبيدة.

قوله تعالى : (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ) أي : ذهبت من بينكم (لَمَّا خِفْتُكُمْ) على نفسي إلى مدين ، وقرأ عاصم الجحدري ، والضّحّاك ، وابن يعمر : «لما» بكسر اللام وتخفيف الميم ، (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً) وفيه قولان : أحدهما : النبوّة ، قاله ابن السّائب. والثاني : العلم والفهم ، قاله مقاتل.

قوله تعالى : (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ) يعني التّربية (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي : اتّخذتهم عبيدا ؛ يقال : عبّدت فلانا وأعبدته واستعبدته : إذا اتّخذته عبدا. وفي «أن» وجهان : أحدهما : أن تكون في موضع رفع على البدل من «نعمة». والثاني : أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض ، تقديره : لأن عبّدت ، أو لتعبيدك. واختلف العلماء في تفسير الآية (٢) ، ففسّرها قوم على الإنكار ، وقوم على الإقرار ، فمن فسّرها على الإنكار قال معنى الكلام : أو تلك نعمة؟! على طريق الاستفهام ، ومثله (هذا رَبِّي) (٣) ، وقوله : (فَهُمُ الْخالِدُونَ) (٤) ، وأنشدوا :

لم أنس يوم الرّحيل وقفتها

وجفنها من دموعها شرق

وقولها والرّكاب سائرة

تتركنا هكذا وتنطلق

وهذا قول جماعة منهم. ثم لهم في معنى الكلام ووجهه أربعة أقوال : أحدها : أنّ فرعون أخذ أموال بني إسرائيل واستعبدهم وأنفق على موسى منها ، فأبطل موسى النّعمة لأنها أموال بني إسرائيل ، قاله الحسن. والثاني : أنّ المعنى : إنك لو كنت لا تقتل أبناء بني إسرائيل لكفلني أهلي ، وكانت أمّي تستغني عن قذفي في اليمّ ، فكأنّك تمنّ عليّ بما كان بلاؤك سببا له ، وهذا قول المبرّد ، والزّجّاج ، والأزهري. والثالث : أنّ المعنى : تمنّ عليّ بإحسانك إليّ خاصّة ، وتنسى إساءتك بتعبيدك بني إسرائيل؟! قاله مقاتل. والرابع : أنّ المعنى : كيف تمنّ عليّ بالتّربية وقد استعبدت قومي؟! ومن أهين قومه فقد ذلّ ، فقد حبط إحسانك بتعبيدك قومي ، حكاه الثّعلبيّ. فأمّا من فسّرها على الإقرار ، فإنه قال : عدّها موسى نعمة حيث ربّاه ولم يقتله ولا استعبده. فالمعنى : هي لعمري نعمة إذ ربّيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إسرائيل ؛ ف «أن» تدلّ على المحذوف ، ومثله في الكلام ـ أن تضرب بعض عبيدك وتترك الآخر ، فيقول المتروك ـ : هذه نعمة عليّ أن ضربت فلانا وتركتني ، ثم تحذف «وتركتني» لأنّ المعنى معروف ، هذا قول الفرّاء.

(قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ

__________________

(١) البقرة : ٢٨٢.

(٢) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٤١٣ : أي وما أحسنت إليّ وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل! فجعلتهم عبيدا وخدما ، تصرّفهم في أعمالك ومشاق رعيتك أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ أي : ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.

(٣) الأنعام : ٧٦.

(٤) الأنبياء : ٣٤.

٣٣٧

حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨))

قوله تعالى : (قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) سأله عن ماهيّة من لا ماهيّة له (١) ، فأجابه بما يدلّ عليه من مصنوعاته. وفي قوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) قولان : أحدهما : أنّه خلق السّموات والأرض. والثاني : إن كنتم موقنين أنّ ما تعاينونه كما تعاينونه ، فكذلك ، فأيقنوا أن رب العالمين ربّ السّموات والأرض. قوله تعالى : (قالَ) يعني : فرعون (لِمَنْ حَوْلَهُ) من أشراف قومه (أَلا تَسْتَمِعُونَ) معجّبا لهم. فإن قيل : فأين جوابهم؟ فالجواب : أنه أراد : ألا تستمعون قول موسى؟ فردّ موسى ، لأنه المراد بالجواب ، ثم زاد في البيان بقوله : (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) ، فأعرض فرعون عن جوابه ونسبه إلى الجنون ، فلم يحفل موسى بقول فرعون ، واشتغل بتأكيد الحجّة ف (قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي : إن كنتم ذوي عقول لم يخف عليكم ما أقول.

(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨))

__________________

(١) قال ابن كثير رحمه‌الله في «تفسيره» ٣ / ٤١٤ : يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون ، وتمرده ، وطغيانه وجحوده في قوله (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) وذلك أنه كان يقول لقومه : (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ) وكانوا يجحدون الصانع ـ تعالى ـ ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون. فلما قال موسى : (إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) قال له : ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟! ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط ، فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن ماهيته. بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر ، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه ، فيجيبه موسى : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي : إن كانت لكم قلوب موقنة ، وأبصار نافذة ، فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله : (أَلا تَسْتَمِعُونَ) أي : ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلها غيري. فأجاب موسى بقوله : (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه ، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ـ عليه‌السلام ـ فقال : ما أخبر الله تعالى عنه : (قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).

٣٣٨

قوله تعالى : (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) أي : بأمر ظاهر يعرف به صدقي أتسجنني؟! وما بعد هذا مفسّر في الأعراف (١) إلى قوله : (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) وهو يوم الزّينة ، وكان عيدا لهم ، (وَقِيلَ لِلنَّاسِ) يعني أهل مصر. وذهب ابن زيد إلى أنّ اجتماعهم كان بالإسكندريّة. قوله تعالى : (لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ) قال الأكثرون : أرادوا سحرة فرعون ؛ فالمعنى : لعلّنا نتّبعهم على أمرهم. وقال بعضهم : أرادوا موسى وهارون ، وإنما قالوا ذلك استهزاء. قال ابن جرير : و «لعل» ها هنا بمعنى «كي». وقوله تعالى : (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) أي : بعظمته.

(قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١))

قوله تعالى : (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) قال الزّجّاج : اللام دخلت للتوكيد.

قوله تعالى : (لا ضَيْرَ) أي : لا ضرر. قال ابن قتيبة : هو من ضارة يضوره ويضيره ؛ بمعنى ضرّه. والمعنى : لا ضرر علينا فيما ينالنا في الدنيا لأنّا ننقلب إلى ربّنا في الآخرة مؤمّلين غفرانه.

قوله تعالى : (أَنْ كُنَّا) أي : لأن كنا (أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) بآيات موسى في هذه الحال.

(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩))

قوله تعالى : (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) أي : يتبعكم فرعون وقومه.

قوله تعالى : (إِنَّ هؤُلاءِ) المعنى : وقال فرعون إنّ هؤلاء ، يعني بني إسرائيل (لَشِرْذِمَةٌ) قال ابن قتيبة : أي : طائفة. قال الزّجّاج : والشّرذمة في كلام العرب : القليل. قال المفسّرون : وكانوا ستمائة ألف ، وإنما استقلّهم بالإضافة إلى جنده ، وكان جنده لا يحصى. قوله تعالى : (وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ) تقول : غاظني الشيء ، إذا أغضبك. قال ابن جرير : وذكر أنّ غيظهم كان لقتل الملائكة من قتلت من أبكارهم. قال : ويحتمل أنّ غيظهم لذهابهم بالعواري التي استعاروها من حليّهم ، ويحتمل أن يكون لفراقهم إيّاهم وخروجهم من أرضهم على كره منهم.

قوله تعالى : (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : «حذرون» بغير ألف. وقرأ الباقون : (حاذِرُونَ) بألف. وهل بينهما فرق؟ فيه قولان : أحدهما : أن الحاذر ، المستعدّ ، والحذر : المتيقّظ. وجاء في التّفسير أنّ معنى حاذرين : مؤدون ، أي : ذوو أداة ، وهي السّلاح ، لأنها أداة الحرب. والثاني : أنهما لغتان معناهما واحد ؛ قال أبو عبيدة : يقال : رجل حذر وحذر وحاذر. والمقام الكريم : المنزل الحسن. وفي قوله تعالى : (كَذلِكَ) قولان : أحدهما : كذلك أفعل بمن عصاني ، قاله

__________________

(١) الأعراف : ١٠٧.

٣٣٩

ابن السّائب. والثاني : الأمر كذلك ، أي : كما وصفنا ، قاله الزّجّاج. قوله تعالى : (وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) وذلك أنّ الله تعالى ردّهم إلى مصر بعد غرق فرعون ، وأعطاهم ما كان لفرعون وقومه من المساكن والأموال. وقال ابن جرير الطّبري : إنّما جعل ديار آل فرعون ملكا لبني إسرائيل ولم يرددهم إليها لكنّه جعل مساكنهم الشّام.

(فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨))

قوله تعالى : (فَأَتْبَعُوهُمْ) قال ابن قتيبة : لحقوهم (مُشْرِقِينَ) أي : حين شرقت الشمس ، أي : طلعت ، يقال : أشرقنا : دخلنا في الشّروق ، كما يقال : أمسينا وأصبحنا. وقرأ الحسن ، وأيّوب السّختياني : «فاتّبعوهم» بالتّشديد. قوله تعالى : (فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ) وقرأ أبو رجاء ، والنّخعيّ ، والأعمش : «تراأى» بكسر الراء وفتح الهمزة ، أي : تقابلا بحيث يرى كلّ فريق صاحبه.

قوله تعالى : (كَلَّا) أي : لن يدركونا (إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) أي : سيدلّني على طريق النّجاة. قوله تعالى : (فَانْفَلَقَ) فيه إضمار «فضرب فانفلق» ، أي : انشقّ الماء اثني عشر طريقا (فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ) أي : كلّ جزء انفرق منه. وقرأ أبو المتوكّل ، وأبو الجوزاء ، وعاصم الجحدري : «كلّ فلق» باللام ، (كَالطَّوْدِ) وهو الجبل.

قوله تعالى : (وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ) أي : قرّبنا الآخرين من الغرق ، وهم أصحاب فرعون. وقال أبو عبيدة : «أزلفنا» أي : جمعنا. قال الزّجّاج : وكلا القولين حسن ، لأنّ جمعهم تقريب بعضهم من بعض ، وأصل الزّلفى في كلام العرب : القربى. وقرأ ابن مسعود وأبيّ بن كعب وأبو رجاء والضّحّاك وابن يعمر : «أزلقنا» بالقاف ، وكذلك قرءوا : «أزلقت الجنّة» (١) بقاف أيضا. قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) يعني : في إهلاك فرعون وقومه عبرة لمن بعدهم (وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي : لم يكن أكثر أهل مصر مؤمنين ، إنما آمنت آسية ، وخربيل مؤمن آل فرعون ، وفنّة الماشطة ، ومريم ـ امرأة دلّت موسى على عظام يوسف ـ ، هذا قول مقاتل (٢). وما أخللنا به من تفسير كلمات في قصة موسى ، فقد سبق بيانها ، وكذلك ما تفقد ذكره في مكان ، فهو إمّا أن يكون قد سبق ، وإمّا أن يكون ظاهرا ، فتنبّه لهذا.

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ

__________________

(١) في الشعراء : ٩٠.

(٢) عزاه المصنف لمقاتل ، وهو متهم بالكذب ، فخبره لا شيء.

٣٤٠